أذن «الإعلام» من طين أم من عجين؟

منصورة عبدالامير

يكاد المتابع للساحة الثقافية و «الفنية» في البحرين يصاب بهذيان وهلوسة أشبه بالهستيريا؛ لفرط ما يشهد من ثراء وعطاء البحرينيين للثقافة بمختلف فروعها وللفنون بتعدد أهوائها.

لا نهاية لعطاء هذه الساحة، وكم الإبداعات فيها يبدو كسيل منهمر لا توقف له، وجوه أبطاله لا تتكرر كثيرا، فالقائمة تطول ولا حصر لها. نفاجأ بهم بين الحين والآخر وهم يعرضون أمام أعيننا أفضل ما تسمح به قدراتهم وطاقاتهم من إبداعات فنية ومسرحية وأدبية وغير ذلك كثير من قائمة لا نهاية لها.

آخر المفاجآت جاءت على يد الكاتب إبراهيم سند، الذي قدم أخيرا مسرحية للأطفال تحت عنوان «الطيور الزرقة»، وبعيدا عن الخوض في تفاصيل العمل وجمالياته وقدرات جميع العاملين فيه وهي التي تنبئ بخير، إلا أننا هنا أمام طاقة حقيقية أنتجت عملا قصصيا موجها إلى الأطفال، ثم تمكنت من تحويله إلى عمل فني استقطب انتباه الصغار، وتمكن من إيصال رسالة تربوية واضحة، لامست قلوبهم بفضل خفة ظل النص وتمكن الممثلين من تأديته على الوجه الصحيح.

أتساءل: أين الجهات المسئولة من مثل هذه الأعمال؟ هل اكتفت وزارة الإعلام – ممثلة في هيئة الإذاعة والتلفزيون – بتصوير العمل ثم بث ثوانٍ معدودةٍ منه عبر برنامج «باب البحرين»؟ ثم أين كان إبراهيم سند كاتب العمل مسبقا؟ هل قفز فجأة من الفراغ؟ أليس هو من فاز قبل أعوام قليلة بالمركز الأول في مسابقة قصة الأطفال التي أقامتها المؤسسة العامة للشباب الرياضي؟ لماذا لم نسمع عنه المزيد؟ لماذا لم تحتضن الدولة إبداعه؟ ثم هل سيحصل عمله، وكاتبه، على الدعم والاهتمام الرسميين المطلوبين وهو ما يمكن اعتباره عملا كفيلا بأن يؤسس مسرح طفل «راقيا»؟ نحن بأمس الحاجة إليه اليوم!

بعيدا عن المسرح، أبهرتنا «فضائية دبي» عبر برنامجها «زي النجوم» بوجه بحريني آخر، أتساءل: لمَ كان مغيبا طوال الفترة الماضية؟ نجمة عبدالله ذات القدرات الغنائية العالية، التي لم نسمع الكثير عنها مسبقا وما ظن أحد أنها على مستوى عالٍ كالذي ظهر من خلال «زي النجوم». فعلا، أين كانت نجمة قبلها؟ ولماذا لم يسمع عنها سوى عبر أخبار تنشر بين الحين والآخر، على استحياء، في ملحق فني هنا أو هناك؟

ولا ينتهي المطاف عند سند ونجمة، بل يمكن القول إن موسم تفجر الطاقات والإبداعات البحرينية قد بدأ مع بدء موسم عاشوراء، فنحن الآن على موعد مع مفاجآت من نوع آخر، أبطالها كم كبير من الطاقات الشبابية، التي تخرج من عمق أحياء مدن وقرى البحرين، لتبرز عبر أعمال مسرحية مجسدة لملحمة كربلاء تجسدها عبر فرق تمثيلية متواضعة، من العروج «السنابسية»، إلى نادي بوري انتهاء بالمسرحية التي تتبناها جمعية التوعية الإسلامية سنويا وتقدم بمشاركة نخبة من الشباب.

ومن المسرح إلى التشابيه الحسينية التي تمثل هي الأخرى صورة فنية لا تقل أهمية عن تلك المقدمة عبر المسرح، التي تبرز فيها أسماء ووجوه وقدرات واعدة! ثم إلى المرسم الفني، وكثير من المشروعات الفنية الثقافية التي تعد فرصا تُبرِز قدرات أبناء البحرين، بمختلف طوائفهم، في هذا الموسم.

السؤال المهم الذي يظل يطرح نفسه باستمرار: أين الجهات الرسمية من كل ذلك؟ لماذا لا يُحتَضَن إبراهيم سند، كما احتُضِن غيره، كما مُوِّلت مشروعات سابقة لم تكن ربما بمستوى مشروع سند؟ لماذا تكون «فضائية دبي» هي التي تبرز نجمة، كما أبرزت المذيعة المتألقة بروين حبيب مسبقا؟ لماذا لا يحتفي تلفزيون البحرين – على أقل تقدير – بنجمة كما يفعل مع سواها؟ لماذا مثلا لا تصل أخبارها باستمرار إلى محرري الصفحات الفنية كما هي الحال مع آخرين وأخريات لا يملكون نصف قدرات نجمة؟ لماذا لا تُوَثق الأعمال المسرحية العاشورائية، وتُعرَض على القنوات التلفزيونية، وخصوصا الأعمال ذات المستوى الجيد منها؟ ولا ننسى أن الإمام الحسين (ع) مدرسة إنسانية خالدة، وليس حصرا على طائفة أو دين معين!

العدد 1602 – الخميس 25 يناير 2007م الموافق 06 محرم 1428هـ

بني البشر Children of Men: سوداوي… مرعب ولا يخلو من عنصرية

منصورة عبدالأمير 

إذا كنت أحد أولئك الذين يحبون بريطانيا، ويحملون عشقا خاصا لعاصمتها لندن مدينة الضباب، فأنصحك ألا تشاهد فيلم Children of Men الذي يعرض حاليا في سينما السيف، لأنك حينها سترى صورة أخرى مختلفة تماما عن كل ما تحمله ذاكرتك لهذا البلد، ولمدينة لندن خصوصا. الصورة الجديدة لن تسعد حواسك بل ستصيبك بشيء غير قليل من الأسى بسبب ما يزعم صانعو الفيلم كونه مستقبل هذه المدينة، إذ تبدو لندن مدينة قذرة شبه مدمرة وكأنها خرجت للتو من حرب ساحقة، تنتشر في شوارعها العصابات ولا يبدو لرجال شرطتها أي هدف سوى اشاعة مزيد من الفساد. ملئت جدرانها بكثير من الشعارات الغرافيتي وعلى رغم كون ذلك واقع حال جدران لندن اليوم، فإن الفيلم يبالغ في نقل الصورة لتعتقد لوهلة أنك في مدينة تملأها شعارات مغطاة بجدران وليس العكس!

يتضح لنا أن شعارات الجدران ليست سوى وسيلة لمناهضة حكم العكسر الذي يحاول إحكام السيطرة على المدينة بعد أن أصبح كل شيء فيها خارج نطاق السيطرة. كيف لا وشوارع المدينة تغص بالمهاجرين غير الشرعيين الذين تطاردهم الشرطة البريطانية، أو بالأحرى الجيش البريطاني، في أزقة وحارات لندن. مفهوم الأمان أصبح أمرا من الماضي في هذه المدينة، إذ لا يخلو يوم من دون أن يسمع دوي انفجار في أحد أحيائها، أو في أحياء المدن المجاورة، ليفربول كانت آخرها كما نفهم من حوار يدور في أحد المشاهد بين بطلي الفيلم ثيو فارون (كلايف أوين) وجاسبر (مايكل كايني) يشار فيه الى أن هذه الانفجارات قد تكون مدبرة من قبل الحكومة للتغطية على فضائح بعض الوزراء. بالمناسبة، لا يوضح الفيلم هوية هذين الشخصين، لكننا نعلم أنهما البطلان وأنهما يسيران الحوادث وأنهما أنزه من نقابل من شخصيات، وأنهما يضحيان بحياتهما من أجل إنقاذ البشرية!

