«البحريني الأخير»… تعددت القراءات و «الهم» واحد

منصورة عبدالأمير 

لم يقصد صانع فيلم «البحريني الأخير» (The Last Bahraini) فريد الخاجة، الحديث في فيلمه عن التجنيس أو انتقاد أولئك الذين يكافحون لتأمين حياة مناسبة لأبنائهم… حتى لو كانوا من حَمَلة الجنسية الجدد.

وعلى العكس من ذلك، يبدو الخاجة متعاطفا مع هؤلاء، مقرا بحقهم في ذلك وهم الذين ساهموا بشكل أو بآخر في اقتصاد البحرين. بل إنه يعود لينقد أولئك الذين يجدون في ذلك غضاضة، وامتيازا غير عادل تقدمه إلى الأجانب على حساب أبناء البحرين!

لم يقصد الخاجة ذلك تماما، وكل ما في الأمر أنه كما توجد قراءات عدة لأي نص أدبي، تتباين قراءات الفيلم الواحد وتختلف تفسيرات واستنباطات متفرجيه لفكرته وللرسالة التي يقصد إيصالها منه.

لا تهم أسباب اختلاف تلك القراءات، ولكن فيلم الخاجة لم يخلق ذلك الاختلاف بين متفرجيه وحسب، بل إن اختلاف تفسيراته يبدو جذريا! فالرسالة التي وصلت إلى معظم من تفرجوا على الفيلم بدت مختلفة إلى حد كبير عن تلك التي قصدها صانع الفيلم.

جميعهم تقريبا، وجدوه فيلما مناهضا للتجنيس، منتقدا – إلى حد ما – سياسة تسمح لسائق سيارة الأجرة «الأسيوي» بتأمين حياة كريمة إلى حد ما من خلال عمله سائق أجرة. حياة تسمح له بتأمين كل ما لا يستطيع راكب السيارة (الزبون) الحصول عليه، وهو «ابن البلد» الذي يُفترض أن يعيش حياة أفضلَ من الأجنبي!

معظم من شاهدوا الفيلم وجدوا فيه متنفسا لحال من الغضب المكبوت يعيشونها تجاه هؤلاء الذين يقاسمونهم لقمة العيش، بل يعيشون على حسابهم، في أحيان كثيرة!

الطريف، أنه وبعد حديث جمعني مع الخاجة، علمت أنه مندهشٌ من الكيفية التي تم فيها تفسير فيلمه بقوله: «بالنسبة إلي، الفيلم يتحدث عن البحرينيين الذين يعانون ويُجبرون على أن يعيشوا لصوصا». وهو على رغم ما يبديه من تعاطف أولي مع هؤلاء، فإنه يعود ليؤكد أنهم يتحاملون على الأجانب الذين يحصلون على حياة أفضل في البحرين، فاللص في فيلم الخاجة يصاب بغيرة تكاد تدفعه إلى ارتكاب جريمة حين يتعرف إلى بعض ملامح الحياة الجيدة التي يعيشها الآسيوي في بلاده.

الخاجة يرى أن حصول الآسيوي على الجواز البحريني لا يعني أن الحكومة لا تنصف رعاياها، فالآسيوي «يستحق الجواز؛ لأنه عاش سنواتٍ في هذا البلد وساهم في اقتصادها بشكل إيجابي». من حق الأسيوي – كما يرى الخاجة – أن يحصل على هذا الامتياز تماما مثل أولئك الذين وُلِدوا بحرينيين.

تتعدد القراءات وتختلف التفسيرات ويظل الفيلم دائما هناك، سواءٌ أكان ذلك فيلم الخاجة أم سواه من الأفلام. يظل هناك ناقلا جزءا من هَمِّ بحريني سياسي اجتماعي اقتصادي. وسواءٌ أقصد الخاجة أم لا، فإن فيلمه ذاك سيظل شاهدا على عصره موثقا لقضايا زمنه!

العدد 1693 – الخميس 26 أبريل 2007م الموافق 08 ربيع الثاني 1428هـ

مخرج فيلم The Last Bahraini: فريد الخاجة: لا أتحدث عن التجنيس … والجمهور البحريني أساء فهمي

منصورة عبدالأمير 

حصل فيلم «البحريني الأخير» (The Last Bahraini) أخيرا على جائزة لجنة التحكيم من مسابقة أفلام من الإمارات التي نظمت في الفترة 7-13 مارس/ آذار الماضي. الفيلم لم ينتزع اعجاب لجنة التحكيم وجمهور المهرجان فقط، لكنه حقق نسبة مشاهدة عالية على موقع youtube.com، وهو واحد من أشهر مواقع أفلام الانترنت.

فريد الخاجة مخرج العمل الذي سعد بفوزه هذا، فاجأ جمهوره من البحرينيين هناك حين تحدث عن فيلمه، وإذ أكد رغبته في ايصال رسالة مغايرة تماما، لما استنبطها معظم جمهوره من البحرينيين. الخاجة يتحدث مع «الوسط» في لقاء توجب ان تجريه «الوسط» عبر الشبكة العنكبوتية بسبب ظروف اقامته في الشارقة إذ يدرس في الجامعة الأميركية هناك.

بالنسبة إلى كثير من المشاهدين يبدو فيلمك وكأنه يتحدث عن التجنيس، لكنك في ردك على أحدهم عبر أحد المواقع الالكترونية، نفيت ذلك، وأكدت أنه فيلم يتحدث عن العنصرية. فما هي حقيقة القضية التي تناقشها، وهل تتخذ موقفا من التجنيس في هذا الفيلم؟

– نعم كان ذلك على موقع يوتيوب حين كتب أحدهم شيئا عن كون فيلمي يتناول قضية التجنيس، وكانت تلك هي المرة الأولى التي اسمع فيها شيئا كهذا، أصبت بصدمة من أن يتوصل أحدهم الى مثل هذا التفسير. بالنسبة إلي الفيلم يتحدث عن بحريني يعاني ويجبر على أن يعيش حياته كلص غير محترف. يدخل في محاورة مع سائق سيارة أجرة هندي، يعيش في البحرين وينعم بحياة أفضل من البحريني. اللص، الذي يصاب بغيرة بالغة بسبب ذلك، لا يزال يرى نفسه أفضل من سائق الأجرة، فقط لأنه ينتمي لعرق مختلف، لكن تتغير الأمور حين يخرج سائق السيارة جوازه البحريني.

بالنسبة إلي لا أجد في حصول هذا الهندي على جواز سفر بحريني عدم انصاف من قبل الحكومة تجاه مواطنيها. أنا أعتقد أن الهندي يستحق الجواز فعلا، فبعد أن عاش في البلد لسنوات كثيرة واستفاد من اقتصادها، فإنه من المنطقي أن يستحق مثل هذا الشخص أن يعطى امتيازات كتلك التي يحصل عليها من ولدوا بحرينيين. في حين أن معظم البحرينيين يحصلون على الجواز عن طريق الصدفة إذ إنهم ولدوا من والدين بحرينيين، وليس عن استحقاق وجدارة.

أخيرا ينتهي الفيلم بأن نشاهد اللص وهو يسير في أحد المحلات التي حاول سرقتها في بداية الفيلم، وذلك للحصول على عمل فيه، إذ يلاحظ في النهاية أنه يتوجب عليه أن يكسب رزقه بالطريقة نفسها التي فعلها السائق. الأمر الذي لم يلاحظه كثيرون ممن شاهدوا الفيلم هو أن موظف المحل الذي يوظف البحريني أسيوي أيضا.

أثناء مشاركتي في مسابقة أفلام من الإمارات، كان هناك الكثير من البحرينيين الذين اعجبوا بالفيلم لكنهم انتهوا بتفسيرهم بشأن التجنيس. حين شرحت وجهة نظري لبعضهم أصبحت غير محبوبا من قبلهم. الأمر الذي أثار اهتمامي هو أن معظم غير البحرينيين الذين شاهدوا الفيلم لم يأتوا بتفسير التجنيس، بل وجدوا الفيلم يتحدث عن العنصرية وهو ما قصدته تماما. أعتقد أن اخراج الهندي للجواز، ربما، هو ما جعل أذهان المشاهدين البحرينيين تتجه إلى التجنيس، وحينها أصبح اللص ضحية.

كيف ظهرت فكرة الفيلم لديك؟

– جاءتني الفكرة من موقف حدث لي مع أحد الأصدقاء يوما، وذلك حين كنا في أحد المطاعم نطلب السندويتشات فأخطأ الطباخ في طلبي، فما كان من صديقي إلا أن ذهب الى مطبخ المطعم ونهر الطباخ وعامله باحتقار شديد. صديقي كان يشعر أنه أفضل من هذا الطباخ الهندي فقط لأنه بحريني، وذلك ما أحزنني كثيرا، ومن هنا جاءت فكرة الفيلم.

لماذا اخترت أن تعرض فيلمك على موقع يوتيوب؟

-عرضت الفيلم على يوتيوب لأن الممثل الذي عمل معي ألح عليّ بذلك، كذلك لدي صديق في كندا أقنعني بوضع الفيلم على الموقع لكي يتمكن من مشاهدته إذ لم تكن هناك وسيلة أخرى أوصل بها الفيلم إليه.

