«الوسط» تحاور «جاثوم الخشبة الإيطالية»…. السعداوي: الموت شرف لي و «أحبائي» وقفوا ضد «تفريغي»

العدلية – منصورة عبدالأمير 

كيف يمكن الحديث عن أو مع عبدالله السعداوي… هذا الذي وصفه الراحل الكبير عوني كرومي بالصعلوك المشرد الجميل. هذا الذي قيل عنه الكثير، سلبا وإيجابا، لكنه، أبدا، لم يهدأ عشقا للمسرح. هو صاحب التجربة التي تمثل كل محطة فيها بحثا شيّقا عن الحقيقة. بحثا لا يمله السعداوي لأنه يعلم جيدا أن الوصول للحقيقة المطلقة هو أمر من المحال. «الوسط» تحاول من خلال بعض تساؤلات أن تعرف من هو هذا الرجل، ما حقيقته، وما نتائج بحثه عن الحقيقة؟

متى يموت السعداوي وكيف، أيموت واقفا على خشبته، أم معزولا. هل سيكون موتك أم ستحصل على تكريمك حين ترحل ككل العظماء؟

– إذا افترضنا أننا نتحدث عن الابداع ونعاصر الابداع، فنحن لا نستطيع أن نلج بوابته إلا من خلال بوابة الموت، والموت هو الذي أوجد الابداع. لو لم يكن هناك موت لما وجد إنسان يعمل أي شيء، الموت هو الأساس وهو صنو الحياة الثاني. وكما هو موجود في الموروثات فالموت هو الذي نزل إلى الأرض واستطاع أن يأخذ منها قبضة ويذهب إلى الله، من هذه القبضة صنعت قوة الإنسان، وبالتالي الإنسان معجون بالموت والموت معجون معه. ولأن الإنسان يريد أن يخرج من الموت، ويريد أن يضع للموت واجهة أخرى، يذهب إلى الابداع.

أما الفن فهو أقوى ظاهرة حضارية لدى الإنسانية لأنه مهما بحثنا في تاريخ الشعوب نجد أنه لم تكن هناك مدارس أو معاهد ولكن كان عندها ابداع وكانت عندها معابد وأحيانا كثيرة كانت المعابد تشتبك مع معنى الابداع وبالتالي كان الإنسان دائما ينشد أن يغادر هذه الأرض لكي يلتحم مع السماء في حالة واحدة. السعداوي لا يعرف متى يموت لأنه ميت والموت في حد ذاته موجود معه، ثم إنه متى ما أتى الموت سيكون شرفا عظيما لنا نتمناه، لأنه بالموت سنذكر أن رحمة الله أكبر وأقوى من الناس ومن السعداوي وأكبر من أي شيء آخر وبالتالي أنا عاشق للموت.

لكن كيف تكون ميتا وأنت من أحيا المسرح التجريبي، أليس فاقد الشيء لا يعطيه؟

– الموت هو ما جعلني ادخل لبوابته للتعرف على الحياة، وبالتالي هو ما عرّفني على انني قبل أن أأتي إلى هذه الحياة كنت أساسا موجودا في الموت ولم أكن موجودا في الحياة، فليست هناك اشكالية في عملية البعث. البعث أساسا موجود قبل أن توجد الحياة ثم بعثنا نحن من جديد للحياة لأننا أساسا كنا في الموت. ولذلك لا نستطيع ان نفرق بين الموت والحياة ونعمل له ثنائية بحيث يكون مختلفا عن الحياة، هما وجهان لعملة واحدة لا يفترقان وإذا فرقناهما عملنا اشكالية كبرى، فإننا سنفرق الزمن، مع وجود الموت ينوجد الزمن والحياة والابداع وكل الوجود البشري.

لا يمكننا القول إن فاقد الشيء لا يعطيه؛ لأننا نفتقد الشيء فنبحث عنه، وبحثنا عنه هو سبل ايجاده لكن ما أن نصل اليه نكتشف أن وصولنا إليه هو غير ما نريده فنبحث من جديد وهكذا حتى نختفي فجأة مع الموت فنرتاح.

