مؤكدا احترامه للقارئ العربي… مؤلف «عمارة يعقوبيان» لـ «الوسط»: تمرد شخصياتي مقياس نجاحي…وما فلت من الفيلم حدث سينمائي مميز 

المنامة – منصورة عبدالأمير

علاء الأسواني… هو مؤلف رواية «عمارة يعقوبيان» الشهيرة، التي تعد، بحسب كاتبها، الأعلى مبيعا في فرنسا وايطاليا حيث بيع منها ما يزيد على 126000 نسخة خلال 8 شهور في فرنسا وحدها متجاوزة بذلك توقعات الناشر الفرنسي ببيع 15000 نسخة خلال عام. كذلك احتلت «عمارة يعقوبيان» المركز السادس على قائمة فرنسية لأفضل 20 كتابا العام 2007، مع تأكيد كاتبها كونها سادس أفضل كتاب، لا رواية. للأسواني الحق في ذلك، فلقد أدهش طبيب الأسنان هذا كثيرين بدقته في تقصي بعض أهم قضايا المجتمع المصري المعاصرة، وبراعته في صوغها بأسلوب قصصي درامي رائع جعلها مادة جاهزة للسينما العربية، فجاءت الأخيرة لتقدم من خلالها عملا كان الأفضل عبر عقود طويلة، والبوابة، كما رآه كثيرون لصناعة سينمائية عربية حقيقية تدخل هذا الجزء المهمل، سينمائيا على الأقل، عالم الكبار. وترجمت الرواية إلى 14 لغة دولية، صدر منها لحد الآن 3 ترجمات هي الانجليزية والايطالية والفرنسية ويتوقع أن تصدر المزيد من تلك الترجمات خلال العام 2007، وخصوصا مع حصولها على الجائزة الكبرى للرواية في مهرجان طولون للعام 2006.

وليس ذلك فحسب، بل إن هذا النجاح العالمي، جعل بعض دور النشر الأوروبية تبحث عن روايات عربية أخرى يمكن أن تحقق نجاحا مشابها. الأسواني كان، أخيرا، ضيف مركز الشيخ إبراهيم في ندوة تحدث فيها عن «عمارة يعقوبيان»، شخصياتها، حوادثها، رمزيتها وكل ما أراد نقله عبرها! بعدها كان ضيفا على «الوسط» في حوار شيق تحدث فيه عن تجربة «يعقوبيان» وعن بعض ردود الفعل الأولية لروايته التي لم تنشر بعدُ «شيكاغو».

تقول إن جميع حوادث وشخصيات «عمارة يعقوبيان» خيالية، وان ما يدور على لسان الشخصيات من حوار يعبر عن آرائهم هم لا رأيك، وان هذه الشخصيات تخرج عن نطاق السيطرة في بعض الحالات وتتصرف على هواها. لكن من الواضح أن العمل ككل هو بمثابة زفرة ألم وتحسر على ماضي مصر وعلى واقعها الذي تعيشه والذي يبدو – بحسب الرواية – واقعا أسود فاسدا، وان شخصيات «يعقوبيان» لم تصنع نهايتها بنفسها فمات البعض وتزوج البعض الآخر، حتى بدا أن تلك النهايات ليست سوى حلول مقترحة من الأسواني للمعضلة التي تعيشها الشخصية أولا، ثم لمصر. هل تفعل ذلك حقا؟ هل تناقش أزمة مصر الاجتماعية والسياسية وتقترح لها حلولا؟

– فعلا كثير من جوانب القصور والسلبيات في المجتمع المصري تنكشف عن طريق هذه الشخصيات، لكن ذلك لم يكن الهدف من وراء كتابة الرواية، فكشف السلبيات يمكن تحقيقه عن طريق كتابة المقالات مثلا لا برواية من 400 صفحة وعدد كبير من الشخصيات. هدفي الحقيقي هو صناعة العالم الأدبي وليس مناقشة موضوعات محددة، وهذا لا يعني أن تكون روايتي خالية من الموضوعات، إذ إن أي شخصية تحمل في سياقها تاريخا اجتماعيا وسياسيا ويمكن لها أن تطرح الكثير من الموضوعات للمناقشة.