هل كنت تريده فيلما مفتوحا لتأويلات المشاهدين، ليستبنط كل منهم الرسالة التي تود إيصالها بشكل مختلف؟ وهل تعتقد أن صانعي الأفلام مسئولين عن كل التفسيرات التي يقدمها الجمهور لأفلامهم، في حالتك هل أنت مسئول عن الفكرة التي يستنبطها الجميع من فيلمك؟

– نعم أعتقد أن كل شيء يقع على أكتاف المخرج، فهو يتحمل مسئولية أي خطأ يقع، بما في ذلك التفسيرات التي تتناقض مع رسالة الفيلم. لكني في الوقت ذاته أعتقد أنه يتوجب على المخرج السماح لمشاهديه بتقديم تفسيراتهم، وهذا ما فعلته حين قمت بسحب ملاحظتي تلك التي كتبتها على موقع يوتيوب. الفيلم فيلمي حين أعمل عليه فقط، وحين انتهي منه، يصبح ملك الجمهور. عموما، اعتقد أن رسالتي وصلت لمعظم زملائي المخرجين وأساتذتي في مجال صناعة الأفلام وحتى لعامة الجمهور، لكن المشكلة التي واجهتني كانت في إيصال الرسالة للبحرينيين.

ألا يقلقك أن يحمل البعض تفسيرا مختلفا لفيلمك عن ذلك الذي قصدته، بل انه تفسير متناقض تماما فأنت تتحدث عن حقوق الأجانب، بينما يعتقدك الجميع تهاجم التجنيس، وأنت في الواقع لست ضد التجنيس لمن يستحقونه على الأقل، وفيلمك ينقل رسالة لأولئك الذين يعارضونه عموما. هل يقلقك أن يوجه إليك أي طرف لوما بسبب وجهة نظرك هذه؟

– نعم، لأن جمهوري المقصود هم البحرينيين، وأنا شعرت أنني فشلت في ايصال رسالتي إليهم. ربما أضعف جانب الفكاهة في الفيلم قدرتي على ايصال الرسالة، لكني عموما لا أحب تقديم أفلام واعظة للمشاهدين لأن ذلك أمر مزعج.

في المقابل، أنا ألوم انتقائية المتفرجين البحرينيين، الذين امتنعوا عن التفكير في أي شيء آخر لا يتفق مع توجههم ذاك وذلك من دون أي وعي منهم. في بعض الأحيان أقول ساخرا إنه لو كان فيلم عاطفة المسيح (The Passion of the Christ) أكثر ظرافة، لاعتقد اليهود أنه فيلم مناصر لهم.

كم استغرق منك العمل على الفيلم، أي أنواع الكاميرا استخدمت فيه، من هم ممثليك، وهل هي أول أفلامهم؟

– قصة هذا الفيلم ظلت في ذهني لما يقارب العام، النص كان جاهزا منذ فترة طويلة وقمت بإعادة كتابته ثلاث مرات. والآن حين أعود بذاكرتي إلى الوراء، أشعر أنه كان بامكاني عمل كتابة رابعة لتقديم نص أكثر انصافا.

استغرق تصوير الفيلم يومين، بينما تطلب عمل المونتاج ثلاثة أيام، صورته بكاميرا كانون Canon XH-A1 وهي كاميرا رائعة. على أية حال لا أعتقد أن الكاميرا هي ما تصنع الفيلم، لكنها بكل تأكيد تساعد على صناعة فيلم جيد خصوصا إذا شعر المتفرجون بذلك وهو ما يجعلهم يتعاملون مع العمل بجدية أكبر.

لعب دور اللص حمد البنعلي وهو أحد أصدقائي المقربين، وهي المرة الأولى التي يمثل فيها، وقد ندم على مشاركته ليّ بداية، لكنه الآن أصبح مشهورا بفضل موقع يوتيوب، كما أنني حصلت على إشادات كثيرة بسبب ادائه من قبل اساتذتي.

أما دور سائق الأجرة، فقد لعبه أمير حسين، وهو حارس في مجمع يعيش فيه أحد أصدقائي. أدهشني بأدائه الرائع الذي فاق كل التوقعات.

ماذا عن فيلمك الأول (Happy People) الناس السعداء؟

– كان ذلك تجربة أولى بالنسبة إلي من الناحية التقنية، وهو يتحدث عني وعن شقيقي التوأم الشرير الذي قتل والدي، وهو الذي يتحداني الآن ويطلب مني الدخول معه في مباراة ملاكمة. صورت الفيلم بأكمله في غرفتي، وعملت مباراة الملاكمة مع نفسي مستخدما شاشة خضراء. تقنيا، كان الفيلم سيئا للغاية، لكني تمكنت من الحصول على الكثير من الضحك من مشاهديه، وكانت تلك تجربتي الأولى مع ما يسمى بتقنية الكروما كيينغ (chroma keying) (تقنية الشاشة الخضراء). الفيلم تسبب لي باحراج كبير اتذكر بعض اللقطات التي لم أقم بعمل مونتاج لها والتي ظهرت في الفيلم وكانت تصورني وأنا ألاكم الحائط.

هل تنوي أن تواصل عملك في مجال صناعة الأفلام، أم أن ذلك سيكون بمثابة هواية لك؟

– كلا الأمر ليس هواية بالنسبة لي، أنا بدأت كحالم وعملت بجد حتى تمكنت من تحقيق شيء يصعب عليّ الوصول إليه وهو أن أكون الأفضل. أذكر أنني تحدثت مع والدي منذ نحو العامين بشأن مواصلة دراستي في مجال صناعة الأفلام, لكنه رفض في الحال. ولذلك صار هدفي أن أثبت له أنني جاد في ذلك عن طريق فوزي في مسابقتي أفلام. الحمد لله تمكنت من أن أفوز بجوائز لفيلمي الأول Happy People الناس السعداء (2006) والبحريني الأخير (The Last Bahraini) 2007 ،أنا سعيد لأن والدي الآن يدعمني في قراري ذلك. كذلك شاركت في مسابقة أفلام من الامارات لأثبت لنفسي أن لدي قدرة على سرد التفاصيل أفضل من كثير من المخرجين الآخرين.

امكانات فريد في مجال صناعة الأفلام تفوق أعوام عمره الذي لا يتجاوز الحادية والعشرين، وطموحه بتطوير تلك الامكانات يتجاوز الاختلافات في وجهات النظر، حتى وإن تعلقت بموضوع شديد الحساسية كالتجنيس. الخاجة هو كفاءة بحرينية شابة استطاعت أن تثبت وجودها ولذلك تستحق كل رعاية وتشجيع.

العدد 1693 – الخميس 26 أبريل 2007م الموافق 08 ربيع الثاني 1428هـ

في محاضرة «الكتابة والمنفى» بمركز الشيخ إبراهيم.. عالية ممدوح إمرأة تسكنها المدن… لكنها ليست منفية

المحرق – منصورة عبدالأمير 

لم تعش الكاتبة والروائية العراقية عالية ممدوح المنفى، ولم تذق مرارته، وهي وإن غادرت بغداد منذ ما يصل الى 25 عاما، إلا ان ذلك لم يأت قسرا ولا اجبارا، على الأقل لم يكن بأمر طاغية كبير، بل خضوعا لرغبة من أسمته بطاغيتها الصغير!

ممدوح، التي كانت ضيفة مركز الشيخ إبراهيم مساء الاثنين الماضي في محاضرة جاءت تحت عنوان: «الكتابة والمنفى»، لم تتحدث عن تجربتها الكتابية في المنفى ولا عن تجارب سواها، بل قرأت بعضا من أعمالها. بدأت بالإعلان عن محاضرتها تلك هي محاولة تقديم صورة بسيطة ومتواضعة لترحلها، لكنها انتهت بقراءة أربع من أعمالها هي «ما بين السكنى والسكينة»، «الذات والجماعة» التي تحدثت من خلالها عن الجماعة التي تحاول سحق الذات بوحشية وتستميت لأن يظل التسبيح لها ولقانونها الذي تصوره تسبيحا للخالق عزوجل وتجد أي ابتعاد عن ذلك القانون كفرا. ثم قرأت «تلك المدن وهي الوحيدة بغداد» تغنت فيها بالمدينة الوحيدة التي أصابتها بإصابات قاتلة، وأخيرا «بين الهنا والهناك» معلنة عبرها الكتابة كواحدة من أجمل وأصعب سبل المقاومة والاحتجاج.

قالت في ردها على أحدهم إنها لم تكن قد أعدت نفسها للحديث عن تجربة الكتابة في المنفى، المحاضرة التي أعلن عنها من خلال كتيب مركز الشيخ إبراهيم منذ صدروه بدايات العام الجاري، بل إن نيتها لم تكن التحدث عن أي شيء «نيتي هي زيارة البحرين، وكنت قد حضَرت أفكارا كثيرة لكني لم أشخصها تحت عنوان الكتابة والمنفى».

كيف لممدوح ذلك الحديث وهي التي تعلن بعدها «أنا لست منفية، خرجت بإرادتي من العراق»، إذ «الأزواج طغاة صغار لهذا غادرت»

لكنها تعود لتؤكد أن «كل كاتب يعيش في داخله منفى، وأن كل كاتب يحمل حسا عاليا بوعي المكان والزمان هو منفي»

لم تنف كاتبة «حبات النفتالين» و «الولع» و «الغلامة» إذا لكنها أحست بيتم عظيم حين هدمت الحكومة العراقية منزل أسرتها في حي الأعظمية ببغداد، لتدمر كل مرابع طفولتها

الكاتبة الحائزة على عدة جوائز أبرزها جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية للعام 2004 عن روايتها «المحبوبات» صرحت بأن كتاباتها لا تحمل رسالة معينة، وإن ما يأخذها هو فعل الكتابة نفسه. موضوعها إنساني خالص ومشروعها موجه للإنسان أولا وأخيرا.

