الأفلام القصيرة قوة… هل نحسن تقديرها؟

منصورة عبد الأمير

على ما يبدو فإن نادي البحرين للسينما هو الجهة الوحيدة، في البحرين، التي تدرك ما يجب تقديمه تجاه نسبة لا بأس بها من الشباب البحريني المهتمة بصناعة الأفلام القصيرة. ذلك الإدراك يأتي متمثلا في صورة دعم معنوي يقدمه النادي لهؤلاء الشباب عبر تخصيص ليلة أسبوعية لعرض آخر إنتاجاتهم. طبعاً لا يتوقع من النادي تقديم أكثر من ذلك وهو الجهة الأهلية التي لا تحصل على أي دعم حكومي أياً كان شكله، لكنه على أية حال دعم مشكور للنادي وخطوة تحتسب للقائمين عليه. وليس ذلك بمستغرب من النادي الذي تضم قائمة أعضائه أسماء لعدد من المثقفين والفنانين البحرينيين الذين يعون جيدا أهمية الخطوة التي يقومون بها.

خطوة النادي عموما جاءت على ما يبدو مدفوعة بحجم الحماس الذي يحمله الشباب البحريني، وكذلك قدراتهم في مجال صناعة الأفلام القصيرة. وهو حماس وإن لم تقدره الجهات الرسمية في البحرين إلا أن دولا خليجية أخرى فتحت أذرعها لهذه المحاولات، والمقصود هنا مسابقة الأفلام القصيرة التي تقام سنويا بإمارة أبوظبي والتي يجد بعض الشباب البحريني الموهوبين طريقهم إليها بكل سهولة ويسر.

المأمول من الجهات الرسمية أن تضع في اعتبارها تلك المحاولات، وان تتعامل معها بوعي وجدية وطريقة لا تشبه بأي حال من الأحوال تعاملها مع كثير من الملفات الشبابية. هذه الجهات عليها أن تراقب ما يجري في العالم من حولها في كل شأن من الشئون الشبابية، وان تعي جيدا أن أية محاولة شبابية اليوم تؤخذ في العالم بجدية أكبر احد المحاولات الفيلمية الشبابية التي كان لها صدى كبير هو ذلك الفيلم الوثائقي الذي أنتجه شاب أميركي يدعى ديلان افيري، وناقش من خلاله حوادث11 سبتمبر/ أيلول طارحا وجهة نظر مختلفة لما يمكن أن يتوقعه كثيرون.

افيري الذي اعتمد على كثير من التقارير والأخبار الصحافية استنتج أن الحادث لم يكن سوى عمل دبرته جهات من داخل أميركا وان كل الاتهامات التي توجهها الإدارة الأميركية والتي تشير إلى تورط القاعدة وأسامة بن لادن في الحادث لا يمكن التعويل عليه.

محاولة افيري لم تتطلب أية خلفية في صناعة الأفلام، بل مجرد كاميرا ومجموعة من أصدقائه الذين بدوا على استعداد كاف لتجميع كل ما كتب بشأن 11 سبتمبر من تقارير وأخبار ومقالات وتغطيات إعلامية. أفيري لم يكن يحلم بأن يحصل فيلمه الذي لم يكلفه أكثر من 2000 دولار، على الاهتمام الذي حظي به، كل ما حلم به هو أن يتمكن من أن ينتج 2000 نسخة ليتمكن قلة من الناس من مشاهدته والتأثر بطرحه فيها.

الغريب أن هذا الفيلم الذي يوجه اتهاما مباشرا للحكومة الأميركية من شاب لا يتجاوز 22 من عمره، يصل إلى قائمة موقع غوغلز لأفضل 100 فيلم ويشاهد من قبل ملايين من الأفراد من جميع أنحاء العالم ربما شاركوا افيري غضبهم من عجز وسائل الإعلام الأميركية عن الإجابة على كثير من التساؤلات التي امتلأت بهم رؤوسهم.

الفيلم أنتجت منه نسخة ثانية معدلة، بسبب مزيد من النتائج التي توصل إليها افيري، كما يحتمل أن تصدر منه نسخة ثالثة هي التي يأمل افيري أن يشارك بها في مهرجان صندانس في العام المقبل.

