الأسبوع الإيراني … داخلش بداخلش

منصورة عبدالامير 

أسبوعان ثقافيان شهدتهما البحرين الشهر الجاري، أحدهما شرقي جاء من إيران، بينما جاء الآخر غربيا، من أوروبا ومن فرنسا على وجه التحديد. الأسبوعان جاءا بعد أسابيع حافلة بالفعاليات الثقافية، انطلقت منذ مطلع مارس/ آذار الماضي مع بدء مهرجان ربيع الثقافة، واستمرت مع احتفالية مهرجاني «الصواري» و»أوال». ما يعني أن الجمهور البحريني لم يكن متعطشا لأي نشاط ثقافي وقت انطلاق هذين الأسبوعين. ما يعني أيضا أنه كان يتوجب على منظمي هذين المهرجانين بذل مجهود أكبر للخروج بمستوى لائق، بسمعة بلديهما، إيران وفرنسا، وبمستوى الجمهور البحريني المطلع والمنفتح على مختلف الثقافات العالمية.

كثيرون، على الأخص من النخبة والمثقفين، لم يجدوا الأسبوع الإيراني ناجحا، كذلك لم يقدم الأسبوع الفرنسي أي جديد. الإيرانيون أخفقوا في تقديراتهم، حين لم يضعوا بعين اعتبارهم وعي الجمهور البحريني واطلاعه الواسع. أما الفرنسيون فكعادتهم، لم يفعلوا الكثير سواء على مستوى البرامج المقدمة، أو حتى على مستوى التنظيم والتعاون مع الصحافة المحلية. لم يدرك الإيرانيون ما يمكن أن يعني إعلان سفارتهم إقامة أسبوع ثقافي. لم يدركوا أنه حين وزعت السفارة جدول فعاليات أسبوعها الثقافي ذاك، ظل بعض المراقبين للساحة الثقافية، وإن لم يرضهم حجم الفعاليات المقامة، على أمل أن يعيشوا أياما إيرانية تتناسب مع حجم الإرث الثقافي الذي يحمله هذا البلد. ربما لم يكترث الإيرانيون لتلك الآمال والطموحات والتوقعات الكثيرة التي يمكن أن يحملها جمهور مثقف وواع كالجمهور البحريني. كان المؤمل أن نكون على موعد مع خبرة ثقافية غير عادية، لكن الواقع جاء أقل من المؤمل بكثير. بعض المتخصصين من الفنانين التشكيليين لم يجدوا أي جديد في معارض الفخار والسيراميك أو جميع المعارض الأخرى التي أقيمت، بل اعتبر بعضهم الأعمال التي قدمت بسيطة وبدائية، فيما لم تأت الموسيقى بما يؤهلها لأن تكون خارج هذا الحكم.

الأسوأ من كل ذلك حين يتضمن جدول الفعاليات عروضا لعدد من الأفلام الإيرانية. كثير من النقاد والمطلعين السينمائيين، إلى جانب عشاق الأفلام الإيرانية، يعلمون أن معظم الأفلام الإيرانية من القوة والعمق بحيث يمكن لها أن تقدم ما لا تفعله أي أفلام أخرى، سواء انتمت لسينما هوليوود أم أي سينما عالمية أخرى.

المتابع الثقافي وإن بدا كغريق يتمسك بقشة في تعامله مع هذا الأسبوع يبدو وكأنه يود مواصلة تعلقه بفكرة الأسبوع الإيراني «غير العادي» حتى آخر رمق. حتى وإن لم يكن أي من أسماء مخرجي الأفلام المعروضة قد مر على ذهنه، وحتى وإن لم يكن قد سمع بداريوش مهرجوئي أو سواه مسبقا.

