«كيف الحال» محاولة سينمائية فاشلة

منصورة عبد الأمير

«كيف الحال» أول فيلم سعودي روائي طويل، ترقب كثيرون عرضه منذ أن أعلن عنه خلال مهرجان «كان» الماضي، وكذلك خلال مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، إذ جاء عرضه في إطار تشجيع الطاقات السينمائية العربية.

طبعاً كان الجمهور العربي، السعودي خصوصاً، متلهفاً لهذه الإطلالة السينمائية السعودية الأولى التي حشدت لها «روتانا» موازنة هائلة تجاوزت مليوني دولار، كما جمعت لها عددا من أفضل الطاقات الفنية والسينمائية في العالم العربي، وذلك بحسب تصريحات مسئوليها. يأتي على رأس هذه الطاقات المخرج الفلسطيني المقيم في كندا ايزادور مسلم وهو أحد أهم المخرجين العرب الذين استطاعوا اقتحام المجال السينمائي في الغرب، إذ قام بكتابة وإنتاج وإخراج خمسة أفلام روائية من بينها فيلم «الفردوس قبل أن أموت» الذي أخرجه العام 1997 وشارك فيه النجم العالمي الكبير عمر الشريف، كما أنه فاز بالكثير من الجوائز من بينها جائزتا أفضل فيلم روائي في مهرجان تيلوريد عامي 1991 و2000.

البحرين كانت المنطلق الأول لفيلم ايزادور الجديد. صحيح أنه عرض في دبي للمرة الأولى، لكنه لم يلق شعبية وجماهيرية عروضه المقامة في البحرين، إذ الاقبال على مشاهدته كبيراً جداً وخصوصاً من الجمهور السعودي، ولذلك فإن هناك ما يزيد على 10 عروض يومية للفيلم تتم على مدار الساعة.

ويؤكد تقرير نقلته وكالة «رويترز» اجتذاب عروض الفيلم البحرينية أعدادا كبيرة من المشاهدين، الذين يأتي معظمهم من السعودية، وهم الذين أبدوا إعجابهم بالفيلم (بحسب التقرير) كما وجدوا فيه خطوة إلى الأمام، بل إن إحدى المشاهدات السعوديات وجدت فيه خير تمثيل للصورة الموجودة في المجتمع السعودي.

يتناول فيلم «كيف الحال» الكوميدي قضية التطرف الإسلامي وقمع المرأة في المجتمع السعودي من خلال استعراضه عددا من الحالات الاجتماعية الواقعية، التي نجد تجسيدا لكل منها في أفراد أسرة سعودية تجمع ثلاثة أجيال.

الجيل الأكبر سنا يمثله الجد (خالد سامي) وهو على رغم تقدمه في السن بعيد كل البعد عن التزمت، بل إنه ينافس أحفاده في اهتماماتهم وميولهم، وخصوصا حفيده سعيد الذي يهوى تصوير الأفلام ويتمنى إقامة مسرح تجريدي. الجد يدعم هذا التوجه الفني وكدلالة على ذلك نراه يتابع أحدث الفيديو كليبات التي تملأ الفضائيات، على الأقل كليبات كتلك التي تقدمها الفور كاتس، على اعتبار أن هذا نوع من أنواع الفن!

الجيل الثاني في حياة الأسرة يمثله الأب، وهو على رغم تدينه منفتح إلى حد كبير يسمح لابنته بارتداء الجينز والملابس الضيقة، في اشارة إلى منحها مقدارا من الحرية، وهو اضافة إلى ذلك يؤمن بتعليمها وانضمامها لوظيفة ويعطيها الحق في اختيار شريك حياتها.

أما الجيل الثالث فهو ما يسبب المشكلة التي تعيشها الأسرة، ويمثله ابن متزمت يقوم بدوره تركي يوسف، يحاول فرض تشدده الديني على باقي افراد الاسرة، وخصوصا ابن عمه سعيد (يقوم بدوره نجم ستار أكاديمي هشام عبدالرحمن)، وشقيقته سحر (ميس حمدان) التي يرغب في تزويجها من صديقه المتزمت.

من ناحية ثانية لدينا سعيد وسحر، وهما شابان مختلفان، فسعيد فنان يرغب في تشكيل مسرح تجريدي ويحاول الحصول على ترخيص في بلد يحرّم الفن وينظر إلى الفنانين على أنهم اصحاب بدع ينبغي ملاحقتهم. أما سحر فهي مثال للفتاة المتحررة التي ترغب في العمل بالصحافة وتفعل ذلك متخفية تحت اسم آخر، وتكتب مقالات جريئة تدعو فيها الحكومة إلى سن تشريعات جديدة أكثر مجاراة لما يحدث في العالم ربما يمكن لها أن تحل بعض مشكلات الشباب كالبطالة.

الفيلم وعلى رغم محاولته التعرض لبعض هموم المجتمع السعودي وطرحه بعض النماذج الحقيقية الموجودة في هذا المجتمع، فإنه أخفق في الغوص في تفاصيل هذه القضايا ومناقشتها بشكل جدي ودقيق، كما عجز عن تصوير الشخصيات المجتمعية بشكل مقنع.

فكرة الفيلم الأساس أو قصته، التي جاء بها الكاتب اللبناني محمد رضا بمساعدة من المخرجة السعودية هيفاء المنصور، لم تتعد كونها محاولة لاستعراض الهموم لكنها جاءت مهلهلة غير مترابطة، تحوي الكثير من المفاهيم المغلوطة والمشوشة. مجريات هذه القصة كثيرة جعلت الفيلم يبدو مزدحما بكثير من الحكايات غير المترابطة التي أريد لها أن تشرح الوضع الاجتماعي السعودي الراهن، لكنها لم تتمكن من أن تكون سوى تصوير لبعض الحالات المجتمعية السعودية. ولعل ما يزيد الطين بلة هو استعانة روتانا بكاتب سيناريو مثل بلال فضل، لا أعرف إن كان يمثل واحدا من أفضل الخبرات الفنية التي يمكن لها أن تساهم في مشروع ترى فيه روتانا حجر أساس لصناعة السينما السعودية وترصد له الملايين، وخصوصا أن فضل لم يقدم ما يسر في سينما بلاده، بل جاءت أعماله خير ممثل لتردي السينما المصرية لعل أشهرها: حاحا وتفاحة، خالتي فرنسا، الباشا تلميذ، وهي أفلام لا تضيف لأي من عمل فيها أي قيمة تذكر، وربما يمكن لها أن تشكل نقاطا سوداء في حياة بعض أشهر أبطالها مثل عبلة كامل.

سيناريو فضل جاء ضعيفا ضحلا غير مترابط مهلهلا لا عمق فيه ولا دقة، كما ساعد على إظهار كل مساوئ القصة الأساس وأحداثها المبعثرة، أما حواراته فكانت سطحية هشة غير منطقية ولا مترابطة. كذلك جاءت الحبكة الدرامية مهلهلة فليس هناك ربط بين الحوادث، هذا عدا عن كون هذه الحوادث كثيرة جدا وكأن كاتبي الفيلم أرادا تضمينه الكثير من القضايا التي يعاني منها المجتمع السعودي في فيلم واحد. لم يكن ذلك ممكنا طبعا وجاء العمل مزدحما بكثير من الحكايات غير المترابطة التي أريد لها أن تمثل واقعا اجتماعيا، لكنها لم تتمكن من أن تقدم سوى حالات اجتماعية متفرقة، لعل أهمها التطرف الديني، ومعاناة المرأة السعودية التي حصرها الفيلم في رغبتها في قيادة السيارة وخوض الحياة العملية. يستحيل أن تكون تلك هي هموم المرأة السعودية وهي امرأة مثقفة وواعية لا يمكن لهمومها أن تكون بتلك الضحالة!

لم يضحك الفيلم مشاهديه ولم يمتعهم واستغرب التقارير الصحافية التي تؤكد العكس، بل لا يمكن اعتباره سوى محاولة أولية لم تحقق النجاح ولا ضير في ذلك لو كان الأمر بعيدا عن روتانا، لكن أن تخفق روتانا بكل ضخامة امكاناتها البشرية والمالية في صناعة فيلم سينمائي… أمر لا يغتفر لها.