نهاية الشخصيات هي من صنع تلك الشخصيات وليست من صنعي. صنعت بداية الشخصيات فقط، لكن يأتي الوقت الذي تخرج فيه هذه الشخصيات عن نطاق سيطرتي، فزكي وبثينه هما من حددا مصيرهما وقررا الزواج. وعموما هذا الخروج عن سيطرتي هو بالنسبة لي مؤشر لنجاح جميع خطوات إعداد الشخصية، فالشخصية الحقيقية هي التي تصنع مصيرها بنفسها.

أما قضية اقتراح حلول من خلال النهايات فهي أمر متروك للقارئ، أنا أكتب العمل فقط ولا أقترح من خلاله حلولا. ليس من شأني قراءة العمل الأدبي، العمل يقترح قراءات متعددة، فزواج زكي نبوءة لدى بعض القراء الغربيين، على أن مصر ستدخل المستقبل حين تدخل إليها الديمقراطية، بينما يقرأ البعض قتل الضابط في نهاية الرواية على أنه بمثابة دعوة إلى تغيير النظام الحاكم.

من حق القارئ أن يقترح أي قراءة أو تفسير لعملي، وعلي أنا أن أتقبل كل تلك القراءات.

أعود وأطرح السؤال الذي تقول إنه تكرر عليك مرارا، لماذا تزوجت بثينة بزكي باشا؟ ما الرسالة التي تود نقلها من هذا الزواج، وهي رسالة ربما تكون شبيهة بتلك التي اردت نقلها من خلال مراسم حفل زواجهما حين ترقص بثينة، بنت الحارة، على انغام كريستين، الفرنسية، ثم ينضم زكي باشا الى حلبة الرقص الشعبي التي نظمها سكان العمارة؟

– لم اقصد نقل أي رسالة محددة، وهذا لا يعني أنه لا توجد رسائل، فكل قارئ يمكنه قراءة الموضوع بشكل مختلف وإيجاد التفسيرات التي يريدها. طبعا الزواج كان منطقيا من الناحية الدرامية، فبثينة وجدت في زكي شخصا يحترمها ويقدر إنسانيتها، ورجلا يريد أن يعوضها عن المهانة التي تعرضت لها معه. زكي يعتبر زواجه منها نوعا من التحدي لشقيقته دولت التي تريد أن ترثه وهو حي وكأنه يريد أن يقول إنه لم يمت بعد وانه يستطيع أن يبدأ حياة جديدة وهو في هذا السن.

هل تعتبر روايتك محاولة لإحياء نهج الواقعية في أدب الرواية العربي؟ وهل يمكن أن تمثل رواية كهذه فتحا لعهد جديد يثمر عن تعاون وثيق بين الأدب والسينما بحيث يحصل الأول على قاعدة شعبية أكبر، بينما تصبح هي اكثر فاعلية وتأثيرا في المجتمع وأكثر قدرة على محاكاة الواقع من خلال نصوص الأدب القوية؟

– أنا سعيد بهذا الرأي، لكن لست أنا من يحدد إن كانت الرواية تفتح باب تعاون مع السينما. لا استطيع أن أقيم عملي، عليّ أن اكتب واترك التقييم للآخرين. أما الأسلوب الذي كتبت به روايتي فهو نابع من قراءاتي المتعددة فأنا أقرأ بثلاث لغات هي الفرنسية والانجليزية والاسبانية، كما ازعم أنني مطلع على الاتجاهات الأوروبية بشكل مرضٍ، لكني أكتب للقارئ العربي وهو قارئ احترمه كثيرا وأثق به، كما اطمح أن أقدم له نصا أدبيا متعدد المستويات، يقرأه الجميع، إذ اعتقد أن تلك من سمات العمل الأدبي الجيد. كذلك اعتمد في أسلوبي على عدم التعالي على القارئ العادي، الذين أدين له بكثير من الفضل بعد الله، فالقراء في مصر والعالم العربي والغربي هم الذين صنعوا نجاحي.

أما أن تفتح روايتي بابا للتعاون بين الأدب والسينما، فالتعاون موجود أصلا في السينما العالمية والعربية، ونسبة كبيرة من الأعمال السينمائية مأخوذة من أعمال أدبية، فالعمل الأدبي يوفر لكاتب السيناريو بداية متقدمة جدا، وخصوصا إذا أحسن الكاتب تقديم الحبكة الدرامية ورسم الشخصيات والحوادث.

عموما اقدر الفيلم كثيرا واعتبر ما فلت منه من الرقابة يعد حدثا مميزا على مستوى السينما المصرية والعربية، فلأول مرة يشاهد المتفرج ما يحدث في مصر من تعذيب واغتصاب وفساد.