المدن بالنسبة إليها أهم من الكتابة، والكتابة هي أقل الأشياء احتفاء بالمدن، هي على أية حال تحاول من خلالها «تلمس تخوم هذه المدن، فأنا لم أعش في العراق سوى فترة قصيرة»

بغداد التي تسكن ممدوح تظهر في كل كتاباتها «عملي وكتاباتي تتراوح بين بغداد وبغداد ليس لدي أي مكان آخر، حتى رواية (المحبوبات) التي دارت حوادثها في مدن أوروبية كانت بطلاتها تتحدثن عن مدنهن المحلوم بها»

لم تتمكن ممدوح من الحديث عن أي من كتاباتها وتقييمها إذ إن «الكاتب هو أسوأ من يتحدث عن كتبه، وأتمنى أن تقرأوا أعمالي وتراسلوني لنتحدث حولها» لكنها أعلنت عن صدور روايتها الجديدة التي تصفها بالفضائحية بموضوعها، وهي رواية «التشهي» الصادرة عن دار الآداب التي أقيم لها حفل توقيع مساء أمس في صالة الرواق للفنون التشكيلية.

غربة ممدوح علمتها الكثير، علمتها المزيد من مفردات التواضع على قياس الفعل الإنساني، وعلى قياس المعارف «يوميا أشعر أني في نقصان لا زيادة، وهذا يعطيني رغبة في المعرفة وفي التواصل والتسامح فأعيد اكتشاف بلدي يوميا كما أعيد إكتشاف ذاتي»

وعالية تعلن بأن هذا الاكتشاف اليومي يأتي من مراقبتها لأحوال الآخرين فهي تؤمن «إنه ليس صحيحا أن من راقب الناس مات هما «بل من راقب الناس كتب روايات جيدة»

لم تجب عالية ممدوح على كل تساؤلات جمهورها، سواء ممن قرأوها أو ممن جاءوا للإطلاع على تجربتها، لكنها فضلت أن تكون «المحاضرة مفتاحا للحوار، فأنا لا أستطيع الاجابة عن كل الاسئلة». لم تتحدث عن الكتابة في المنفى بل عن كتابات خطتها في أرض بعيدة عن ديارها، لكنها لم تكن منفى!

العدد 1686 – الخميس 19 أبريل 2007م الموافق 01 ربيع الثاني 1428هـ

صوتيات البحرين خارقة دائما!

منصورة عبدالامير 

أكتفي في عمودي بنقل لقطات شاهدتها أو سمعتها هنا وهناك… لقطات بعضها سينمائي والآخر إذاعي. لنبدأ بالسينما أولا… صالة عرض في إحدى دور السينما البحرينية، فيلم يفترض أن يكون شديد الرومانسية، البطل وبطلته في حال تأجج عاطفي، والجمهور الذي يملأ الصالة مندمج حد الذهول. لا شيء يشتت الانتباه، لا صوت، لا حركة، موسيقى رومانسية ناعمة تملأ الصالة تتناغم مع نظرات عيني الحبيبين و… لا شيء كامل و «يا فرحة ما تمت». قطار الموت، إن كان ذلك اسمه، ينطلق في صالة الألعاب المجاورة، فيمتزج صوت محركه المزعج وصرخات راكبيه الفرحة والمذعورة مع موسيقى الفيلم الجميلة الهادئة الناعمة… هل هي مؤثرات صوتية من نوع خاص، هل يفعل ملاك السينما ذلك عمدا كي لا تضلل هذه الأفلام عقول مرتادي صالاتهم؟!

ألا يفترض أن تحمل هذه الصالات في جدرانها عوازل صوت، أم يفترض بكل من يزورها أن يسمع إما أصوات ألعاب الأطفال منطلقة، أو ربما حالفه الحظ ليشاهد فيلمين في آن واحد خصوصا إذا كان فيلم الصالة المجاورة حربيا مليئا بصراخ الجرحى والضحايا أو فيلم اكشن يملأ الصالة بأزيز الرصاص ودوي الرشاشات ومختلف أنواع الأسلحة، هذا عدا عن «بريكات» السيارات!

مشاهدتي الثانية جاءت عبر سماع أحد برامج إذاعة البحرين… البرنامج الذي لم أعرف اسمه، ولا أظنني سأحاول ذلك، هو برنامج يقصد به التواصل مع الجماهير، التواصل الحي بالطبع لا المسجل. كل ما على المستمعين هو الاتصال وعرض مشكلاتهم مع مختلف إدارات الدولة ومؤسساتها، ويفترض أن تصل هذه الهموم والمشكلات إلى المسئولين.

المتصلون المقهورون طبعا جميعهم يبدو عليهم الانفعال، بعضهم يتمكن من تمالك نفسه بينما يعجز آخرون عن ذلك… والمذيعة، لسبب لا أعرفه، تبدو عصبية للغاية في تلقي تلك المكالمة وتبدو هي الأخرى، كمستمعيها، غير قادرة على السيطرة على بعض انفعالاتها. المذيعة التي تتضح عصبيتها من نبرات صوتها، لا تكتفي بذلك بل إنها «تشعم» المستمعين حين تتولى هي الدفاع عن تصرفات الموظفين الحكوميين أو مسئوليهم. ألا يفترض بمثل هذه البرامج «الحية» الناقلة لنبض الشارع أن تستمع للطرفين، ألا يبدو من الصواب أن تبادر تلك المذيعة للاتصال للطرف المدعى عليه وهو هنا الجانب الحكومي لنستمع لوجهة النظر الأخرى ولتبريرات الجانب الآخر.

ما سمعته كان «تشعيما» حقيقيا لمواطن اتصل شاكيا أحد موظفي مستشفى السلمانية، المذيعة العصبية وبدلا من أن تأخذ بخاطر المواطن وتقف موقف الحياد، ترد بعصبية مدافعة عن الموظف! طبعا لا يطلب منها الوقوف إلى جانب المواطن، لكنها ليست محامية الطرف الآخر، عليها أن تمارس دورها الصحافي الإعلامي كما ينبغي، والبرامج الجماهيرية لا تقدم «لكسب جميل» على الناس، إما أن تقدم بطريقتها الصحيحة أو «بلاها».

مشاهدتي الأخيرة جاءت عبر الإذاعة ذاتها وعبر برنامج، لم أكترث هو الآخر لمعرفة اسمه وفحواه. هذه المرة أقفلت المذياع بعد أول إشارة تصدر من فم المذيعة، هذه السيدة التي تبدأ برنامجها الصباحي بتقديم تحية صباحية عطرة جميلة دافئة… لمن يحبون البحرين فقط!

المذيعة والجهاز الإعلامي يفترضون جدلا أن هنالك من مستمعيهم من لا يحبون البحرين، ولذلك فتحية الصباح ليست موجهة لهم. لا أملك حقيقة التعليق على سلوك كهذا وأترك للقراء الحكم، لكنني آمل من وزارة الإعلام أن تقدم برامج أخرى تشرح فيها دورها بالضبط هل هو إعلام وتوعية للجماهير أم تكريس لعقد نفسية وأمراض طائفية تكاد تزج بمجتمعنا البحريني الآمن المتصالحة طوائفة المتحابة أفراده في غياهب الظلمات!

العدد 1679 – الخميس 12 أبريل 2007م الموافق 24 ربيع الاول 1428هـ

باحثا في ما يثير ضحك المسلمين.. الأميركي ألبرت بروكس يثير أزمة «جنون» برلمانية ودولية

منصورة عبد الأمير 

خلال أزمة مجنون ليلى الثقافية التي عاشتها البحرين أخيرا وتفاعلت معها كل طوائف المجتمع وفئاته سلبا أو إيجابا، صدرت الكثير من التحليلات والآراء الداعمة أو المعارضة لعرض المجنون، أو لافتعال أزمة تجرجر البرلمان لما من شأنه تشتيت انتباه نوابه وبعثرة جهودهم في ما لا يفيد الناس. بعض تلك الآراء جاء سديدا حكيما وبعضها (…) لا يمكن التعليق عليه بأي حال من الأحوال. لكن ما يثير الانتباه ويستحق التوقف عنده من بين تلك التعليقات هو اتهام البعض للنّواب من مثيري تلك الأزمة بتسيس الثقافة. تعليق كذاك يثير ضحكا مريرا ويطلق قهقات ساخرة، مع كل الاحترام لمتبنيه والمدافعين عنه ولمطلقيه أولا وأخيرا.

إذ إن افتعال النواب، أو من يقف وراءهم لتلك الأزمة ليس هو ما يمكن أن يطلق عليه بالتسييس للشأن الثقافي. ليس دعما لموقف النواب ذاك، فهو موقف لا يسر أحدا ولا يعبر إلا عن إخفاق في تمكنهم من ملامسة القضايا الأهم ومحاولة منهم لإثبات الوجود عبر الشأن الثقافي. لكن الوقوف في وجه مارسيل خليفة وقاسم حداد وعرضهما المجنون ثم تشكيل لجنة تحقيق برلمانية كان أولى بها أن تشكل لمناقشة أوجه فساد أخرى، ليس هو بداية التسييس. الشأن الثقافي مسيس قبل ذلك بكثير والمثقفون وأصحاب الشأن هم أول من يعلم ذلك. في الواقع كل شيء في حياتنا مسيس، لقمة عيشنا مسيسة، خريطة الاحياء التي نعيش فيها مسيسة، مناهجنا الدراسية مسيسة، التبضع وشراء احتياجات المنزل من شامبو وحلويات للأطفال وما شابه… سياسة! كل شيء سياسة، وعرض (مارسيل حداد) ليس الأول ولا الأخير، وجرجرة البرلمان إلى ما يعرقل توجهه للقضايا الأكبر وما يضعف من أدائه ليس جديدا.