لعل ما استطاع الفيلم أن يفعله هو أن يفتح ملف الحياة الاجتماعية في السعودية ويسلط الضوء عليها. ويطرح السؤال ذاته: «كيف هو الحال» في المجتمع السعودي؟

العدد 1531 – الأربعاء 15 نوفمبر 2006م الموافق 23 شوال 1427هـ

 

«عن العشق والهوى»…دعوة للعلاقات المحرمة

منصورة عبد الأمير

«عن العشق والهوى»… آخر أفلام المخرجة كاملة أبو ذكرى، وآخر عمل يجمع بين ثنائي الدراما سابقا منى زكي وأحمد السقا، والأهم من ذلك هو ثالث إنتاجات تامر حبيب على مستوى الكتابة السينمائية بعد «حب البنات» و«سهر الليالي». ولعل أهمية حبيب هنا تبرز لأنه الوحيد الذي يقدم أمراً مختلفا عن الآخرين. ولا يعني الاختلاف قطعا التميز أو جودة الإنتاج أو علو القيمة الفنية له، بل العكس تماما. فحبيب يكرر ما أقدم عليه في المرتين السابقتين، يقدم عملاً على درجة عالية من الاستفزاز والجرأة في الطرح. ويحاول من خلال عمله الجديد مناقشة مفهوم الحب بين الرجل والمرأة مستعرضا بعض حالاته عبر قصص حب مختلفة ومتنوعة، مصراً على إثارة البعض بطرح استفزازي في تناوله لهذه الحالات.

الحالات التي يقدمها تمثل ألواناً مختلفة للحب فهناك الحب الأول، وهناك الحب من النظرة الأولى، والحب المرضي، وحب الشفقة، والحب من طرف واحد. ولأن حبيب هو الكاتب، فلا بد من التطرق لبعض أوجه الحب الشاذة في فيلمه الجديد كحب المحارم، والحب المحرم، ولا بأس من الغوص فيهما بطريقة مقرفة تثير الاشمئزاز ومن ثم الإشادة بهما والدعوة إليهما وإضفاء هالة تحمل نوعاً من القدسية على مرتكبيهما.

أول قصص الحب التي يتناولها الفيلم تجمع بين عمر «أحمد السقا» وعالية «منى زكي»، وهي قصة لا تواجه أي مشكلات بداية، فالحبيبان متفقان ومنسجمان مع بعضهما، والزواج هو وجهتهما الواضحة. إلا أن اكتشاف عمر لما تخفيه عنه عالية من حقيقة شقيقتها فاطمة «غادة عبد الرازق» (يفركش) الزيجة.

هو إذن الحب الأول الذي يتركه عمر أملاً في البحث عن غيره، بمواصفات يقبلها المجتمع. وحبيب هنا يدين رفض المجتمع للزيجة أولاً، وهي التي تفركشت بسبب اكتشاف عمر لحقيقة عمل فاطمة كفتاة لعوب. والإدانة هنا لم تشمل تحميل عالية وزر أختها وحسب، بل إنها شملت رفض المجتمع لنموذج فاطمة التي «شقيت» وكدت وتعبت لتطعم نفسها وشقيقتها من عرق جبينها. وحبيب لا يكتفي بذلك، بل إنه يحاول انتزاع الاحترام لها من مشاهديه، فهي صاحبة قلب كبير محب ومتسامح وهي أم حنون لشقيقتها اليتيمة أجبرتها الظروف على ما فعلت.

عودة إلى عمر وعالية، ينفصل الاثنان ليتزوج عمر من قريبته قسمت «بشرى» زواجاً تقليدياً، بينما تقترن عالية بجارها العاشق لها مجدي كامل. وهنا حالتان من حالات حبيب وتوصيفاته للحب فلدينا الحب من طرف واحد الذي تمثله بشرى، وهي التي أحبت عمر منذ الطفولة لكنه لم يشعر بها حتى نهاية مشوارهما معاً. كذلك لدينا الحب المرضي الذي يعيشه مجدي كامل مع منى زكي وهو إلى جانب كونه من طرف واحد، فإن مجدي يظل يعاني منه وكأنه لعنة ألمت به، حتى يتسبب في موته أخيراً.

يفشل بطلا الحب الأول عمر وعالية في علاقاتهما الجديدة، بسبب عدم تمكنهما من نسيان حبهما الأول، ليحاول عمر الخروج من المأزق بدخوله قصة حب جديدة مع مديرة مكتبه سلمى (منة شلبي) التي يتزوجها بعد دخول الاثنين في علاقة محرمة. ليس واضحا الوصف الذي يمكن إعطاؤه لحالة الحب هذه، لكنها قطعا تدخل ضمن إطار الحب المحرم، فمنة حين تلتقي عمر تكون متزوجة لكنها رغم ذلك تسافر معه إلى أسوان وهناك تتطور العلاقة بينهما من إعجاب متبادل إلى ليلة حميمة يتسبب فيها (الشرب والسكر).

بالطبع يلي تلك الليلة الحمراء علاقة سرية يقيمها الاثنان، تبدو، على رغم رفض المجتمع لها، أكثر صحية من العلاقات الأخرى. هي وعلى رغم كونها تبدأ بخطأ ثم تكبر في الظلام، إلا إن حبيب يدافع عنها باستماتة ويضحي بالكثير من أجل أن تبقى وتعيش. أولم تنس عمر مرارة فقده لعالية وتعوضه عن حبه لها، ثم ألم تخلص منة من زوجها الطيب المخلص الذي لم تحبه يوما لسبب لا تستطيع الإفصاح عنه ببساطة لأنه غير موجود!!

باختصار استمات تامر حبيب في الدفاع عن هذه العلاقة المحرمة وهيأ كل الأسباب لبقائها وحرف كل الحوادث فقط لينجيها بل وحاول تجميلها قدر الإمكان وتزيينها في عيون متفرجيه. حاول إسباغ ما شاء من الأوصاف على سلمى، ليصفها بالمضحية التي قدمت وأعطت وصاحبة القلب الذي يفيض عاطفة. لا أعلم نوع التضحية التي يتحدث عنها حبيب والتي يمكن لامرأة خائنة أن تقدمها، هل هي التضحية بالقيم والمبادئ والأخلاقيات الإنسانية المتفق عليها في كل المجتمعات، وهي التي تستعرض فلسفة تامر العميقة في احد المشاهد حين تقول إن أجمل ما في علاقتها مع عمر هو كونها سرية تتم في الظلام وإنها سعيدة لأنها عشيقة سرية، وان كثيرات من النساء يحببن هذا الدور ببساطة لأنهن يعلمن أن «الراجل لما يكون عاوز يعيش لحظات مجنونة» لن يكون راغبا في أن يعيشها سوى مع هذه العشيقة السرية.

منطق فاسد وسينما لا أخلاقية تشوه عقول مشاهديها، وتدمر أي معنى لقيم الحب يختمه حبيب بأغنية تحمل ذات المنطق يؤكد فيها أن أجمل حب هو الذي لم نعشه بعد، ولذا علينا أن نكون في بحث دائم عن الحب، ليكون الحب بمنطقه هو النزوات، التي يدعو مشاهديه لأن يعيشوا أقصى قدر ممكن منها فهناك دائما علاقة أفضل لم نعشها بعد.

تامر حيبيب يدافع عن العلاقات المحرمة ويدعو إليها في فيلم لم يقدم الكثير لأبطاله ولا لمخرجته، إذ لا يحمل أي تميز على مستوى الأداء أو الإخراج. ثم يدعو إلى هذه العلاقات ويزينها بطريقة فجة مثيرة للاشمئزاز لا يمكن إلا أن تعبر عن عدم احترام لأية قيم إنسانية قبل الدينية.

فيلم «عن العشق والهوى» يثير الاشمئزاز ولا يستحق حتى مجرد التوقف عنده

العدد 1531 – الأربعاء 15 نوفمبر 2006م الموافق 23 شوال 1427هـ

فاطمة عبدالرحيم: موت «غالية» أرهقني واحتراق فاطمة ملأني رعباً

منصورة عبدالأمير

كما هي دائما، تتألق فاطمة عبدالرحيم في فيلم “حكاية بحرينية” من خلال دور فاطمة ابنة عبدالله (مبارك خميس)، الرجل القاسي الذي لا يمكن وصفه سوى بكونه نتاج عقلية مجتمعه آنذاك. يرغم ابنته فاطمة ذات 25 ربيعا على الزواج من يعقوب ابن عمها (يؤدي دوره يوسف بوهلول)، على رغم علمه بحبها لحمد (جمعان الرويعي). تعلن هي رفضها لهذا الزواج بالعودة إلى بيت أبيها إذ يراها أخوها الأصغر خليفة (نديم خليفة زيمان) في بداية الفيلم وهي تجري حافية القدمين في الشارع، لتقع منها اسوارها الذهبي. انها ترفض هذا الزوج ويعلن سوارها رفضها، لكن الوالد يعيدها قسرا ويفرض عليها حياة لم تعد تطيقها. تقرر الانتحار، وتفعل ذلك أمام ناظري زوجها، بل إنها تشعل جسدها مستخدمة عود ثقاب يعقوب زوجها!

عبدالرحيم أبلت بلاء حسنا لتؤدي هذا الدور، تمكنت منه بشكل لفت انتباه جميع متفرجي الفيلم، ولا أدل على ذلك حال الصمت التي تطبق على الصالة حين تظهر فاطمة في أحد مشاهدها. بعض تلك المشاهد جاء جريئا، وتطلب بعضها الآخر قدرة أدائية عالية، بينما فضلت عبدالرحيم الخروج من مشاهد أخرى.

