باحثا في ما يثير ضحك المسلمين.. الأميركي ألبرت بروكس يثير أزمة «جنون» برلمانية ودولية

منصورة عبد الأمير 

خلال أزمة مجنون ليلى الثقافية التي عاشتها البحرين أخيرا وتفاعلت معها كل طوائف المجتمع وفئاته سلبا أو إيجابا، صدرت الكثير من التحليلات والآراء الداعمة أو المعارضة لعرض المجنون، أو لافتعال أزمة تجرجر البرلمان لما من شأنه تشتيت انتباه نوابه وبعثرة جهودهم في ما لا يفيد الناس. بعض تلك الآراء جاء سديدا حكيما وبعضها (…) لا يمكن التعليق عليه بأي حال من الأحوال. لكن ما يثير الانتباه ويستحق التوقف عنده من بين تلك التعليقات هو اتهام البعض للنّواب من مثيري تلك الأزمة بتسيس الثقافة. تعليق كذاك يثير ضحكا مريرا ويطلق قهقات ساخرة، مع كل الاحترام لمتبنيه والمدافعين عنه ولمطلقيه أولا وأخيرا.

إذ إن افتعال النواب، أو من يقف وراءهم لتلك الأزمة ليس هو ما يمكن أن يطلق عليه بالتسييس للشأن الثقافي. ليس دعما لموقف النواب ذاك، فهو موقف لا يسر أحدا ولا يعبر إلا عن إخفاق في تمكنهم من ملامسة القضايا الأهم ومحاولة منهم لإثبات الوجود عبر الشأن الثقافي. لكن الوقوف في وجه مارسيل خليفة وقاسم حداد وعرضهما المجنون ثم تشكيل لجنة تحقيق برلمانية كان أولى بها أن تشكل لمناقشة أوجه فساد أخرى، ليس هو بداية التسييس. الشأن الثقافي مسيس قبل ذلك بكثير والمثقفون وأصحاب الشأن هم أول من يعلم ذلك. في الواقع كل شيء في حياتنا مسيس، لقمة عيشنا مسيسة، خريطة الاحياء التي نعيش فيها مسيسة، مناهجنا الدراسية مسيسة، التبضع وشراء احتياجات المنزل من شامبو وحلويات للأطفال وما شابه… سياسة! كل شيء سياسة، وعرض (مارسيل حداد) ليس الأول ولا الأخير، وجرجرة البرلمان إلى ما يعرقل توجهه للقضايا الأكبر وما يضعف من أدائه ليس جديدا.

أزمة المجنون تلك استعدت بعض أجزائها وأنا أشاهد فيلم الممثل الكوميدي الشهير البرت بروكس «البحث عن كوميديا في العالم الإسلامي». هذا الفيلم الذي كتبه وأخرجه وقام ببطولته بروكس، يقدم نظرة تأملية في بعض إفرازات حوادث 11 سبتمبر/ أيلول التي غيرت مجرى الأمور في العالم كله، والكيفية التي تؤثر بها عموما على علاقات الشعوب ثم خصوصا على حياة بروكس.

يتعرض بروكس لذلك من خلال قصة خيالية يجد فيها نفسه عضوا في لجنة يشكلها البيت الأبيض تهدف لدراسة أوضاع المسلمين عن قرب، بهدف التعرف عليهم ومحاولة فهمهم بشكل أفضل. اللجنة التي يرأسها ممثل كوميدي شهير آخر تكلف بروكس الذي يمثل في الفيلم شخصيته الحقيقية، بالسفر إلى الهند وباكستان وإجراء دراسة على «ما يضحك المسلمين» هناك ثم كتابة تقرير من 500 صفحة عن ذلك الموضوع.

رحلة اكتشاف الضحك هذه تأخذ بروكس من عرض كوميدي فاشل يقيمه في إحدى مدارس نيوديلهي الابتدائية، إلى تاج محل حيث يظل طريقه فيه بسبب دروبه المتشابكة، تماما كما يظل طريقة في دهاليز الضحك الهندي، إلى أداء مسرحي «شبه ناجح» في وسط جبال باكستان على مسافة قريبة من الحدود الهندية الباكستانية، يقدمه بروكس تحت تهديد السلاح.