طبعا هما بريطانيان انجليزيان، ويواجهان طبعا كثيرا من القسوة والحقد والأنانية والتآمر وغير ذلك من كل من يحيط بهما، وغالبيتهم لا ينتمون للعرق الانجليزي! تحيط بهما المؤامرات لكنهما يتمكنان من كشفها، ويخسران في سبيل حبهما لنشر الخير والسلام صديقتهما، أو حبيبة فارون السابقة جوليان تايلور (تقوم بدورها الرائعة جوليان مور).

قبل الدخول في قصة جوليان هذه علينا أن نعرف أن هذه الصورة القاتمة السوداوية المرعبة تصور لندن في العام 2027 أي بعد 20 عاما من الآن، حين تكون البشرية قد مرت بكارثة مرعبة قبل 20 عاما قضت على أي أمل لها بالتناسل، إذ وبعد أن تنتشر حمى الانفلونزا في العام 2008 وتقضي على من تقضي، يصيب نساء العالم عقم يبدأ بحالات اجهاض غير مبررة تجتاح النساء في كل مكان، ثم تتحول الى عقم تعجز النساء بسببه عن حمل أي نطفة في أرحامهن وليهدد البشرية بالانقراض.

طبعا تبدو بريطانيا بحسب الفيلم المكان الأكثر أمانا في العالم، إذ انهار العالم بأجمعه لأسباب لم تبدُ واضحة، وإن كان تقرير بثته قناة الـ «بي بي سي» في أحد مشاهد الفيلم أعطى تلميحات لما قد يكون السبب، إذ يعرض التقرير صورا لبعض اكبر مدن العالم، لنشهد تفجيرات في احداها ونزاعات مسلحة في أخرى، و… نساء محجبات يرفعن أكفهن عاليا ويبدون كما لو يشاركن في مسيرة. الطريف أن النساء جميعهن يرتدين الشادور الايراني، لكن اللقطة مأخوذة بحسب التقرير من مدينة كوالالمبور!

يبدأ فيلم الخيال العلمي هذا بمقتل أصغر فتى في العالم وهو البالغ 18 عاما وبضعة اشهر وعدة ايام. الفتى انجليزي طبعا، ويقتل في أحد شوارع لندن لرفضه توقيع أوتوغراف أحدهم، ومن تعليق لبطلي الفيلم فارون وجاسبر على خبر مقتله نتمكن من الامساك بأول خيوط الكارثة التي يعيشها البشر أو التي سيعيشونها بعد عشرين عاما من الآن.

وفارون يؤكد أن اسباب حال العقم التي تجتاح البشر تلك غير معلومة، إذ يمكن أن تكون الأبحاث الجينية هي السبب ولربما كانت اشعة جاما أو التلوث الذي يملأ العالم هما ما أديا بالبشرية الى تلك الكارثة المروعة. ما لا يعلمه الاثنان، وما سيعرفه فارون بعدها ويدفع حياته ثمنا له هو أن الأمل الوحيد للبشرية التي تسير نحو نهايتها يقبع في رحم إحداهن، إمرأة من أصول إفريقية ويبدو أنها احد المهاجرين غير الشرعيين، لم يوضح الفيلم ذلك لكن الفتاة تصرح بأنها تخشى أن يسرق البريطانيون جنينها إن اعلنت حملها، لينسب بعد ذلك الى أية امرأة سوداء تحمل الجنسية البريطانية.

تتقاطع خطوط هذه الفتاة مع فارون، حين تلجأ لجماعة سرية طالبة منها ايصالها الى ما يسمى بالمشروع البشري، وهو معمل ابحاث متنقل يحاول ايجاد خلاص للبشرية يتخفى على هيئة قارب صيد، ويجوب بحار العالم بحثا عن أمل. الجماعة السرية تتشكل من مجموعة من البريطانيين ذوي الاعراق المختلفة، ترأسهم جوليان، حبيبة فارون السابقة، التي تلجأ إليه للحصول على أوراق رسمية تصرح للفتاة بالمرور عبر المدن البريطانية لتصل الى حيث ترسو السفينة تلك.

تتوالى حوادث كثيرة ويقطع فارون رحلة طويلة يكتشف فيها الكثير من الحقائق والأمور ثم يفقد صديقته جوليان وجاسبر صديق عمره، وأخيرا يتعرض لطلق ناري يفقد على أثره حياته لكن بعد أن يتمكن من ايصال الفتاة الى بر الأمان وينقذ البشرية.

أهم ما يميز الفيلم هو اخراجه بطريقة جيدة، وهو العمل الذي قام به المخرج المكسيكي الفونسو كوارون، الذي قدم عددا لا بأس به من الأعمال السينمائية الجيدة، لعل أشهرها الجزء الثالث من هاري بوترHarry Potter and the Prisoner of Azbakhan. كوارون تمكن من تقديم صورة بائسة للغاية معبرة عما يفترض أن تؤول إليه الأمور، واستطاع شد المتفرج واشعاره بحال اليأس التي تعيشها جميع الشخصيات، كما قدم صورة للمدينة تستحضر الى الذاكرة تلك التي قدمها المجنون كوانتين تارانتينو في مدينة الخطيئة Sin City.

كذلك جاء اختيار الممثلين موفقا، جميعهم أدوا أدوارهم ببراعة وتقمصوا الشخصيات بشكل مقنع، ولا فخر للمخرج في قدرتهم على اقناع المشاهد بالحوادث، فالممثلون الرئيسيون هم مجموعة من أفضل وأقوى الوجوه أمثال مايكل كيني، وكلايف أوين، وجوليان مور، وتشويتيل ايافور.

ما يؤخذ على الفيلم هو النفس العنصري الذي يمكن أن يستشعره المشاهد بكل بساطة عبر مختلف المشاهد وخصوصا تلك التي تصور المهاجرين غير الشرعيين. طبعا هؤلاء المهاجرون معظمهم من العرب وبعض دول أوروبا الشرقية. وهؤلاء، بحسب الفيلم، يستحقون تطبيق القوانين العسكرية عليهم وعزلهم في مخيمات تشبه تلك التي يزعم أن اليهود عزلوا فيها في بدايات القرن الماضي. فهؤلاء لا يفعلون شيئا سوى اثارة الفوضى والتخريب والتدمير وقتل الأبرياء ويملأون الجدران بشعارات تدعو الى الانتفاضة، أو «الانتفادا» كما يتضح في بعض المشاهد.

ولا يكتفون بذلك، بل إنهم يتظاهرون رافعين شعارات «الله أكبر»، ولا أعرف لماذا يغطون وجوههم بأقنعة تشبه تلك التي يرتديها مقاتلو حماس! ثم ينخرطون بعد ذلك في مواجهة مع الجنود البريطانيين، ويعيثون فسادا في الأرض التي تطعمهم وتأويهم بعد أن تدمر العالم!

كذلك لا يخلو الفيلم طبعا من نبرة الفخر الزائف التي يزعم أن الانجليز يحملوها، والتي تقنعك كثير من المشاهد بوجودها فعلا لديهم، فالانجليزي هو النزيه الوحيد وكل من حوله متآمرون. وهو الذي يدفع حياته من أجل انقاذ البشرية واسعاد الآخرين، فيما يفكر الآخرون بأنانية مفرطة ويتعاملون مع الأمور ببشاعة وقسوة!

عموما الفيلم جيد ويقدم رسالة خطيرة ومرعبة للغاية، لكن يأبى صانعوه إلا أن يحشوه بكثير من عنصريتهم وفخرهم الزائف ليفسدوا روعة المشاهدة وليقللوا من قيمة الرسالة المنقولة عبره.

