بني البشر Children of Men: سوداوي… مرعب ولا يخلو من عنصرية

منصورة عبدالأمير 

إذا كنت أحد أولئك الذين يحبون بريطانيا، ويحملون عشقا خاصا لعاصمتها لندن مدينة الضباب، فأنصحك ألا تشاهد فيلم Children of Men الذي يعرض حاليا في سينما السيف، لأنك حينها سترى صورة أخرى مختلفة تماما عن كل ما تحمله ذاكرتك لهذا البلد، ولمدينة لندن خصوصا. الصورة الجديدة لن تسعد حواسك بل ستصيبك بشيء غير قليل من الأسى بسبب ما يزعم صانعو الفيلم كونه مستقبل هذه المدينة، إذ تبدو لندن مدينة قذرة شبه مدمرة وكأنها خرجت للتو من حرب ساحقة، تنتشر في شوارعها العصابات ولا يبدو لرجال شرطتها أي هدف سوى اشاعة مزيد من الفساد. ملئت جدرانها بكثير من الشعارات الغرافيتي وعلى رغم كون ذلك واقع حال جدران لندن اليوم، فإن الفيلم يبالغ في نقل الصورة لتعتقد لوهلة أنك في مدينة تملأها شعارات مغطاة بجدران وليس العكس!

يتضح لنا أن شعارات الجدران ليست سوى وسيلة لمناهضة حكم العكسر الذي يحاول إحكام السيطرة على المدينة بعد أن أصبح كل شيء فيها خارج نطاق السيطرة. كيف لا وشوارع المدينة تغص بالمهاجرين غير الشرعيين الذين تطاردهم الشرطة البريطانية، أو بالأحرى الجيش البريطاني، في أزقة وحارات لندن. مفهوم الأمان أصبح أمرا من الماضي في هذه المدينة، إذ لا يخلو يوم من دون أن يسمع دوي انفجار في أحد أحيائها، أو في أحياء المدن المجاورة، ليفربول كانت آخرها كما نفهم من حوار يدور في أحد المشاهد بين بطلي الفيلم ثيو فارون (كلايف أوين) وجاسبر (مايكل كايني) يشار فيه الى أن هذه الانفجارات قد تكون مدبرة من قبل الحكومة للتغطية على فضائح بعض الوزراء. بالمناسبة، لا يوضح الفيلم هوية هذين الشخصين، لكننا نعلم أنهما البطلان وأنهما يسيران الحوادث وأنهما أنزه من نقابل من شخصيات، وأنهما يضحيان بحياتهما من أجل إنقاذ البشرية!

طبعا هما بريطانيان انجليزيان، ويواجهان طبعا كثيرا من القسوة والحقد والأنانية والتآمر وغير ذلك من كل من يحيط بهما، وغالبيتهم لا ينتمون للعرق الانجليزي! تحيط بهما المؤامرات لكنهما يتمكنان من كشفها، ويخسران في سبيل حبهما لنشر الخير والسلام صديقتهما، أو حبيبة فارون السابقة جوليان تايلور (تقوم بدورها الرائعة جوليان مور).

قبل الدخول في قصة جوليان هذه علينا أن نعرف أن هذه الصورة القاتمة السوداوية المرعبة تصور لندن في العام 2027 أي بعد 20 عاما من الآن، حين تكون البشرية قد مرت بكارثة مرعبة قبل 20 عاما قضت على أي أمل لها بالتناسل، إذ وبعد أن تنتشر حمى الانفلونزا في العام 2008 وتقضي على من تقضي، يصيب نساء العالم عقم يبدأ بحالات اجهاض غير مبررة تجتاح النساء في كل مكان، ثم تتحول الى عقم تعجز النساء بسببه عن حمل أي نطفة في أرحامهن وليهدد البشرية بالانقراض.

طبعا تبدو بريطانيا بحسب الفيلم المكان الأكثر أمانا في العالم، إذ انهار العالم بأجمعه لأسباب لم تبدُ واضحة، وإن كان تقرير بثته قناة الـ «بي بي سي» في أحد مشاهد الفيلم أعطى تلميحات لما قد يكون السبب، إذ يعرض التقرير صورا لبعض اكبر مدن العالم، لنشهد تفجيرات في احداها ونزاعات مسلحة في أخرى، و… نساء محجبات يرفعن أكفهن عاليا ويبدون كما لو يشاركن في مسيرة. الطريف أن النساء جميعهن يرتدين الشادور الايراني، لكن اللقطة مأخوذة بحسب التقرير من مدينة كوالالمبور!

يبدأ فيلم الخيال العلمي هذا بمقتل أصغر فتى في العالم وهو البالغ 18 عاما وبضعة اشهر وعدة ايام. الفتى انجليزي طبعا، ويقتل في أحد شوارع لندن لرفضه توقيع أوتوغراف أحدهم، ومن تعليق لبطلي الفيلم فارون وجاسبر على خبر مقتله نتمكن من الامساك بأول خيوط الكارثة التي يعيشها البشر أو التي سيعيشونها بعد عشرين عاما من الآن.

