محمد حداد… خارج حدود الكلام: أكثر من «موسيقى»… أقل من «حرية»

منصورة عبدالأمير 

حينما تحضر الموسيقى العذبة لا يصبح للكلمات، أيا كانت بلاغتها، هدف أو فائدة. حينها ايضاً لايكترث يكترث أحد لفصاحة العبارات وثراء التركيبات. كيف لا، وثيمة واحدة تختصر ما تحويه آلاف الصفحات في مقطوعة أو ثيمة واحدة. لا تعرف الموسيقى الكلام ولا يعرفه روادها ولا مبدعوها كذلك، ومحمد حداد هو واحد من أولئك الذين لا يجيدون لغة الكلام المألوفة، وهو يقر بذلك في بداية لقائي به، لكن أتراه يجهل أنه ينقل بألحانه أعذب المعاني وأرق القيم وأبلغ الثيمات والترنيمات؟

إقرار حداد بضعف ملكة الكلام لديه لم يكن سوى مؤشر إلى حال القلق التي يعيشها والتي يقر أيضا بتملكها له منذ البدايات، وهي حال جعلته غير قادر على تحديد وجهته الموسيقية فهو تائه بين التلحين والتأليف والتوزيع، بين حبه للجاز، وعشقه للفلامنكو، مقابل آلات أخرى كثيرة تستهويه، بين رفضه لكثير من أشكال الموسيقى الغنائية العربية، وتقبله لعدد محدود من الأغاني العربية. وكما أن هناك ما هو نافع من بعض الضارات، فإن تشوش حداد وارتباكه الموسيقيين وقلقه الذي يشبه تلك الحال التي يعيشها كثير من المبدعين، يأتي في صالحه، أو في صالح مستمعيه والمطلعين على تجربته، أو أولئك ممن حالفهم الحظ لتلامس ألحانه شغاف قلوبهم، تماماً كما حدث مع «حكاية بحرينية».

حداد المبدع، الذي وجد نفسه مع الفيلم السينمائي البحريني الثالث، والذي يمتن كثيرا لمخرجه بسام الذوادي الذي أعطاه كل الثقة ليؤلف موسيقى هذا العمل، يعتقد الآن وبعد نجاح تجربته السينمائية الأولى في التأليف الموسيقى أنه وجد ضالته «اعتقد بعد تجربة من هذا النوع سوف أظل في هذه المنطقة»، وذلك على رغم كل ما يتنازعه من نزعات موسيقية أخرى كتلك التي ظهرت لديه أخيراً والمتمثلة في «المزج بين الموسيقى الصوفية والجاز وهي منطقة جديدة بالنسبة لي لكنني لا أريدها أن تبعدني عن موسيقى السينما».

حداد، والموسيقى السينمائية، ووجود مميز في «حكاية بحرينية»، كانوا في ضيافة «الوسط» مرتين، مرة حين كرمت «الوسط» ممثلة في إدارتها التحريرية، وبعض صحافييها، أهم وجوه الفيلم ليكون حداد على رأس القائمة. ومرة أخرى حين بدت الاستزادة من تجربة حداد واجبا ممتعا كان لابد أن يتم.

تجربة حداد هي الأولى سينمائيا، سبقتها تجارب عدة على المسرح وفي التلفزيون، لكن لعلها لم تكن بقوة تأثير هذه التجربة وصدقها وفاعليتها. هو الحاصل على بكالوريوس في التأليف والقيادة الموسيقية من جامعة القاهرة، وهو واحد من ألمع الأسماء البحرينية الموسيقية التي تستحق الاشادة بها، على الأقل لفاعليتها في تكوين حوادث الفيلم وفي نقل مكنونات جميع شخصياته، محدثا بذلك نقلة موسيقية سينمائية نوعية تفخر البحرين مرة أخرى بخط مسارها خليجيا على أقل تقدير. ما الذي فعله بموسيقاه في هذا الفيلم؟ وكيف استطاعت موسيقاه ذلك؟ هل سبقت النص أم سبقها؟ هل كونت الحوادث أم كونتها تفاصيل سيناريو فريد رمضان أو مشاهد بسام الذوادي ولقطاته؟

كيف يرى حداد موسيقاه؟ وهل يتفق مع كثيرين في أنها كونت حوادث الفيلم وساهمت في تركيب مشاهدة؟ هل يؤمن أنه احدث نقلة نوعية مميزة ووضع علامة فارقة؟!