العدد 1595 – الخميس 18 يناير 2007م الموافق 28 ذي الحجة 1427هـ

هيفاء المنصور: السينما الإسلامية مطلوبة… ومعالجاتنا السينمائية سطحية

منصورة عبدالأمير 

هيفاء المنصور… مخرجة سينمائية، وكاتبة، وممثلة، تأتي من بلد لا تبدو النظرة فيه إلى الفن و «المتعاملين معه» واضحة ومحددة، مهما بلغ رقي ذلك الفن وسمت أهدافه. هي تحمل الكثير من الطموح في مقابل القليل من الإمكانات المادية التي لم تمنعها يوما من ترجمة كل ما تحمله من هموم وقضايا مجتمعها إلى صور سينمائية، هي وإن تواضع طرحها وأسلوب تقديمها إلا أنها وجهت أنظار المهتمين إلى هذه الشابة العربية الخليجية السعودية. بلغ عدد تجاربها السينمائية لحد الآن 4 أفلام هي «من؟» و «الرحيل المر» و «أنا والآخر» وأخيرا «نساء بلا ظل». فيلمها الثالث خصوصا وهو الذي يعالج قضايا التعدد الفكري في السعودية، اعتبر واحدا من أبرز التجارب السينمائية في الخليج وربما يكون هو ما شجعها على الاستمرار وإكمال مسيرة بدأتها من دون تخطيط مسبق. حاز جائزتين دوليتين، الأولى جائزة أفضل سيناريو في مسابقة أفلام من الإمارات في مارس/ آذار من العام 2004، والثانية فوزه بتنويه خاص في مهرجان روتردام للفيلم العربي بهولندا في يونيو/ حزيران من العام 2004، وتم عرض الفيلم في الولايات المتحدة، ومهرجان دبي الثقافي لسينما المرأة، ومهرجان فلاينغ بروم العالمي لسينما المرأة في العاصمة التركية (أنقرة)، وكذلك بينالي السينما العربية في باريس، ورشح للعرض في مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام القصيرة والتسجيلية، ومهرجان بيروت السينمائي، ومهرجان مونتريال للعالم العربي في كندا. «الوسط» التقت المنصور أثناء عرض خاص أقامه نادي البحرين للسينما لفيلمها الرابع «نساء بلا ظل» وهو من الأفلام الوثائقية، ناقشت المنصور من خلاله قضية المرأة في المجتمع السعودي، وعلاقتها بالرجل، طارحة بعضا من الإشكالات الثقافية والفكرية كعمل المرأة وقضايا الاختلاق والزواج وحرية الاختيار، مستعرضة موقف الدين من هذه الإشكالات، وكان معها هذا اللقاء…

كيف جاء قرار دخولكِ مجال الإخراج السينمائي؟

– أحب مشاهدة الأفلام بشكل كبير، وأحب السينما، أما قرار دخولي فلم يكن له تخطيط مسبق لكني شعرت في فترة معينة بأني أريد أن أعمل شيئا أحبه كثيرا. كنت في المسرح المدرسي وكنت مهتمة حينها بالإخراج وكتابة السيناريو. كل ما في الأمر، إني قررت أن أعمل شيئا أحبه، فقدمت فيلمي الأول «من؟» الذي لم أكن أتوقع له أي نجاح، لكن تفاجأت بنجاحه بعد عرضه في الإمارات. الشعور بالنجاح والصدى الجيد والتجاوب من الناس هو ما شجعني على تقديم فيلم آخر، والاستمرار في هذا الطريق وإكمال المشوار.

حدثينا قليلا عن معاناة الفنان السعودي، هل يعيش أزمة تفرضها القوانين والأعراف الدينية وربما حتى السياسية؟ وكيف هو الحراك الثقافي في السعودية؟

– لا أتوقع أن تكون الأزمة التي يعيشها الفنان لها علاقة بالسياسة، فما يحدث هو أن هناك رقابة تفرض خطوطا حمراءَ يقف عندها الفنانون، وإن كانت السعودية تمر الآن بمرحلة انفتاح، ولكن هناك الكثير من الفنانين والفنانات السعوديين الذين يشاركون في أعمال خليجية درامية كثيرة وإن لم يَكُنَّ معروفات على أنهن سعوديات، بل إن الطلب يزداد عليهن حين تعلن جنسيتهن.

المشكلة التي يعانيها الفنان السعوديخ خصوصا، والخليجي عموما تتمثل في النظرة الدونية التي يحملها البعض إلى الفنان، وهي نظرة لم يتمكن بعض الفنانين والفنانات الخليجيين من التعامل معها بشكل صحي. وضع الفنان الخليجي أصبح الآن محل تساؤل كثير من الناس نتيجة فساد بعض الفنانين، ونحن نتمنى أن تتغير هذه النظرة ويظهر الفنان بمظهر مختلف. الآن الكثير من الفنانين تخطوا هذه النظرة، فالوضع كان صعبا جدا ولكن نتمنى أن تضخ دماء جديدة تنظر إلى الفن على أنه مهنة سامية وشيء جميل، والفنان ليس بالضرورة هو ذلك الذي يضحي بأخلاقياته. يجب أن يكون هناك إحساس أن الفنان جزء من المجتمع وأن يتم التعامل معه بأريحية وهناك ممثلون محترمون مثل: هشام عبدالرحمن.

ولا تعتبر المنصور عدم وجود صالات عرض سينمائي في السعودية مؤشرا على عدم وجود حركة سينمائية أو وعي سينمائي في هذا البلد إذ «لا يعود ذلك إلى أن الفيلم محرم، فأشرطة وأقراص الأفلام تباع لدينا في المجمعات». أما السبب الحقيقي لانعدام وجود صالات العرض هذه فهو كما تشير «يعود إلى رفض البعض فكرة اجتماع عدد كبير من الأشخاص في مكان مغلق وهو ما يعتبرونه أمرا يحمل نوعا من الشبهة، وهذا يجري على أي مكان مغلق وليس دور العرض فقط. أعتقد عموما أن بعض السعوديين لديهم نوع من الشيزوفرينا فهم لا يرفضون دخول السينما في البحرين، ولكنهم يرفضون فكرة وجودها في السعودية».

كما ترفض اعتبار وجود صالات العرض تلك مؤشرا على وجود حراك سينمائي في السعودية، فإنها تنفي كونه المؤثر الأساسي على غياب الحراك السينمائي، فمشكلة السينما في السعودية خصوصا والخليج عموما هي أنه «ليست لدينا عقلية تتعامل مع السينما، فلا يوجد معاهد متخصصة حتى أقسام في جامعاتنا تدرس النقد الفني أو ما شابه، لا يوجد لدينا كتّاب سيناريو كما أننا لم نطور الكوادر البشرية في هذا المجال.

بل إننا لم نملك العمق الكافي الذي يمكننا من تناول الكثير من القضايا المهمة التي يمكن لها أن تقدم أعمالا سينمائية راقية. حتى لو أردنا طرحها فعلنا ذلك بطريقة ساذجة فنحن لسنا مدربين للتعامل مع القضايا بطريقة سينمائية».

وتنفي المنصور أن يكون لرجال الدين السعوديين أي موانع بشأن قيام صناعة سينمائية سعودية، مؤكدة أن المنع يقتصر على العرض في السعودية فقط «ونحن لا نضع في نظرنا أن يكونوا سيئين وخصوصا أن المدرسة الدينية في السعودية بدأت تتغير، وبدأت نقد بعض أدبياتها القديمة، والآن هناك آراء غير متطرفة كثيرة علينا أن نحترمها ونتواصل معها بشكل جيد».

مضيفة أنه «يجب ألا نفكر في أن الفيلم ممنوع أو غير ممنوع، وألا ندخل معركة منع بعض الأفلام. لا نريد أن نطرح أحكاما مسبقة ولا نريد أن ندخل في مواجهة مع التيار الإسلامي. نحن نكن لهه كل الاحترام لكن يجب أن يعرفوا أننا مختلفون عن الجيل السابق، ثم إننا لا نريد أن نقدم أعمالا خلاعية، إنما نريد أن نطرح قضايا مجتمعنا، وأنا واثقة بأنهم يقدِّرون أهمية وضرورة طرح ومناقشة هذه القضايا».

وتتساءل: «ما الذي يمنع أتباع التيار الإسلامي في السعودية أنفسهم من أن يقدموا أعمالا سينمائية إسلامية ليس لتبادل الاتهامات مع التيارات الأخرى، ولكن لتقديم طرح راقي؟».