لماذا لا يحصل السعداوي على منحة التفرغ من وزارة الإعلام في رأيك؟

– هذا شأن لا أتكلم فيه، ليست اشكالية ألا أحصل عليها. نعم يتعبني الذهاب إلى العمل؛ لأنني بدأت أعمل منذ أن كان عمري 9 سنوات لأنني عشت في عائلة فقيرة. وبالتالي أصبح العمل بالنسبة إليّ عملية متعبة الآن. والفنان لكي يتعامل مع الفن يحتاج إلى التفرغ، ولكن سواء أعطي لي التفرغ أم لم يُعطَ فالأمر سواء. كل الذين كتبوا عن تفرغي هم احباء بالنسبة إليّ وحتى أولئك الذين وقفوا ضد تفرغي هم أحبائي وأشكرهم. لا محمل لدي عليهم، ولا أعتقد أن لدي أعداء، عدوي الرئيسي الذي دائما ما أتعارك معه هو نفسي التي تسكن في جنبي وهذه هي العملية الخطرة الموجودة. متى ما انتصرت على نفسي أوجد الشخص الذي اسمه عبدالله السعداوي؛ لأنه كثيرا ما ينتصر عليّ، لأن هناك نفسا لوامة وهناك نفس أمارة بالسوء كثيرا ما أتواجه معها، وهناك نفس مطئنة أتمنى أن أصل إليها لكني أتوق إليها.

أنت من أسباب ظهور التجريب في المسرح البحريني، فسيرتك تقول إنه في العام 1975 شددت الرحال إلى دولة الإمارات العربية المتحدة مشاركا في تأسيس مسرح الشارقة، لتلتقي إبراهيم جلال وعوني كرومي وتأخذ عنهما. ماذا قدم لك جلال وكرومي؟ من أوصل السعداوي إلى ما هو عليه اليوم؟

– المسرح التجريبي في البحرين مر بإرهاصات كثيرة. وحين نعود إلى الوراء نرى أنه بدأ على يد محمد عواد الذي أدخل السينما إلى المسرح حين ثبت شاشة في مسرح مغلق، في مسرحية «إذا ما طاعك الزمان طيعه». ثم جاء عبدالرحمن بركات وحاول أن يشرك الصالة مع المسرح، وكذلك خليفة العريفي، وسعد الجزاف الذي أخرج الجمهور من الصالة وعمل مشهدا صغيرا. كانت تلك هي الإرهاصات الأولية الموجودة.

أنا أتيت بعد التقائي بإبراهيم جلال، لا أستطيع ان أقول إنني صنعت نفسي، كنت محبّا للمسرح وكنت أتوه في دروبه، ومع هذا التوهان كنت أقرأ ولا يعني بالطبع أن أقرأ يعني أن أفهم، فكنت بحاجة إلى من يدلني على الطريق القويم في المسرح. فدخلت في حوارات كثيرة مع إبراهيم وتتلمذت على يده بشكل كبير جدا، وتعرفت من خلاله على أساطين المسرح الحقيقيين.

نهلت من إبراهيم الكثير وهو نهر جارٍ، لا ينفد مهما تنهل منه، وهو لا يتوانى عن أن يعلّم الآخر ولا يستطيع أن يحبس معلومة عن أي شخص، فمن خلاله لم أتعلم المسرح فقط، بل تعلمت الفلسفة والسياسة والسينما.

من الاثنين إبراهيم وعوني تعلمت الكثير وهناك رجل ثالث مهم في العراق وهو صلاح القصب وهو من الناس المهمين جدا في المسرح وخصوصا مسرح صورة. من خلاله تعرفت على هذا المسرح وهو أيضا رجل يعني الجلوس معه الجلوس مع شعر الكون، حين يتحدث يستطيع أن يضع الكون كله في حالة الشعر فهو متحدث بليغ وذهنه يذهب دائما إلى فضاءات لا يستطيع الشخص ان يذهب إليها. تعلمت منه امتداد الأفق، الثلاثة كان لهم تأثُير كبير جدا بالإضافة طبعا إلى قراءاتي الكثيرة وجلوسي مع إبراهيم غلوم.

كل هؤلاء صنعوا السعداوي، كما إن كل من قرأ لهم ومن تتلمذ على يدهم مباشرة، وكل من طعنوا في السعداوي ومن حاولوا أن يقللوا من شأنه، ومن اتهموه باتهامات الإلحاد وغيرها، كل هؤلاء في النهاية صنعوا السعداوي وكلهم لهم محطة صغيرة في داخل قلبي محطة حب لأنهم جميعا شاركوا في صنع السعداوي.