بروكس الذي يسافر بمعية اثنين من موظفي الحكومة الأميركية، يحاول عبثا أن يتوصل لما يضحك ما يصل عدده إلى 300 مليون مسلم، لكنه يعود إلى بلاده مطرودا بتقرير فاشل لا يتجاوز عدد صفحاته الأربع. رحلته المضحكة تتضمن الكثير من المواقف التي تحمل إشارات ذكية لما تفعله السياسة بحياتنا، وكيف تدمر كل علاقاتنا البشرية. فهذا اليهودي يجول شوارع الهند المسلمة الهندوسية المسيحية باحثا في عادات الضحك لهؤلاء البشر يواجه الكثير من المصاعب والمواقف المضحكة ويدخل في حوارات شيقة مضحكة للغاية. أول المصاعب التي يواجهها تأتي حين يحاول اختيار سكرتير أو مساعد له في المكتب الذي يقوم بافتتاحه في الهند. يتلقى الكثير من الأشخاص الذين لا يصلحون بكل تأكيد للعمل معه، حتى تأتي تلك الفتاة المحجبة الموشحة بالسواد، بالطبع لا يسخر بروكس من حجابها وهذه نقطة لصالحة. هي فتاة جميلة ترتدي الحجاب بالشكل الصحيح، وبحسب الفيلم فهي متمكنة ومؤهلة بشكل يكفي، بل إنها إضافة إلى ذلك تتحدث 6 لغات. الأمر الذي يعرقل إتمام الاتفاق بينهما هو ببساطة أن الرجل يهودي، وهذا ما نعرفه حين تنتهي المقابلة بالشكل الاعتيادي بينهما فيسألها بروكس هل من أسئلة، فتقول هل أنت يهودي، وبروكس يرد «أحيانا»، ولأنني لا أريد حرق بقية المحاورة الذكية المضحكة أفضل التوقف عن إتمامها هنا، لتستمعوا أنتم بمشاهدتها كاملة في الفيلم.

أخيرا يتمكن من اختيار مساعدة ترتدي الزي الهندي التقليدي، وتمثل الشخصية الهندية التقليدية التي تتمكن من عمل بحث تخرج من 400 ورقة فقط لنيل شهادة البكالوريوس.

بغباء شديد يجول بروكس الشوارع مع سكرتيرته مايا مستفسرا من الناس عن أسباب ضحكهم وهنا تأتي الإجابات المضحكة والمفحمة في أحيان أخرى، بعضهم يرفض مجرد الحديث مع أميركي فكيف إذا كان يمثل الحكومة الأميركية. طبعا بروكس وبغباء شديد يعلن للجميع أنه مكلف من حكومة بلاده بعمل هذا البحث.

تفشل كل تجولاته، فيلجأ لعمل عرض كوميدي مسرحي، يفشل فيه لأسباب كثيرة أهمها اختلاف الثقافات، فما يضحك الأميركيين لا يضحك الهنود، خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بفقر عامل صيني معدم يتوجب عليه إطعام عشرة أطفال!

ويزيد الأمر سوءا حين يتعرض بروكس لبعض رموز الثقافة الهندية، الأمر الذي يوصل الأمر للبرلمان الهندي… ألم أقل لكم السياسة دائما تطل برأسها حتى من بين ثنايانا ووسط ضحكاتنا.

يثير بروكس شكوك الهنود ويثير أزمة هو الأخر، أزمة تتطور حتى يصبح مراقبا على الدوام وملاحقا من قبل المخابرات الهندية للاشتباه بكونه عميل مخابرات أميركي. أزمة تأخذه متسللا إلى باكستان وتثير استياء الحكومة الباكستانية وشكوكها من كونه جاسوسا هنديا، وتؤدي إلى تجمع لقوات الجيش الباكستاني من جهة والهندي من جهة أخرى على الحدود المشتركة بينهما. في المقابل يعود بروكس إلى بلده بطلا تفخر به زوجته أمام الأهل والأصدقاء فيما القنوات العالمية تبث أخبار تأزم الأوضاع بين الهند وباكستان.

فيلم بروكس جميل خفيف الظل يضع يده على كثير من النقاط المهمة بطريقة ذكية وغير مسبوقة في السينما الأميركية، وبحوارات ذكية للغاية يدين فيها بروكس الجميع وأولهم حكومة بلاده.

نهاية الفيلم تشير بطريقة أو بأخرى إلى أن أميركا فعلا هي «مثيرة الحروب» وإن تم ذلك بطريقة غبية كتلك التي قام بها بروكس، متبعا إرشادات أتت من رئيس دولة خفيف الظل يحمل حس دعابة عال، وذلك كما عبر عنه رئيس ما يفترض أن تكون اللجنة المكلفة بدراسة أسباب أحوال المسلمين.

عامان عمر الفيلم ، لكنه فيلم يستحق المشاهدة، لما يحمله من ظرافة ولما يقدمه من رسالة لجميـع الشعوب، ولخلاصة سنوات العمل الكوميدي التي يقدمها لنا بروكس في عمله هذا، وأخيرا لتشابه أزمة بروكس المجنونة مع أزمة مجنوننا نحن!

العدد 1679 – الخميس 12 أبريل 2007م الموافق 24 ربيع الاول 1428هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s