“الوسط” استفسرت عن ردة فعل عبدالرحيم وموقفها من بعض المشاهد فكان حوارا كشف الكثير من الأمور، فيما يلي نصه

أول الاستفسارات بطبيعة الحال ناقش بعض المشاهد التي قدمتها فاطمة مع الفنان يوسف بوهلول التي تشرح مدى تردي العلاقة الزوجية بينهما وسوئها، التي تعبر عن حيوانية هذا الزوج ولا إنسانيته! كيف قررت فاطمة أداء تلك المشاهد التي وصفها البعض بحملها لإيحاءات جريئة، ألم تخشِ عدم تقبل الجمهور لمثل هذه المشاهد؟

بثقة ردت عبدالرحيم “أنا واثقة من المخرج بسام الذوادي وأعلم تماما أنه لن يقدمني بصورة تسيئ إلي. وفي الواقع رفضت هذه المشاهد بداية إذ إنني كنت متخوفة منها، لست أنا فقط، بل حتى الفنان يوسف بوهلول. لذلك تناقشنا مع الذوادي ومع المؤلف فريد رمضان، كنا نجد الأمر صعبا وبصراحة تدخلنا في كل تفاصيل المشاهد… بالنسبة لي أردت أن أعرف كيف ستقدمني الكاميرا وكيف ستنقل للمشاهد فكرة العلاقة الزوجية”.

وبمقدار ثقتها في المخرج والمؤلف، تؤكد عبدالرحيم ثقتها في الجمهور البحريني الواعي الذي “سيتمكن من أن يعيش حال الفيلم، وبالتأكيد سيتقبل تلك المشاهد لأنها لا تحمل أية ايحاءات سيئة”.

وتعود فاطمة لتضيف “لدي 13 مشهداً في هذا الفيلم، جميعها تركت بصمة على العمل إذ ظل اسم وروح فاطمة موجودين حتى النهاية، حتى حين تهرب شقيقتها منيرة مع محمود لينتصرا لحبهما، يتذكر الجميع فاطمة التي انتحرت لهزيمة حبها، التي تناغم موتها مع الهزيمة التي عاشها العرب آنذاك”.

اتفق مع عبدالرحيم في أن بناء الشخصية الدرامي قد يكون هو ما جعلها شخصية فاعلة في الحوادث، حية حتى النهاية، لكن جزءا من تلك القوة يعود بكل تأكيد لقدرتها الكبيرة على تأدية الأدوار الصعبة التي تتطلب انفعالات نفسية كثيرة، وهو ما هو معروف لدى كثيرين من محبي هذه الفنانة البحرينية الجميلة. لكن كيف تفعل فاطمة ذلك، كيف تتمكن من تقمص تلك الشخصيات وأداء أدوارها بصدقية عالية؟.

وترد فاطمة بضحكة جميلة تنبئ عن روح أجمل “هناك 3 شخصيات قدمتها جعلتني أعيش الخوف حتى أتقنها. هذه الشخصيات جعلتني اتنقل حاملة نصوص الأعمال التي تظهر فيها في كل مكان، وهي أولا شخصية فاطمة في فيلم (زائر)، التي تطلب اداؤها القدرة على عيش الانفعالات النفسية التي تمر بها والتنقل بين مختلف حالاتها!

أيضا هناك شخصية غالية التي قدمتها هذا العام في “جنون الليل”، خصوصاً في مشهد الانتحار الذي كان صعبا للغاية تطلب قوة عصبية كبيرة مني وقدرة عالية للتحكم في جميع خلايا جسدي لدرجة انني بكيت حقيقة وأنا أؤدي المشهد. لقد كنت خائفة فعلاً أولاً من ألا يكون أدائي مقنعا أو أن يكون خاليا من الصدقية، خصوصا اللحظة التي تخرج فيها روح غالية، هذه لحظة صعبة جدا عمل عليها الفردان والقفاص كثيرا واستشارا فيها أطباء ومختصين ولذلك جاءت واقعية إلى حد كبير. أخافني هذا المشهد وجعلني اناقش معهما كل تفاصيله، بكيت فيه وكانت دموعي حقيقية وهذه عادتي عموماً.

مشهد خروج الروح كان يحتاج قوة أعصاب، وهو ما تسبب في حدوث تشنج في عضلات وجهي ورقبتي لا أعرف إن كان المشاهد قد لاحظه!

الشخصية الثالثة التي ارعبتني هي طبعاً شخصية فاطمة، إذ تطلبت هذه الشخصية مني اداء عاليا، أولا توجب علي الانتقال في احد المشاهد وهو مشهد القرار بشكل كبير في أدائي لأتحول من مجرد فتاة رافضة لزوجها كارهة له، لكنها خاضعة لرغباته في نهاية الأمر ولإرادة المجتمع من حولها إلى فتاة تحمل اصرارا على الموت لم يكن هناك وسيلة من نقله للمتفرج سوى من خلال عيني فاطمة، التي وضحت موقفها الجديد من واقعها بل وربما نقلت للمتفرج قرارها الأخير. الذوادي أراد المشاهد ان يرى قراري في عيني لا أن يسمعه! كذلك هناك مشهد الحرق، الذي جاء تبعا لمشهد القرار، وبدا مقنعا بسبب اداءي في سابقه، طبعاً لم أتمكن من أداء هذا المشهد بأكمله بل تم الاستعانة فيه بدوبلير… بالنسبة إلي عشت اللحظات الأولى فقط منه وهي التي أصابتني برعب شديد وذهول ورعب بمجرد ان شبت النار في وجهي.

أحب السينما لكنها مسئولية

لعل أشد ما يميز عبدالرحيم هو امتلاكها لقدرات سينمائية قوية، فكيف تصنف هي نفسها هل هي ممثلة دراما بالدرجة الأولى، أم انها تميل للتمثيل السينمائي ولأضواء الشاشة الكبيرة، وهل تتفق مع من يرون أنها تحمل وجها سينمائيا، وقدرات أداء سينمائي، تجعل أذهان المخرجين الخليجيين تتجه لها حال دخولهم أي مشروع سينمائي

تقول فاطمة «أنا أركز على السينما وأحبها، وحكاية بحرينية يعتبر رابع أفلامي، بل إن اثنين من هذه الأفلام ستشارك هذا العام بمهرجان دبي السينمائي هما الى جانب حكاية بحرينية فيلم (حنين) الإماراتي… لكني أعتقد أن السينما مسئولية كبيرة»!

ولا تستطيع عبدالرحيم ان تصنف نفسها فهي كما تضيف «أتقمص أية شخصية تسند إليّ بشكل جيد»

رومانسية مجروحة أم متمردة مقهورة

يشتكي بعض محبي الفنانة عبدالرحيم، أنه على رغم انها ممثلة متمكنة قادرة على أداء جميع الأدوار، فإن المخرجين حصروها منذ بداياتها في أدوار البنت الرومانسية المحبة، التي تصطدم بالمجتمع، أو تلك المتمردة على واقعها.

الآن يأتي بسام وهو الذي قدمها بشكل مختلف في «زائر»، ليحصرها مرة أخرى في الإطار ذاته، فما الذي يحدث؟ تدافع فاطمة عن أدوارها إذ تقول «لم يحصرني أحد في هذه الشخصيات، ففي هذا العام قدمت شخصيات مختلفة، لكن المشكلة في التسويق إذ لا يتم عرض هذه المسلسلات بشكل كبير، كما اني شاركت هذا العام في مسلسلين كوميديين «طاش ما طاش الأصلي»، و»حسب التوقيت المحلي»

العدد 1524 – الأربعاء 08 نوفمبر 2006م الموافق 16 شوال 1427هـ

حكاية بحرينية… من يخنق الأحلام

منصورة عبدالأمير

البحرين 1967… مدينة المحرق

فتى يتجه للشاطئ حاملا قفصا يمتلئ بحمامات… «فصل»، هي على رغم كونها أثيرة على قلبه فإنه يطلقها لتحلق عاليا في الفضاء. هو على أي حال، أو لربما صديقه، وواثقين من إن أحداها ستعود يوما… لأنها حمامات أصيلة!

حمامة تطير وفتاة (منيرة) تقرر الفرار مع حبيبها، وتحمل، على رغم سنوات عمرها الفتية، من الارادة والتصميم ما يجعلها تتحدى نظاما اجتماعيا بأكمله، بل وتصمد على رغم ضعف حبيبها في احدى اللحظات، ليكون التحليق بعيدا هو خيارها الأوحد للوقوف في وجه مجتمع لا يفقه لغة الحب بل يخنقها بتفاهات طائفية شيعية سنية!