كيف هو وضع المرأة الفنانة؟ وكيف تتعامل هيفاء مع هذا الوضع؟ وأي معاناة تسبب لكِ حقيقة كونكِ امرأة سعودية تحمل هما سينمائيا ورؤية سينمائية في بلد يرفض حتى أن تقوم فيه دور عرض سينمائي؟

– الموقف الذي يتخذه المجتمع من المرأة الفنانة في رأيي يعتمد على نوعية الفنانة، وأي شخص قادر على فرض احترامه على المجتمع، ثم إن الناس لا يمكنها احترام الفنان الذي يدخل السجن مثلا. شخصيا، لم أشعر بأن المجتمع قلل احترامه لي بعد تقديمي تجاربي السينمائية، وعلى رغم أني غير محجبة، لكن الكل يعرفني ويعرف أخلاقياتي. قد ينتقد البعض آرائي التي أطرحها، ولكن لم يشعرني أحد يوما بالسوء لكوني فنانة.

وتضيف المنصور «الفنانة العربية عموما تعاني وجود هذه النظرة السيئة، والممثلات الجديدات الآن يحاولن الخروج من هذه النظرة وبوتقة أن الممثلة منحرفة وما إلى ذلك. الآن كذلك يوجد توجه شبابي يفرض وجود المرأة زميلة، فهو غير موجود في السعودية لا لشيء إلا أنه ليست لدينا ممثلات كثر، كما أن غالبية من برزن على الساحتين الفنية أو الإعلامية كانت لهن مواجهات صارخة مع المجتمع، وإن كانت كثير من السعوديات أثبتن وجودهن على الساحة الإعلامية.

ما الأسلوب الذي تتبعه هيفاء في معالجتها قضايا مجتمعها؟ وما الخط السينمائي الذي تفضله؟

– لم أحدد بعد أسلوبا خاصا بي أو خطا سينمائيا أتبعه فأنا لاأزال في البداية. أشعر بأني لم أتشكل سينمائيا بعد، أو أني في بداية تشكلي، لاأزال أبحث عن أدواتي، إذ لا أملك مهاراتٍ سينمائية ولست ضليعة من الكثير من الأمور. كل ما أرتكز عليه كخط الآن هو إيماني بالقضايا التي أقدمها وصدقي في التعامل معها وكذلك حرصي في اختيار القضايا القريبة إليّ؛ لتكون لي وجهة نظر في هذه القضايا أشرك الآخرين فيها. أنا أعتقد أن إيماني هذا هو الكفيل بإيصال رسالتي إلى المتلقي. أما عن نوعية الأفلام التي تميل لها فتقول: «أحب التوثيق في أفلامي، لكن خطتي القادمة هي تقديم فيلم روائي طويل ستنتجه شركة روتانا، ولم أختر له اسما بعد، كما لم أحدد موضوعه، ولكني أتوقع أن أركز فيه على بعض قضايا المرأة.

فيلمكِ الثالث «أنا والآخر»، دعوتِ فيه إلى نبذ العصبية والوحدة الوطنية، وعرض متزامنا مع مبادرة «الحوار الوطني» التي أطلقها الملك عبدالله الذي كان حينها وليا للعهد، هل كانت خطوة تقديم مخرجة سينمائية لفيلم يدعم هذه المبادرة مقصودة وربما تأتي ضمن برنامج عمل يفعِّل تلك المبادرة ويسير باتجاه تعزيز دور المرأة وهو ما دعت إليه المبادرة كذلك، أم أنها كانت مبادرة ذاتية من هيفاء نفسها اغتناما منها الفرصة التي ربما لم تتكرر؟

– شعرت أن الوقت مناسب لطرح تلك القضية والابتعاد عن كل شخص متقوقع ونابذ الآخر. كانت مبادرةَ ذاتية شجعتني على اتخاذها الأوضاع السياسية والاجتماعية المناسبة حينها لطرح تلك الفكرة. طبعا أنا أدعم السياسة السعودية وخصوصا تلك التي تهتم بتمكين المرأة، وإعطاء دور أفضل للتعايش السلمي بين المواطنين، فنحن نريد أن نعيش في بلد يكن فيه المواطنون احتراما لبعضهم بعضا ويكون للمرأة فيه دور أكبر. عموما، فيلمي ذاك عرض في مهرجانات كثيرة، وحقق نجاحا على مستوى النقاد الذين أشادوا به كما حصل على جائزة أفضل سيناريو من مهرجان أبوظبي لأفلام الشباب. أما في داخل السعودية فهو وعلى رغم وجود حال من التوجس والخوف والارتياب في أي شخص يتحدث بصوت مختلف، فإن فيلمي حاز إعجاب كثير من السعوديين ممن تسنى لهم مشاهدته، وعلى رغم اعتراض البعض على طرحه، فإنهم آمنوا برسالته.

ركزتِ على قضية تنقيب المرأة في فيلمكِ «نساء بلا ظل»، ألا تعتقدين أن هناك قضايا أخرى عليكِ أن تناقشيها تتعلق بالواقع النسائي السعودي؟ هل يزعجكِ اللون الأسود الذي تتشح به المجتمعات النسائية السعودية، أم أنها خطة ستلحقها خطوات؟

– لا اللون الأسود لا يزعجني، وبالتأكيد هناك قضايا كثيرة تعانيها المرأة السعودية، ولا يمكن تغليب أهمية إحداها على الأخرى، لكن النقاب في رأيي قضية مهمة فهو يمنع المرأة من فرص عمل كثيرة ويؤثر عليها في أمور كثيرة، فهو مثلا لا يشعرها بالثقة وهذا أمر مهم حتى في سيكولوجيا المرأة إذ يجب ألا تشعر بأنها عورة وأنها يجب أن تُغطى تماما. هناك قضايا كثيرة أتمنى أن يطرحها آخرون لإثراء المجتمع. الساحة مطروحة للجميع وجميل أن يطرح الجميع أفكارهم بطريقة سلمية وفنية وفي الأخير هذا ما يبقي المجتمعات.

لماذا تتجه هيفاء هذه المرة إلى السينما التسجيلية؟

– حين بدأت مشواري، أردت أن أقدم ما يعجبني أكثر، فعملت فيلما قصيرا. أنا عموما أريد أن أعثر على نفسي كفنانة؛ ولذلك يجب أن أجرب كل شيء. لذلك أنا أجرب شيئا آخرَ هذه المرة من خلال فيلمي التوثيقي، وهي محاولة تعلمت منها الكثير، كما أنها لفتت انتباهي إلى أني أحب هذه النوعية من الأفلام، سابقا كنت أقول إني لا أريد أن أصبح صانعة أفلام وثائقية لكني الآن أصبحت قريبة جدا من هذا النوع. كان همي أن أقدم الروائي الطويل بعد القصير، لكن الآن أفكر في تقديم المزيد من الأفلام الوثائقية؛ لأنها أقوى في تقديم رسالتها كما أن كلفتها أقل.

العدد 1595 – الخميس 18 يناير 2007م الموافق 28 ذي الحجة 1427هـ

مؤكدا إشادة إدارة المهرجان بفيلمه…. فريد رمضان: قوة مهرجان دبي في احتفائه بالسينما العربية

منصورة عبدالأمير 

لم يتمكن الفيلم السينمائي البحريني الثالث (حكاية بحرينية) من أن يحصد أيا من جوائز المهر الثلاث خلال مشاركته في مسابقة الأفلام الروائية العربية، التي استحدثتها إدارة مهرجان دبي السينمائي الدولي بدورتها الثالثة والأخيرة.

ذهبت الجوائز الثلاث إلى المغربي «معليش يا بحر»، ثم اللبناني «فلافل» وأخيرا الجزائري «بركات»، لكن ذلك لم يعني الكثير لمؤلف وكاتب سيناريو «حكاية بحرينية» فريد رمضان، ما يعنيه حقا هو أن يكون فيلمه الخليجي الوحيد الذي تختاره إدارة المهرجان للتنافس على جائزة المهر إلى جانب 9 أفلام أخرى أبرزها «بلديون» المغربي الفرنسي الحاصل على جائزة أفضل ممثل في مهرجان كان. هذا عدا عن أفلام أخرى لا تقل أهمية، منها «الخشخاش» و»عرس الذيب» من تونس، و»قص ولزق» من مصر.