الطريف أن هذا الشاب يبدو الآن بفضل الدعم المعنوي الذي حصل عليه مصرا على مواصلة التحقيق في قضية 11 سبتمبر حتى تنجلي الحقيقة كاملة! طبعاً لا يمكن المقارنة بين وضع شاب يعيش في أرض الأحلام، وآخر بحريني، لكن لا يمكن إنكار ان جزءا كبيرا من انجاز افيري يعود للحرية المعطاة من قبل الأجهزة الرسمية لأمثاله، حرية يحلم بها صناع السينما والدراما التلفزيونية الحقيقيين في البحرين وليس الهواة.

حرية تنعش الإبداع، أكاد أجزم أن جميع صناع الفن في البحرين يحلمن بمثلها، ويتساءلون عن اليوم الذين يمكن أن يعي فيه المسئولون أن صناعة الأفلام القصيرة يمكن لها أن أحسن الشباب استخدامها ان تكون ذات أثر وفاعلية وقدرة على توجيه الرأي العام، كذلك الذي تحمله المدونات الالكترونية (البلوغرز) أو المنتديات على أقل تقدير?

العدد 1567 – الخميس 21 ديسمبر 2006م الموافق 30 ذي القعدة 1427هـ

“اليقظة” … محاولة شبابية أخرى تلفت الانتباه

منصورة عبدالأمير  

ما الذي يمكن ان يوقظ الإنسان الغافل الذي تأخذه أهواء الحياة بعيدا فينسى انه سيترك هذا العالم وانه سيحاسب على كل ما أقدم عليه في حياته! ما الذي يمكن ان يشكل له رادعاً عن ارتكاب أي محرم، ان لم يكن يحمل ضميراً يقظاً متنبهاً؟ هل هي نصيحة صديق أو شقيق، أم توبيخ من أقرب المقربين، أم هو التسبب في خسارة صديق أو فقدان أخ، أو لعله الدخول في ما يشبه الإدمان، أم … حلم يأتي ليبطل أي تأثير لكل ما سبقه!

إنحراف الشباب، بعض مظاهرة، وبعض سبل الخروج منه ثم الوصول الى طريق “اليقظة”، محاولة شبابية أخرى تجيب على الأسئلة أعلاه يعرضها نادي البحرين للسينما في واحدة من مبادراته لتشجيع الطاقات البحرينية الشبابية في هذا المجال. يقدمه هذه المرة علي العلي في ثاني محاولاته في صناعة الفيلم القصير بعد “الطريق الى جهنم”، يأمل صانعه ان يعرض قريباً على قناة الزهراء.

العلي يناقش الثيمة أعلاه في فيلمه الذي لا تتجاوز مدته 28 دقيقة، يتناول فيه قصة كتبتها هدى البياع في أول محاولاتها الكتابية، تستعرض فيها بعض مظاهر الانحراف لدى الشباب. بطل القصة هو مصطفى الذي يقوم بدوره (حسين علي مهدي) وهو كما يبدو منذ المشاهد الأولى شاب عابث مستهتر بكل القيم لا يتورع عن ارتكاب أي محرم. يحاول المقربون منه نصحه وردعه عما يقوم به من دون فائدة، بدءاً بصديقه (حسام حسن) حتى والده (عبدالحسين نجم) وشقيقه عمار (علي السنكيس).