ومن بحر المحرق حيث تطير الحمامات، الى مطارها حيث تفر منيرة «السنية» مع محمود «الشيعي» هربا من واقع ضيق جاهل، الى دار صغيرة تقع في أحد أزقة المحرق القديمة، يسكنها فريد الأطرش مغردا عبر اذاعة صوت العرب التي لا تمل لطيفة، إمرأة الدار، عن سماعها والتواصل معها برسائل تخطها يد ابنتها منيرة!

ولطيفة هي امرأة على درجة عالية من الوعي السياسي والذي يقابله دائما في قصص الكاتب البحريني فريد رمضان، وربما في الواقع أيضا، تمرد اجتماعي. يكون نتاج هذه المرأة ابنتها منيرة الفارة من ضيق أفق واقعها، وفاطمة ابنة زوجها منيرة التي تواجه قسوة مجتمعها وجبروته بالهروب الى عالم آخر فتقضي حرقاً.

لطيفة عاشت بأحلام جميلة نقلتها لمنيرة ولفاطمة، ترجمتها كل من النسوة الثلاث بطريقتها الخاصة، فأحبت الأولى جمال عبدالناصر، وتعلقت بشخصه، كحال كثير من أبناء جيلها، ووجدت فيه سلوى لكثير من الأحلام المخنوقة اجتماعيا وسياسيا… أولم يكن ناصر هو الحرية التي ينشدها الجميع!

اما فاطمة فأحبت حمد، لكن علاقتهما اخفقت حين كان لابد وأن تقترن بيعقوب ابن عمها، التي تجد نفسها عاجزة عن رفض الاقتران به رغم جرأتها السابقة التي شهدناها في «التريلر» الخاص بالفيلم على أقل تقدير، والتي ظهرت في مشاركتها في المسيرات التي كانت تجوب الشوارع، طبعاً لم نعرف سببها، لكنها بدت سياسية على أية حال!

هي على رغم ذلك لم تنجح في مواجهة قمع مجتمعها، لتعاد قسرا في كل مرة تفر منها الى بيت زوجها، ولتفضل اخيرا الموت حرقا على حياة لا تملك فيها لنفسها أي خيار!

تموت فاطمة ويموت جمال، وتخنق الأحلام، ولذلك لا تجد منيرة متنفسا في هذه الأرض فتقرر الفرار لتعيش الحلم غير عابئة بما يمكن أن يكون لذلك من نتائج!

«حكاية بحرينية» في سينما السيف ابتداء من 15 نوفمبر /تشرين الثاني الجاري

العدد 1524 – الأربعاء 08 نوفمبر 2006م الموافق 16 شوال 1427هـ

حكاية بحرينية… سينما حقيقية

منصورة عبد الأمير

الثامنة والنصف من مساء الأحد الماضي، ثاني عروض “حكاية بحرينية” ثالث أفلام المخرج البحريني بسام الذوادي. مرة أخرى يقام العرض في احدى صالات سينما شركة البحرين بمجمع السيف، ومرة أخرى احتل المقعد ذاته الذي اتخذته في العرض السابق. مقصود كان تصرفي ذاك، إذ وددت حينها أن أختبر الفرق في الإحساس بالفيلم في المرتين، وأن أتيقن من أسباب روعته، هل هي تقنية تصوير مختلفة، كون مخرجه استعان بطاقم تصوير هندي، ابدع عددا من الأفلام الهندية الشهيرة، ام انه التصوير ام الأداء ام القصة.

حسنا ها قد بدأ العرض وهاهو الإحساس ذاته يعود بمجرد انطلاق موسيقى الفيلم التصويرية وحتى قبل أن تتضح معالم الصورة، هل هو عزف محمد الحداد إذاً، الذي يسبق صورة الذوادي بلحظات، أم هو استرجاع لحظات لماض جميل مع صور الذوادي وخيالات فريد رمضان.

ثم إن كانت الموسيقى هي السبب فهل تعمد الذوادي أن يبدأ معها أم إنها التقنية التي فرضت أن يسبق الصوت الصورة، لتنقلنا منذ البداية الى أجواء وإلى نفوس أبطاله.

أكان الذوادي يعلم أن موسيقى الحداد ستحمل ذاك الأثر على مشاهديه، فتشدهم منذ أولى اللحظات وتترجم لهم كل ملامح عالم رسمه فريد رمضان على الورق ليترجمه الذوادي على الشاشة.

وإن لم تكن الموسيقى فهل هي روعة اخراج الذوادي الذي بدا وكأنه يجمع في هذا الفيلم عصارة خبراته في عالم الإخراج ليتخذ تقنيات اخراجية جديدة و… جريئة، بكل ما تحمله الجرأة من معان!

فإن لم يكن هذا ولا ذاك، هل يرجع السبب للقصة والسيناريو الجميلين، اللذين يأخذنا رمضان عبرهما، كعادته دائما، الى بحرين السبعينات لنشهد بعض أوجه الحياة فيها، ولنلمس بأم أعيننا كيف شكلت بعض الإفرازات السياسية والمجتمعية آنذاك مجتمع السبعينات، ثم لنقرأ مع الاثنين كيف انعكست تلك الافرازات على واقع اليوم، وكيف امتدت تأثيراتها على الحياة في بحرين اليوم.

ورمضان لمن قرأه على الشاشة، أو بين أوراق كتبه، أو حتى بشكل شخصي، هو ذلك البطل الروائي الذي يتنقل شبحه دائما بين المشاهد التي يكتبها أو يقفز بين فصول حكاياته، أو حتى يطل دائما في كل الأمسيات المشابهة أجواءها لأجواء حكاياته. في هذا الفيلم على وجه التحديد يقفز فريد في كل مشاهده ووسط معظم حكاياته، منذ البداية نراه في جسد الطفل خليفة (نديم زيمان) الذي ينطلق راويا للحكاية حاملا روحا تشبه تلك التي تجسدها كل روايات رمضان.

خليفة هو الراوي، لكنه راو صامت لا ينطق ببنت شفة، بل لا يدفع الأذى عن نفسه إذ يأتيه من أقرب المقربين، والده أو شقيقاته. هو في واقع الأمر شاهد على الأحداث، يشاع أنه يجسد فريد في الواقع، كما ينقل أن الرواية التي يقر صانعوها بكونها مستوحاة من قصة واقعية، هي رواية عاشها رمضان فعلا وشهد معظم حوادثها إن لم يكن جميعها. ورمضان لم يعلق على سؤالي، بعد العرض السابق للفيلم، حول صحة الشائعة من عدمه سوى بابتسامة هادئة تشبه معظم ابتساماته لكنها تحمل في معانيها الكثير وبنظرة ما تبينتها بسبب اضواء دار العرض الصفراء الخافتة.

روح رمضان تتقمص جسد منيرة أيضاً، الشابة ذات العشرين ربيعا، وهي احدى أهم بطلات قصته. هذه الفتاة التي تقوم بدورها شيماء جناحي، في أول ظهور لها على الاطلاق، تكشف تمردها منذ البداية وفي واحد من أوائل مشاهد الفيلم حين تعلن رغبتها في الزواج من جذع نخلة، على طريقة ابنة شروف الزرقة، التي تفعل ذلك ايفاء لنذر قطعته على نفسها، بأن تزوج طفلتها بتلك الصورة إن ابقاها الله على قيد الحياة وهي التي فجعت قبل ذلك بفقد كل ما كتبه الله من بنين وبنات. أما منيرة فتفضل ذلك الزوج الجذع لأنه لن يكون قادرا على التحكم فيها أو رفع صوته عليها. بالمناسبة منيرة أو شيماء هي اكتشاف مذهل من اكتشافات الذوادي، أحبت الكاميرا وجهها، ربما، وهي التي قبلت ان تظهر لأول مرة من دون أي مساحيق، بتأكيد من والدها المصور محمد جناحي. وسواء كان الأمر يتعلق بحب الكاميرا لها أم لا، إلا أن شيماء بكل تأكيد قدمت أدءا كشف عن موهبة تحتاج الى رعاية واحتضان وتوجيه صحيح نحو ما لا يخنق قدرتها، ولا يحصرها في قوالب ضيقة خرقاء أو مشوهة. باختصار الفتاة اثبتت وجودها كوجه سينمائي، ولا يضير ان يكون هناك توجه لتبنيها كممثلة سينمائية يتناغم وجودها مع التوجه الجاد من شركة البحرين للانتاج السيمائي (الشركة المنتجة) والذي نتنمنى ان تحتضنه الدولة، نحو انشاء صناعة سينمائية ذات مستوى راقي.