مسئولو البرنامج لم يتركوا لهؤلاء فرصة بل بدوا مصرين على إنهاء حال الترقب واللهفة مع أول العروض الفيلمية. هكذا جاءت الأفلام وكأنها قادمة من بلد لا يملك أي صناعة سينمائية. ليس من إيران التي تبهر أفلامها الجماهير في كل أنحاء العالم، على رغم موازناتها المتواضعة التي لا تتجاوز 1500 دولار. طبعا لا أتحدث عن كيروستامي أو آل مخملباف، فلربما لا تجد الجمهورية الإيرانية في هؤلاء وجوها صالحة لتمثيلها في الخارج، مهما بلغ حجم إبداعها. لكني أشير هنا إلى فيلم مثل «حلم مر»، الذي أنتجه الإيراني محسن أمير يوسفي. ذلك الفيلم الذي عرض في عدد من أهم المهرجانات العالمية فحاز إعجاب الجماهير ونال رضى النقاد وإشاداتهم.

لم يحسن الإيرانيون اختيار ما يمثلهم من أعمال، ولم يتمكنوا من إعطاء تراث بلادهم الحجم والقيمة التي يستحقانها. لماذا حدث ذلك؟ هل لأنه كما يشيع البعض، اختار الإيرانيون أسماء يرضى عنهم القائمون على الأمر. حتى وإن لم يكن أولئك من حملة إبداع وفن حقيقيين، أو أصحاب لمسة إيرانية مميزة. يبدو الحال في إيران لايختلف عنه في الدول العربية، والذي خير ما يعبر عنه حكمة من إيران نفسها: «داخلش بداخلش».

العدد 1714 – الخميس 17 مايو 2007م الموافق 29 ربيع الثاني 1428هـ

 

«الوسط» تحاور «جاثوم الخشبة الإيطالية»…. السعداوي: الموت شرف لي و «أحبائي» وقفوا ضد «تفريغي»

العدلية – منصورة عبدالأمير 

كيف يمكن الحديث عن أو مع عبدالله السعداوي… هذا الذي وصفه الراحل الكبير عوني كرومي بالصعلوك المشرد الجميل. هذا الذي قيل عنه الكثير، سلبا وإيجابا، لكنه، أبدا، لم يهدأ عشقا للمسرح. هو صاحب التجربة التي تمثل كل محطة فيها بحثا شيّقا عن الحقيقة. بحثا لا يمله السعداوي لأنه يعلم جيدا أن الوصول للحقيقة المطلقة هو أمر من المحال. «الوسط» تحاول من خلال بعض تساؤلات أن تعرف من هو هذا الرجل، ما حقيقته، وما نتائج بحثه عن الحقيقة؟

متى يموت السعداوي وكيف، أيموت واقفا على خشبته، أم معزولا. هل سيكون موتك أم ستحصل على تكريمك حين ترحل ككل العظماء؟

– إذا افترضنا أننا نتحدث عن الابداع ونعاصر الابداع، فنحن لا نستطيع أن نلج بوابته إلا من خلال بوابة الموت، والموت هو الذي أوجد الابداع. لو لم يكن هناك موت لما وجد إنسان يعمل أي شيء، الموت هو الأساس وهو صنو الحياة الثاني. وكما هو موجود في الموروثات فالموت هو الذي نزل إلى الأرض واستطاع أن يأخذ منها قبضة ويذهب إلى الله، من هذه القبضة صنعت قوة الإنسان، وبالتالي الإنسان معجون بالموت والموت معجون معه. ولأن الإنسان يريد أن يخرج من الموت، ويريد أن يضع للموت واجهة أخرى، يذهب إلى الابداع.

أما الفن فهو أقوى ظاهرة حضارية لدى الإنسانية لأنه مهما بحثنا في تاريخ الشعوب نجد أنه لم تكن هناك مدارس أو معاهد ولكن كان عندها ابداع وكانت عندها معابد وأحيانا كثيرة كانت المعابد تشتبك مع معنى الابداع وبالتالي كان الإنسان دائما ينشد أن يغادر هذه الأرض لكي يلتحم مع السماء في حالة واحدة. السعداوي لا يعرف متى يموت لأنه ميت والموت في حد ذاته موجود معه، ثم إنه متى ما أتى الموت سيكون شرفا عظيما لنا نتمناه، لأنه بالموت سنذكر أن رحمة الله أكبر وأقوى من الناس ومن السعداوي وأكبر من أي شيء آخر وبالتالي أنا عاشق للموت.