أزمة المجنون تلك استعدت بعض أجزائها وأنا أشاهد فيلم الممثل الكوميدي الشهير البرت بروكس «البحث عن كوميديا في العالم الإسلامي». هذا الفيلم الذي كتبه وأخرجه وقام ببطولته بروكس، يقدم نظرة تأملية في بعض إفرازات حوادث 11 سبتمبر/ أيلول التي غيرت مجرى الأمور في العالم كله، والكيفية التي تؤثر بها عموما على علاقات الشعوب ثم خصوصا على حياة بروكس.

يتعرض بروكس لذلك من خلال قصة خيالية يجد فيها نفسه عضوا في لجنة يشكلها البيت الأبيض تهدف لدراسة أوضاع المسلمين عن قرب، بهدف التعرف عليهم ومحاولة فهمهم بشكل أفضل. اللجنة التي يرأسها ممثل كوميدي شهير آخر تكلف بروكس الذي يمثل في الفيلم شخصيته الحقيقية، بالسفر إلى الهند وباكستان وإجراء دراسة على «ما يضحك المسلمين» هناك ثم كتابة تقرير من 500 صفحة عن ذلك الموضوع.

رحلة اكتشاف الضحك هذه تأخذ بروكس من عرض كوميدي فاشل يقيمه في إحدى مدارس نيوديلهي الابتدائية، إلى تاج محل حيث يظل طريقه فيه بسبب دروبه المتشابكة، تماما كما يظل طريقة في دهاليز الضحك الهندي، إلى أداء مسرحي «شبه ناجح» في وسط جبال باكستان على مسافة قريبة من الحدود الهندية الباكستانية، يقدمه بروكس تحت تهديد السلاح.

بروكس الذي يسافر بمعية اثنين من موظفي الحكومة الأميركية، يحاول عبثا أن يتوصل لما يضحك ما يصل عدده إلى 300 مليون مسلم، لكنه يعود إلى بلاده مطرودا بتقرير فاشل لا يتجاوز عدد صفحاته الأربع. رحلته المضحكة تتضمن الكثير من المواقف التي تحمل إشارات ذكية لما تفعله السياسة بحياتنا، وكيف تدمر كل علاقاتنا البشرية. فهذا اليهودي يجول شوارع الهند المسلمة الهندوسية المسيحية باحثا في عادات الضحك لهؤلاء البشر يواجه الكثير من المصاعب والمواقف المضحكة ويدخل في حوارات شيقة مضحكة للغاية. أول المصاعب التي يواجهها تأتي حين يحاول اختيار سكرتير أو مساعد له في المكتب الذي يقوم بافتتاحه في الهند. يتلقى الكثير من الأشخاص الذين لا يصلحون بكل تأكيد للعمل معه، حتى تأتي تلك الفتاة المحجبة الموشحة بالسواد، بالطبع لا يسخر بروكس من حجابها وهذه نقطة لصالحة. هي فتاة جميلة ترتدي الحجاب بالشكل الصحيح، وبحسب الفيلم فهي متمكنة ومؤهلة بشكل يكفي، بل إنها إضافة إلى ذلك تتحدث 6 لغات. الأمر الذي يعرقل إتمام الاتفاق بينهما هو ببساطة أن الرجل يهودي، وهذا ما نعرفه حين تنتهي المقابلة بالشكل الاعتيادي بينهما فيسألها بروكس هل من أسئلة، فتقول هل أنت يهودي، وبروكس يرد «أحيانا»، ولأنني لا أريد حرق بقية المحاورة الذكية المضحكة أفضل التوقف عن إتمامها هنا، لتستمعوا أنتم بمشاهدتها كاملة في الفيلم.

أخيرا يتمكن من اختيار مساعدة ترتدي الزي الهندي التقليدي، وتمثل الشخصية الهندية التقليدية التي تتمكن من عمل بحث تخرج من 400 ورقة فقط لنيل شهادة البكالوريوس.

بغباء شديد يجول بروكس الشوارع مع سكرتيرته مايا مستفسرا من الناس عن أسباب ضحكهم وهنا تأتي الإجابات المضحكة والمفحمة في أحيان أخرى، بعضهم يرفض مجرد الحديث مع أميركي فكيف إذا كان يمثل الحكومة الأميركية. طبعا بروكس وبغباء شديد يعلن للجميع أنه مكلف من حكومة بلاده بعمل هذا البحث.

تفشل كل تجولاته، فيلجأ لعمل عرض كوميدي مسرحي، يفشل فيه لأسباب كثيرة أهمها اختلاف الثقافات، فما يضحك الأميركيين لا يضحك الهنود، خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بفقر عامل صيني معدم يتوجب عليه إطعام عشرة أطفال!

ويزيد الأمر سوءا حين يتعرض بروكس لبعض رموز الثقافة الهندية، الأمر الذي يوصل الأمر للبرلمان الهندي… ألم أقل لكم السياسة دائما تطل برأسها حتى من بين ثنايانا ووسط ضحكاتنا.

يثير بروكس شكوك الهنود ويثير أزمة هو الأخر، أزمة تتطور حتى يصبح مراقبا على الدوام وملاحقا من قبل المخابرات الهندية للاشتباه بكونه عميل مخابرات أميركي. أزمة تأخذه متسللا إلى باكستان وتثير استياء الحكومة الباكستانية وشكوكها من كونه جاسوسا هنديا، وتؤدي إلى تجمع لقوات الجيش الباكستاني من جهة والهندي من جهة أخرى على الحدود المشتركة بينهما. في المقابل يعود بروكس إلى بلده بطلا تفخر به زوجته أمام الأهل والأصدقاء فيما القنوات العالمية تبث أخبار تأزم الأوضاع بين الهند وباكستان.

فيلم بروكس جميل خفيف الظل يضع يده على كثير من النقاط المهمة بطريقة ذكية وغير مسبوقة في السينما الأميركية، وبحوارات ذكية للغاية يدين فيها بروكس الجميع وأولهم حكومة بلاده.

نهاية الفيلم تشير بطريقة أو بأخرى إلى أن أميركا فعلا هي «مثيرة الحروب» وإن تم ذلك بطريقة غبية كتلك التي قام بها بروكس، متبعا إرشادات أتت من رئيس دولة خفيف الظل يحمل حس دعابة عال، وذلك كما عبر عنه رئيس ما يفترض أن تكون اللجنة المكلفة بدراسة أسباب أحوال المسلمين.

عامان عمر الفيلم ، لكنه فيلم يستحق المشاهدة، لما يحمله من ظرافة ولما يقدمه من رسالة لجميـع الشعوب، ولخلاصة سنوات العمل الكوميدي التي يقدمها لنا بروكس في عمله هذا، وأخيرا لتشابه أزمة بروكس المجنونة مع أزمة مجنوننا نحن!

العدد 1679 – الخميس 12 أبريل 2007م الموافق 24 ربيع الاول 1428هـ

احتفالية يوم المسرح العالمي: متروشكا وحياة إنسان أجمل مفاجآت الصواري

المنامة – منصورة عبدالأمير، علي نجيب 

الزمان: الثامنة مساء (2-7 أبريل/ نيسان)

المكان: صالة البارح للفنون التشكيلية، الصالة الثقافية، صالة مدرسة الشيخ عبدالعزيز

المناسبة: احتفالية مسرح الصواري بيوم المسرح العالمي

الأمسية الأولى – الاثنين 2 أبريل: صالة البارح للفنون التشكيلية

الصالة تكتظ بالحضور، بعضهم ملأ الساحة الداخلية للبارح، لماذا يختار «الصواري» قاعة كهذه لأول عروضه …هل هي إحدى مفاجآته الغريبة التي اعتادها جمهوره، ام إنها طبيعة العمل المسرحي وتركيبته هي ما فرضت المكان؟

هي مفاجأة على ما يبدو فموعد الليلة سيكون مع «متروشكا» التي يعدها عبدالله السعداوي وإبراهيم خلفان، بينما يخرجها السعداوي، ويقوم بتمثيلها كل من محمد مبارك والرائع حسين عبدعلي، يصاحبهما عزف حي يؤديه الموسيقي العازف فيصل الكوهجي. تقدم المسرحية ثلاث لوحات تحكي كل منها قصة مختلفة لكن القصص مترابطة جميعا. تستعرض اللوحة الأولى قصة شاب يلتقي برجلٍ له علاقة بوالدته، فيما تقدم الثانية لقاء بين طبيب ومريضه، أما الأخيرة فتعرض علاقة الآباء بالإبناء.

حسين عبدعلي كان بطل اللوحات الثلاث، أدى في كل منها دورا منفصلا، فهو الابن الذي يتمرد على والده، الذي يقوم بدوره الفنان محمد مبارك. وهو المريض النفسي الذي يدور بينه وبين طبيبه حوار يستعرض عددا من القضايا الاجتماعية والفكرية والسياسية. اللوحة الثالثة وهي الأكثر إبداعا وروعة هي تلك التي يقدم عبدعلي خلالها دورا منفردا، يخاطب فيه رجلا كان على علاقة بوالدته. هذا الرجل «السكير» الذي يصدق أكثر من غيره في مواجهة ورفض كل تيارات التملق والنفاق، ما يؤدي إلى فصله من العمل. تسوء حاله حتى تطلب منه زوجته الطلاق لتذهب مع العشيق – الذي يحادثه عبد علي – فيضطر إلى قتلها. وعبدعلي يؤدي مشاهد هذا الدور وهو متوجه في كل مقطع إلى شخص من الجمهور، في حين لا تخلو مشاهد الأدوار الأخرى من صراخاته وانفعالاته بسبب حالة الضغط التي يعيشها في كل لوحة.

