جميعهم رحلوا ولم يبق سوى هذا الرجل … الكاتب والروائي الأميركي كورماك مكارثي يزعج الأموات بجديده

منصورة عبدالأمير 

يؤمن أن «الموت هو القضية الأكثر أهمية وخطورة في العالم»، ويكاد يجزم أن أولئك الذين لا يتناولوها بشكل أو بآخر في كتبهم ليسوا كتابا حقيقيين». الكاتب والروائي الأميركي كورماك مكارثي يزعج الأموات بجديده.

لذلك، وحتى يكون ماكارثي كاتبا حقيقياً، يخصص آخر رواياته THE ROAD ، ليناقش فيها الموت بشكل مطلق، عبر قصة يتحدث فيها عن انتهاء الحضارة البشرية على كوكب الأرض. يرسم ببراعة صورة قاتمة لما سيبدو عليه الكوكب الأرضي آنذاك.

ولا يقتصر الفناء الذي يتحدث عنه مكارثي على البشر والمخلوقات الأخرى من حيوانات ونباتات وطيور وأسماك وغيرها، بل تفنى كل المعاني والأسماء، بل وحتى الألوان، إذ لا يظل سوى لون الدم والنار، اللونان اللذان يظلان قابعين في ذاكرة وأحلام كل الأحياء، هو يجيد/ يقع كما يبدو في فضائل استثناء العدم، عبر إبقائه شيئاً من البقاء على حالة العدم نفسها، لا يكتمل الإنسان مهما اكتمل، لا يكتمل النص مهما اكتمل. وذلك الإبقاء على الشيء من اللاشيء، هو ما يبقي مكارثي قابلاً للنقد. إنه صناعة «الفزاعة»، والانقياد إليها في وقت واحد.

والى جانب ذلك يظلل اللون الرمادي كل ما عدا ذلك، فالنار والعواصف النارية قضتا على كل الغابات والمدن، ولم يتبق سوى رماد وسخام سقط من الجو ليصبغ كل ما يلامسه بصبغة رمادية قاتمة تبعث على كثير من الأسى لتلك النهاية المدمرة.

مياه الأنهار نفسها تحولت إلى مياه داكنة سوداء حين علاها ذلك السخام القاتل، أما البحار فلم تعد أمواجها تحمل أي ألق وجمال سوى بقايا عظام الأسماك وأعشاب ميتة. الغابات امتلأت ببقايا زهور الأوركيد البرية والزنبق، المنحوتين بالنار، التي تحولت جميعها إلى تماثيل رمادية، تنتظر رياح غاشمة تعصف بها وتذروها ثم تحولها الى غبار يفسد هو الآخر ما تبقى من أي رمق للحياة. هذه الغابات التي لا تنطفئ حرائقها إلا لتشتعل في مكان آخر، إما بسبب البرق، أو بسبب حريق غابة أخرى امتد وانتشر في الأرجاء.

ومن الألوان القاتمة الى حرارة شديدة تذيب مباني المدينة، وتفتت زجاج نوافذها، لتظل بقاياها جامدة على الجدران. أما السيارات فتنتظم في صفوف طويلة، متفحمة يملئها الصدأ، مشكلة رواسب رمادية صلبة تبدو كمطاط ذائب.

أما جثث الرجال فقد تحولت الى رماد، كما انكمشت لتتحول الى جثث أطفال، مسندة على حديد مقاعد السيارات المكشوف، بينما تظهر قلوبهم مسحوقة وقد خنقت فيها آلاف الأحلام.

مشاهد الموت المفزعة تلك بدأت منذ ما بدا كعقد كامل من السنوات، لكنه في واقع الأمر بدأ صبيحة اليوم الذي تجري فيه حوادث القصة، عند الواحدة و17 دقيقة على وجه التحديد. لم يحدد مكارثي اليوم ولا الشهر ولا السنة، لكن كل شيء بدأ عند ما انشقت السماء بخط طويل من البرق ثم بسلسلة من الارتجاجات.