لكن كيف تكون ميتا وأنت من أحيا المسرح التجريبي، أليس فاقد الشيء لا يعطيه؟

– الموت هو ما جعلني ادخل لبوابته للتعرف على الحياة، وبالتالي هو ما عرّفني على انني قبل أن أأتي إلى هذه الحياة كنت أساسا موجودا في الموت ولم أكن موجودا في الحياة، فليست هناك اشكالية في عملية البعث. البعث أساسا موجود قبل أن توجد الحياة ثم بعثنا نحن من جديد للحياة لأننا أساسا كنا في الموت. ولذلك لا نستطيع ان نفرق بين الموت والحياة ونعمل له ثنائية بحيث يكون مختلفا عن الحياة، هما وجهان لعملة واحدة لا يفترقان وإذا فرقناهما عملنا اشكالية كبرى، فإننا سنفرق الزمن، مع وجود الموت ينوجد الزمن والحياة والابداع وكل الوجود البشري.

لا يمكننا القول إن فاقد الشيء لا يعطيه؛ لأننا نفتقد الشيء فنبحث عنه، وبحثنا عنه هو سبل ايجاده لكن ما أن نصل اليه نكتشف أن وصولنا إليه هو غير ما نريده فنبحث من جديد وهكذا حتى نختفي فجأة مع الموت فنرتاح.

لماذا لا يحصل السعداوي على منحة التفرغ من وزارة الإعلام في رأيك؟

– هذا شأن لا أتكلم فيه، ليست اشكالية ألا أحصل عليها. نعم يتعبني الذهاب إلى العمل؛ لأنني بدأت أعمل منذ أن كان عمري 9 سنوات لأنني عشت في عائلة فقيرة. وبالتالي أصبح العمل بالنسبة إليّ عملية متعبة الآن. والفنان لكي يتعامل مع الفن يحتاج إلى التفرغ، ولكن سواء أعطي لي التفرغ أم لم يُعطَ فالأمر سواء. كل الذين كتبوا عن تفرغي هم احباء بالنسبة إليّ وحتى أولئك الذين وقفوا ضد تفرغي هم أحبائي وأشكرهم. لا محمل لدي عليهم، ولا أعتقد أن لدي أعداء، عدوي الرئيسي الذي دائما ما أتعارك معه هو نفسي التي تسكن في جنبي وهذه هي العملية الخطرة الموجودة. متى ما انتصرت على نفسي أوجد الشخص الذي اسمه عبدالله السعداوي؛ لأنه كثيرا ما ينتصر عليّ، لأن هناك نفسا لوامة وهناك نفس أمارة بالسوء كثيرا ما أتواجه معها، وهناك نفس مطئنة أتمنى أن أصل إليها لكني أتوق إليها.

أنت من أسباب ظهور التجريب في المسرح البحريني، فسيرتك تقول إنه في العام 1975 شددت الرحال إلى دولة الإمارات العربية المتحدة مشاركا في تأسيس مسرح الشارقة، لتلتقي إبراهيم جلال وعوني كرومي وتأخذ عنهما. ماذا قدم لك جلال وكرومي؟ من أوصل السعداوي إلى ما هو عليه اليوم؟

– المسرح التجريبي في البحرين مر بإرهاصات كثيرة. وحين نعود إلى الوراء نرى أنه بدأ على يد محمد عواد الذي أدخل السينما إلى المسرح حين ثبت شاشة في مسرح مغلق، في مسرحية «إذا ما طاعك الزمان طيعه». ثم جاء عبدالرحمن بركات وحاول أن يشرك الصالة مع المسرح، وكذلك خليفة العريفي، وسعد الجزاف الذي أخرج الجمهور من الصالة وعمل مشهدا صغيرا. كانت تلك هي الإرهاصات الأولية الموجودة.