السعداوي يصفه البعض بالمتصوف، ما حكايتك مع الصوفية؟

– أنا طبعا مسئول عما أقول وعما أفعل. لست مسئولا عما يقال عني، لكن لا استطيع أن أقول إنني أبحث في التصوف بل إنني أحببت رجالاته، لأنهم جميعا يأخذون أساسهم الرئيسي من الإمام علي الذي يعتبرونه زعيم الزهاد.

دخلت في التصوف لأن من بين أهلي متصوفين على الطريقة القادرية، طريقة الشيخ عبدالقادر الجيلاني، هذا الرجل الذي أرسل له الأمير رسالة قال له فيها أن كل الشيوخ يأتون إلينا ولا نراك بينهم؟ أنت رجل جليل نتمنى ان تكون بينهم. فشكر الأمير على دعوته وقال اعذرني لأني لا استطيع الحضور لأنه ليس للمحب عينان يرى بهما غير الله.

أحببت هؤلاء المتصوفين وخصوصا الشيخ عبدالقادر والشيخ النفري وبدأت أنكب إلى قراءاتهم. ربما هذه القراءات وطريقة حياتي هما ما أوحيا للآخرين بأني متصوف، ولكني لا أضع نفسي مع المتصوفين الحقيقيين.

لكنك فعلا صوفي، كلامك، وعروضك، وهيئتك، بل حتى قلة كلامك، تبدو وكأنك تكتم سرّا لا تود فضحه، ولذلك تكتفي بالعمل ثم العمل، أليس ذلك تصوفا؟

– كل إنسان عاقل أو يمتلك ذرة البصيرة، كما قال شيخنا الكبير معروف الكرخي، لا يفشي سره للريح لأنها تذيعه. وبالتالي يحتفظ بسره، لكن تأكدي ليست عندي أسرار بهذه الأهمية التي تجعل أي شخص يبحث عنها ويتعب نفسه. سري أنني دائما غير راضٍ عن أعمالي، دائما أشعر أن هناك شيئا ثانيا، أن هناك نقصا ما فيها. الآن أصبحت أكثر هدوءا، قديما كانت المسرحية حين تقدَّم تُعرض مرة أخرى بشكل مختلف. الآن لا أغير أعمالي لأني اكتشفت أنني كنت أؤذي الممثلين، كنت ربما أعيش حالة أنانية وسرعة في تغيير المسرحية وكان هذا يتعب الممثلين.

عدت إلى البحرين وأسست مختبر نادي مدينة عيسى، الذي كانت أولى نتائجه الملموسة مسرحية «الرجال والبحر» في العام 1986، وهي من إعداد كرومي أيضا. وبعدها في العام 1994 حصدت جائزة الإخراج في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي. بما عاد هذا الفوز على المسرح التجريبي؟ لا يزال مسرحك مسرح نخبة ولا تزال كراسي الصالة الثقافية خالية إلا من قلة قليلة معظمهم أعضاء مسرحك، في حين أن مسرح أوال يقدم مسرحية تنتمي إلى مسرح العبث وتنجح ويتفاعل معها الجمهور، وهي مسرحية «ألوان أساسية» التي قدمت خلال مهرجان مسرح أوال الأخير!

– طبعا حين بدأنا في 1984 كان المسرح البحريني شبه ميت لم يكن هناك حراك مسرحي. وقد تداولنا مع مجموعة كبيرة في داخل النادي حول «كيف نعمل مسرحا، وكان العائق المادي يقف دائما في وجوهنا. من هنا جاءت فكرة استغلال أي شيء موجود لدينا وعمل مسرح الفقير، الذي يعتمد على الممثل ككائن رئيسي دون ماكياج أو ملابس أو أي شيء آخر. كان لديّ نص عوني كرومي وطلبت منه ان نقدمه في البحرين فوافق. قدمنا العمل بالأدوات الموجودة في النادي نفسه، وبعدها بدأت المسرحية تتحرك وأخذ التجريب مكانه.