يصم أذنيه عن سماع نصائحهم ويستمر فيما يفعل حتى تأتيه الصحوة على يدي شقيقه عمار، حين يقضي نحبه أثناء نومه فتكون تلك بمثابة الضربة القاضية التي تأخذ مصطفى إلى طريق الإدمان أولاً لكنها سرعان ما تتسبب في هدايته حين يرى نفسه في الحلم محترقاً ويسمع شقيقه المتوفى يكرر عبارات النصح له كما كان يفعل قبل موته. يغير هذا الحلم مسار حياة مصطفى بأكملها ويفعل ما لم يتمكن منه كل المحيطين به. وهو بذلك يمثل الحدث الأهم والأقوى في فيلم العلي، درامياً وفنياً، على الأقل لأنه يشد انتباه المشاهدين ويشوقهم لما ستتبعه من حوادث، كما يفتح المجال لهم لوضع عدة افتراضات لما يمكن ان يناقشه الفيلم. نشاهد مقطعاً منه منذ البداية ، إذ تنطلق صرخات مصطفى، لتصم آذان المشاهدين ولتلفت انتباههم لحجم الألم والرعب الذي يعيشه، وليعلموا بعدها ان ما شاهدوه لم يكن سوى حلم عاشه مصطفى للحظات، وانه سيشكل فيما بعد أبلغ وأهم الحوادث، و أكثر المشاهد تأثيراً في نفس البطل والمتفرج على حد سواء. أهم ما يميز محاولة صنع الفيلم هذه، هو تمكن مخرجه، من اختيار بعض زوايا التصوير التي جاءت معبرة في بعض الأحيان عن انفعالات بعض شخصيات الفيلم، أو مساهمة في نقل الرسالة المراد ايصالها، هذا إلى جانب تمكنه من توظيف الموسيقى التصويرية بشكل جيد. عدا عن ذلك فقد مزج المخرج بين الاخراج السينمائي وذلك الدرامي، وهو ما اعتبره طفرة يأمل أن تحقق النجاح.

“اليقظة”… محاولة شبابية أخرى في مجال صناعة الأفلام القصيرة، وهي وان اعترتها بعض الأخطاء إلا أنها تضاف إلى قائمة طويلة من الأفلام القصيرة التي يبدعها الشباب البحريني كل يوم والتي تستحق التفاتة ودعم من المهتمين بالشأن السينمائي والمسئولين لما تحمله من إشارة إلى واقع هذه الفئة ومستوى الطموح لديها

العدد 1560 – الخميس 14 ديسمبر 2006م الموافق 23 ذي القعدة 1427هـ

“هكذا تتم المصالحات”… يا وزارة الإعلام

منصورة عبد الأمير

الحلقة التي قدمها تلفزيون البحرين من برنامج “كلمة أخيرة” والتي استضاف خلالها رئيس جمعية الوفاق الوطني الإسلامية الشيخ علي سلمان، لتطرح عليه مقدمة البرنامج أسئلة وتناقش معه بعض المحاور، وإن شكك البعض في نواياها، إلا أنها، وبحق، شكلت، محاوراً وحلقة، خطوة جريئة وغير متوقعة من الفضائية البحرينية.