ما يهمه أن يتردد اسم الفيلم في مختلف أروقة المهرجان كمنافس لا يستهان به، وأن يستشهد به كدليل على صحوة سينمائية خليجية جديدة، وأن يعتبره المدير الفني لبرنامج العروض العربية مسعود أمرالله «ثاني أهم فيلم خليجي بعد فيلم السبعينات الكويتي الشهير «بس يا بحر». ورمضان يرجع ذلك إلى «تفاجئ الجمهور الخليجي بمستوى التجربة البحرينية، التي تركت على ما يبدو مفارقة في صناعة السينما الخليجية، لتشكل المحطة الثانية في تاريخ السينما الخليجية بعد المحطة الأولى التي شكلها «بس يا بحر».

لم يكن الفيلم مميزا في نظر أمرالله وإدارة المهرجان وحسب، بل إنه، كما يؤكد رمضان، ترك انطباعا جيدا لدى كثير من الجمهور العربي والأوروبي ممن حضروا عروضه التي أقيمت خلال انعقاد الدورة الثالثة لمهرجان دبي السينمائي الدولي. وأعرب رمضان عن سعادته التامة لهذا المشاركة، معتبرا تشريف إدارة المهرجان للفيلم البحريني بقبول مشاركته في مسابقة الفيلم الروائي، المكسب الأهم بغض النظر عن فوز الفيلم أو عدمه. إذ كان «حكاية بحرينية» الفيلم الخليجي الوحيد (فيما رفضت أفلام خليجية أخرى) الذي تمكن من الترشح للمنافسة على جائزة المهر للإبداع السينمائي العربي، إلى جانب 9 أفلام أخرى تأتي من مختلف أقطار العالم العربي، فيما بلغ عدد الأفلام التي تقدمت للترشح 130 فيلما اختير منها أفضل 10 أفلام.

إعجاب عربي… أوروبي… أميركي

ولعل ما جعل رمضان يفخر بعمله هذا، وبجهوده التي بذلها في «حكاية بحرينية»، ويؤكد مستواه الحقيقي، حجم حضور عرضي المهرجان للفيلم، اللذين أقيما يومي 11 و 14 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وهو ما شكل مفاجأة كبيرة لرمضان ولجميع طاقم عمل «حكاية بحرينية» الموجود هناك. يقول رمضان: «إقبال الجمهور الخليجي الموجود بالمهرجان شكل مفاجأة سارة بالنسبة إلينا، لكن أن يتوافد جمهور آخر سواء من دول المغرب العربي، تونس والمغرب والجزائر، بالإضافة إلى الجمهور الأوروبي والأميركي، وإصرار هؤلاء جميعا على حضور الندوات التي عقدت بعد العرضين والاستفسارات الكثيرة التي طرحت سواء عن تجربة الفيلم نفسها أو تلك التي تتعلق بالفترة التاريخية التي يستعرضها العمل، فهو ما لم يكن متوقعا من جانبنا على الإطلاق».

ما أثار اهتمام الجمهورين الأوروبي والأميركي هو طرح الفيلم المتعلق بالامتداد القومي في الخليج ووجوده بشكل قوى، كما أبدى بعضهم الرغبة في معرفة مدى تأثير عملية الإصلاح السياسي التي شهدتها البحرين في السنوات الأخيرة على إنتاج فيلم سينمائي بجرأة «حكاية بحرينية»، كذلك تساءل بعضهم عن مدى واقعية الشخصيات وصدقيتها، كما أبدى معظمهم إعجابهم بدقة الفيلم وقدرته على نقل صورة مضبوطة وصادقة لجزء من تاريخ البحرين وهويتها.

ذلك ما كان يعني رمضان ومخرج الفيلم بسام الذوادي وجميع طاقم عمله المشاركين إذا، وذلك ما يجعل رمضان يتقبل الأمر بروح رياضية، إذ إنه يجد في عدم فوز فيلمه «مسألة طبيعية للغاية، إذ يمكن لأي فيلم تتوافر فيه كل الإمكانات أن يحقق نتائج جيدة لدى الجمهور والنقاد، لكن حين يشارك لا يحصد أي جوائز».

ويضيف «المسألة خاضعة لمعايير لجنة التحكيم وهي في العادة معايير نسبية غير ثابتة، فلو تغيرت لجنة التحكيم لكانت الجوائز تأكيدا قد ذهبت إلى أفلام أخرى». ويستشهد رمضان على كلامه بفيلم «بلديون» الذي وجده فيلما رائعا وذو مستوى فني راقٍ، وليس أدل على ذلك من حصول جائزة أفضل تمثيل في مهرجان كان السينمائي الأخير، كما يحتمل أن يكون ضمن الأفلام المرشحة لأوسكار أفضل فيلم أجنبي هذا العام».

معليش يا بحر… جيد ولكن!

على رغم ذلك يبدي رمضان دهشته من ذهاب جائزة المهر لفيلم «معليش يا بحر»، وتساءل: «كيف يمكن لمهرجان سينمائي أن يعطي جائزة لفيلم صور بكاميرا تلفزيونية، كما أن به بعض العيوب الفنية»، لكنه في الوقت ذاته أشاد بالطرح الجريء في الفيلم الذي ناقش بعضا من القضايا التي يعاني منها الشباب المغاربة. رمضان أشاد بتركيز إدارة المهرجان على الفيلم الروائي العربي الطويل؛ إذ إن «المهرجانات العربية الآن ما عادت قادرة على تطوير تجاربها ودعمها، أما دبي فلديها من الإمكانات ما يجعلها قادرة على دعم السينما العربية عن طريق هذه المسابقات، وخصوصا أن قيمة الجائزة المادية تسمح لصناع الفيلم بالعمل على أعمال أخرى». كذلك أشاد رمضان بمسابقة السيناريو للأفلام القصيرة، التي كان عضوا بلجنة التحكيم الخاصة بها إلى جانب الشاعرين الإماراتيين خالد البدر وإبراهيم الملا، وهي المسابقة التي جعلتها إدارة المهرجان مقتصرة على الكتاب الإماراتيين.

وأفاد رمضان بأن تلك المسابقة «تستحق الإشادة لأن من شروطها أن تدفع الجوائز المادية للجهة المنتجة للأعمال الفائزة، وليس للكاتب، بحيث تمول أعمال أخرى للكتاب الذين تفوز أعمالهم، ويوضع عليها شعار مهرجان دبي ثم تعرض خلال الدورة المقبلة للمهرجان. وهذه في رأيي محاولة تأسيسية صحيحة نحو صناعة سينمائية حقيقية، حتى لو كانت ستنتج أفلاما قصيرة».

الاحتفاء بالسينما العربية أولا

عن انطباعاته عن المهرجان ككل، قال رمضان: «ضخم للغاية خصوصا في احتفائه بالفنانين، لكن هناك بذخ ومبالغة في هذا الاحتفاء السينمائي. على المستوى الفني المهرجان بحاجة إلى التركيز على نقطة جوهرية وهي جائزة المهر للفيلم العربي لأن المهرجانات العربية بدأت تفقد حضورها القوي، كمهرجان القاهرة، وقرطاج ومراكش. ولذلك هناك حاجة إلى التركيز على هذه الجائزة بدلا من الاعتماد على السينما العالمية، وهذا ما يعطي هذا المهرجان قدرة على أن يأخذ الصفة الدولية مع الوقت. الأفلام العالمية لا يمكنها أن تعطي هذه القوة لمهرجان دبي فهو لا يملك الأسبقية في عرضها بالإضافة إلى حقيقة تعاطي الكثير من النجوم والفنانين العالميين الذي أتي من باب ما تدفعه دبي للفنان، فهناك من مشاهير الفنانين كالممثل شاروه اخان الذي حضر المهرجان لمدة 3 ساعات فقط، إذ تسلم جائزته وغادر. طبعا هناك فنانون آخرون مثل أوليفر ستون كانوا موجودين طوال مدة المهرجان، وقد أعطى وجوده قوة كمخرج مستقل لأفلام مميزة وعالمية.