أنا أتيت بعد التقائي بإبراهيم جلال، لا أستطيع ان أقول إنني صنعت نفسي، كنت محبّا للمسرح وكنت أتوه في دروبه، ومع هذا التوهان كنت أقرأ ولا يعني بالطبع أن أقرأ يعني أن أفهم، فكنت بحاجة إلى من يدلني على الطريق القويم في المسرح. فدخلت في حوارات كثيرة مع إبراهيم وتتلمذت على يده بشكل كبير جدا، وتعرفت من خلاله على أساطين المسرح الحقيقيين.

نهلت من إبراهيم الكثير وهو نهر جارٍ، لا ينفد مهما تنهل منه، وهو لا يتوانى عن أن يعلّم الآخر ولا يستطيع أن يحبس معلومة عن أي شخص، فمن خلاله لم أتعلم المسرح فقط، بل تعلمت الفلسفة والسياسة والسينما.

من الاثنين إبراهيم وعوني تعلمت الكثير وهناك رجل ثالث مهم في العراق وهو صلاح القصب وهو من الناس المهمين جدا في المسرح وخصوصا مسرح صورة. من خلاله تعرفت على هذا المسرح وهو أيضا رجل يعني الجلوس معه الجلوس مع شعر الكون، حين يتحدث يستطيع أن يضع الكون كله في حالة الشعر فهو متحدث بليغ وذهنه يذهب دائما إلى فضاءات لا يستطيع الشخص ان يذهب إليها. تعلمت منه امتداد الأفق، الثلاثة كان لهم تأثُير كبير جدا بالإضافة طبعا إلى قراءاتي الكثيرة وجلوسي مع إبراهيم غلوم.

كل هؤلاء صنعوا السعداوي، كما إن كل من قرأ لهم ومن تتلمذ على يدهم مباشرة، وكل من طعنوا في السعداوي ومن حاولوا أن يقللوا من شأنه، ومن اتهموه باتهامات الإلحاد وغيرها، كل هؤلاء في النهاية صنعوا السعداوي وكلهم لهم محطة صغيرة في داخل قلبي محطة حب لأنهم جميعا شاركوا في صنع السعداوي.

السعداوي يصفه البعض بالمتصوف، ما حكايتك مع الصوفية؟

– أنا طبعا مسئول عما أقول وعما أفعل. لست مسئولا عما يقال عني، لكن لا استطيع أن أقول إنني أبحث في التصوف بل إنني أحببت رجالاته، لأنهم جميعا يأخذون أساسهم الرئيسي من الإمام علي الذي يعتبرونه زعيم الزهاد.

دخلت في التصوف لأن من بين أهلي متصوفين على الطريقة القادرية، طريقة الشيخ عبدالقادر الجيلاني، هذا الرجل الذي أرسل له الأمير رسالة قال له فيها أن كل الشيوخ يأتون إلينا ولا نراك بينهم؟ أنت رجل جليل نتمنى ان تكون بينهم. فشكر الأمير على دعوته وقال اعذرني لأني لا استطيع الحضور لأنه ليس للمحب عينان يرى بهما غير الله.

أحببت هؤلاء المتصوفين وخصوصا الشيخ عبدالقادر والشيخ النفري وبدأت أنكب إلى قراءاتهم. ربما هذه القراءات وطريقة حياتي هما ما أوحيا للآخرين بأني متصوف، ولكني لا أضع نفسي مع المتصوفين الحقيقيين.