وهي خطوة يبدو أنها لم تأت اعتباطاً أو بشكل عشوائي وإنما جاءت ضمن ما يبدو وكأنه خطة مدروسة للمصالحة، الحقيقية هذه المرة، مع المشاهد، وهي تختلف كثيراً عن خطط المصالحة السابقة التي عادت بشكل سلبي، لم يكن يتوقع مسئولو الإعلام حدته وسلبيته. وليس أدل على وجود هذه الخطة المدروسة من تلك الخطوات السابقة، والتي لم تقل جرأة و… شفافية في الطرح عن خطوة اللقاء مع علي سلمان. لعل أهمها حلقة من برنامج “قضايا الناس” بثها التلفزيون نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي ناقشت واقع الفقر في البحرين، عارضة أرقاماً حقيقية، ومشاهد حية حين تنقل مقدم الحلقة علي حسين ومخرجها محمد جناحي بين بعض أفقر أحياء القرى البحرينية، جنوسان أو جدالحاج، كما بدا في بعض اللقطات. طبعاً لا ننسى الحلقة، التي بثها التلفزيون مباشرة، من دون رقابة ومن دون تقطيع، استضاف فيها سامي هجرس كل من رئيس تحرير صحيفة “الوسط” ورئيس تحرير الصحيفة الزميلة “أخبار الخليج” وبعض من الصحافيين البحرينيين. في تلك الحلقة التي شاهدها، ربما، معظم البحرينيين، تم التطرق لبعض القضايا الحساسة التي لم يخطر على بال أي ممن شاهدوها أو أولئك الذين لم يسعفهم الحظ للتفرج عليها، لكن وصلتهم أنباؤها، أن يتم مناقشتها في برنامج يعرض على الفضائية البحرينية، ثم يسمح للمشاركين بالتحدث من دون ان يتدخل الرقيب في حذف او تقطيع عباراتهم وإعادة مونتاجها. طبعاً تخللت تلك النقلات النوعية الثلاث مجموعة من النقلات الأصغر التي بدت ملبية لرغبات المواطنين، ملامسة لقضاياهم، متناغمة مع نفسهم، لكنها، ربما، لم تلق نسبة مشاهدة كافية، إما لعدم الإعلان “الشعبي” عنها بشكل كاف، أو لعدم الثقة في الوجوه التي تقدمها وهي وجوه قد يكون المشاهد البحريني تعود منها الاستجابة لأوامر المسئولين، أو مغازلة الحكومة أياً كانت سلبيات ذلك، ولذلك لم يعد تغريدها يطرب أحداً أو يبعث في النفس أية نشوة. على أية حال، وسواء كان انعدام الثقة، أو الخلفية الموجودة لدى المشاهدين هما ما يتسبب في نفورهم من الفضائية البحرينية، بل واستخفافهم بها، فلا أظن أن المسئولين في وزارة الإعلام يملكون سوى استماحة العذر للمشككين في نوايا حملة المصالحة الجريئة و”الحقيقية” تلك. بعض هؤلاء المشككين يتهمون وزارة الإعلام بمحاولة التشويش على مجلس النواب المقبل، الذي يضم بعض الوجوه القوية، وهي التي يثق كثيرون بقدرتها على فتح ملفات كبرى وتناولها بكل جرأة وحساسية. وفي نظر المشككين فإن الوزارة أو جهازها الناطق، يحاولون حرق تلك الملفات وإفساد الأمر على المعارضة، و”التغذي بها قبل أن تتعشى بأي طرف”. جميعنا يعلم أن الفضائية تابعة لجهاز إعلامي ما تعود منه البحرينيون صراحة في الاعتراف بقضايا الوطن، أو الايمان بهموم الشعب الحقيقية أو على الأقل التحدث بلسان أو لغة تشبه تلك التي يتحدث بها أبناء البحرين!

كذلك ليستميح المسئولون العذر حتى لمن لا يثقون بقدرة الفضائية على الاستمرار في هذه الحملة بل ويكادون يجزمون بنهايتها القريبة، اعتماداً على الخلفية المختزنة في ذاكرتهم عن تاريخ المصالحات البحرينية.

فضائية البحرين والجهاز الذي تتبعه، لم يكن ابداً كذلك، ولذلك خسر كثيراً من مشاهديه، إن لم يكن غالبيتهم، وهم الذين نفروا من طرحه الرسمي الحكومي، واتجهوا لمحطات أخرى باتت أكثر قدرة على تناول الحدث المحلي بصراحة وصدقية عاليين. الآن ومع خطواته الجديدة التي نأمل لها الاستمرار، يبدو وكأن صورة جديدة ترتسم في أذهان الجميع وكأن شيئاً من الثقة يعود إلى نفوس وأذهان مشاهديه من البحرينيين، الذين لم ولن يرفضوا أية مبادرات صلح حقيقية وملموسة

العدد 1560 – الخميس 14 ديسمبر 2006م الموافق 23 ذي القعدة 1427هـ

محمد حداد… خارج حدود الكلام: أكثر من «موسيقى»… أقل من «حرية»

منصورة عبدالأمير 

حينما تحضر الموسيقى العذبة لا يصبح للكلمات، أيا كانت بلاغتها، هدف أو فائدة. حينها ايضاً لايكترث يكترث أحد لفصاحة العبارات وثراء التركيبات. كيف لا، وثيمة واحدة تختصر ما تحويه آلاف الصفحات في مقطوعة أو ثيمة واحدة. لا تعرف الموسيقى الكلام ولا يعرفه روادها ولا مبدعوها كذلك، ومحمد حداد هو واحد من أولئك الذين لا يجيدون لغة الكلام المألوفة، وهو يقر بذلك في بداية لقائي به، لكن أتراه يجهل أنه ينقل بألحانه أعذب المعاني وأرق القيم وأبلغ الثيمات والترنيمات؟