العدد 1588 – الخميس 11 يناير 2007م الموافق 21 ذي الحجة 1427هـ

أنا إنسان… كوميديا، إرهاب، أكشن وإثارة… من المعامير

منصورة عبدالامير 

البطالة … من المسئول عنها؟ ، ونظرة مقربة لبعض ضحاياها … ثم حقيقة الديمقراطية الأميركية وتشدقها الدائم بحقوق الإنسان، في مقابل أنانيتها المفرطة وواقع تهمة الإرهاب التي تحاول عنوة إلصاقها بجميع الشعوب. تلك هي أهم النقاط التي يرتكز عليها الفيلم الشبابي «أنا إنسان»، وهو تجربة شبابية أخرى في مجال الأفلام القصيرة، تحاول عنوة أن تلفت انتباه المسئولين لطاقات الشباب البحريني.

«أنا إنسان» فيلم يعالج قضية البطالة وقضايا سياسية أخرى في قالب كوميدي يمتلئ بكثير من مشاهد الأكشن والإثارة. يحكي قصة مجموعة من شباب عاطلين عن العمل في سعي دائم لاقتناص أية فرصة عمل. تبوء كل محاولاتهم بالفشل الذريع ونراهم يعودون بخفي حنين بين الحينة والأخرى لرفض صاحب عمل هنا أو هناك تشغيلهم بأي أجر. الطريف أن هؤلاء يصلون أخيرا الى المسئولين الذين لا يفعلون سوى أن «يعشموهم» بورود …. وكلمات جميلة، ووعود ستتحقق خلال سنوات.

هؤلاء الشباب ولفرط يأسهم نراهم في أحد المشاهد المضحكة لكنها تحمل الكثير من المضامين وهم يؤلفون اغنية يبدأون في ترديدها في أكثر من مشهد، والأغنية وان لم أذكر كلماتها، إلا أنها تشرح حالهم البائس ومدى حاجتهم للعمل، فهم يرددون أنهم يريدون أن يعيشوا وأن يلبسوا ملابس جميلة وان يركبوا سيارات وان وأن …. باختصار أن يتخلصوا من الفقر المدقع الذي يعيشونه والذي نراه واضحا على هيئاتهم الرثة، إذ إنهم يجوبون الشوارع بملابس ممزقة على الدوام، ويبدون وكأنهم يعيشون في عالم آخر فهم لا يفقهون ما حولهم ويكادون لا يميزون طير الببغاء. بالطبع كانت تلك مبالغة من مؤلف العمل لكنها على أي حال محاولة منه لاثبات حال الفقر المدقع الذي يعيشه بعض البحرينيين. تجبرهم قسوة المسئولين على الاستعانة بفتى أميركي صغير، تعرف عليه أحد هؤلاء الشباب ويدعمها جبوري، وهو يكاد يجزم لأصدقائه أن مفاتيح الأمل ستكون على يد هذا الفتى الصغير.

زيارة «جبوري» للأميركي لا تستغرق طويلا لكن نتائجها الوخيمة تعود على الشلة بأكملها وتتسبب في مقتل معظم أفرادها. وهي زيارة تكشف عن فروق اجتماعية واسعة تعيشها مختلف الطبقات، كما تتطرق لواقع السياسة الأميركية التي تصم بالارهاب كل من يسوقه حظه العاثر للاصطدام بمصالح أي من رعاياها، حتى لو كانت تلك المصلحة تتمثل في طير ببغاء يملكه فتى لا يتجاوز عمره 12 عاما. بالطبع كانت تلك مبالغة أخرى لكنها تظل مقبولة يشفع لها خفة ظل الممثلين والى حد ما خفة ظل النص، وربما يشفع لها أيضا محاولة الشباب لصنع فيلم أكشن وإثارة تمكنوا من ضبط بعض مشاهده. فيلم «أنا إنسان» من اخراج صادق حسين آل عباس هو محاولة فيلمية قصيرة أخرى وان كان يمتد لما يصل الى الساعة تقريبا. وهو فيلم أراد صانعوه ان يصموه بأنه فيلم معاميري جديد، على أساس ما خرج من هذه المنطقة من محاولات سابقة لعل أشهرها «المجهول» الذي قدمه مجموعة من الشباب قبل ما يصل الى العامين، ومكنهم من لفت انظار الكثير من المهتمين في هذا الشأن.

العدد 1581 – الخميس 04 يناير 2007م الموافق 14 ذي الحجة 1427هـ

في حكاية «امرأتان»… نيكي كريمي تطلق صرخة نسائية مدوية

منصورة عبدالامير 

أرادت أن تهرب من قسوة والدها وسذاجته، فعقدت صفقة خاسرة، أخذها إليها حظها العاثر وواقع أسرتها البالي وثقافة محيطها الظالمة. حلمت بالكثير وحملت طموحات لا عدَّ لها، وهي ابنة قرية صغيرة تقع على أطراف مدينة أصفهان الإيرانية، لكن ألا يحق لها ذلك، مع حدة ذكائها، وسعة معرفتها وثقافتها، وهما ما جعلاها تتفوق على جميع الطلبة وتلفت أنظار كل اساتذتها في الجامعة. وعلى رغم ذلك تقبل بزواج لا يرقى إلى مستوى طموحاتها، لا لشيء إلا لكونه بارقة أمل، ومنفذها الوحيد إلى العالم وراء أسوار قريتها ومحيطها البائس.

أرادوها جميعا جسدا من دون إرادة، وروحا لا تعي إلا الخنوع وطأطأة الرأس، فكان لهم ما أرادوا، وكان لها كل البؤس والشقاء وكل الدمار والفشل. لا جرم لها سوى كونها امرأة، عليها أن تعيش دائما تحت ظل رجل، ومقدر لها أن تنتقل من سلطة جلاد إلى آخر. لهم أن يفرضوا عليها ما يشاؤون، فإن أبت كان لها الخزي والعار وإن قبلت فعليها أن تعيش مهانة ذليلة في ظل أحدهم.

لم تكن تلك سوى حكاية أخرى لامرأة شرقية، جسدتها على الشاشة الممثلة الإيرانية نيكي كريمي في «حكاية أمرأتان»، لكنها في واقع الأمر تدور في كل أزقة وحواري شرقنا الأوسطي. تتكرر «ثيمتها» في كل يوم، ويأتي الاختلاف في تفاصيل كل حكاية وكل فيلم سينمائي لا يجد طريقه إلى عدسة أحدهم.

فرشتة، كان اسمها، وحسن كان اسم جلادها الثاني أو زوجها، رغب في الزواج منها واستمات في ذلك، ككثيرين غيره بدءا بمدرسيها وبعض من التقتهم أثناء دراستها في طهران وانتهاء بجميع أبناء قريتها الصغيرة. تودد إليها بطريقته، وقطع لها الوعود لترضى به زوجا، لكنها وحين وقعت صك عبوديتها فوجئت، ككثيرات من نسائنا، بوجهه الآخر. وعدها بالكثير، بمسكن طيب وبحياة كريمة، وهي ابنة الأٍسرة الفقيرة، لكنها لم تشأ سوى أن تكمل دراستها، وكان لها من «الوعود» ما أرادت. لها أن تعيش حيث تشاء وأن تعود إلى جامعتها التي تركتها بسبب ضحالة عقل والدها، وتمكن مفاهيم العار والشرف الذي لابد أن يساح على جوانبه الدم من كل جوانحه. وجب عليها أن تدفع ثمن حماقة ووقاحة أحدهم، ممن أراد معاكستها واستمالتها بالقوة، وإذ سخرت منه توعدها شرا ونذر إلا أن يرد لها الصاع صاعين.

بطريقة ما دفع هذا الفاشل الأحمق ثمن خطئه صاعا واحدا، في حين دفعت هي ثمن «خطئه» أكثر من ذلك بكثير. لم تخطئ سوى في كونها أعجبته، ولذلك وجب أن تدفع الثمن غاليا، أن تعيش رعبا في بادئ الأمر ثم أن يعاقبها الأب بأن يحرمها من إكمال الدراسة يزوجها أخيرا ممن «قبل» الاقتران بها على رغم سمعته.