لم يكن هناك كثير من البشر حينها، كان هناك الناجون من الحروب البربرية فقط، يرتادون الشوارع وهم يضعون أقنعة تحميهم من سحابة السخام التي تظلل الأجواء باستمرار. تطاردهم مخاطر طقوس دينية دموية تنتشر هنا أو هناك، أو أكلة لحوم بشر تزايدت أعدادهم بعد نفاد الطعام.

القصة تروى من خلال رحلة أخيرة يقوم بها آخر الناجين، رجل في نهاية اربعيناته وابنه الذي لم يتجاوز العاشرة. كلاهما لا نعرف اسمه، يقطعان طريقا مهجورة. قد يكون الوقت خريفا، لكن السخام يحجب اشعة الشمس، ربما في كل مكان في العالم، والثلج يتساقط من السماء، شديد البرودة، يزداد برودة شيئا فشيئا. لا يبدو وكأن الاثنين سينجوان لشتاء آخر، لكنهما يتجهان الى ساحل الخليج طلبا لبعض الدفئ. يعترضهما جبل لا نعرف اسمه، ربما يكون أحد جبال الحدود الفاصلة بين تينسي وجورجيا.

بسماعه صوت والده، يتمكن الفتى من إدراك وقت النهاية، وهو الذي لا يحمل في ذاكرته أي صور جميلة لهذا العالم، إذ ولد بعد أن انشقت السماء. عبثا حاول الأب إعطاءه دروسا عن ذلك العالم لكنه توقف بعدها «لأنه لم يتمكن من أن يضرم في قلب صغيره ما أصبح رمادا في قلبه» .

والدة الفتى فضلت الانتحار على مواجهة الجوع والاغتصاب وأكل لحمها هي وأفراد اسرتها، كما انها سخرت من زوجها لرغبته في ان يواصل حياته. لكنه رجل يحمل مهمة كلفه بها الله، لا يمكنه أن يموت، وقد أخبر ابنه بذلك وهو يطلق النار على أحد قطاع الطرق الذي حاول قتل ابنه، في أول اتصال مع بشر.

وعند ما كان يغسل بقايا دماغ قاطع الطريق التي تطايرت على شعر ابنه، كان يناجي نفسه قائلاً «كل هذا يبدو كوصفة علاج قديمة، فليكن ذلك. استحضر الأشكال، وما دمت لا تفعل شيئا قم بتشكيل طقوس من الفراغ، وتنفس الصعداء بعدها». ثم ربت على شعر الصغير وواصل مناجاته «كأس ذهبية، ستكون جيدة لإيواء إله»

لم يذكر مكارثي متى وكيف دخل الإله حياة هذا الرجل وابنه، كما لم يذكر شيئا عن كيف ولماذا تم اختيارهم للبقاء على قيد الحياة. لكن يصورهما، واضعا ذلك على لسان الأب، بأنهما «حيواني صيد يرتجفان مثل ثعلبين مختبئين في جحريهما، يعيشان زمناً مستعار، وعالما مستعار، ينظران اليه من خلال عينين مستعارتين» لكن يضيف أن هذا الرجل «متطرف في حماسه، يدفع نفسه والفتى الى حافة الموت ليصل الى وجهتهما المقصودة غير المحددة، وهما يحملان اصرارا يتجاوز ارادتهما في سعي غريزي، بدائي، ومربك بالنسبة له».

أفضل وصف لقصة مكارثي هو كونها قصة انجيلية، تشير الى أن نهاية الكون حدثت بسبب التعصب الديني. حرب جعلت العالم يعيش شتاءا نوويا، ويدخل حربا مقدسة قتلت كل رجال الدين وجميع المتحدثين باسم الله … جميعهم رحلوا ولم يبق سوى هذا الرجل

العدد 1511 – الخميس 26 أكتوبر 2006م الموافق 03 شوال 1427هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s