الأمسية الثانية – الثلثاء 3 أبريل الصالة الثقافية

قاعة الصالة الثقافية مظلمة إلا من أضواء خافتة تملأ المسرح، وتكاد تخفي وجوه جمهور تلك الليلة الذي لا يتجاوز عدده الثلاثين شخصا، على عكس الليلة السابقة. هل هو عزوف من الجمهور أم تقصير من الصواري الذي لم يعلن فعالياته بشكل كاف، أم جفاء من البحرينيين للمسرح؟

كانت تلك ليلة اللقاء مع فرقة مواسم السورية ومع مسرحيتها التي كتبها إبراهيم بحر ويخرجها أحمد المنصور «لحظات منسية»، وهي المسرحية التي كان مفترضا أن يقدمها رئيس مسرح الصواري خالد الرويعي برؤية بحرينية لكن حالت الظروف دون ذلك. أدى الأدوار فيها ليزا ميخائيل وافرام ديفيد.

الرويعي يتحدث في ندوة تطبيقية تعقب العرض، وهو لا يبدو مشدودا للعرض على الاطلاق، بل إنه يتصور أن المنصور، المخرج السوري لم يقرأ النص وشخصياته بتمعن. خلال ندوته التي شاركه إياها إبراهيم بحر كاتب العمل، قدم قائمة طويلة من السلبيات التي وجدها في رؤية مواسم السورية لذات العمل، لكنه لم يتحدث عن إيجابية واحدة… هل يعقل ألا يحوي العمل أية إيجابية تذكر؟

«العرض باهت ومحدد وسطحي، لا ملامح جمالية فيه، والشخصيات لم يكن لها وجود» هكذا عبر الرويعي عن العمل، مضيفا «الحركة مسطحة، ولم أشعر بأي إيقاع»

لم يذكر الرويعي للعمل أية حسنة أو إيجابية، إلا أنه كان يفترض أن يقدمه يوما ما، برؤيته الإخراجية الخاصة به. ألهذا تصادم رؤاه مع المنصور فعجز عن ألا يجعل رؤيته تلك تطغى على تحليله لرؤية سواه؟!

بحر من ناحيته وهو كاتب العمل، وإن كان يشاطر الرويعي بعض رؤاه تلك، خصوصا مع وجود ما أسماه بـ «رسوم بيانية وضعت للممثلين ليتحركوا عليها لكن حركتهم تلك لم تكن نابعة من الداخل». لكن بحر على أية حال مقتنع إلى حد ما بالرؤية السورية «فالعمل وصل واستمتع به الجمهور خصوصا بأداء ممثليه»

المنصور من ناحيته تمنى أن يكون النقد الذي وجهه الاثنان بعيدا عن رؤيتهما الاخراجية للعمل.

السعداوي الذي كان ملك أجواء الاحتفالية منذ بدايتها حتى ليلة الاختتام، اعترض على نقد الرويعي إذ إن «النص مشروع عمل وليس أمرا مقدسا يجب الالتزام به من قبل المخرج ثم إن كل مخرج له رؤية خاصة يقرأ من خلالها النص»، كذلك اعترض الناقد المسرحي جعفر حسن «لأن أي نقد يجب أن ينقل الإيجابيات أولا».

الأمسية الثالثة – الأربعاء 4 أبريل: الصالة الثقافية

مسرح الجامعة يقدم «عشان ما تفهمون»، عملا مختلفا عن أي شيء آخر، يحمل كثير من الاسقاطات السياسية، ويقدم وجوها مسرحية طلابية شابة تشد انتباه المشاهدين على رغم طول بعض فقرات المسرحية غير المبرر، خصوصا مع استخدام لغة غير مفهومة تعبر عن امتزاج كل لغات العالم. المسرحية من تمثيل محمد عبدالله وعمار زينل.

الأمسية الرابعة – الخميس 5 أبريل – الصالة الثقافية

السعداوي (ملك الصواري، واحتفالية المسرح) يحل محل يوسف الحمدان ناقدا للمسرحية السورية «محاكمة فرحان بلبل» لظروف سفر الأخير. ويصرح بأعلى صوته أن الفنانين ليسوا سوى زبالين يجمعون ذاكرة الشعوب ويحاولون أن يوجدوا شخصياتها ولذلك فهم لا يقضون ولا ينقدون. بعدها يعرج على ذاكرته مع فرحان ومع لقائه به، المرة الأولى حين يمثل إحدى الشخصيات التي كتبها فرحان في مسرحية «العشاق لا يفشلون». أما الثانية فتكون حين ينتشي السعداوي يوما فيعجب فرحان بأدائه الراقص، ليسأله السعداوي عن سبب اختيار والديه للاسم الذي اطلقاه عليه، والسعداوي يؤكد أنه وجد الإجابة مرسومة في وجه فرحان.

المسرحية بالنسبة إلى السعداوي «لحظة فرح أعادت لي ذاكرة لا استطيع أن أحكم عليها لأني لست ناقدا»… أما المسرحي إبراهيم خلفان فلا يعجبه العمل فهو «ميللودراما خالية من الدلالات، لا قيمة فنية ولا فكرية فيه فهو مجرد أسماء تؤدي إلى تفاسير لا أستطيع أن أتواصل معها» تعليق يغضب كاتب العمل محمد نبيه بري لأنه «لا شروط للميلودراما وهي غير مصنفة، حتى في أوروبا» ولذلك فإنه لا يستطيع السكوت على أمر لم يثبت علميا.

الأمسية الخامسة – الجمعة 6 أبريل – البارح للفنون التشكيلية

«متروشكا» مرة أخرى، أنباء هذا العمل وصلت منذ الليلة الأولى، الآراء اختلفت حوله، كثيرون أحبوه لكن بعضهم لم يجدوا فيه أمرا مميزا لذلك كان التصميم على حضور العرض الثاني. في صالة البارح، والاعتراض على قاعة البارح يبرز مرة اخرى خصوصا لأولئك الذين لم يشاهدوا العرض الأول، لكن السعداوي يعرف ما يفعل جيدا.

هكذا كان… مقاعد الجمهور حلقة تلتف حول مساحة العرض الصغيرة، والممثلون لا يتجاوز عددهم الاثنين بالإضافة إلى السعداوي معلقا على بعض المشاهد وعازف العود المتميز.

مرة أخرى «متروشكا» مفاجأة الصواري، وحسين عبدعلي المتميز بأدائه المبدع حد الروعة، مفاجأة أخرى… أضحكنا بمرارة، ثم أبكانا وآلمنا، شد انتباهنا من دون أي رتوش… بطل العرض كان ولن أقول ملكه، فالسعداوي هو الملك منذ البداية حتى النهاية!

الأمسية السادسة – السبت 7 أبريل – صالة مدرسة الشيخ عبدالعزيز

«نفق طويل، لكنه حياة إنسان» هكذا يحاول المخرج حسين الحليبي أن يقول من خلال إعداد سينوغرافيا المكان المخصص لعرض مسرحية حياة إنسان التي يقوم بإخراجها. يعد الحليبي ما يشبه النفق الطويل المظلم، مستخدما جزءا منه كمسرح، بينما يخصص الجزء الآخر لجلوس المشاهدين.

مسرحية (حياة إنسان) التي قدمها إنسان هي عمل قام بتأليفه الكاتب الروسي ليونل أندريف يشترك أحمد الفردان وغدير السيد في إخراجها مع الحليبي.

سينوغرافيا العمل وضعها محمود الصفار وحسين الحليبي، بينما يمثل الأدوار كل من باسل حسين، رنا الشويخ، محمود الصفار، نجيب باقر، فيّ المري، نورة علي، علاء المخرق ويعقوب القوز، أما الموسيقى فيعزفها فوزي الشاعر.

وعلى رغم أن نفق الحليبي حد من عدد الحضور، نظرا إلى ضيق المساحة المخصصة للمشاهدين،إلا أن الحليبي جعل حضوره يعيشون أجواء العمل كما تمكن من استخدام أبعاد النفق لتقريب المسافة الزمنية أو تأخيرها. وعلى رغم تفاوت خبرات ممثلي العمل في المسرح التجريبي، إلا أنهم تمكنوا من أداء أدوارهم بشكل مميز، ونجحوا في نقل المتفرج لأحاسيس المراحل المختلفة التي يمر بها «الإنسان».

وتدور المسرحية حول صراع «الإنسان» وزوجته مع القدر، وانتقاله من مراحل الفقر إلى الغنى، وثم الشقاء فالموت، وترافق الإنسان في مراحل حياته مجموعة من الأشخاص، لهم طابع روحي، يراقبونه ويتأثرون بما يصيبه منذ ولادته حتى موته، من دون أن يتمكن من رؤيتهم أو التأثر بهم.

وظف الحليبي في المسرحية آلة عرض ضوئية تعكس مشاهد عالمية تتوافق مع الحوار الدائر في النص، مستعرضة مشاهد الفقر أو الاحتجاج والثورة في مناطق العالم بالتزامن مع الحالات التي يمر بها «الإنسان».

الحليبي قدم عملا شد جمهوره وامتعهم على رغم غرابة مسرحه وضيق مساحته.

العدد 1679 – الخميس 12 أبريل 2007م الموافق 24 ربيع الاول 1428هـ

عراقي يدخل نساءه وطنا من زيت… جبر علوان: نسائي تسكنهن الحيرة ولست زير نساء

العدلية – منصورة عبدالأمير وعلي الجلاوي 

الحوار مع جبر علوان حوار مفتوح على ذاكرة مليئة، حوار مع شخصية أقرب صفة يمكن أن تلصقها بها صفة الجنون المبدع، فمنذ كان في العراق، إلى خروجه إلى روما، كان هذا العراقي مهووسا بالفن، ومنذ تورطه بالنحت، حتى دخوله عالم الألوان الزيتية، مازال تسكن حقائبه المرأة، المرأة المعشوقة والمرأة الصديقة والمرأة التي تقيم في أعماله كسمة واضحة تدل على جبر علوان، غير أن هذا السكن أي اللوحة سكن تحول لدى جبر إلى وطن، يعتقد أنه الوحيد القادر على جعله يشعر بالانتماء، غير أنه يمتلك جوازا بلون واحد، هو لون الغربة، لم يكن الحوار مع جبر عادلا، وليس من المتوقع أن يكون حوارا عادلا منذ البدء، فقد كنّا نحاول فهم الجنون غير خاضع للمنطق، وكنّا نحاول فهم التحولات في شخصية المرأة داخل أعمال جبر، لذلك كان حديثنا معه ضربا من الهلوسة حول المرأة فقط.