تزوجت حسن، صاحب الوعود، فكان لها ما لم ترد، وعلمت أنها لم تفعل سوى أن انتقلت من سجن والدها إلى سجن آخر، ومن زنزانتها الأولى حيث منزل أسرتها، إلى زنزانة أكثر سعة ورحابة هي منزلها مع حسن.

ومثل كثيرات من النساء لدينا، وجب عليها أن تتفهم كل عقده، وأن تتحمل كل قسوته وغلاظته، وأن تصم أذنيها عن كل الكلمات الجارحة والإهانات اللاذعة في حقها وحق أسرتها، أوليس هو من ستر عارها ووارى سوأتها؟

حين تطلب الطلاق، يسألها القاضي إن كان الزوج يلبي كل حاجاتها التي تشبه حاجات كثير من الكائنات الحية، لكنه لا يسألها إن كان هذا الزوج يحفظ لها كرامتها ويصون إنسانيتها، بل يرفض الاستماع إليها حين تدافع عما تبقى من تلك الإنسانية وتحاول إقناعه بضرورة انفصالها عن هذا الزوج. غيورا كان منها وعليها، كاذبا نكث كل عهوده، راغبا في السيطرة وإثبات الذات، منغلقا على نفسه، متصنعا القوة في خارجه هشّا وضعيفا في داخله، قتل الإنسان بداخلها، قضى على كل إحساس بالذات لديها، ودمّر حياتها.

وأخيرا وجه إليها لكمة قاضية فـ… مات، رحل وتركها وحيدة بعد أن انتزع منها كل شيء، وجعلها في مواجهة مع واقعها الجديد، مواجهة استعرضها المخرج من خلال حوار بين فرشتة وصديقتها التي حرمها جلادوها منها، جاء كمناجاة ذاتية بين فرشتة ونفسها. لم تعد تعرف ما يجب عليها عمله، فزوجها الراحل، وبعد أن جعلها جسدا لا روح فيه، تركها لتواجه واقعا آخر ولتعد نفسها لصراعات جديدة، ولتستعرض أمام المتفرج في آخر مشاهد الفيلم خياراتها الجديدة. هي لا تدري ما عليها أن تفعل، هل تستأنف حياتها بعد طول انقطاع، أم توجه اهتمامها لتربية ولديها؟ هل تعد نفسها لمعركة قضائية جديدة مع أهل زوجها، الذين قد يحاولون انتزاع طفليها، أم تستعد للتفكير في طريقة تنفق بها على الصغيرين؟!

تساؤلات كثيرة تطرحها كريمي في نهاية الفيلمم موجزه بها واقع كثيرات من النساء، محاكمة من يعنيهم الامر عن طريقها.

العدد 1581 – الخميس 04 يناير 2007م الموافق 14 ذي الحجة 1427هـ

مؤكدا احترامه للقارئ العربي… مؤلف «عمارة يعقوبيان» لـ «الوسط»: تمرد شخصياتي مقياس نجاحي…وما فلت من الفيلم حدث سينمائي مميز 

المنامة – منصورة عبدالأمير

علاء الأسواني… هو مؤلف رواية «عمارة يعقوبيان» الشهيرة، التي تعد، بحسب كاتبها، الأعلى مبيعا في فرنسا وايطاليا حيث بيع منها ما يزيد على 126000 نسخة خلال 8 شهور في فرنسا وحدها متجاوزة بذلك توقعات الناشر الفرنسي ببيع 15000 نسخة خلال عام. كذلك احتلت «عمارة يعقوبيان» المركز السادس على قائمة فرنسية لأفضل 20 كتابا العام 2007، مع تأكيد كاتبها كونها سادس أفضل كتاب، لا رواية. للأسواني الحق في ذلك، فلقد أدهش طبيب الأسنان هذا كثيرين بدقته في تقصي بعض أهم قضايا المجتمع المصري المعاصرة، وبراعته في صوغها بأسلوب قصصي درامي رائع جعلها مادة جاهزة للسينما العربية، فجاءت الأخيرة لتقدم من خلالها عملا كان الأفضل عبر عقود طويلة، والبوابة، كما رآه كثيرون لصناعة سينمائية عربية حقيقية تدخل هذا الجزء المهمل، سينمائيا على الأقل، عالم الكبار. وترجمت الرواية إلى 14 لغة دولية، صدر منها لحد الآن 3 ترجمات هي الانجليزية والايطالية والفرنسية ويتوقع أن تصدر المزيد من تلك الترجمات خلال العام 2007، وخصوصا مع حصولها على الجائزة الكبرى للرواية في مهرجان طولون للعام 2006.

وليس ذلك فحسب، بل إن هذا النجاح العالمي، جعل بعض دور النشر الأوروبية تبحث عن روايات عربية أخرى يمكن أن تحقق نجاحا مشابها. الأسواني كان، أخيرا، ضيف مركز الشيخ إبراهيم في ندوة تحدث فيها عن «عمارة يعقوبيان»، شخصياتها، حوادثها، رمزيتها وكل ما أراد نقله عبرها! بعدها كان ضيفا على «الوسط» في حوار شيق تحدث فيه عن تجربة «يعقوبيان» وعن بعض ردود الفعل الأولية لروايته التي لم تنشر بعدُ «شيكاغو».

تقول إن جميع حوادث وشخصيات «عمارة يعقوبيان» خيالية، وان ما يدور على لسان الشخصيات من حوار يعبر عن آرائهم هم لا رأيك، وان هذه الشخصيات تخرج عن نطاق السيطرة في بعض الحالات وتتصرف على هواها. لكن من الواضح أن العمل ككل هو بمثابة زفرة ألم وتحسر على ماضي مصر وعلى واقعها الذي تعيشه والذي يبدو – بحسب الرواية – واقعا أسود فاسدا، وان شخصيات «يعقوبيان» لم تصنع نهايتها بنفسها فمات البعض وتزوج البعض الآخر، حتى بدا أن تلك النهايات ليست سوى حلول مقترحة من الأسواني للمعضلة التي تعيشها الشخصية أولا، ثم لمصر. هل تفعل ذلك حقا؟ هل تناقش أزمة مصر الاجتماعية والسياسية وتقترح لها حلولا؟

– فعلا كثير من جوانب القصور والسلبيات في المجتمع المصري تنكشف عن طريق هذه الشخصيات، لكن ذلك لم يكن الهدف من وراء كتابة الرواية، فكشف السلبيات يمكن تحقيقه عن طريق كتابة المقالات مثلا لا برواية من 400 صفحة وعدد كبير من الشخصيات. هدفي الحقيقي هو صناعة العالم الأدبي وليس مناقشة موضوعات محددة، وهذا لا يعني أن تكون روايتي خالية من الموضوعات، إذ إن أي شخصية تحمل في سياقها تاريخا اجتماعيا وسياسيا ويمكن لها أن تطرح الكثير من الموضوعات للمناقشة.

نهاية الشخصيات هي من صنع تلك الشخصيات وليست من صنعي. صنعت بداية الشخصيات فقط، لكن يأتي الوقت الذي تخرج فيه هذه الشخصيات عن نطاق سيطرتي، فزكي وبثينه هما من حددا مصيرهما وقررا الزواج. وعموما هذا الخروج عن سيطرتي هو بالنسبة لي مؤشر لنجاح جميع خطوات إعداد الشخصية، فالشخصية الحقيقية هي التي تصنع مصيرها بنفسها.

أما قضية اقتراح حلول من خلال النهايات فهي أمر متروك للقارئ، أنا أكتب العمل فقط ولا أقترح من خلاله حلولا. ليس من شأني قراءة العمل الأدبي، العمل يقترح قراءات متعددة، فزواج زكي نبوءة لدى بعض القراء الغربيين، على أن مصر ستدخل المستقبل حين تدخل إليها الديمقراطية، بينما يقرأ البعض قتل الضابط في نهاية الرواية على أنه بمثابة دعوة إلى تغيير النظام الحاكم.