إقرار حداد بضعف ملكة الكلام لديه لم يكن سوى مؤشر إلى حال القلق التي يعيشها والتي يقر أيضا بتملكها له منذ البدايات، وهي حال جعلته غير قادر على تحديد وجهته الموسيقية فهو تائه بين التلحين والتأليف والتوزيع، بين حبه للجاز، وعشقه للفلامنكو، مقابل آلات أخرى كثيرة تستهويه، بين رفضه لكثير من أشكال الموسيقى الغنائية العربية، وتقبله لعدد محدود من الأغاني العربية. وكما أن هناك ما هو نافع من بعض الضارات، فإن تشوش حداد وارتباكه الموسيقيين وقلقه الذي يشبه تلك الحال التي يعيشها كثير من المبدعين، يأتي في صالحه، أو في صالح مستمعيه والمطلعين على تجربته، أو أولئك ممن حالفهم الحظ لتلامس ألحانه شغاف قلوبهم، تماماً كما حدث مع «حكاية بحرينية».

حداد المبدع، الذي وجد نفسه مع الفيلم السينمائي البحريني الثالث، والذي يمتن كثيرا لمخرجه بسام الذوادي الذي أعطاه كل الثقة ليؤلف موسيقى هذا العمل، يعتقد الآن وبعد نجاح تجربته السينمائية الأولى في التأليف الموسيقى أنه وجد ضالته «اعتقد بعد تجربة من هذا النوع سوف أظل في هذه المنطقة»، وذلك على رغم كل ما يتنازعه من نزعات موسيقية أخرى كتلك التي ظهرت لديه أخيراً والمتمثلة في «المزج بين الموسيقى الصوفية والجاز وهي منطقة جديدة بالنسبة لي لكنني لا أريدها أن تبعدني عن موسيقى السينما».

حداد، والموسيقى السينمائية، ووجود مميز في «حكاية بحرينية»، كانوا في ضيافة «الوسط» مرتين، مرة حين كرمت «الوسط» ممثلة في إدارتها التحريرية، وبعض صحافييها، أهم وجوه الفيلم ليكون حداد على رأس القائمة. ومرة أخرى حين بدت الاستزادة من تجربة حداد واجبا ممتعا كان لابد أن يتم.

تجربة حداد هي الأولى سينمائيا، سبقتها تجارب عدة على المسرح وفي التلفزيون، لكن لعلها لم تكن بقوة تأثير هذه التجربة وصدقها وفاعليتها. هو الحاصل على بكالوريوس في التأليف والقيادة الموسيقية من جامعة القاهرة، وهو واحد من ألمع الأسماء البحرينية الموسيقية التي تستحق الاشادة بها، على الأقل لفاعليتها في تكوين حوادث الفيلم وفي نقل مكنونات جميع شخصياته، محدثا بذلك نقلة موسيقية سينمائية نوعية تفخر البحرين مرة أخرى بخط مسارها خليجيا على أقل تقدير. ما الذي فعله بموسيقاه في هذا الفيلم؟ وكيف استطاعت موسيقاه ذلك؟ هل سبقت النص أم سبقها؟ هل كونت الحوادث أم كونتها تفاصيل سيناريو فريد رمضان أو مشاهد بسام الذوادي ولقطاته؟

كيف يرى حداد موسيقاه؟ وهل يتفق مع كثيرين في أنها كونت حوادث الفيلم وساهمت في تركيب مشاهدة؟ هل يؤمن أنه احدث نقلة نوعية مميزة ووضع علامة فارقة؟!

لا يبدو وكأنه يقيس الأمور كذلك فهو يرى أن وجهة نظر المتفرج أو المستمع هي الأهم، والتجربة على أية حال كانت ممتعة بالنسبة له إلى حد كبير، كذلك فإن «الأساس هو احترام بسام الذوادي للموسيقى». لم يلتق مخرجا يعي أهمية الموسيقى كالذوادي، جميعهم يعتبرونها «مكملة أو يستخدمونها كخلفية غير مدركين أنها يمكن أن تسبق الصورة في الأهمية».