لكنك فعلا صوفي، كلامك، وعروضك، وهيئتك، بل حتى قلة كلامك، تبدو وكأنك تكتم سرّا لا تود فضحه، ولذلك تكتفي بالعمل ثم العمل، أليس ذلك تصوفا؟

– كل إنسان عاقل أو يمتلك ذرة البصيرة، كما قال شيخنا الكبير معروف الكرخي، لا يفشي سره للريح لأنها تذيعه. وبالتالي يحتفظ بسره، لكن تأكدي ليست عندي أسرار بهذه الأهمية التي تجعل أي شخص يبحث عنها ويتعب نفسه. سري أنني دائما غير راضٍ عن أعمالي، دائما أشعر أن هناك شيئا ثانيا، أن هناك نقصا ما فيها. الآن أصبحت أكثر هدوءا، قديما كانت المسرحية حين تقدَّم تُعرض مرة أخرى بشكل مختلف. الآن لا أغير أعمالي لأني اكتشفت أنني كنت أؤذي الممثلين، كنت ربما أعيش حالة أنانية وسرعة في تغيير المسرحية وكان هذا يتعب الممثلين.

عدت إلى البحرين وأسست مختبر نادي مدينة عيسى، الذي كانت أولى نتائجه الملموسة مسرحية «الرجال والبحر» في العام 1986، وهي من إعداد كرومي أيضا. وبعدها في العام 1994 حصدت جائزة الإخراج في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي. بما عاد هذا الفوز على المسرح التجريبي؟ لا يزال مسرحك مسرح نخبة ولا تزال كراسي الصالة الثقافية خالية إلا من قلة قليلة معظمهم أعضاء مسرحك، في حين أن مسرح أوال يقدم مسرحية تنتمي إلى مسرح العبث وتنجح ويتفاعل معها الجمهور، وهي مسرحية «ألوان أساسية» التي قدمت خلال مهرجان مسرح أوال الأخير!

– طبعا حين بدأنا في 1984 كان المسرح البحريني شبه ميت لم يكن هناك حراك مسرحي. وقد تداولنا مع مجموعة كبيرة في داخل النادي حول «كيف نعمل مسرحا، وكان العائق المادي يقف دائما في وجوهنا. من هنا جاءت فكرة استغلال أي شيء موجود لدينا وعمل مسرح الفقير، الذي يعتمد على الممثل ككائن رئيسي دون ماكياج أو ملابس أو أي شيء آخر. كان لديّ نص عوني كرومي وطلبت منه ان نقدمه في البحرين فوافق. قدمنا العمل بالأدوات الموجودة في النادي نفسه، وبعدها بدأت المسرحية تتحرك وأخذ التجريب مكانه.

في تلك الفترة كانت هناك حاجة إلى مسرح من هذا النوع، فالعالم كله كان يتغير من حولنا وظهرت نظرية الكارثية أو المتاهة، التي تستوجب على الإنسان ان يقطع طريقه إلى الأشياء بصورة مباشرة، لكنها سرعان ما تلاشت ليحل محلها التجريب، الذي كان مبرره هو انه طالما تغير العالم وطالما هناك كمية من المعلومات تأتي في اللحظة نفسها،فعلى الإنسان أن يكون قادرا على التعامل مع هذه المعلومات.

أما عن الجمهور فهناك مسرحيات قدمناها أقبل عليها الجمهور (…) مسرح البحرين تلقّى كثيرا من الضربات والحياة تغيرت والجمهور انحسر. أما بالنسبة إلى احتفالية المسرح الأخيرة فربما أخفق المسرح في إعلاناته، وربما هناك أسباب أخرى.

حين فزت بجائزة القاهرة كتب كرومي لك رسالة مفعمة بالمشاعر المختلطة، قال فيها: «لقد فرحت فرحا عظيما ولست أدري لماذا؟ هل لأنك فنان عاش من أجل فنه، أم لأنك موهوب غامرت بالموهبة من أجل الحقيقة، أم أنك مجنون أو مغامر أو عبثي. قل لي فعلا من أنت، هل أنت مجنون أم مغامر أو فنان يعشق المسرح حتى النخاع؟

– في يوم ما وقف رجل أمام مرآة، نظر إليها فلم يرَ وجهه لأنه أصيب بالعمى وكان هذا هو شيخنا الكبير بورقيس. في الحقيقة، انا لا استطيع ان اعرّف نفسي، قد أكون كل ما قاله كرومي، لأنه أكثر مني معرفة بي. الا انني استطيع ان أقول إنني رجل يتعاطى مع الفن، ولد في مكان ما، ويحمل بطاقة شخصية بالرقم الفلاني، لكن لا أعرف بالضبط من هو السعداوي.