المرأة التي تسكن جبر قبل عمله

جبر لماذا نجد الحزن العراقي حاضرا في ألوانك، كأنها علامة كربلائية فارقة، هل هو إطار أم هي ذاكرة تستمدها من ماضيك، توقف قليلا وهو ينظر إلى ما حوله، ويعيد وضع التبغ بين أصابعه ثم قال: ليس في لوحاتي حزن، فقد يكون اللون الأسود الذي أستخدمه لإظهار الضوء، وهو بذلك لون فقط، استخدمه بطرق مختلفة، فمرة للظل ومرات كلون، وأعتبر أن الوجوه في أعمالي ليست حزينة، لأنها وجوه حائرة متأملة، ويسكنها فرح وشيء من قلق.

فالمرأة عنصر أساسي في لوحاتي، وأنا لست أول فنان تشكيلي يدخلها إلى بيت لوحته، المرأة كانت هم الفن التشكيلي كله منذ أيام الإغريق، الذين تناولوها بالنحت، ثم اليونان ثم الإيطاليين، ولذلك كانت أكثر اللوحات في عصر النهضة رمزا لمريم العذراء في الكنيسة. ثم جماليا سار على ذلك الفنانون، والرمز الديني لمريم العذراء كجسد، أصبح موضوعات تعبيرية سار عليها الألمان في التعبير، وأنا داخل اللون أجري بحثي، فعلاقتي بالمرأة واللون والحال السيكولوجية لها.

أتمنى أن أعيش تجربة الولادة

هل لذلك نجد في كثير من الأحيان يد المرأة في أعمال جبر غير مستقيمة، وإذا صح التعبير هي في حال قلق، أو في حال تأمل، نحن قد نقرؤها بصورة مختلفة، فقد نجدها حالة حزن كثير حتى في الجسد… أو هن نساء منكسرات بحسب قراءة امرأة لنساء جبر في لوحاته، فكيف تفسر هذه القراءة؟

ابتسم ثم سحب دخانا كثيفا من سيجارته !، وقال: أنا لا أشعر أن نسائي منكسرات، المرأة مضطهدة لكنها ليست منكسرة، فأنا أرى أن المرأة أقوى من الرجل، حتى في جسدها، فهي قادرة على أن تكون دائما امرأة متغيرة في جسدها، وفي المقابل الرجل لا يتغير، المرأة كل شهر تتغير المرأة هي التي أرضعتني وهي المرأة التي تتحول إلى «حياة»، المرأة تتحمل الألم على رغم أنها لا تمتلك قوة الرجل، أعتقد أن المرأة أكبر من الألم، فالألم قد يتحمله الإنسان، لكن ألم الولادة بالنسبة للمرأة أمر مختلف، وأتمنى أن أعيش هذه التجربة، لكي أكون قريبا من المرأة، فقط للقرب، أنا أحب المرأة كحب كجنس، ولكن حتى أعرفها وأحس بها وأتمكن من الوصول بالتعبير إلى هذه الحال، كل صديقاتي أخبرنني أن المرأة عند الولادة تصل إلى الموت، تشهق ألما لا يمكن أن يوصف، ولكن بعد الولادة مباشرة ترغب في أن تعيد الحالة من جديد. لذلك المرأة كائن من كوكب آخر لم نكتشفه بعد.

نسائي مضيئات وهن أكثر أناقة

لكن ألا يبدو أنك أحببت المرأة الشرقية فقط، لأن أكثر لوحاتك تتكلم عن امرأة ذات شعر داكن أسود، يقاطعنا بطريقة مباشرة ويقول: لا فالإيطالية مثلنا، وهذا لا علاقة له، لأن هذه قضية اختياري للون، لدي كل الألوان، لدي شقراوات، ونسائي قد يكن عكس نساء لوحاتي، وقد يشبهن الأوروبيات من حيث الرشاقة والأناقة.

فكيف تتعرف على نسائك في الواقع وفي اللوحة/ يعيد ظهره إلى الكرسي، ثم يشعل سيجارته قليلا، ويقول: امرأة جميلة رشيقة، فيها شيء من الجمال الذي لا يمكن التعبير عنه، قوية في الوقت نفسه مضيئة، انفعالاتها تأخذها لعالم الوحدة، والوحدة هنا تعني التفكير، فالمرأة في لوحاتي، في هذه اللوحة مثلا رجل وامرأة يجلسان معا، لكن كل منهما في عالمه، لا يوجد ذلك اللقاء، فهو مسترخ وهي تكاد أن تنهض.

وطن من قطعة قماش وألوان زيتية

وصفك عبد الرحمن منيف بأنك الشاهد على زمنك، كيف تكون كذلك؟ وأنت خارج الوطن؟ فهل لديك زمن آخر غير وطنك، غير ذاكرة هذا الوطن؟ يبدو أن السؤال لم يكن مباغتا لجبر، لأنه كان يملك إجابة حاضرة حين قال: الزمن لا علاقة له بالوطن، فالزمن الذي أعيش فيه قادم، زمني هو التكنولوجيا، أزمة الإنسان الروحية، هذا هو الزمن. لذلك لوحاتي تكاد أن تكون مستقبلية، فهي ليست ستاتيك أو ثابتة. زمني هذا هو الوطن، الوطن هو مجرد الذاكرة التي للأسف بدأت تمحى شيئا فشيئا، في بعض المرات أرجع للمنطقة العربية بحكم عدم تمكني من الرجوع للعراق فقد تركت العراق قبل خمس وثلاثين عاما. بالنسبة لي أصبحت اللوحة هي الوطن.

فأين العراق في لوحات جبر علوان إذا؟، وبخفة المنتقم من نكاية الأسئلة يجيب: العراق لون، مجموعة ألوان، أتذكر لون الصيف، لون الشتاء، أتذكر زرقة السماء واخضرار الأرض. هذه الأشياء الموجودة في ذاكرتي للعراق، مجرد ألوان.

عراق جبر علوان مجرد ألوان، وهذه الألوان طغى عليها الأسود والأحمر، فماذا يقول للمتلقي لهذين اللونين في أعماله؟، يطرق إلى الأرض ويطلق ابتسامة ويردف: بعض اللوحات دخلها الأسود، والبعض منها الأحمر، والقسم الآخر ليست كذلك، فأنا أحاول التعامل مع كل الألوان، ولكن في بعض الأحيان الحال تتطلب مني ذلك. ليس لدي تفسير للون، تعلم أن للألوان مدارس كثيرة وتفسيرات كثيرة، كل لون طرح له كل فيلسوف معنى معينا، حتى في علم النفس، أما بالنسبة لي فاللون ما تفرضه الحالة التي أعيشها. هناك قياس داخلي لدي.

ذاكرة خضراء كثوب قروية

جبر علوان ابن الحقول، ولد مع طفولة إذا صح التعبير، قد نطلق عليها طفولة حادة أو طفولة تركت ندوبا حتى على جسد جبر علوان، فحتى عند ما تحول إلى روما، وكان يتجول فيها بدراجته كانت الندوب واضحة على جسده، ألم تبق ندوب من ذاكرة النخيل في لوحات جبر بعد ذلك في روما، أم أنسته روما هذه الذاكرة؟ يعود إلى الاسترخاء ويكمل كأنه غير معني بالسؤال: الذاكرة موجودة، ذاكرة الطفولة موجودة بكل تقلصها، ولكن الإنسان الذي ينظر إلى الماضي بشكل موضوعي، وليس عاطفيا، بشكل العودة إلى الماضي عن طريق الوعي، وليس بشكل عاطفي، وهذا الرجوع هو العودة بشكل واع. إذا لا ينظر لهذه الذاكرة بشكل حنين، إنما كذاكرة فقط، فالذاكرة من الوعي، أما الحنين فمن القلب. وكل شيء من الماضي جميل، لكن إذا نظرنا إلى الأمر على أنه ذاكرة، فسنتذكر اليوم الذي كنّا جالسين فيه في المقهى مثلا، أو المسمار الذي مزق بنطالي، أو أن الريح كانت جميلة، والنهر كان قليل الماء، لكن كانت حوله خضرة كثيرة. هذه هي الذاكرة. الذاكرة موجودة كما قلت سابقا، لكن في إعادة صوغ هذه الذاكرة في اللوحة وأنت موجود في موطن الفن في روما عليك أن تقول أن هذا عملي، مادة اللون من عندهم، ورسم الشخوص من عندهم، وهنا تتساءل «أين أنا» إذا. أين جبر، كل ذلك من عندهم، لكن اختيار درجة لون ليس من عندهم، اللون هو ما يجعل ما يقدمه جبر علوان ليس من عندهم، لأن به روح أخرى، روح شرقية، وهذه هي الذاكرة التي أحملها، وهي العمق الحقيقي لتجربتي.

فهل تتوقع أن اللون الأخضر هو تراث جبر علوان، وهو المعروف في التراث الشيعي وأنت أتيت من خلفيته؟، يقاطعنا بشدة ويقول: كلا، علاقتي بالدين ليست كذلك، نعم كنت متدينا ثم أصبحت وجودي. الأخضر هو النخيل والحشائش المتحولة، التي تكون خضراء في بداياتها، والأخضر هو ملابس النساء القرويات لدينا.