الفيلم والرواية، من منهما خدم الآخر؟ الرواية قدمت للفيلم «سيناريو» قويا نادر وجوده في السينما المصرية المعاصرة، وأعطته دفعة كبيرة حتى اعتبره البعض بوابة لحقبة جديدة في السينما المصرية. أما هو فقد أعطاها شهرة كبيرة وأوصلها إلى عامة الناس بعد أن كانت ربما حصرا على النخبة أو على الأقل جمهور الأدب…

– العلاقة متبادلة بين الاثنين، فكلاهما خدم الآخر، لكنني أشدد على أني اكتب روايات لقارئ الأدب وأبذل ما في وسعي ليرضى عني وليس لجمهور السينما. وأختلف معك في أن الفيلم أعطاها شهرة أكبر، روايتي لقيت رواجا كبيرا وحققت نسب مبيعات عالية قبل عمل الفيلم، وإذا كان هناك حدث عملته الرواية في عالم الأدب فهو أنها خرجت من نطاق الحلقة الضيق من مهتمي الأدب إلى نطاق القارئ العادي، الذي استهدفه دائما فهو القارئ الذي صنع مجد نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، لكنه ونتيجة لبعض مدارس الكتابة تم التعالي عليه وإقصائه وعلينا أن نسترده وألا نستهين به فهو قارئ جيد يستطيع أن يميز بين الغث والسمين.

هل تحتاج كل رواية قوية لأن تثبت وجودها عبر السينما؟ فروايتك الجديدة «شيكاغو»، هل ستحتاج إلى أن تفتح لها السينما ذراعيها لكي تحصل على شهرة مماثلة لتلك التي حصلت عليها «عمارة يعقوبيان»، أم أنها ستعتمد على شهرة الأسواني التي جاء جزء كبير منها من الفيلم؟

– لا يحتاج الأدب إلى السينما، لأن جمهور الأدب مختلف عن جمهور السينما، والرواية الجيدة يمكن لها أن تثبت وجودها بسهولة بين جمهور الأدب من دون اللجوء للسينما، وقد حدث هذا مع كتاب كثيرين أمثال الطيب صالح الذي لم تنقل رواياته إلى السينما، لكنها لقيت رواجا كبيرا.

أنا لا أخشى على روايتي الجديدة لأنني وبتواضع شديد، أقدم ما املكه أمام القارئ وله أن يرفضه أو يقبله. على العموم «شيكاغو» التي تصدر 8 يناير/ كانون الثاني عن دار الشروق تنشر كسلسلة في صحيفة «الدستور». نشرت منها الآن 7 حلقات حصلت على ردود فعل ايجابية قوية من القراء، هذا عدا عن أن الناشرين الانجليزي والفرنسي لـ «عمارة يعقوبيان»، طلبا ترجمة الرواية الجديدة «شيكاغو» الى لغتيهما حتى قبل أن تصدر نسختها العربية.

ما الذي يناقشه الأسواني في روايته الجديدة «شيكاغو»؟ وهل ستكون بالقدر نفسه من الجرأة في الطرح وبالواقعية نفسها في التعامل مع قضايا الشارع المصري أو العربي على أقل تقدير؟

– رواية «شيكاغو» تدور في مدينة شيكاغو الأميركية، وهي المدينة التي عشت فيها لفترة أثناء دراسة الماجستير في طب الأسنان من جامعة لينوي. هذه الرواية تتعرض لثلاثة أنواع من الشخصيات، الشخصية الأميركية وشخصية المهاجرين العرب وهموم الحياة في الولايات المتحدة، ثم بعض الطلبة العرب وما يعانونه من مشكلات هناك. أتعرض لشخصية طالبة مصرية أتت من الريف المصري مباشرة إلى الولايات المتحدة فتعرضت لأزمة ثقافية، كما أستعرض الشخصية الأميركية لأكشف من خلالها معاناة بعض العرقيات في المجتمع الأميركي، كما يحدث حين تحب امرأة «زنجية» أميركيا أبيض.

الرواية تحمل نظرة نقدية لبعض وجوه المجتمع الأميركي، وهو ما يرفضه كثير من الأميركيين، كالمترجم الأميركي الذي رفض ترجمة الرواية بعد قراءتها لأنه لم يتقبل فكرة أن ينتقد كاتب عربي المجتمع الأميركي من الداخل.

العدد 1581 – الخميس 04 يناير 2007م الموافق 14 ذي الحجة 1427هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s