في فيلم فرقة المطاردة: هوليوود تتقرب إلى المسلمين

المنامة – منصورة عبدالأمير 

قد لا يكون ريتشارد غير وجهك الهوليوودي المفضل، وخصوصا بعد تصريحاته التي تداولتها بعض المنتديات والمجموعات الإلكترونية، والتي أعلن «غير» خلالها تأييده لغزو بلاده الغاشم للعراق، ومعاداته الصريحة للعرب والمسلمين في مقابل دعمه التام لـ «إسرائيل» وصهاينتها. قد لا تتقبل أيضا أن يأتي غير نفسه في فيلم «فرقة المطاردة» (The hunting party)، الذي تعرضه شركة البحرين للسينما حاليا، ليقدم صورة تتناقض تماما مع تلك التي تصل إلى أذهاننا عبر تصريحاته الشهيرة.

قد يحدث هذا أو ذاك، لكنه، والحق يقال، فإن هذا الفنان واحد من أقوى الهوليوودين قدرة على الأداء وعلى تقمص الشخصيات التي تسند إليه. ولذلك فسواء، أحببته أم لم تحبه، ستجد نفسك مأسورا بأدائه في الفيلم الأخير هذا.

هذه المرة يأتي في دور سايمون، صحافيا مشاغبا، لا يجد المتعة إلا حين يغطي أكثر الأحداث سخونة في أشد المناطق رعونة وخطرا. الصحافة الحقيقية بالنسبة إليه هي أن تلقى بنفسك في وجه الموت، ألا تتذوق طعم الحياة إلا وسط الأشلاء والدمار وعلى أزيز الرصاص والقنابل.

لا حد لرعونة سايمون «غير» ولا خطوط حمراء لديه، هو بحسب الفيلم وراويه، وهو المصور الإخباري الذي يرافقه باستمرار «تيرينس هاورد»، صحافي غاية في الشرف والإخلاص لأية قضية يتولاها، لكنه أيضا غاية في الجنون.

ما لن تتقبله أيضا، ربما، هو حماس «غير» أو سايمون وتعاطفه الشديد مع مسلمي البوسنة والهرسك، إبان حملة التطهير العرقي، التي جرت أحداثها قبل ما يصل إلى العقدين من الآن. تعاطف مع الضحايا الأبرياء يؤدي به لأن يشتم المجتمع الدولي على الهواء مباشرة، وبالتالي إلى الطرد من عمله، والتنقل من محطة لأخرى، حتى تلفظه كل المحطات وكل الوكالات الإخبارية. تتساءل حينها ما الذي يفعله غير هنا، هل يحاول إبعاد التهمة عن نفسه؟! أم أنها مصادفة بحتة قادت هذا الفنان الهوليوودي لقبول سيناريو هذا الفيلم؟

وبالنظر إلى الأمر من زاوية أخرى، وحين تجد نفسك أمام فيلم يمزج بين الدراما والإثارة والأكشن والتشويق والظرافة الخفيفة، ستتساءل مرة أخرى، هل تستدعي أحداث تسعينات القرن الماضي الدموية البشعة في البوسنة والهرسك، أن يصنع منها فيلم ظريف! إنها أشد الأحداث دموية التي شهدتها القارة الأوروبية منذ قرون، كيف يجرؤ أحدهم أن يصنع منها فيلما ظريفا.

ربما لو نظرت للأمر بحساسية أقل وبتجرد من كل ردود الفعل السلبية التي خلقتها هوليوود وكثر من فنانيها في نفوس المشاهدين العرب والمسلمين بسبب هجماتها غير المبررة عليهم، ربما حينها ستجد الفيلم يحمل رسالة.

يتعرض الفيلم لرحلة يقوم بها المراسل سيمون أو «غير» وصديقه المصور وصحافي ناشئ صغير هو جيس ايزنبرغ، يقومان خلالها بالبحث عن مهندس القتل الصربي مالدوفان ميلسوفيتش أو الثعلب. ربما في محاولة لعمل سبق صحافي أو للحصول على مكافأة الخمسة ملايين دولار المرصودة لمن يدل المجتمع الدولي على مكانه.

يتعرض الثلاثة خلال الرحلة للكثير من المتاعب، ويواجهون القتل أكثر من مرة، لكنهم ككل أبطال الأفلام الأميركية ينجون منه في اللحظة المناسبة. طبعا لا ينفى هذا صحة مزاعم صانعي الفيلم الذين يخبرونا منذ البداية أن الأحداث حقيقية، عبر عبارة تحمل من السخرية اللاذعة الكثير، فالعبارة تقول إن الأحداث غير حقيقية عدا ما سخف منها. تضحكك العبارة بداية لكنك حين تواصل المشاهدة تجد أن كل أحداث الفيلم تحمل كما عاليا من السخف والبلاهة. جميعها حقيقية إذن.

عموما وبغض النظر عن كون الأحداث حقيقية أم من خيال كاتب، إلا أنك ستجد نفسك أمام فيلم مشوق، على رغم كل شيء، وظريف نعم، رغم حدة بعض المشاهد ودمويتها، وسوف تتعاطف مع غير وتعيش حالته وهو الذي يحب فتاة بوسنية مسلمة، ثم يبدو وكأن الفيلم يشير إلى أن الفتاة تلك تلقى مصرعها على يد جندي صربي حاقد، بأمر من الثعلب، وهي تحمل أبن الصحافي الأميركي سيمون.

ما سوف يستفزك هو الإدانة التي يقدمها صناع الفيلم للمجتمع الدولي والأمم المتحدة وكل المدافعين عن حقوق الإنسان والزاعمين ملاحقة مهندس الحرب ذاك ورصد المكافأة للدالين عليه. الفيلم يشير إلى أن جميع هؤلاء متعاونون في تأمين غطاء على تحركات الثعلب وإفشال أية محاولات للقبض عليه وتسليمه إلى يد العدالة. قد يكون ذلك صحيحا لكنه ليس مقبولا حين يأتي على لسان هوليوود! أوليست هوليوود وجه آخر لواشنطن، أولا تمثل واشنطن بقادتها المجتمع الدولي!! من يدين من إذا؟

على رغم ذاك يستحق الفيلم المشاهدة، وهو وإن لم يعتبره النقاد الغربيون فيلما رائعا ولم يعطَ تصنيف A إلا أنه يقدم جديدا على مستوى الفكرة والتناول وربما أيضا على مستوى التقرب إلى المسلمين، وهم من تدينهم وسائل الإعلام الأميركية والغربية على الدوام وتنسب لهم كل دمار العالم وشقائه.

العدد 2029 – الخميس 27 مارس 2008م الموافق 19 ربيع الاول 1429هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s