صدقيني استطيع أن اتعامل مع الآخرين ويتعاملون معي دون أن يعرفوني، ثم أن هناك منطقة غامضة في كل إنسان لا يستطيع أن يعرفها الا الخالق الذي خلقه. كرومي حين توصل إلى هذه الأوصاف فهو أستاذي وقد انهكته بالأسئلة طوال فترة اقامته في قطر، لم أكن اتركه ينام، وهذا ما جعله يقول عني هذه التوصيفات ولكن عموما محبتي للمجانين أقرب إلى كل العقلاء.

قال لك كرومي في رسالته «أيها العنيد، المشكك، المشاكس، المحبوب الذي أرهقتني تساؤلاته وحواره في البحث عن الحقيقة». هل مازلت تبحث عن الحقيقة، وأي حقيقة تلك التي تريد أن تبحث عنها؟

– مرة سخر يوسف مكي من مثال طرحته، وهو من الأشخاص الذين أحترمهم وأحبهم كثيرا لأنه يتابع مسرحنا ويكتب وكان مشاكسا ومشاغبا وكنت أحب مشاكساته ولم أكن أغضب منه إطلاقا. مرة كنت أحكي عن أسطورة هندية، تدور حول شاب يبحث عن حقيقة في داخل مدينته، فلا يجدها حتى يبلغ الستين من عمره. حينها يدلها أحدهم على ثلاثة حكماء يملكون الحقيقة، وحين يقصدهم يدلونه على رجل عجوز يسكن قمة جبل الهيمالايا. وفعلا يتحمل الرجل الصعاب حتى يصل إلى القمة ليجد شيخا مسنّا، يسأله عن الحقيقة فيقول له: «الحقيقة ليست لديّ بل هي حولك ولكنك تغمض عينيك عنها». السعداوي يعتز بهذه الأسطورة في بحثه عن الحقيقة، فعلا الحقيقة حولنا لكن لا نستطيع ان نصل إليها، بل إننا نصل إلى حقائق لو جمعناها ربما كوّنّا فسيفساء من الحقيقة يشارك الكل في بنائها، لكن لن تكون هي الحقيقة النهائية. أنا أعرف حقيقة واحدة أن الله حق وان محمد بن عبدالله حق وان الله اكبر اشهد ان لا اله الا الله حقيقة وان محمدا رسول الله شريعة. هذه الحقيقة التي أعرفها وهي التي تحوي كل حقائق هذا الكون.

العدد 1707 – الخميس 10 مايو 2007م الموافق 22 ربيع الثاني 1428هـ

 

كما هيبة ملك!

منصورة عبدالامير 

اعترض المخرج عبدالله السعداوي – خلال حديث جمعني معه منذ أسابيع – على تسمية «الوسط» له بـ «الملك». كان ذلك خلال تغطية ملحق «فضاءات» لفعاليات احتفال مسرح الصواري بيوم المسرح العالمي التي نظمت في أبريل/ نيسان الماضي. قال مازحا: «إِنَّ المُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَة أَفسَدُوهَا». ولكنك ملك ليس ككل الملوك، علّقت عليه مازحة أنا الأخرى، وأضفت «ثم إن لطلتك في المسرح هيبة شبيهة بهيبة ملك».

نعم للسعداوي حضور لا يُخْطَأُ، وللمساته أثر لا يغفل. كان هناك في احتفالات مسرح الصواري الأخيرة بيوم المسرح العالمي، وكان الجميع هناك، ولكن لا «طلة كطلة السعداوي» ولا حضور طاغيا كحضوره.