عودة الى الفيلم، فإنه يبدو من الواضح أننا أمام عالم نسائي، تضع منيرة أول لبناته، فاتحة ملف المعاناة النسائية، مستعرضه أحد أسباب تلك المعاناة في ذلك الوقت. هل هي الرغبة في نقل معاناة المرأة بالدرجة الأولى التي انتجت هذه القصة وهذا الفيلم، ام إنها روح فريد التي كانت روح جيل بأكمله هي ما تنطلق في هذه الحكاية وهي ما تجد في قضية المرأة أفضل مخرج وأبلغ تجسيد. هل هي إذاً ذاكرة جيل بأكمله، وإن لم يكن هذا ولا ذاك اهي حكاية شعبنا؟ أهي شرح واف لأسباب ما وصلنا اليه اليوم، واستعراض للكيفية التي صاغت بها سياسات ذلك الوقت وظروفه المجتمعية حياتنا اليوم. أهي إذن محاولة لمناقشة واقعنا اليوم وربما التوصل الى حلول أو أشباه حلول لما نعيشه من معضلة اجتماعية سياسية.

قد يكون هذا أو ذاك، لا يهم… المهم اننا أمام تجسيد حقيقي لوظيفة السينما، وهذا يعني أننا أمام سينما حقيقية، ترقى بعقل مشاهدها، وتحاول ملامسة قضاياه، وإن بشكل غير مباشر تماماَ. والأهم أن المتفرج على حكاية بحرينية سيجد نفسه أمام نسيج فني مكتمل رواية وسيناريو واخراجا واداء وتصويرا وموسيقى بالطبع ليكون الناتج في النهاية فيلما يستحق الاشادة و”يرفع راس” البحرين السباقة دائما

العدد 1524 – الأربعاء 08 نوفمبر 2006م الموافق 16 شوال 1427هـ

بروين حبيب…هكذا نطق الأوركيد

عذاري – منصورة عبدالأمير 

أن تنطق الأوركيدة الحمراء بسيرتها معناه، ألا تكتمل إلا بالإنسان نفسه، زهرة في حقيقة امرأة جميلة مرتين، من الداخل مرة، ومن الخارج مرة أخرى. تخاف في جانبها أن تغتالك عذوبة أنفاسها الهادئة، وتتسارع أمامك حلقات الشمس، طموحها، ذكاؤها، أي الأشياء هي الأجدر بالملاحظة؟… لا تفكر… كلها «جميل».

«كائن أدبي قلق»، و «امرأة القرن التاسع عشر التي تحلم بمنزل صغير في ريف واحدة من أعرق بلدان العالم، ترحل إليه حاملة أوراقها متحررة من كل القيود… فقط، لتحقق حلماً طالما حملته معها: مشروع روايتها»، امرأة يحملها قلبها للناس، وتنوء به عنهم «شفافية» و «رقة»، إن للوحدة «فناً» و»رونقاً». هي «الزهرة الثلجية نادرة الوجود»، كما يصفها الروائي حنا مينا، وهي «رائدة في الحوارات الثقافية خليجياً» كما ذهبت تنبأ وزير الإعلام الكويتي محمد السنعوسي. وهي على رغم اعتبارها لتلك الكلمات مجرد «ذاتيات» فإنها تشبع في الأوركيدة إحساسها بمحاصرة «الوقت» لها. بروين حبيب، سفيرة البحرين وصاحبة الوجه المشرق، كما وصفها وزير الديوان الملكي الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، وهي مذيعة فضائية دبي المتألقة.

كانت في البحرين، تحاول خلالها أن تطل على الكثير وأن تسترجع ما هو أكثر، فالتقتها «الوسط» خلسة في ليلة كانت بروين نفسها، أجمل ما فيها. تحدثت الأرض التي تسكنها، عن قلبها، عن إنسانها المحاصر، وعن رجل «مجهول» تتمنى لقاءه.

حضور مميز وضغوط لا تنتهي

حين سألتها بداية عما يمكن أن يشكله حضورها المميز من ضغوط، وأين «هي» حين تكون خارج البحرين، حين تكبر، خليجية عربية… وربما أكثر من ذلك؟، وكأن سؤالي أثار في نفسها شجوناً كثيرة، أَرجَع في ذاكرتها المتعبة جراحات ما كان لأوجاعها من مبرر سوى الغيرة، وإن في الغيرة «مقتلاً».

سارعت لتؤكد امتنانها عن تجربتها في البحرين، ولكل من ساهم فيها، نافية صفة نكران الجميل التي ألصقوها بها عنوة. تقول مسترجعة بعض أنفاس الأمس «انظر إلى البحرين على أنها محطتي الأولى تشكيلاً وتكويناً، كنتُ الطفلة التي دخلت الإذاعة عن باب المسرح، وكان خليفة العريفي نافذتي. البحرين أيضاً هي مرحلة التكوين والانتشار، كنت فيها قارئة للأخبار، مقدمة برامج اجتماعية، وبرامج أطفال. وفيها بدأت علاقتي بالبرامج الثقافية من خلال برنامجين ثقافيين هما «اضاءات» و «شظايا الإبداع».

تضيف الاوركيدة «أما دبي فهي المرحلة التي وضعتني في الإطار العربي، في الكادر الصحيح. ربما ليس في السنوات الأولى، لأنني مررت بمراحل كثيرة بدءاً من «الصواري»، ثم «وجوه»، وبرامج التلفزيون، تلك المراحل كانت نواة لبرنامج يقترن بالثقافة، تقدمه بروين. وهنا كان حلمي». وكان لها أن تحقق الحلم، ففي دبي حققت حبيب حلمها، والتقت مثقفين كثر، أدونيس، حنا مينا، منى واصف، نور الشريف، محمود إميل، سميحة أيوب، اكتب ما شأت من أسماء، لن تخطئ !!.

على ما هو أكثر من دانتيلا…

«أعطتني دبي القدرة على أن أعيش حياة بانورامية ثرية وسط موازييك جميل من كل الثقافات. صار لدي الرأي، والرأي الآخر، وأصبحت مقالاتي لا تنشر في عمود (دانتيلا) في مجلة (هنا البحرين) فقط، بل تصل إلى مجلة (دبي) الثقافية». تقول بروين ذلك، وتؤكد أن هذه النجاحات أتت لها بـ «مسئولية أكبر، تحدياً، رغبة في نقلة نوعية، فأنا لا أكتفي من محطة واحدة. كذلك يجعلني ذلك في خوف وقلق دائمين، أتساءل من هي بروين حبيب هل هي الأديبة الشاعرة أم هي الصورة التلفزيونية؟»… لا تدري الأوركيدة أكثر مما أدري.

كانت تتضايق من أن يفهم البعض أن في وصفها بالمذيعة التلفزيونية منقصة في حقها، وهي الأديبة الشاعرة، لكنها اليوم تقول لمن لا يعرف الجانب الشعري أو الأدبي لديها «لدي مشروعي الخاص الذي ألقي الضوء من خلاله على الناس المغيبين، أو أُقَرب أولئك المعروفين منهم مثل أدونيس الذي استضفته ليتحدث عن كل شيء، وليثري المشاهد بحوار لا يمكن أن يجده هنا أو هناك».

بروين… الأهم من نازك الملائكة…!

انتقلت معها لأبرز أسباب ذلك الحضور حالياً، برنامجها الحواري الرائع (نلتقي مع بروين) الذي تمكنت فيه من الولوج في الثقافة بالسهل الممتنع، وحققت من خلاله معادلة صعبة، مزجت عبرها مختلف فروع الثقافة مع هدوء التناول.

سألتها عن نبأ هذه التقنية التي تستحدثها، فكان جوابها الأول ضحكة طويلة، ربما حملت في طياتها شيئاً من السعادة، لا لشيء إلا لأن سؤالي ذاك، أرجع في ذهنها ذكريات أربعة أعوام مضت.

تذكرت حين التقت الإعلامي عبدالكريم نجم، تقول: «قال لي نجم يومها… أنت لست مثقفة فقط بل لديك المفردة الحديثة الذكية الشعرية، ولو ولدت في عصر نازك الملائكة لكنت أهم منها!. قلت له أنت تبالغ. رد نجم على ذلك بنصيحة كان نتاجها أن أسست لبرنامج ثقافي ذي لمسة مختلفة أول قواعده الخارجة عن النسق، هو ألا يتوجه إلى المثقفين والنخبويين.

وتتذكر «فعلاً وجدت أني قدمت برامج ثقافية كثيرة وأجريت الكثير من الحوارات مع كبار المثقفين والأدباء، لكني لم أصل إلى الجمهور. ظللت نخبوية، وظل جمهوري هم النخبة المستهلكة للثقافة، وظل اختياري للضيوف خاضعاً إلى أسباب ذاتية. لذلك، لم أتمكن من أن أحبب الناس للثقافة، ولم أصل إليهم».

أن تنجح في الإعلام… معناه أن تحترم الجمهور

لم تهافت حبيب على النجومية، فلقد وصلتها على طبق من ذهب، ومنذ ارتقت قدماها خشبة المسرح وهي لم تتجاوز العاشرة من عمرها، وهي تؤكد أن «الشهرة موجودة وأي شخص يمكن أن يكون مشهوراً، حتى لو بشكل سلبي، النجومية الحقيقية أن تصل المذيعة إلى قلوب الناس».