في تلك الفترة كانت هناك حاجة إلى مسرح من هذا النوع، فالعالم كله كان يتغير من حولنا وظهرت نظرية الكارثية أو المتاهة، التي تستوجب على الإنسان ان يقطع طريقه إلى الأشياء بصورة مباشرة، لكنها سرعان ما تلاشت ليحل محلها التجريب، الذي كان مبرره هو انه طالما تغير العالم وطالما هناك كمية من المعلومات تأتي في اللحظة نفسها،فعلى الإنسان أن يكون قادرا على التعامل مع هذه المعلومات.

أما عن الجمهور فهناك مسرحيات قدمناها أقبل عليها الجمهور (…) مسرح البحرين تلقّى كثيرا من الضربات والحياة تغيرت والجمهور انحسر. أما بالنسبة إلى احتفالية المسرح الأخيرة فربما أخفق المسرح في إعلاناته، وربما هناك أسباب أخرى.

حين فزت بجائزة القاهرة كتب كرومي لك رسالة مفعمة بالمشاعر المختلطة، قال فيها: «لقد فرحت فرحا عظيما ولست أدري لماذا؟ هل لأنك فنان عاش من أجل فنه، أم لأنك موهوب غامرت بالموهبة من أجل الحقيقة، أم أنك مجنون أو مغامر أو عبثي. قل لي فعلا من أنت، هل أنت مجنون أم مغامر أو فنان يعشق المسرح حتى النخاع؟

– في يوم ما وقف رجل أمام مرآة، نظر إليها فلم يرَ وجهه لأنه أصيب بالعمى وكان هذا هو شيخنا الكبير بورقيس. في الحقيقة، انا لا استطيع ان اعرّف نفسي، قد أكون كل ما قاله كرومي، لأنه أكثر مني معرفة بي. الا انني استطيع ان أقول إنني رجل يتعاطى مع الفن، ولد في مكان ما، ويحمل بطاقة شخصية بالرقم الفلاني، لكن لا أعرف بالضبط من هو السعداوي.

صدقيني استطيع أن اتعامل مع الآخرين ويتعاملون معي دون أن يعرفوني، ثم أن هناك منطقة غامضة في كل إنسان لا يستطيع أن يعرفها الا الخالق الذي خلقه. كرومي حين توصل إلى هذه الأوصاف فهو أستاذي وقد انهكته بالأسئلة طوال فترة اقامته في قطر، لم أكن اتركه ينام، وهذا ما جعله يقول عني هذه التوصيفات ولكن عموما محبتي للمجانين أقرب إلى كل العقلاء.

قال لك كرومي في رسالته «أيها العنيد، المشكك، المشاكس، المحبوب الذي أرهقتني تساؤلاته وحواره في البحث عن الحقيقة». هل مازلت تبحث عن الحقيقة، وأي حقيقة تلك التي تريد أن تبحث عنها؟

– مرة سخر يوسف مكي من مثال طرحته، وهو من الأشخاص الذين أحترمهم وأحبهم كثيرا لأنه يتابع مسرحنا ويكتب وكان مشاكسا ومشاغبا وكنت أحب مشاكساته ولم أكن أغضب منه إطلاقا. مرة كنت أحكي عن أسطورة هندية، تدور حول شاب يبحث عن حقيقة في داخل مدينته، فلا يجدها حتى يبلغ الستين من عمره. حينها يدلها أحدهم على ثلاثة حكماء يملكون الحقيقة، وحين يقصدهم يدلونه على رجل عجوز يسكن قمة جبل الهيمالايا. وفعلا يتحمل الرجل الصعاب حتى يصل إلى القمة ليجد شيخا مسنّا، يسأله عن الحقيقة فيقول له: «الحقيقة ليست لديّ بل هي حولك ولكنك تغمض عينيك عنها». السعداوي يعتز بهذه الأسطورة في بحثه عن الحقيقة، فعلا الحقيقة حولنا لكن لا نستطيع ان نصل إليها، بل إننا نصل إلى حقائق لو جمعناها ربما كوّنّا فسيفساء من الحقيقة يشارك الكل في بنائها، لكن لن تكون هي الحقيقة النهائية. أنا أعرف حقيقة واحدة أن الله حق وان محمد بن عبدالله حق وان الله اكبر اشهد ان لا اله الا الله حقيقة وان محمدا رسول الله شريعة. هذه الحقيقة التي أعرفها وهي التي تحوي كل حقائق هذا الكون.

العدد 1707 – الخميس 10 مايو 2007م الموافق 22 ربيع الثاني 1428هـ

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s