صامتا… يناقش المسكوت عنه ويهز أعماق متفرجيه

منصورة عبدالأمير 

أؤمن دائما أن التجارب الأولى يجب ألا تنتقد، أؤمن كذلك أنه ما لم يكن الكاتب ضليعا وملما بكل تفاصيل عملية صناعة الأفلام، إن لم يكن ممارسا لها، فلا يجوز له بأي حال من الأحوال الإساءة للفيلم أو صانعيه أو التقليل من شأن إبداعهم. بهذه الطريقة يصبح أمر الكتابة عن أول أفلام البحريني حسين الرفاعي أمرا في غاية الصعوبة، هذا المسرحي الشاب يقدم أول إبداعاته في مجال الفيلم القصير من خلال فيلم «عشاء». فيلم بدا وكأنه بُذل لصناعته جهدا ليس بالقليل، يبدو ذلك في اختيار مخرجه الدقيق للسيناريو أولا ولطاقمه ثانيا ثم لتفاصيل كثيرة تتضح في الصوت وفي الوجوه التي شاركته وحتى في الموسيقى والتصوير والإضاءة والمونتاج. لا أظن حسين أغفل أيا من تلك التفاصيل!

في «عشاء» يناقش الرفاعي قضية جرائم الشرف، يستعرض إحدى تلك الجرائم من خلال سيناريو لا يمكن انتقاده بأي حال من الأحوال… كيف يكون ذلك وقد أبدعه أمين صالح. قد لا أتفق مع الرفاعي في اختيار موضوعه، ناقشته في أمر قضايا الشرف ومدى ارتباطها بمجتمع البحرين. هو الآن يقدم سينما، والسينما يجب أن تناقش قضايا مجتمعها، لا يعاني المجتمع البحريني من جرائم الشرف. لا يوجد لدينا ما يسمى بجرائم الشرف، قضايا الشرف تعالج بشكل مختلف، شكل مسالم إلى حد بعيد يتناسب مع طبيعة البحريني المسالمة. لكن الرفاعي لا يتفق معي، يصنف تلك الجرائم ضمن «المسكوت عنه»، يقول إن فيلمه يناقش حادثة حقيقية.

«عشاء»… هكذا جاء اسمه، لا يوحي الاسم بالكثير، ولا ملصق الفيلم الذي تبدو فيه الممثلة البحرينية هيفاء حسين ساهمة أو ربما مهمومة، لا نعرف الكثير إذا. لكن البدايات تنبئنا بأمر مختلف، لا نسمع موسيقى، هناك صمت يطبق على الفيلم منذ بداياته، نسمع كثيرا من التفاصيل ونشاهدها. نعرف منذ البداية أن هناك حالة انتظار، ترقب، لأمر ما، يبدو الأمر سيئا على أية حال، صوت سكين حادة ترتطم بلوح تقطيع خشبي. نعلم بعدها أن هناك من يعد سلطة، سلطة العشاء. لا يبدو الأمر جيدا.

هو كذلك، والسلطة والسكين ولوح الخشب ليس كل شيء، هنالك الصمت الذي يطبق على كل المشاهد، هناك وجوه تمتلئ بترقب أو وجل ولربما كان الفزع من مصير منتظر. هنالك الممثل والمخرج المسرحي البارز إبراهيم خلفان الذي لا ينطق ببنت شفة طوال الفيلم. عيناه تقولان الكثير، صمته يخنق المشاهد ودموعه المحبوسة في عينيه تنهكنا ترقبا. عموما هناك صمت خانق قاتل مؤلم يملأ كل مشاهد فيلم الرفاعي.

هناك نهاية تحاك وتدبر، وهناك تآمر موجع وهناك جريمة ترتكب. لا يوضح الرفاعي رأيه وموقفه منها لكنه يهز أعماقنا بموسيقى جميلة تبدعها أنامل محمد حداد، الغني عن التعريف، وبمشهد طفل وطفلة يخنق المتفرج حزنا على نهاية يراها بأم عينيه لكنه لا يملك لمنعها أمرا. هو إذا صمت الفيلم، وصمت الرفاعي وصمت ممثليه الذي هو أبلغ من أي كلام. الرفاعي إذا يعلن موقفه صامتا… وهل أبلغ من ذلك رفض.

ومن وراء كل ذلك يتألق ممثلو الرفاعي جميعهم، هم أيضا صامتون لكنهم جميعا في غاية البلاغة والتألق. الفنانة البحرينية أحلام محمد كعادتها قوية تملك الشاشة، تدهشك هنا وتهزك ببراعة وقدرة فائقة على إظهار كل انفعالاتها من دون أن تنطق ببنت شفة، من دون أن تحرك ساكنا، فقط بتحكمها في عضلات وجهها. تلمس قسوة أحلام فهي الأم التي تقدم على قتل ابنتها بدم بارد، من دون أن تتحدث، ومن دون أن تحاول التعبير عن الأمر نجد الكثير من الحب والرحمة تفيض بهما عيناها لكن تغلبهما قسوة يمتلئ بها وجهها. كيف استطاعت أحلام ذلك، كيف يمكن لها أن تتحكم في عضلات وجهها بهذا الشكل. كيف يمكن لها أن تجمع التناقضات في انفعال واحد.

هيفاء حسين أيضا تبهرك بأدائها، بسيطة كعادتها، جريئة كما لو لم تكن من قبل، تظهر من دون أية مساحيق، شعرها لا يبدو مصففا بعناية. تقنعك بالحالة التي تعيشها، بل إنها تظهر بعد ذلك في مشهد الموت. ترعبك، يفعل السم فعله في جسدها فتبدو شاحبة تتصبب عرقا، يسيل اللعاب من فمها، لعاب حقيقي!. هي فنانة حقيقية لا تستخدم المساحيق لتغطي عدم القدرة على تقمص أي دور، لا تمتنع أو تترفع عن أن تتنازل عن بعض الشكليات لتقنع متفرجيها. بسيطة طبيعية تلقائية وجميلة، تحمل جرأة لا أظن كثيرا من فناناتنا «العربيات» تملكنها!

من الأداء والموسيقى والسيناريو، وصولا للإخراج، يقدم حسين الرفاعي في أول أفلامه مادة فيلمية تبدو باللحاظ الأول متكاملة، نواقصها مغفورة بعذر التجربة الأولى. الرفاعي إن استمر في طريقه ذاك، موهبة تستحق الرعاية، على الأخص مع الجدية التي تبدو في إنشاء صناعة سينمائية حقيقية في هذا البلد.

العدد 2078 – الخميس 15 مايو 2008م الموافق 09 جمادى الأولى 1429هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s