في كل مساء وبينما أحتل أحد مقاعد الصفوف الوسطى في الصالة الثقافية أراه يتنقل بين صفوف المقاعد الأمامية. جالسا يصيخ السمع، عيناه الصافيتان يعتمرهما قلق مسرحي فذ يعيشه السعداوي منذ عقود ويبدو أنه لا يجد إلى الخلاص منه طريقا.

في الصالة الثقافية كانت خطاه بطيئة. «الديسك» اللعين أنهكه وأبطأ خطواته. أراه كذلك واسترجع كلمات أحد الزملاء: إنهم يقتلون السعداوي!. لكن من هم أولئك؟ الديسك وآلامه ومتاعبه والعكاز الخشبي الذي لا يجد السعداوي مفرا من مصاحبته إياه، أم هم أهل الصواري انفسهم؟. لا، مُحال أن يقتله تلامذته، عشاقه وعشاق مسرحه. من إذا؟ هل هي وزارة الإعلام التي ترفض الاعتراف به وهو سيد مسرح التجريب وأحد أبرز وجوهه إن لم يكن الأهم؟. لا يهم، لكن السعداوي يموت. أتساءل: كيف سيموت؟. أيموت واقفا شامخا على خشبته؟. أيموت وسط طلابه؟. وساعتئذ هل ستوقّع «الإعلام» على صك الاعتراف بإبداعه، أم هل ستنكشف الحجب حينها عن سر غيريته واختلافه: إنسانا، ومسرحا وروحا تأبى إلا أن يستفزك وجودها الطاغي.

على يدي هذا المجنون ظهر التجريب في المسرح البحريني. وعلى يديه حصدت البحرين جائزة مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي للعام 1994. على يديه أيضا نشأ جيل لا يعرف سوى التجريب مسرحا. وعلى وعلى. إلى متى سنظل نردد!

هذا المجنون الذي يعيش مسرحا، يأكل، ينام، يتنفس، تجريبا. هذا الذي لا يغريه الكلام، فتراه على الدوام يعيش حال صمت شبيهة بتلك، حال الوجد الصوفي التي تعتري شيخ الزاوية. لا يتحدث، بل يكتفي بتدريب تلامذته. لا يقول كثيرا، ولكنه يصنع جيلا من المسرحيين لا يبدون كسواهم. لا تنبس شَفَتَاه، ولكن تعتمرهما ابتسامة قلقة، تجعله يمسح الصالة بعينيه، يمسح لحيته الكثة، ويضرب الأرض بعكازه ثم يجلس على كرسيه مراقبا متوثبا.

إنه السعداوي، فكيف لا يعرفونه؟. إنه الملك فكيف لا يتواضعون لأجله قليلا؟. فليعذرني السعداوي، إنما لأن لطلته هيبة ولأن لحضوره سطوة لا أملك إلا أن أردد مع المرددين إزاءها: كرموا السعداوي، أعطوه حقه أو… حتى – إن شئتم – اقتلوه!

العدد 1707 – الخميس 10 مايو 2007م الموافق 22 ربيع الثاني 1428هـ

 

نعم للسينما المستقلة!

منصورة عبد الأمير

لا توجد لدينا في البحرين صناعة سينمائية. هناك فقط محاولات فيلمية لا يتجاوز عددها أصابع اليد. ولنتذكر هنا، أن مخرجا مرموقا من وزن بسام الذوادي لم ينتج سوى 3 أفلام طوال مسيرته الفنية. وإذا كان الحال هذا، فإن أملا بقيام مثل هذه الصناعة، أو نموها مستقبلا، لا يوجد. فالتوجه الحكومي غير موجود، ووزارة الإعلام يكفيها ما يقع على كاهلها من هموم وقضايا.