البحرين تدخل قائمة نسائه

ما علاقة جبر بالبحرين، هذه ثالث زيارة له، كأنه إصرار على موقع جغرافي محدد؟، يمد يده إلى قدح القهوة السوداء، ثم يعيد القدح بعد أن احتسى شيئا من مرارته، ليقول: ليس تملقا، لكن هناك شيء في البحرين يثيرني كثيرا، أشياء بداخلي أشعر بها، قد تحفزني، بي شيء قريب منها، ربما إنسانها، سواء رجل أو امرأة قريبة مني، لديه هم، و انفتاح المرأة في البحرين وحريتها شيء مهم. لدي فيها صديقات قريبات من قلبي، شعراء لطيفون، أو قد يكون هناك سر قديم في البحرين، وإلا لماذا جاء إليها جلجامش، البحرين فيها أشياء دفينة أبحث عنها، مثل الماء الذي كان في البحرين قديما، الماء الحلو أين ذهب، بالإضافة إلى أنها مريحة، الإقامة فيها تشعرك بالراحة، وأنا محظوظ أن لدي أصدقاء في البحرين أقرب بلد إلي كناس وكبلد، طبعا أقرب بلد عربي إليّ هي دمشق بعد العراق، ربما لأنها قريبة من العراق، وأذكر سوق الحميدية التي تختزل روائحها وألوانها والفوضى الموجودة فيها، وحتى القذارة فيها، حميمية خاصة لدي. لكن البحرين فيها شيء ما.

حين تكون المرأة حرة فالوطن بخير

دعنا نتحدث عن ذاكرة الأنف، فالرائحة في لوحاتك رائحة حب، ورائحة فعل حب بصورة عامة، كيف تفسر ذلك إذا كانت حقيقة، يعيد إشعال سيجارته المطفأة، وهو ينظر إليها، كانت طبيعية بين أصابعه حين قال: أنا بطبيعتي أحب الحب، وأحب الناس، اعتقد أنه الشيء الذي يبعث على الطمأنينة، نحن من بلدان قلقة، فيها حروب وصراعات، ونقوم بجلد أنفسنا في بعض المرات، هذا بسبب عدم معرفتنا، وكذلك بسبب الحرمان الجنسي. فاعترضنا حديثه قائلين: فهل هذا رد فعل على ذلك؟ لكنه باشر حديثه قائلا: لا أنا أريد أن يكون الواقع جميلا بهذا الشكل لذلك لا تجد لدي لوحات قتل وحروب وتعذيب،/ فهل هي يوتوبيا مدينة فاضلة، هل هذا هو وطن جبر، يهدئ ثم يسترسل في حديثه: وطني هو لوحتي، وأنا آمل من لوحتي أن تكون جميلة، لكن هذا لا يعني أنها لا هموم لها، ولا تفكر، ولا يعني أنها لا تحب الجمال. كل شيء فيها، كل لوحة يجب أن تقدم ذلك. لكن هذا هو الوطن الذي أبحث عنه. نحن نحب المرأة ونحترمها لكن نخنقها، فحين تكون المرأة حرة، أعرف أن البلد بخير.

القلق يتسلق جسد نسائي

هناك ثلاثة ألوان رئيسية قد لا تغيب عن أي عمل من أعمال جبر، هي الأخضر والأسود والأحمر، بتدرجاتهم واختلافاتهم، هل هناك واقع معين أو دلالة معينة، فيمكن أن نقرأ ذلك بصور مختلفة، إذ إن الأحمر قد يكون شهوة أو حبا أو دما. والأسود قد يكون غموضا، وهو بذلك مدى مفتوح، يمكن قراءته على جهة أنه حزن وضيق. أنت تمشي على خط النار بين المتناقضات، بين النهر وبين الجفاف، بين الأيدلوجي وبين الوجودي، هل هذه الصيرورة التي تعيش كقلق داخل جبر؟ هل تنتقل هذه الحال إلى قلق في شخوصه؟ كيف تتعامل معها إذا كانت صحيحة؟، يسرع إلى احتساء شيء من قهوته المرة ويردف: أنا أتعامل مع كل الألوان، ولكن يبرز لون في اللوحة أساسي، مثلا تجد في هذه اللوحة فيها خمسين لونا، ولكن تكتشف أخيرا أن هناك كثافة من الأخضر وراء هذا الجدار، الذي يبدو كجدار بستان، وضوء جميل على تأملها، كأنها في حال شرود، مرات أجعل مساحة كبيرة من اللون حتى تبرز الحالة، لذلك تجد الضوء الذي أسقطه دائما على شخص، أو في بعض الأحيان على المكان الذي يعيش فيه الشخص. اعتراضا لكلامه/ لكن هناك استرخاء بشكل ما حتى في عازفة الكمان، أو المستلقية على الكنبة، أو الواقفة بجنب الجدار، والجالسة مع صديقها أيضا، أو هذا العابر الذي يبدو حزينا في يوم ما فعبر من جنبها. كلهن مسترخيات، فيواصل جبر حديثه مع نهاية جملتنا: مسترخيات ولكن قلقات. في تلك اللوحة التي تجمعها معه هي قلقه، صحيح أنها تصغي له وتنظر إليه، لكنها قلقة. انظر إلى الضوء المسلط على يدها، وأكثر الضوء مركز على كتفها ويدها. هي كتلة تكاد أن تنهض. لكن كل نساء جبر علوان يافعات، يبتسم بدهاء صاحب عمر مفعم، ثم يقول بحكمة: أحبهن كذلك.

لست زير نساء وتزوجت خطأ

هل يمكن أن نعتبر جبر علوان زير نساء؟ كان سؤالا مباغتا، كنّا نستلذ بسؤاله، لأنه بكل بساطة كان أكثر من جرأتنا، إذ انتبه لفريسته جيدا، ثم تحدث بثقة: أنا أحب المرأة، لي علاقات كثيرة ومتعددة مع المرأة. غالبية اللوحات جاءت من تجارب وعلاقات، لكن هذا لا يعني أنني لا أنظر للمرأة الأخرى، بالعكس أنظر إليها بتمعن، ولي كثير من اللوحات لصديقات بمعنى الصديقات. على فكرة لدي صديقات أكثر من أصدقاء، لأنني أحب المرأة، لأنها هي، وأبوح لها بسري أكثر مما أبوح للرجل فبالتالي أجد في صداقتها شيئا جميلا، نبادر جبر بسؤال: فهل وراء كل لوحة قصة؟ فيقول: لا قد يكون وراء كل لوحة حالة، وراء كل لوحة تعبير، للعلم أنا لا أرسم موديلا، حتى المرأة التي لدي معها علاقة جسدية لا أرسمها مباشرة، أحاول أن أرسم من ذاكرتي، فتبقى الذاكرة التي ظلت، أما ما حجم تأثير هذه المرأة في ذاكرتي فهذا موضوع آخر.

فكم من الوقت استغرقت أكثر امرأة بقيت في ذاكرة جبر علوان؟ يفكر قليلا ثم يقول: إثنا عشر عاما، إذا هل تعتبر نفسك مخلصا؟ إلا أنه يطرح تساؤله عن مفهوم الإخلاص نفسه فيقول: وما معنى الإخلاص، ثم كيف نصف رجلا بأنه خائن، ومع من خان، إنه يخون مع امرأة، إذن نحن الاثنين خائنان. حين أخون امرأة أخونها مع امرأة أخرى، مفهوم الخيانة خطأ هنا، ويمكن أن أفسر ذلك على أنه لا يوجد اكتمال في حالة الحب.

والمرأة التي استغرقت اثني عشر عاما منحتني أشياء كثيرة. المشكلة ليست في علاقة الحب، العلاقة تتأثر ليست لأن المرأة لا تحبني، أو لأني لا أحبها، لكن الحياة اليومية التي نعيشها قلقة وصعبة، وحياة الفنان ليست ملكا له، فلا يعرف كم من الوقت يخصصه لنفسه، ولا يعرف كيف يكون مزاجه أثناء الرسم أو ما بعده. قلقه حياته، وغير مستقرة بشكل ثابت أو روتيني من العمل للبيت. حياته قلقة، المرأة في بعض المرات «يهضم» حقها، أنا أعرف نفسي، لا أمنح المرأة ما أمنح اللوحة، وهذا خطأ، لذلك أي امرأة أكون معها أخبرها أن لدي علاقة قوية مع اللوحة، في بعض المرات اقضي ليلي كله مع لوحة، ثم أنام النهار. فإذا كانت المرأة تريد عائلة وأطفالا، فمتى يمكنني منحها الوقت، بالنسبة لي هذه مشكلة تجعل حياتي صعبة.

لذلك لم ينجب جبر علوان؟ فيبادر بالجواب: أنجبت، تزوجت ودام الزواج أسبوعين ثم افترقنا، كان خطأ ففضلتْ الرحيل، ما أريد قوله هو أن الفن يتطلب تضحية كبيرة، وأنا ضحيت لكن بشكل جمالي كما أريد، وقد استمتعتُ، أقوم بذلك عن قناعة، وهو الشيء الذي أشعر أنه الحال الطبيعية، إذ لا يمكنني أن أقوم بأمر عكسه. لكن حتى أصل لهذه المرحلة جاهدت كثيرا، سواء بحياتي الاقتصادية، أو بوطني بأهلي، أو بعلاقتي مع المرأة، لكن الآن أصبحت أهدأ.