ثيماته التي طرحها لا تعبر عن مكنونات الشخصية، وتساهم في نقل الحوادث وربما صوغها وحسب، بل «تعيش مع الشخصية فتفرح لفرحها أو العكس اذا كانت حزينة أو خائفة. إنها لصيقة بالشخصية، وربما مثلت رسما ثانيا أو رؤية أخرى لها».

نظرة الذوادي التقديرية للسينما، وحس حداد الفني الراقي، ثم ثراء أحداث رمضان، جعلت الثاني يحرص على تقديم موسيقى توقع منذ البداية «أن يكون لها تأثير قوي في الحوادث».

ركز على الشخصيات المحورية في الفيلم، فوضع لكل منها ثيمة موسيقية خصص لايصال كل واحدة آلة مختلفة تصاحبها في الظهور وتعبر عن كثير مما لا تستطيع حوارات رمضان نقله ومما لا يتمكن مؤدو الشخصية ايصاله من الانفعالات، وهو بالتالي «يقوي المشهد دراميا، ويساهم في نقل سير الحوادث (…) اخترت حمد لأنه يمزج بين الحبيبة والوطن، ويحيى اليهودي بسبب اشكالية وجودهذه الفئة في المجتمع، ثم خليفة المتفرج وراصد الحركة، كذلك الأم وفاطمة ومحمود ومنيرة»، يقول «عندما تظهر الشخصية تكون هناك ثيمة لصيقة بها أو آلة أو ربما الاثنان معا. فخليفة، ذو الشخصية الصامتة، الذي يحب الحمام، استخدمت له آلة الكولة التي قدم ألحانها العازف علي أحمد، وخصوصا أن لهذه الآلة صوت اشبه بهديل الحمام».

لإيصال شخصية لطيفة، الأم، استخدم حداد، التشيللو، «يذكرني التشيللو دائما بالأم بسبب (حنية) صوته، وللإيحاء الذي يعطيه احتضان العازف له أثناء تقديم موسيقاه»، لنقل الأجواء البحرينية القديمة استخدم العود وعازف عود ماهر هو طارق.

فاطمة اشتركت مع حمد في ثيمة آهات البنت التي أدتها أمينة بشكل مميز، التي كانت تمزج مع التشيللو أو البيانو. هذه الثيمة كانت تظهر حتى بعد موتها ومع ظهور حمد. في المقابل، اشتركت الأم مع الأب الذي يمثل القمع الموجود في المجتمع، في حال واحدة هي حال التشيلو فهما على رغم اختلاف ثيمة كل منهما إلا أنهما يتحدثان لغة واحدة.

الشخصية التي اربكت حداد هي شخصية يحيى اليهودي، أليست هذه هي المرة الأولى التي تحضر فيها شخصية يهودية في عمل بحريني؟!

«حاولت استحضار الصلوات الخاصة باليهود التي تردد في معابدهم، والاطلاع على مجموعة من موسيقى الشعوب القديمة. فكانت الكورال هي الأفضل لأتعاون مع نادر أميرالدين بتسجيل صوتيات رجالية (كورس) ومضاعفتها لتبدو كجوقة».

في بعض المشاهد اضطر حداد لدمج أكثر من ثيمة كذلك المشهد الذي يعلن فيه اليهودي يحيى حبه للبحرين «هنا كان لابد أن أدمج ثيمة يحيى مع العود، الذي لم يكن يفعل شيئا سوى الخربشة وسط الثيمة وكأنه يبحث عن مكان له وسط الجو اليهودي»، كذلك حدث مزج بين ثيمتي فاطمة وخليفة في المشهد الذي نرى فيه فاطمة تهرب إلى بيت والدها. «قررت إدخال ثيمة فاطمة لكن بالتناوب مع الكولة في أداء الألحان لأن المشهد يوضح تضامن خليفة مع فاطمة»، ويضطر في بعض الاحيان لاستعارة بعض الثيمات كما حدث مع منيرة، التي اعارها حداد بدايات ثيمة فاطمة، أوليست هي فاطمة أخرى تتمرد على مجتمعها لا بالموت كما فعلت اختها، لكن بالهروب هذه المرة؟