على الجانب الآخر، فإن الشركات الخاصة وإن بدت جادة في سعيها لإنشاء مثل هذه الصناعة، إلا أنها تصطدم بكثير من المعوقات. لعل أهمها قلة الطاقات البشرية المتخصصة سينمائيا سواء على مستوى الإخراج أو التمثيل أو حتى الإمكانات الفنية والتقنية. هذا طبعا عدا عن مواجهتها لأول حقيقة مرة تتمثل في عدم تمكنها من تسويق إنتاجاتها السينمائية لا محليا ولا عربيا. كيف إذا كان الحال… عالميا.

في المقابل، هنالك حركة شبابية نشطة تتوجه نحو صناعة الأفلام، وإن كانت لا تزال كلها تدور في إطار الأفلام القصيرة أو التوثيقية. بيد أنها في نهاية المطاف تصب في مجال صناعة السينما. هذه المحاولات، وإن كانت الجهات الرسمية لا توليها أدنى اكتراث، إلا أنها تفعل ما بوسعها لإثبات وجودها، إما عبر غزارة الإنتاج وتنوعه، أو عبر سعي تلك الطاقات لعرض إنتاجها. مهما بدا متواضعا وبسيطا، وفي أية فرصة ممكنة.

وقد يصح القول إن هذه المحاولات تشكل ما يمكن أن يطلق عليه «سينما بديلة»، أو دعنا نقل «محاولات بديلة». على الأقل، لأنها – في معظمها – تقع خارج إطار المؤسسة الإعلامية والسينمائية الرسمية لدينا. أقصد هنا وزارة الإعلام، ورقابتها البعيدة إلى حد ما عن مفهوم الإبداع والفن، وشركة البحرين للسينما بصفتها الجانب السينمائي الرسمي.

لكن كيف يمكن ذلك، أي كيف يمكن اعتبارها «سينما بديلة» بينما لا يوجد لدينا سينما أصلا؟. لنسمها – إن شئنا – سينما مستقلة تبتعد كل البعد عن يد الرقابة التي لا ترحم. وإن فعلت ذلك، فقد جاء القصاص من المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. هذا المجلس الذي يصعب فهم كيفية تمكن أعضائه، وغالبهم رجال دين، من تقييم المنتج الفني والسينمائي. هي ليست سينما بديلة إذا، والمصطلح أصلا مرفوض لأسباب كثيرة، أهمها ما يستطبنه من اتهامات للجانب الإعلامي الرسمي أو الشركات التجارية بانحيازهما إلى مصالح سياسية أو اقتصادية. طبعا السينما البديلة تبدو هي الأخرى منحازة إلى أيديولوجيات أو آراء سياسية معارضة أو منشقة، لكنها على أي حال ستكون أقرب إلى ما يسمى بسينما الواقع المعبرة عن طموحات مجتمعها وهموم أفراده.

ويرفض أحدهم المصطلح لما قد يجد في مضمونه اللغوي من دلالات تحيل على التهميش الواقع على صانعي هذا النوع من السينما. وفي الواقع، فإن هذا ما يفسر أن كثيرا من المؤسسات الإعلامية والسينمائية التي يفترض تشتغل في إطار هذا النوع من السينما قد توجهت الآن لوصف منتجها بالمستقل. لا يقال سينما بديلة إنما سينما مستقلة وإعلام مستقل. على الأقل فإن الاستقلال يعطي إيحاء بأن المنتج الإعلامي أو السينمائي خالٍ من ضغوط الحكومات أو الشركات المالكة، وأن تأثيراته تصل إلى ما وراء جمهور محدد.

أين يمكن أن تقع أفلام شبابنا، القصيرة والتوثيقية؟. وهل يمكن اعتبارها بدايات تأسيس سينما بديلة أو مستقلة، خصوصا إذا ما تهيأت الظروف المادية والبشرية، وقبل ذلك السياسية لخلق مثل هذا الأساس؟. هل يمكن ذلك حتى لو كان الناتج سينما مستقلة «على قد الحال»!

العدد 1700 – الخميس 03 مايو 2007م الموافق 15 ربيع الثاني 1428هـ