لا يبدو وكأنه يقيس الأمور كذلك فهو يرى أن وجهة نظر المتفرج أو المستمع هي الأهم، والتجربة على أية حال كانت ممتعة بالنسبة له إلى حد كبير، كذلك فإن «الأساس هو احترام بسام الذوادي للموسيقى». لم يلتق مخرجا يعي أهمية الموسيقى كالذوادي، جميعهم يعتبرونها «مكملة أو يستخدمونها كخلفية غير مدركين أنها يمكن أن تسبق الصورة في الأهمية».

ثيماته التي طرحها لا تعبر عن مكنونات الشخصية، وتساهم في نقل الحوادث وربما صوغها وحسب، بل «تعيش مع الشخصية فتفرح لفرحها أو العكس اذا كانت حزينة أو خائفة. إنها لصيقة بالشخصية، وربما مثلت رسما ثانيا أو رؤية أخرى لها».

نظرة الذوادي التقديرية للسينما، وحس حداد الفني الراقي، ثم ثراء أحداث رمضان، جعلت الثاني يحرص على تقديم موسيقى توقع منذ البداية «أن يكون لها تأثير قوي في الحوادث».

ركز على الشخصيات المحورية في الفيلم، فوضع لكل منها ثيمة موسيقية خصص لايصال كل واحدة آلة مختلفة تصاحبها في الظهور وتعبر عن كثير مما لا تستطيع حوارات رمضان نقله ومما لا يتمكن مؤدو الشخصية ايصاله من الانفعالات، وهو بالتالي «يقوي المشهد دراميا، ويساهم في نقل سير الحوادث (…) اخترت حمد لأنه يمزج بين الحبيبة والوطن، ويحيى اليهودي بسبب اشكالية وجودهذه الفئة في المجتمع، ثم خليفة المتفرج وراصد الحركة، كذلك الأم وفاطمة ومحمود ومنيرة»، يقول «عندما تظهر الشخصية تكون هناك ثيمة لصيقة بها أو آلة أو ربما الاثنان معا. فخليفة، ذو الشخصية الصامتة، الذي يحب الحمام، استخدمت له آلة الكولة التي قدم ألحانها العازف علي أحمد، وخصوصا أن لهذه الآلة صوت اشبه بهديل الحمام».

لإيصال شخصية لطيفة، الأم، استخدم حداد، التشيللو، «يذكرني التشيللو دائما بالأم بسبب (حنية) صوته، وللإيحاء الذي يعطيه احتضان العازف له أثناء تقديم موسيقاه»، لنقل الأجواء البحرينية القديمة استخدم العود وعازف عود ماهر هو طارق.

فاطمة اشتركت مع حمد في ثيمة آهات البنت التي أدتها أمينة بشكل مميز، التي كانت تمزج مع التشيللو أو البيانو. هذه الثيمة كانت تظهر حتى بعد موتها ومع ظهور حمد. في المقابل، اشتركت الأم مع الأب الذي يمثل القمع الموجود في المجتمع، في حال واحدة هي حال التشيلو فهما على رغم اختلاف ثيمة كل منهما إلا أنهما يتحدثان لغة واحدة.

الشخصية التي اربكت حداد هي شخصية يحيى اليهودي، أليست هذه هي المرة الأولى التي تحضر فيها شخصية يهودية في عمل بحريني؟!