أما مشهد النهاية الذي تعلن فيه وفاة جمال عبدالناصر فقد «حاولت تقديم كل الثيمات فيه، فهو مشهد انكسار كل المشاعر وهو المشهد الذي تتناثر فيه الألحان»، ويضيف «قد لا يبدو ما أقوله واضحا في الفيلم لوجود عدة عناصر فنية كالصورة والمؤثرات، لكنني اهتممت بكل التفاصيل وقت كتابة الثيمات».

البيضة والدجاجة

من سبق الآخر، موسيقى حداد، أم نص رمضان، أم مشاهد الذوادي؟ وكيف بنى الأول تأليفاته الموسيقية وثيماته الرائعة التي أخذت متفرجي الفيلم بعيدا ونقلتهم إلى أعماق «فرجان» المحرق وبحرين السبعينات؟

بداية، لم يجد حداد ضرورة لانتظار بدء التصوير «اختصارا للوقت قمت بتأليف موسيقى بداية الفيلم اعتمادا على النص، فالثيمة الأساس تحوي عادة الخط الرئيسي للعمل، وهي غير مرتبطة بالمشاهد»، باستثناء الثيمة الأساس إذاً، لم تسبق الموسيقى النص ولا المشاهد ولم يسبقاها، فحداد يرى أن «المحرض هو النص، والنص هو فريد، لكن جلساتي مع بسام انتجت امورا وتفاصيل لم يتطرق لها فريد في الكتابة».

لم يكن ذلك السبب الوحيد الذي جعل الذوادي مساهما في تحديد هوية ثيمات حداد وحسب، بل «في بعض المشاهد التي اعتمدت فيها النص لوضع الموسيقى، حاولت بالتعاون مع المخرج تقدير طول الثيمات لتتناسب مع المشاهد أو العكس، ففي بعض الأحيان اضطررنا لتقليص الموسيقى أو إعادة مونتاج المشهد بإضافة زوايا جديدة أو كادرات تجعله متناسبا مع الثيمة التي وضعت».

الحرية في التعامل مع الموسيقى، وتفهم بسام للدور الذي تلعبه مختلف الثيمات في تقوية البنية الدرامية لعمله، كانا في نظر حداد أهم عوامل تميز موسيقاه وقوة تأثيرها في الفيلم، في المقابل فإن قوة موسيقاه وجرأتها في التعامل مع الحدث هي ما يظنه كثيرون واحدا من أعم عوامل قوة الفيلم