أرادت أن تصل إلى الناس، ليعرفوا بروين، ليست قارئة الأخبار فحسب، بل صاحبة المشروع الثقافي، ولذلك جاءت فكرة «نلتقي» وعادت حبيب إلى «نجم»، لكنها ردت عليه بالقول «أفضل أن أقول إنني مقدمة برنامج حواري ثقافي، أوصل الكلمات، أما مسألة الريادة والأوائل فلا تهمني، الزمن هو الفيصل، والتاريخ إن كتب، أولم يكتب، فقد أوصلت المعلومة، وأوصلت المثقف من برجه العاجي إلى بيت القارئ، وأوصلت لقارئة ما (ذاكرة الجسد) لأحلام مستغانمي من دون عناء».

تقول بروين: «كنت أرى سابقاً أن الجمهور فكرة حمقاء، لكنني الآن متنازلة عن هذا الشعار، الأمر ليس كذلك، أنا لا أكتب لنفسي. الجمهور مهم، وأتحدى أي شاعر أو كاتب لا يحمل في ذهنه متلقى خاصاً، والمتلقى الخاص بالنسبة إلي هو العام. برنامجي إنساني يتوجه إلى الجمهور الإنساني كافة، وليس إلى النخبة فقط».

تقول الأوركيدة: «سابقاً أيضاً، كنت أرى الأدب أرستقراطي النزعة والثقافة، اليوم لن أقول إن الأدب سينزل من عليائه، لكن إذا كنت أريد أن أحبب الأديب إلى الناس فعلي أن أعرفهم به».

ثاني قواعد تلك التقنية قائمة على تقديم روح بروين «الطفلة» لا «المثقفة» الجادة، الروح التي تحمل حس دعابة عالي، التي تعمل القفشات.

أما معادلة هذه الصورة الجديدة كما تقول بروين، فهي «أن أكون قريبة وكلاسيكية المظهر، ومتمردة الطرح أحافظ على وقاري كفتاة خليجية. وطبعاً أنيقة، فكما أحضر لمادتي بعناية أريد أيضا أن يكون شكلي جميلاً، طبيعية وتلقائية على الشاشة. أريد أن أكون «بروين» بلا ألقاب، أريد أن يجدني الناس ضيفة خفيفة، وقريبة من القلب».

كاريزما المشاهير وسميحة أيوب

حاورت حبيب ما يصل إلى 300 شخصية عبر مختلف برامجها، كان نصيب «نلتقي» منها 100 شخصية. منهم من غاب عن ذاكرة المشاهد، لكن لايزال هؤلاء كلهم في ذاكرة بروين حضور. تلك الذاكرة الثرية المتنوعة.

تقول: «ما يهمني هو المستوى الإنساني، الإنسان الحقيقي، وأقرب من قابلت إلى قلبي الفنانة سميحة أيوب، والتي كنت أراها سابقاً الفنانة الجبارة القوية ممثلة المسرح القومي الطليعية زوجة سعد الدين وهبة المثقف الاستثنائي في مصر، وهي المرأة الجميلة التي لم تأخذ حظها في السينما.

خلال أيام من لقائي بها أصبحنا صديقتين، هي طفلة الروح، وكوميدية من الطراز الرفيع. وهي القادرة على أن تسرق الأضواء من الجميع، الصحافة تصفها بالملكة، وهي فنانة محترمة، لذلك بقت في الذاكرة.

بروين والمسرح … من يتذكر الآخر

بداية «بروين» كانت مع المسرح، وحين نشرت الصحف صورة الصغيرة البارعة، التي تغلبت على من يكبروها كما يشهد «الحمدان». لكن أين بروين «المسرحية» اليوم، هل تختبئ بروين اليوم من المسرح، خائفة أم مشغولة لا يهم، ومن منهما يتذكر الآخر أكثر، هي أم المسرح؟

تقول: بروين المسرحية نستني، لكني أتذكرها، كنت عاشقة المسرح الصغيرة، أنا الآن حين استرجع ذكرياتي أرى أن المسرح هو الذي أوصلني إلى ما أنا عليه اليوم». تتذكر حبيب أول نقد كتب عنها، وكان بقلم يوسف الحمدان بعد مسرحية مرحباً الأحبة، إذ كتب يقول: «تفوقت روزاً على من يكبرونها سناً وهو يقصد بذلك سناء يونس ومريم زيمان، وختم بقوله يا ليتها لا تتسرب، كما تسربت ممثلات أخريات».

لا تعرف حبيب إن كان المسرح يتذكرها، لكنها واثقة من أن هناك من لا يزال يتذكرها. تحتفظ حبيب بكل ما كتب عنها، إذ دأبت على جمع قصاصات كل الصحف والمجلات التي كتبت عنها، وأكثر ما يهمها في هذا الأرشيف ما يكتب في البحرين خصوصاً.

إلى جانب تلك القصاصات، تحتفظ في مكتبتها بروايات أهداها لها «رجل» لم تعرف اسمه، تقول: «بعد أول مشاركاتي المسرحية كان يأتي إلى المدرسة، ويحضر لي كل روائع المسرح العالمي…» تتمنى بروين لو تعرف هذا الرجل، وليته حين يقرأ كلماتي يحضر لي، لأني أريد أن أشكره.

دبي مدينة الكوزموبوليتان

كانت فكرة الانتقال إلى فضائية دبي مغامرة ترددت بروين كثيراً في خوضها. عرضت عليها الفكرة بعد أن أثارت انتباه مسئولي القناة لفوزها في أحد المهرجانات عن أحد برامجها في تلفزيون البحرين.

حملت مع حقائبها لدبي خوفا كبيراً من هذا الجديد «المختلف». لكنها «دبي» اليوم تعني لحبيب «التألق»… تقول بروين: «أحلى شيء أن هذه المدينة مدينة الكوزموبوليتان، قطار العولمة في ماراثون عنيف، منافسة وصراع، لكنه ليس الصراع المدمر الذي عشته سابقاً كصراع بروين مع الأرنبة في الإعلام أو السلحفاة في المدرسة. أنا أشعر الآن أنني أمام مدينة الأشياء التي لا تتوقف.

البحرين … تلك التي «تسكنني»…

تذوب الأوركيدة في أهلها ووطنها. تقول: «أحب البحرين، وهي تسكنني أينما كنت. تعنيني أية رسالة من أي إنسان في بلدي، ويقتلني التذكر»، ها هي الأوركيدة تسترجع ترابها فتكتمل نشوتها.

ليست هناك غربة في عين بروين، بل تعتقد أن الغربة هي ألا ترى من يشبهها من الناس، أما لماذا لا تنتمي إلا لظلها كما يذهب البرت كامي لأن مهمتها ليست أن تشتري أرضاً أو بيتاً في كل مكان تسكنه، تكفيها البحرين بقلوب من تحب ومن يحبونها أن تكون بيتها الأول والأخير.

غربتي مع رذاذ الغبار

الغربة منحت حبيب الكثير من الأشياء، لكنها كما تؤكد غربة «مكانية»، فهي لم تغترب عن نفسها ولا عن ذاتها. تريد أن تكون هي «هي» أينما تكون، تلك الطفلة نفسها، التي ظهرت المسرح، العفوية. لا تريد أن تكون بروين إلا نفسها، كل الأشياء عابرة، هي الثبات وحده. لا تشعر الأوركيدة بالغربة، الذي يخيفها هو ذلك الرذاذ الغبار المتطاير.

بنت المخارقة… ومساحات الحرية

لم تكن مساحات الحرية بين البحرين ودبي عامل اكتمال الزهرة، تقول بروين «حافظت على احترامي لنفسي، نشأت في أسرة محافظة من حي المخارقة وختمت القرآن وعمري 9 سنوات، أنا ثابتة على تربتي الدينية وعلى عادات مجتمعي، لا تهزني ريح أو عاصفة».

تدرك بروين أن عليها أن تدفع ضريبة الشهرة، حاولت الشائعات اصطيادها، لكن ذلك لم يثنها عن تحقيق حلمها، وها هي تصل بجدارة. أما سر قوتها فهو كما تقول: «والدي يرحمه الله الذي كان معتزاً بي بدرجة كبيرة، كان يقول لي: «الناس يقولون ابنتك لغتها العربية جميلة، أنت الأفضل يا ابنتي، واليوم أتمنى… ألا أكون قد خذلته… انا أفتخر بهذا الإنسان البسيط، وحين أتذكر كلماته تلك، أتشبث بها كثيراً لأني أشعر أنني أعطيته ضوءاً كما أعطاني هو… أبي هو الضوء في حياتي وكذلك أمي التي حرصت علي تخفيف معاناتي من المجتمع الذي لم يرحمني ذات يوم».