من حق القارئ أن يقترح أي قراءة أو تفسير لعملي، وعلي أنا أن أتقبل كل تلك القراءات.

أعود وأطرح السؤال الذي تقول إنه تكرر عليك مرارا، لماذا تزوجت بثينة بزكي باشا؟ ما الرسالة التي تود نقلها من هذا الزواج، وهي رسالة ربما تكون شبيهة بتلك التي اردت نقلها من خلال مراسم حفل زواجهما حين ترقص بثينة، بنت الحارة، على انغام كريستين، الفرنسية، ثم ينضم زكي باشا الى حلبة الرقص الشعبي التي نظمها سكان العمارة؟

– لم اقصد نقل أي رسالة محددة، وهذا لا يعني أنه لا توجد رسائل، فكل قارئ يمكنه قراءة الموضوع بشكل مختلف وإيجاد التفسيرات التي يريدها. طبعا الزواج كان منطقيا من الناحية الدرامية، فبثينة وجدت في زكي شخصا يحترمها ويقدر إنسانيتها، ورجلا يريد أن يعوضها عن المهانة التي تعرضت لها معه. زكي يعتبر زواجه منها نوعا من التحدي لشقيقته دولت التي تريد أن ترثه وهو حي وكأنه يريد أن يقول إنه لم يمت بعد وانه يستطيع أن يبدأ حياة جديدة وهو في هذا السن.

هل تعتبر روايتك محاولة لإحياء نهج الواقعية في أدب الرواية العربي؟ وهل يمكن أن تمثل رواية كهذه فتحا لعهد جديد يثمر عن تعاون وثيق بين الأدب والسينما بحيث يحصل الأول على قاعدة شعبية أكبر، بينما تصبح هي اكثر فاعلية وتأثيرا في المجتمع وأكثر قدرة على محاكاة الواقع من خلال نصوص الأدب القوية؟

– أنا سعيد بهذا الرأي، لكن لست أنا من يحدد إن كانت الرواية تفتح باب تعاون مع السينما. لا استطيع أن أقيم عملي، عليّ أن اكتب واترك التقييم للآخرين. أما الأسلوب الذي كتبت به روايتي فهو نابع من قراءاتي المتعددة فأنا أقرأ بثلاث لغات هي الفرنسية والانجليزية والاسبانية، كما ازعم أنني مطلع على الاتجاهات الأوروبية بشكل مرضٍ، لكني أكتب للقارئ العربي وهو قارئ احترمه كثيرا وأثق به، كما اطمح أن أقدم له نصا أدبيا متعدد المستويات، يقرأه الجميع، إذ اعتقد أن تلك من سمات العمل الأدبي الجيد. كذلك اعتمد في أسلوبي على عدم التعالي على القارئ العادي، الذين أدين له بكثير من الفضل بعد الله، فالقراء في مصر والعالم العربي والغربي هم الذين صنعوا نجاحي.

أما أن تفتح روايتي بابا للتعاون بين الأدب والسينما، فالتعاون موجود أصلا في السينما العالمية والعربية، ونسبة كبيرة من الأعمال السينمائية مأخوذة من أعمال أدبية، فالعمل الأدبي يوفر لكاتب السيناريو بداية متقدمة جدا، وخصوصا إذا أحسن الكاتب تقديم الحبكة الدرامية ورسم الشخصيات والحوادث.

عموما اقدر الفيلم كثيرا واعتبر ما فلت منه من الرقابة يعد حدثا مميزا على مستوى السينما المصرية والعربية، فلأول مرة يشاهد المتفرج ما يحدث في مصر من تعذيب واغتصاب وفساد.

الفيلم والرواية، من منهما خدم الآخر؟ الرواية قدمت للفيلم «سيناريو» قويا نادر وجوده في السينما المصرية المعاصرة، وأعطته دفعة كبيرة حتى اعتبره البعض بوابة لحقبة جديدة في السينما المصرية. أما هو فقد أعطاها شهرة كبيرة وأوصلها إلى عامة الناس بعد أن كانت ربما حصرا على النخبة أو على الأقل جمهور الأدب…

– العلاقة متبادلة بين الاثنين، فكلاهما خدم الآخر، لكنني أشدد على أني اكتب روايات لقارئ الأدب وأبذل ما في وسعي ليرضى عني وليس لجمهور السينما. وأختلف معك في أن الفيلم أعطاها شهرة أكبر، روايتي لقيت رواجا كبيرا وحققت نسب مبيعات عالية قبل عمل الفيلم، وإذا كان هناك حدث عملته الرواية في عالم الأدب فهو أنها خرجت من نطاق الحلقة الضيق من مهتمي الأدب إلى نطاق القارئ العادي، الذي استهدفه دائما فهو القارئ الذي صنع مجد نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، لكنه ونتيجة لبعض مدارس الكتابة تم التعالي عليه وإقصائه وعلينا أن نسترده وألا نستهين به فهو قارئ جيد يستطيع أن يميز بين الغث والسمين.

هل تحتاج كل رواية قوية لأن تثبت وجودها عبر السينما؟ فروايتك الجديدة «شيكاغو»، هل ستحتاج إلى أن تفتح لها السينما ذراعيها لكي تحصل على شهرة مماثلة لتلك التي حصلت عليها «عمارة يعقوبيان»، أم أنها ستعتمد على شهرة الأسواني التي جاء جزء كبير منها من الفيلم؟

– لا يحتاج الأدب إلى السينما، لأن جمهور الأدب مختلف عن جمهور السينما، والرواية الجيدة يمكن لها أن تثبت وجودها بسهولة بين جمهور الأدب من دون اللجوء للسينما، وقد حدث هذا مع كتاب كثيرين أمثال الطيب صالح الذي لم تنقل رواياته إلى السينما، لكنها لقيت رواجا كبيرا.

أنا لا أخشى على روايتي الجديدة لأنني وبتواضع شديد، أقدم ما املكه أمام القارئ وله أن يرفضه أو يقبله. على العموم «شيكاغو» التي تصدر 8 يناير/ كانون الثاني عن دار الشروق تنشر كسلسلة في صحيفة «الدستور». نشرت منها الآن 7 حلقات حصلت على ردود فعل ايجابية قوية من القراء، هذا عدا عن أن الناشرين الانجليزي والفرنسي لـ «عمارة يعقوبيان»، طلبا ترجمة الرواية الجديدة «شيكاغو» الى لغتيهما حتى قبل أن تصدر نسختها العربية.

ما الذي يناقشه الأسواني في روايته الجديدة «شيكاغو»؟ وهل ستكون بالقدر نفسه من الجرأة في الطرح وبالواقعية نفسها في التعامل مع قضايا الشارع المصري أو العربي على أقل تقدير؟

– رواية «شيكاغو» تدور في مدينة شيكاغو الأميركية، وهي المدينة التي عشت فيها لفترة أثناء دراسة الماجستير في طب الأسنان من جامعة لينوي. هذه الرواية تتعرض لثلاثة أنواع من الشخصيات، الشخصية الأميركية وشخصية المهاجرين العرب وهموم الحياة في الولايات المتحدة، ثم بعض الطلبة العرب وما يعانونه من مشكلات هناك. أتعرض لشخصية طالبة مصرية أتت من الريف المصري مباشرة إلى الولايات المتحدة فتعرضت لأزمة ثقافية، كما أستعرض الشخصية الأميركية لأكشف من خلالها معاناة بعض العرقيات في المجتمع الأميركي، كما يحدث حين تحب امرأة «زنجية» أميركيا أبيض.

الرواية تحمل نظرة نقدية لبعض وجوه المجتمع الأميركي، وهو ما يرفضه كثير من الأميركيين، كالمترجم الأميركي الذي رفض ترجمة الرواية بعد قراءتها لأنه لم يتقبل فكرة أن ينتقد كاتب عربي المجتمع الأميركي من الداخل.

العدد 1581 – الخميس 04 يناير 2007م الموافق 14 ذي الحجة 1427هـ