مدرس يرسم الناس في ساحات روما

ذهب جبر إلى روما وفي جيبه 100 دولار فقط، وهو مبلغ يكاد يكون مستحيلا، كيف قمت بهذه المغامرة، يشرد كأنه يمعن في تذكر نوافذ تطل على جهة من ذاكرته، ويقول: هي مغامرة جنونية طبعا، لأنني راهنت على هذا الأمر، أحد أساتذتي مهد لي ذلك، وقال لي يمكنك أن تذهب إلى إيطاليا، وترسم في الساحات، تستطيع أن تعيش، فقمت بالمجازفة، لم أكن أعرف اللغة، ولكن فعلا «مشى الحال». عملت وفي الوقت نفسه كنت أدرس. لحد الآن المادة لا تعني لي الكثير، وكان أول عملي هو الرسم في الساحات، رسم البورتريهات. فهل شغلت منصب مدرس، أي منصب ثابت، وتركت العراق لتكون رساما في الساحات، ينقض على إجابتنا: لا لأكون فنانا وليس رسام ساحات.

هل صحيح أنك في بداياتك أردت دراسة النحت؟ فيجيب: صحيح أنا درست النحت، فلماذا تركت النحت بعد ذلك؟، يجيب: لأسباب أولا اقتصادية، لأننا كنا طلبة، وكنت أنام في غرفة صغيرة، أنام وأرسم وآكل فيها، فلم يكن بإمكاني أن أمارس النحت في هذه الغرفة. ثم كانت هناك صراعات بين الأساتذة، وهذا أمر لم أتحدث عنه مسبقا في الأكاديمية، فحين قدمت بعض أعمالي لأستاذي اقترح عليّ دراسة النحت، وبالفعل اتجهت لدراسة النحت، في أثناء دراستي كنت أرسم أيضا فأستاذ النحت قال لي :»أنت ملون جيد»، ثم اتجهت لدراسة الرسم. ودراستي للنحت أثرت في تجربتي، الناقد الحساس يستطيع أن يلاحظ أن هناك كتلا في لوحاتي، هناك كتل ومساحات، هذا ما أخذته من النحت، وهذا ما قاله أحد النقاد الإيطاليين عن لوحاتي.

الجميل أن ابني نحّات الآن، عمره قارب الرابعة والعشرين عاما، يدرس موسيقى كلاسيكية في كونسرفتوار، وهو يعيش لوحده. أنا سعيد به جدا، في حين أنه جيل آخر. قرأ الأدب الألماني كله، والأدب الروسي، علاقته بالقراءة والكتابة والموسيقى، ثم ترك الموسيقى بعد ذلك، ثم تحول إلى النحت وهو جدي أكثر مني، واعذرني لا أحمل صورا في جيبي لأبنائي ولا لنسائي ولا لأهلي.

المرأة علمتني وقالت إني شرقي ومتخلف

جبر علوان دائم الشرود، حتى السيجارة تنطفئ في يديه وهو لا يدري. فهل اللوحة تأخذه من ذاته، فنجده بعض الأحيان مرتبك، وحينا منفعلا، وفي أحيان أخرى لا يلتفت للسيجارة في يده. هل هذا ضرب من الجنون؟ أم إنها شخصية جبر علوان، يذعن لكلامنا عنه، ثم يذهب في التفاصيل بقوله: ما قلته صحيح، لكن لا أعرف لماذا في بعض الأحيان أنسى سيجارتي، في بعض الأحيان وأنا أرسم اللوحة أضع لونا لا أعرف لماذا وضعته، لأن اللون هو الذي يختارني. في اللبس نادرا ما أهتم بمظهري، وإن كنت في بعض الأحيان يعجبني أن أرتدي بهذا الشكل، لكن لا يعجبني أن «أكشخ» بالطريقة الشرقية «البذلة والرباط». يهمني تناسق الألوان على جسدي، كما أحب المرأة التي تلبس ملابس جميلة، أحب واجهة المحلات أن تكون جميلة، وكذلك العمارات أحبها أن تكون جميلة. أحب الشارع نظيفا ومرتبا، ولكن الفوضى الداخلية هي التي تخرج.

ودعني أخبرك بشيء، هناك امرأة في روما غيرت مجرى حياتي، كنت أدعي أنني متحرر، وافهم معنى الحرية والديمقراطية. هذه المرأة قلبتني رأسا على عقب، قالت لي أنت قرأت الكثير من الكتب، لكن في داخلك لا تزال شرقيا ومتخلفا. ومن خلال علاقتي معها علمتني ما هو المفهوم الماركسي، ما هو مفهوم المسرح الجديد، السينما الواقعية الايطالية، المعارض الحديثة. جبر علوان الذي يدعي أنه يعرف الثقافة الغربية، ويدعي إطلاعه على كتبها، في تعامله اليومي هو رجل شرقي. وهذا ما قالته لي، أعادت قراءتي. المرأة مهمة في حياتي، ولولا أنهن كذلك لما قمت برسمهن، والمرأة التي ارسمها هي التي قربتني منها.

العدد 1679 – الخميس 12 أبريل 2007م الموافق 24 ربيع الاول 1428هـ

«الجمهور عاوز كده»

منصورة عبدالامير 

ليس مفاجئا ألا تنجو المخرجة المصرية ساندرا نشأت في آخر أفلامها (الرهينة) من موجة التدهور والضعف العاتية التي تحيق بسينما بلادها خصوصا، وبالسينما العربية عموما. هذه الموجة التي يعزوها صناع السينما العرب إلى قاعدة اخترعوها وأوجزوها في عبارة «الجمهور عاوز كده» وهي التي تحمل من الابتذال الكثير ولا يمكن أن يوجد لها وصف أفضل من كونها موجة تفاهة وضياع حقيقي للسينما المصرية أولا والعربية ثانيا. بالطبع لا يعني ذلك أن نشأت هي علم من أعلام السينما المصرية أو واحد من أبرز وجوهها، فهي على أية حال مبتدئة في عالم الإخراج، والاستدلال على ضعف هذه السينما يجب أن يستحضر إلى الذاكرة أسماء المخرجين الكبار. لكن استدلالي بنشأت جاء من حقيقة كونها موهبة شابة، على ما يبدو فإنها تلقت تعليمها في الخارج وهذا واضح من أساليب إخراجها التي تشبه كثيرا أساليب إخراج أفلام هوليوود، وقد وجدت في القليل الذي قدمته بشرى الخروج من قوالب السينما المصرية وكليشيهاتها التي أجزم أن مبتكريها أنفسهم ملوا منها وسئموها. لكن نشأت قدمت أعمالا رائعة بقيت في ذاكرة المشاهد أهمها «ملاكي اسكندرية»، وهو ما ميزها على جميع أبناء جيلها من المخرجين الجدد. أفلامها تشبه بارقة أمل سرعان ما أنطفأت مع رهينتها الأخير، ولا لوم على ساندرا ولا عتاب، فهي في نهاية المطاف جزء لا يتجزأ من سينما بلادها. هذه السينما التي استطاعت أن تكون بمثابة صوت مجتمعها النابض وناقل كل هموم وقضايا ذلك المجتمع، في عقود ماضية، أصبحت الآن متخصصة في إفساد العقول والأخلاق بأفلام لا يمكن أن يعلق أي منها في ذاكرة المتفرج لضحالة الطرح والمضمون.

حجة مخرجي هذه الأفلام هو «الجمهور» اللي «عاوز كده»، هل يعقل أن يكون الجمهور «عاوز يضيع» و»يبقى تافه» و»سطحي»، أم إنهم نجحوا بالفعل في صنع ذلك الجمهور الذي أصبحت السينما بالنسبة إليه صناعة ترفيه وتسلية لا تثقيف وتوعية! هل هي نظرية المؤامرة مرة أخرى، وسياسات لن يرتضيها ان «تفّتح» السينما العيون والآفاق، بل أن تكون أداة للتخدير وتفريغ العقول.

في هوليوود يختلف الأمر فالسينما ليست تسلية كما نحسبها نحن وكما يحسبها كثير من عشاقها. هناك، تبدو اتفه الأفلام السينمائية محملة بكثير من المضامين والتلميحات والإشارات السياسية والاجتماعية.

في هوليوود تبدو العلاقة تفاعلية تعاونية مشتركة بين المؤسسة السينمائية وبين واشنطن، بشكل يخدم البيت الأبيض ويثبت سياساته ويدعو إلى دعمها طبعا. أما في العالم العربي فلا تخرج العلاقة بين هوليووداتنا وبيوتنا البيضاء عن الإطار الثقافي العربية. هي أبوية إلى حد بعيد، علاقة «أخ أكبر» يراقب ويهدد وينذر ويوجه رسالة شديدة اللهجة لصناع السينما يحذرهم فيها من التوغل في المحضور وطرق الأبواب المغلقة لئلا تقفز في وجوه مقتحميها تلك الوحوش الكامنة لآلاف السنين. لا عتب على ساندرا نشأت إذا، وسأظل من أشد معجبيها، فهي جزء من نظام سينما بلادها، ويمكن القول بأنه نظام سينما العالم العربي بأجمعه، إن وجدت، أو الأعمال الفنية الصادرة بشكل عام من ذلك الجزء من العالم. هو ذلك النظام الذي يقلب المعادلة التي قامت على أساسها السينما، التي تجعل منها وسيلة لعكس الواقع، لتصبح أداة لعكس أوهام صناعها وتخلفهم وفسادهم الفكري والأخلاقي.

بحجة «الجمهور اللي عاوز كده» حولنا صناع السينما إلى جمهور متخلف، يعشق سينما متخلفة، تصدر الأوهام لجمهور بات يدمنها ويبحث عنها ولا يمكن له الاستمرار من دونها.

العدد 1672 – الخميس 05 أبريل 2007م الموافق 17 ربيع الاول 1428هـ