بروين وحدها… الحيادية الطابع حد الملل

لم تقدم بيروين أبداً برنامجاً أعده لها آخرون، سوى في أول برامجها على قناة البحرين «أغاني وأفلام». تقول: «الآن يحاول مسئولو فضائية (دبي) إقناعي بتشكيل فريق عمل يساعدني في (نلتقي)، لكنني مترددة في القبول. وعلى رغم قناعتها بأن الإعلام الصحيح هو ما يعتمد أسلوب العمل الجماعي فإنها ترجع سبب ترددها إلى أنها تحب أن تبحث عما تريد لوحدها، وتعد أرشيفها بنفسها.

تعتبر الأوركيدة الاستوديو بمثابة بيتيها، وتعتبر الضيف ضيفها في منزلها، ولذلك لن تفتح بروين باب بيتها لتشتم ضيوفيها أو تستفزهم. تقول: «أستضيف أسماء لها تاريخ، فلماذا أقف عند تفاصيل صغيرة، أريد أن أناقش معهم القضايا بأسلوب مؤدب ليس بأسلوب تعرية الضيف، للضيف قيمة، ولذلك هو ضيفي. ضيوفي ساكنون في ضمير الناس وأنا أقدر هذا السكون الجميل».

الهروب إلى الزمن

لبروين شبحان يلاحقانها، «شبح الموت الذي بدأ يطاردني بعد أن فقدت والدي، أستيقظ من النوم وأشعر بالخوف، وأني سأفقد بصري. ربما يعود ذلك لخوفي على والدتي المصابة بالضغط وحزني على والدي. أنا مؤمنة أن كل نفس ذائقة الموت طبعاً لكن في النهاية استيعاب الأشياء يختلف عن الإحساس بها».

وتضيف «الشبح الثاني الهروب إلى الزمن، الذي أسارعه»

العدد 1518 – الخميس 02 نوفمبر 2006م الموافق 10 شوال 1427هـ

حباب وكلاب الساحر… ريادة بحرينية تخترق سينما الأطفال الخليجية

سينما الدانة – منصورة عبدالأمير 

دائماً هي البحرين كذلك، سباقة ورائدة على جميع الأصعدة، الثقافية الفنية خصوصاً، فمنذ القرن الماضي كانت هي أول من احتضن كثيراً من الإنتاجات والإبداعات الفنية خليجياً، سواء المسرحية منها أو الدرامية أو حتى السينمائية. اليوم تثبت البحرين ريادتها تلك مرةً أخرى، إذ تحمل شرف تقديمها أولى المحاولات السينمائية الموجهة إلى الطفل خليجياً، وذلك عبر فيلم «حباب وكلاب الساحر» الذي بدأت دار سينما الدانة عرضه في غرة عيد الفطر المبارك.

الفيلم الذي كتبه السيناريو الخاص به وأخرجه الكاتب البحريني المعروف حمد الشهابي، جاء مغامرة جريئة، محسوبة نعم، لكنها – على أية حال – تحدٍ كبير قبلت مؤسسة المسرح الأهلي للإنتاج الفني والتوزيع دخوله على الأقل لكونها أول تجربة سينمائية خليجية موجهة إلى الأطفال. عدا ذلك كانت المؤسسة على علم بكل ما يحيط بهذا الانتاج من صعوبات وعراقيل تقنية أو اخراجية أو غير ذلك، لكن المؤسسة اعتمدت على تاريخها الطويل والناجح في تقديم أعمال راقية تمكنت من خلالها من مخاطبة الأطفال ودخول عالمهم. هذه الانتاجات التي بدأت بعد 3 سنوات من تأسيسها العام 1979، وتحديداً العام 1982 إذ قدمت أول مسرحياتها الغنائية على خشبة المسرح الأهلي وهي من تأليف الشاعر علي الشرقاوي، بينما قام حمد الشهابي بكتابة نصها المسرحي.

كذلك وجدت المؤسسة في الشهابي ضالتها المنشودة، وهو الكاتب ذو الباع الطويل في كتابة السيناريو عموماً، إذ ألَّف الكثير من الأعمال الدرامية المحلية والخليجية من أهمها «تالي العمر»، «بوهباش»، «عجايب زمان»، و «مواطن طيب». وهو – أي الشهابي – كذلك الكاتب المتمرس في الكتابة للأطفال والذي حققت مسرحياته نجاحات باهرة لتمكنها من مخاطبة الأطفال ودخول عالمهم.

وطوال 13 عاماً، استمرت المؤسسة في توجيه عطائها إلى الأطفال عبر أعمالها الهادفة التي تحمل في مضامينها كثيراً من الدروس والعبر التي تغرس أجمل وأرقى المعاني والقيم في نفوسهم، وآخر أعمالها الغنائية الجميلة جاء في صيف العام الماضي حين قدمت مسرحية «ترن ترن» وهي كذلك من تأليف الشهابي.

هذا العام أرادت المؤسسة أن تعود إلى جمهورها لكن بعمل مختلف لا في مضامينه وأهدافه فحسب بل في نوعه وأسلوب طرحه. أرادت المؤسسة أن تطرق باب الانتاج السينمائي وتقتحم هذه الصناعة التي أضحت اليوم ذات تأثيرات كبرى لا يمكن تجاهلها.

اعتمدت عملا قام عبدالقادر عقيل بترجمته الى العربية، ليقوم الشهابي بتحويله الى فيلم سينمائي روائي موجه إلى الأطفال، ويعد كما ذكرنا أول عمل روائي سينمائي خليجيا، مرة أخرى ليأخذ البحرين الى موقع الريادة، وهو كما يصف الشهابي «السهل الممتنع». وبحسب الشهابي فإنه كان يمكن تحويل القصة الى عمل درامي أو مسرحي ضخم، لكنه أراد اقتحام عالم السينما وأخذ البحرين الى مصاف الدول التي خاضت هذه التجربة.

وفكرة العمل الدرامي لم تطرق بال الشهابي، على رغم ما قد يبدو لمشاهد العمل، من إمكان تحويلها إلى عمل درامي تلفزيوني يمكن أن تعرضه جميع المحطات الخليجية قد يكون كفيلا باستعادة تلفزيون البحرين أمجاده السابقة في مجال الأعمال الموجهة إلى الأطفال.

لكن الشهابي وجد في العمل الدرامي مغامرة، ليست فنية تقنية أو على مستوى الاخراج والكتابة كما هي مغامرة العمل السينمائي، بل مغامرة تسويقية، إذ قد لا يتمكن من توزيع عمله وعرضه في بعض المحطات الخليجية مثل السعودية وعمان.

أما تحويل القصة إلى عمل مسرحي فكان أمرا سيتم بمنتهى السهولة، وكان يمكن للشهابي – كما يؤكد – عمل ديكور مسرحي ضخم يصل الى 30 متراً، يضمن جزءاً كبيراً من نجاح العمل، لكنه أراد أن يقدم عملاً سينمائياً يضع من خلاله بذرة صناعة سينمائية بحرينية، وهو ليس متخوفاً من خوض هذه التجربة التي يصفها كثيرون بالمغامرة، بل إنه على علم بكل مخاطرها وصعوباتها، إذ يقول: «وأعلم تماماً أن العمل السينمائي يحتاج الى صبر طويل ويستغرق فترة طويلة».

فعلاً استغرق العمل على فيلم الشهابي الذي لا تصل مدته إلى الساعتين (ساعة و45 دقيقة) سنة كاملة، وتم تصويره في مواقع مختلفة في البحرين، إذ منه ما صُوِّر في ضاحية اللوزي وقلعة أحمد الفاتح في الرفاع، كما تم تصوير باقي المشاهد في عمان، مدينة صلالة وضلكوت تحديداً.

وكما يذكر الشهابي في حديثه إلى الصحافيين «كان إنتاج الفيلم متعباً لكن اصرار جميع أفراد طاقم العمل على اتمامه ذلل جميع الصعوبات، وسهل إنتاج الفيلم».

يتناول فيلم «حباب وكلاب الساحر» العائلي مغامرة مشوقة ومثيرة، يعيشها الأطفال مع «حباب» الفتى الطيب، المحب للخير الذي يسافر طلبا للعلم بحسب رغبة والده، وهو على رغم معارضة والده لما عاد به اليه فإنه يتمكن من أن يحقق منفعة كبرى من ذلك العلم. وأكثر ما يميز العمل اضافةً الى الدروس القيمة التي يقدمها إلى الأطفال، هو العودة الجميلة للفنان محمد ياسين (بابا ياسين) الذي جاء في دور الراوي لحوادث الفيلم. هذا الفنان المبدع الذي يمكن الجزم بتعلق كثيرين من أطفال الخليج به وهو صاحب الخبرة الطويلة التي تمتد ثلاثين عاما في مجال تقديم أعمال الأطفال.