«حاولت استحضار الصلوات الخاصة باليهود التي تردد في معابدهم، والاطلاع على مجموعة من موسيقى الشعوب القديمة. فكانت الكورال هي الأفضل لأتعاون مع نادر أميرالدين بتسجيل صوتيات رجالية (كورس) ومضاعفتها لتبدو كجوقة».

في بعض المشاهد اضطر حداد لدمج أكثر من ثيمة كذلك المشهد الذي يعلن فيه اليهودي يحيى حبه للبحرين «هنا كان لابد أن أدمج ثيمة يحيى مع العود، الذي لم يكن يفعل شيئا سوى الخربشة وسط الثيمة وكأنه يبحث عن مكان له وسط الجو اليهودي»، كذلك حدث مزج بين ثيمتي فاطمة وخليفة في المشهد الذي نرى فيه فاطمة تهرب إلى بيت والدها. «قررت إدخال ثيمة فاطمة لكن بالتناوب مع الكولة في أداء الألحان لأن المشهد يوضح تضامن خليفة مع فاطمة»، ويضطر في بعض الاحيان لاستعارة بعض الثيمات كما حدث مع منيرة، التي اعارها حداد بدايات ثيمة فاطمة، أوليست هي فاطمة أخرى تتمرد على مجتمعها لا بالموت كما فعلت اختها، لكن بالهروب هذه المرة؟

أما مشهد النهاية الذي تعلن فيه وفاة جمال عبدالناصر فقد «حاولت تقديم كل الثيمات فيه، فهو مشهد انكسار كل المشاعر وهو المشهد الذي تتناثر فيه الألحان»، ويضيف «قد لا يبدو ما أقوله واضحا في الفيلم لوجود عدة عناصر فنية كالصورة والمؤثرات، لكنني اهتممت بكل التفاصيل وقت كتابة الثيمات».

البيضة والدجاجة

من سبق الآخر، موسيقى حداد، أم نص رمضان، أم مشاهد الذوادي؟ وكيف بنى الأول تأليفاته الموسيقية وثيماته الرائعة التي أخذت متفرجي الفيلم بعيدا ونقلتهم إلى أعماق «فرجان» المحرق وبحرين السبعينات؟

بداية، لم يجد حداد ضرورة لانتظار بدء التصوير «اختصارا للوقت قمت بتأليف موسيقى بداية الفيلم اعتمادا على النص، فالثيمة الأساس تحوي عادة الخط الرئيسي للعمل، وهي غير مرتبطة بالمشاهد»، باستثناء الثيمة الأساس إذاً، لم تسبق الموسيقى النص ولا المشاهد ولم يسبقاها، فحداد يرى أن «المحرض هو النص، والنص هو فريد، لكن جلساتي مع بسام انتجت امورا وتفاصيل لم يتطرق لها فريد في الكتابة».

لم يكن ذلك السبب الوحيد الذي جعل الذوادي مساهما في تحديد هوية ثيمات حداد وحسب، بل «في بعض المشاهد التي اعتمدت فيها النص لوضع الموسيقى، حاولت بالتعاون مع المخرج تقدير طول الثيمات لتتناسب مع المشاهد أو العكس، ففي بعض الأحيان اضطررنا لتقليص الموسيقى أو إعادة مونتاج المشهد بإضافة زوايا جديدة أو كادرات تجعله متناسبا مع الثيمة التي وضعت».

الحرية في التعامل مع الموسيقى، وتفهم بسام للدور الذي تلعبه مختلف الثيمات في تقوية البنية الدرامية لعمله، كانا في نظر حداد أهم عوامل تميز موسيقاه وقوة تأثيرها في الفيلم، في المقابل فإن قوة موسيقاه وجرأتها في التعامل مع الحدث هي ما يظنه كثيرون واحدا من أعم عوامل قوة الفيلم

العدد 1553 – الخميس 07 ديسمبر 2006م الموافق 16 ذي القعدة 1427هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s