العدد 1553 – الخميس 07 ديسمبر 2006م الموافق 16 ذي القعدة 1427هـ

صناعة السينما… مسئولية مشتركة

منصورة عبدالأمير

المبادرة التي قامت بها الشركة البحرينية للإنتاج السينمائي أخيرا والتي أثمرت الفيلم السينمائي البحريني الثالث «حكاية بحرينية»، هي مبادرة تستحق كل إشادة وتقدير لما تنطوي عليه من حس وطني عالٍ وحب صادق للبحرين. فالقائمون على الشركة، لم يقدموا على تلك الخطوة إلا ايمانا منهم بأهمية قيام صناعة سينمائية بحرينية تخطو بها البحرين أولى خطواتها في مجال أصبح ذا قوة اقتصادية وثقافية لا يستهان بها عالميا. هؤلاء حملوا حسا وطنيا عاليا حين وثقوا بالطاقات الوطنية القائمة على العمل والتي يأتي على رأسها الكاتب فريد رمضان والمخرج بسام الذوادي، لإنتاج عمل تثقيفي راقٍ يبحث في الهوية البحرينية ويرسخ مفاهيم الحب والتسامح بين مختلف أطياف المجتمع البحريني وفئاته، بل وفتحوا الباب على مصراعيه لإبداعات جميع الطاقات البحرينية في هذا المجال. التصريحات التي أطلقها نائب رئيس مجلس إدارة الشركة خميس المقلة بهذا الخصوص – خلال اللقاء معه مساء الأربعاء الماضي – بدت مبشرة الى حد كبير ومطمئنة لقيام صناعة سينمائية حقيقية قوامها إمكانات مالية وفنية وبشرية… بحرينية. المقلة أكد أن شركته ستبذل كل جهد ممكن وتوفر ما يتاح لها من الإمكانات المادية في سبيل تشجيع الطاقات السينمائية والفنية الشابة في البحرين، كاشفا عن درجة عالية من الحماس للاعتماد على تلك الطاقات للتأسيس لهذه الخطوة المهمة سينمائيا في تاريخ البحرين. هذه التصريحات وبقدر ما تبعث الأمل بقيام صناعة سينما في الخليج، تثير في نفوس كثير من حملة الهمِّ السينمائي في البحرين والخليج خوفاً شديداً يتعلق بمدى قدرة هذه الشركة الوليدة على الاستمرار في مهمتها ومواجهة أية عراقيل واحباطات يمكن لها أن تطفئ حماس القائمين على أي مشروع سينمائي ممولين كانوا أم فنانين ومثقفين. هذه العراقيل يمكن تلمسها مع الإخفاقات التي عاشتها التجارب السينمائية الخليجية السابقة طوال تاريخها وهو تاريخ ليس جديدا. فمع كل فيلم من هذه الأفلام، كان أمل حملة الهمِّ السينمائي بقيام صناعة سينمائية حقيقية يرتفع عاليا، لكنه سرعان ما يخبو بفعل ردود الفعل المادية والمعنوية التي تطفئ حماس الممولين وصناع الأفلام.

ولعل انخفاض الربحية المادية هو ما ينفر أصحاب الأموال بالدرجة الأولى، وهو انخفاض تعود بعض أسبابه لإشكالية السينما في المجتمعات الخليجية، ولعدم حمل شعوبها ايمانا ووعيا كافيا بأهمية وجود سينما خليجية تناقش الشأن المحلي وتغرس القيم والأخلاقيات الخليجية، وتعمل كدرع يصد كل ما يمكن أن تعود به أفلام أخرى تروج لثقافات وأيديولوجيات غريبة على قيمنا وتراثنا الإسلامي والعربي.

المقلة يطلق المزيد من التصريحات التي من شأنها تهدئة تلك المخاوف، إذ يؤكد رغبة الشركة الحقيقية في إنشاء صناعة سينمائية حقيقية، وتعدى الأمر مجرد صناعة أفلام هنا وهناك. فأصحاب المال هذه المرة، متحمسون للاستثمار السينمائي، لا سعيا وراء الربحية بالدرجة الأولى أو بشكل سريع، بل إيمانا منهم بالأهمية الثقافية الحياتية التي تعود على المجتمعات الخليجية من وراء تلك الصناعة، وبالأهمية الاقتصادية طبعاً لوجود دول الخليج في هذا المجال وخوضها مجال المنافسة فيه عربيا على أقل تقدير.

يتجدد الأمل مع وجود مثل هذه الشركات التي يقوم عليها من يحملون رؤية مستنيرة ويملكون درجة عالية من الوعي والإحساس بالهمِّ الثقافي الخليجي. يتجدد الأمل وتبقى الكرة في ملعب أطراف عدة لعل الدولة تأتي في مقدمتها، وهي التي يجب أن تشجع مثل تلك المبادرات بخلق أجواء حرية لا يمكن للإبداع الثقافي والسينمائي أن يعيش من دونها. ثم، في ملعب المثقفين والفنانين الذين يأمل منهم الجمهور البحريني تقديم أفضل ما لديهم من أعمال فنية ترتقي بالمجتمع وتثبت قيمه السامية الأصيلة، لا العكس. وأخيراً، في ملعب المشاهد البحريني والخليجي الذي تقع عليه مسئولية تقديم جزء كبير من الدعم المعنوي الذي لا يقل أهمية عن الدعم المادي، بل ويعد أحد أهم أوجه المشاركة في هذه الصناعة

العدد 1553 – الخميس 07 ديسمبر 2006م الموافق 16 ذي القعدة 1427هـ