كذلك ضم نخبة من أبرز الممثلين المسرحيين الذين يتألقون جميعا بأداء رائع جميل على رغم كون العمل أولى تجاربهم السينمائية. وهم يبررون ذلك بقرب الأداء السينمائي من المسرحي على عكس ذلك المقدم في دراما.

يبرز من بين هؤلاء حسين العلوي في دور المهرج جوجو، الذي استطاع بخفة ظله ورشاقة حركاته لفت انتباه مشاهدي الفيلم، كما ظلت الصالة تمتلئ بضحكات الصغار والكبار كلما ظهر على الشاشة. «جوجو» أو العلوي قدم عدداً من الأغنيات الجميلة التي أضفت على الفيلم جواً مرحاً وممتعاً يبهج المشاهدين الصغار. كذلك تتألق غادة الفيحاني في دور امرأة عجوز تقطن الغابة يلتقيها «حباب» في بداية مشواره لتقدم إليه نصيحة مهمة.

كذلك تميز الفيلم بتحقيقه مفهوم العمل الخليجي المشترك، على رغم كونه ريادة بحرينية، فـ «حباب» هو الممثل السعودي أحمد الحسن، كما يشترك في العمل عدد من الممثلين العمانيين.

لاتزال سينما الدانة تعرض «حباب وكلاب الساحر» ولايزال الاقبال على مشاهدته كبيرا من الجمهورين البحريني والخليجي، كما يفترض أن يتم عرضه قريبا بدور العرض العمانية، تحديدا في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل بينما يفترض عرضه في دولة قطر في عيد الأضحى المبارك. ولاتزال مؤسسة المسرح الأهلي تنتظر نجاح عملها هذا لتفكر في تقديم انتاج آخر يؤكد الشهابي انتهاءه من كتابة السيناريو الخاص به، وهو الذي خاض لحد الآن تجربتي كتابة سينمائيتين تعد هذه ثانيهما بينما جاءت الأولى العام 1994 في فيلم الرعب «بيت الجن»

العدد 1517 – الأربعاء 01 نوفمبر 2006م الموافق 09 شوال 1427هـ

بتقنية جديدة وطرح جريء…«بوعلي» يطرق عالم الجن في أولى محاولاته «الفيلمية»

الجفير – منصورة عبدالأمير 

نظم نادي البحرين للسينما مساء الخميس الماضي عرضاً خاصاً لفيلم الرعب الشبابي القصير «بينهم» الذي قام بإخراجه وتأليفه وكتابة نصه محمد راشد بوعلي. حضر العرض مجموعة من الصحافيين والمهتمين بتشجيع الطاقات الشبابية في هذا المجال، بالإضافة إلى طاقم الفيلم وعدد من أعضاء مجلس إدارة نادي البحرين للسينما.

قبل بداية العرض أعطى بوعلي نبذة موجزة عن فيلمه، مشيراً إلى أن المشاهد بحاجة إلى التركيز في مختلف المشاهد ليتمكن من فهم الفيلم والربط بين العوالم الثلاثة التي يستعرضها، وهي كما يفيد «عالم الواقع، الخيال، وعالم تصوير الفيلم»، ويفصل بينها غشاء رقيق.

يتناول «بينهم» قصة مجموعة من الشباب يرغبون في إنتاج فيلم رعب وإثارة فيلجأون إلى عالم الجن وإلى إحدى المناطق النائية التي يعتقد أنها مسكونة بالجن. وعلى رغم ما يتوقعه البعض من «ربكة» قد يقع فيها المشاهد نتيجة المزج في استعراض هذا العوالم الثلاثة، فإن المخرج تمكن وبذكاء شديد من جعل الألوان تلعب دوراً في الفصل والتمييز بين كل من هذه العوالم.

في هذا الفيلم يقول المخرج إنه تطرق إلى قضايا لم يتم تناولها مسبقا في أي عمل شبابي آخر، كما طرح نماذج مجتمعية لم يجرؤ أي عمل خليجي سابق على طرحها مثل نموذج الفتى الناعم أو «البناتي»، ومجموعة الفتية «المصبنجية».

بوعلي، الذي يخرج ويكتب لأول مرة، ترك نهاية فيلمه مفتوحة، وقدم قصته بأسلوب غريب معتمدا تقنيات جديدة على الأفلام الشبابية، مستفيدا كما يؤكد من بعض أشهر أفلام الإثارة النفسية مثل فيلمي «Memento» و «Mulholland Park» وهو على رغم استفادته تلك، صاغ التقنيات التي استعارها بأسلوب جديد وقدمها برؤية شبابية خاصة به. كذلك تعمد المخرج جعل نهاية فيلمه مفتوحة غير واضحة متيحاً الفرصة للمشاهد ليفكر ويفهم الحوادث من وجهة نظره الخاصة، فاتحاً المجال لمختلف التفسيرات والتأويلات.

لم تتجاوز مدة عمل الطاقم على الفيلم الأسابيع الثلاثة، فقد بدأ التصوير منذ الليالي الأولى التي ظهر فيها القمر في شهر رمضان. ولزيادة صدقية الحوادث يؤكد بوعلي اختياره وطاقمه إحدى مناطق البحرين التي تنتشر شائعات كثيرة عن كونها مسكونةً بالجن فعلاً وهذا كما يؤكد بوعلي: «أعطى الفيلم لمسة واقعية وجعل الشباب يتفاعلون مع العمل بشكل أكبر».

لحد الآن لم يقرر بوعلي، الذي بذل هو وطاقمه جهدا كبيرا لصناعة هذا الفيلم، أي المهرجانات التي ينوي المشاركة فيها بفيلمه لكنه يحتمل أن يتوجه إلى مسابقة أفلام من الإمارات، وذلك بهدف الاطلاع على أعمال الأخرى وكسب الخبرة وفي الوقت نفسه الحصول على المزيد من الملاحظات التي من الممكن أن تطور أداءه في المستقبل

وعلى رغم إقراره ببعض العيوب في فيلمه الذي استخدم فيه كاميرا تصوير عادية صغيرة الحجم، فإن بوعلي يؤكد أن عملية المونتاج غطت على كثير من أخطاء الفيلم الذي لا تتجاوز مدته 45 دقيقة. كذلك ساهمت المؤثرات الخاصة الصوتية والبصرية التي نفذها كل من عبدالله رشدان وعلي الشهابي إلى حد كبير، في إعطاء قوة خاصة للفيلم وخلق أجواء رعب وإثارة عاليين، تماما كما ساهمت الموسيقى في إضفاء الأجواء ذاتها.

عن مشاركته في العمل أكد رئيس اللجنة الثقافية وعضو مجلس إدارة النادي وأحد ممثلي الفيلم نضال بدر: «كانت تجربة جميلة ومميزة بالنسبة إلي، وخصوصاً أني أعمل مع شباب معظمهم يشارك في تجربة فيلمية للمرة الأولى»، مؤكداً أن مشاركته تلك «تأتي في إطار دعمي الوجوه الشابة والطاقات الشبابية الجديدة» مفيداً قيامه بدور وجده مميزاً.

وعن نشوء فكرة الفيلم، قال بدر: «جاءت الفكرة عن طريق المخرج والمؤلف وهو من الشباب المهتمين بالجانب السينمائي، وله كتابات في هذا المجال. وعرض فكرته تلك، المصاغة بأسلوب جديد وغير تقليدي، على الكاتب فريد رمضان فلقي الدعم والتشجيع منه»

بعدها، كما يضيف بدر «عرض بوعلي الفكرة عليّ وعلى الفنان القدير عبدالله السعداوي وعبدالله سويد وعبدالله رشدان، فوافقنا على الفور، وخصوصاً أننا جميعا عملنا في أفلام مشابهة مسبقاً، ونحمل خبرةً في هذا المجال».

ويقول بدر إن «العمل لم يخلُ من الثغرات والسلبيات باعتبارها أول تجربة للمخرج سواءً من حيث الكتابة أو الإخراج»، لكنه «واثق بأن المشروعات المستقبلية لبوعلي ستكون أكثر تطوراً ونجاحاً».

يذكر أن نادي البحرين للسينما يعمل دائما على تشجيع ودعم المشروعات الشبابية في مجال صناعة الأفلام وذلك بهدف خلق قاعدة قوية في سبيل تطوير السينما البحرينية.

يمكن اعتبار فيلم «بينهم» محاولة جيدة تستحق الوقوف عندها فهو وعلى رغم كل أخطائه قدم جديدا في مجال صناعة الأفلام الشبابية القصيرة، وتمكن من وضع لبنة من لبنات صناعة فيلم رعب شبابي قصير، استطاع صانعوه – على رغم قلة ومحدودية إمكاناتهم – أن يجعلوا مشاهده يعيش جواً من الرعب والخوف الذي عاشه أبطاله وممثلوه

العدد 1517 – الأربعاء 01 نوفمبر 2006م الموافق 09 شوال 1427هـ