وفارون يؤكد أن اسباب حال العقم التي تجتاح البشر تلك غير معلومة، إذ يمكن أن تكون الأبحاث الجينية هي السبب ولربما كانت اشعة جاما أو التلوث الذي يملأ العالم هما ما أديا بالبشرية الى تلك الكارثة المروعة. ما لا يعلمه الاثنان، وما سيعرفه فارون بعدها ويدفع حياته ثمنا له هو أن الأمل الوحيد للبشرية التي تسير نحو نهايتها يقبع في رحم إحداهن، إمرأة من أصول إفريقية ويبدو أنها احد المهاجرين غير الشرعيين، لم يوضح الفيلم ذلك لكن الفتاة تصرح بأنها تخشى أن يسرق البريطانيون جنينها إن اعلنت حملها، لينسب بعد ذلك الى أية امرأة سوداء تحمل الجنسية البريطانية.

تتقاطع خطوط هذه الفتاة مع فارون، حين تلجأ لجماعة سرية طالبة منها ايصالها الى ما يسمى بالمشروع البشري، وهو معمل ابحاث متنقل يحاول ايجاد خلاص للبشرية يتخفى على هيئة قارب صيد، ويجوب بحار العالم بحثا عن أمل. الجماعة السرية تتشكل من مجموعة من البريطانيين ذوي الاعراق المختلفة، ترأسهم جوليان، حبيبة فارون السابقة، التي تلجأ إليه للحصول على أوراق رسمية تصرح للفتاة بالمرور عبر المدن البريطانية لتصل الى حيث ترسو السفينة تلك.

تتوالى حوادث كثيرة ويقطع فارون رحلة طويلة يكتشف فيها الكثير من الحقائق والأمور ثم يفقد صديقته جوليان وجاسبر صديق عمره، وأخيرا يتعرض لطلق ناري يفقد على أثره حياته لكن بعد أن يتمكن من ايصال الفتاة الى بر الأمان وينقذ البشرية.

أهم ما يميز الفيلم هو اخراجه بطريقة جيدة، وهو العمل الذي قام به المخرج المكسيكي الفونسو كوارون، الذي قدم عددا لا بأس به من الأعمال السينمائية الجيدة، لعل أشهرها الجزء الثالث من هاري بوترHarry Potter and the Prisoner of Azbakhan. كوارون تمكن من تقديم صورة بائسة للغاية معبرة عما يفترض أن تؤول إليه الأمور، واستطاع شد المتفرج واشعاره بحال اليأس التي تعيشها جميع الشخصيات، كما قدم صورة للمدينة تستحضر الى الذاكرة تلك التي قدمها المجنون كوانتين تارانتينو في مدينة الخطيئة Sin City.

كذلك جاء اختيار الممثلين موفقا، جميعهم أدوا أدوارهم ببراعة وتقمصوا الشخصيات بشكل مقنع، ولا فخر للمخرج في قدرتهم على اقناع المشاهد بالحوادث، فالممثلون الرئيسيون هم مجموعة من أفضل وأقوى الوجوه أمثال مايكل كيني، وكلايف أوين، وجوليان مور، وتشويتيل ايافور.

ما يؤخذ على الفيلم هو النفس العنصري الذي يمكن أن يستشعره المشاهد بكل بساطة عبر مختلف المشاهد وخصوصا تلك التي تصور المهاجرين غير الشرعيين. طبعا هؤلاء المهاجرون معظمهم من العرب وبعض دول أوروبا الشرقية. وهؤلاء، بحسب الفيلم، يستحقون تطبيق القوانين العسكرية عليهم وعزلهم في مخيمات تشبه تلك التي يزعم أن اليهود عزلوا فيها في بدايات القرن الماضي. فهؤلاء لا يفعلون شيئا سوى اثارة الفوضى والتخريب والتدمير وقتل الأبرياء ويملأون الجدران بشعارات تدعو الى الانتفاضة، أو «الانتفادا» كما يتضح في بعض المشاهد.

ولا يكتفون بذلك، بل إنهم يتظاهرون رافعين شعارات «الله أكبر»، ولا أعرف لماذا يغطون وجوههم بأقنعة تشبه تلك التي يرتديها مقاتلو حماس! ثم ينخرطون بعد ذلك في مواجهة مع الجنود البريطانيين، ويعيثون فسادا في الأرض التي تطعمهم وتأويهم بعد أن تدمر العالم!

كذلك لا يخلو الفيلم طبعا من نبرة الفخر الزائف التي يزعم أن الانجليز يحملوها، والتي تقنعك كثير من المشاهد بوجودها فعلا لديهم، فالانجليزي هو النزيه الوحيد وكل من حوله متآمرون. وهو الذي يدفع حياته من أجل انقاذ البشرية واسعاد الآخرين، فيما يفكر الآخرون بأنانية مفرطة ويتعاملون مع الأمور ببشاعة وقسوة!

عموما الفيلم جيد ويقدم رسالة خطيرة ومرعبة للغاية، لكن يأبى صانعوه إلا أن يحشوه بكثير من عنصريتهم وفخرهم الزائف ليفسدوا روعة المشاهدة وليقللوا من قيمة الرسالة المنقولة عبره.

العدد 1595 – الخميس 18 يناير 2007م الموافق 28 ذي الحجة 1427هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s