«الوسط» تحاور أحد مستشاري التقرير العربي للتنمية الثَّقافيَّة علي فخرو: تقرير التنمية الثقافية خطير لكن المسئولين لا يقرأون

المنامة – منصورة عبدالأمير 

في احتفالية ثقافية شهدتها القاهرة منتصف الشهر الجاري، أطلقت مؤسسة الفكر العربي التقرير العربي الأول للتنمية الثقافية، وهو أول تقرير يصدر عن مؤسسة أهلية عربية بتمويل عربي ليرصد واقع التنمية الثقافية في اثنتين وعشرين دولة عربية.

التقرير الذي أطلقه أمير منطقة مكة المكرمة رئيس مؤسسة الفكر العربي الأمير خالد الفيصل، يغطي 5 ملفات أساسية، هي: التعليم والإعلام وحركة التأليف والنشر والإبداع والسينما والمسرح والموسيقى والغناء، إضافة إلى جزء خاص عن الحصاد الثقافي السنوي في العالم العربي خلال العام 2007.

ويعالج التقرير، الذي كان حصاد فريق عمل ضمّ أكثر من 40 باحثا ومتخصصا، مدى نجاح الأدوات والأنساق والمؤسسات التي تسهم في تنمية العقل وتربية الوجدان في عالمنا العربي. ويساعد على رصد واقع التنمية الثقافية في الوطن العربي وتحليله وبخاصة مع كل ما يتضمنه التقرير من معلومات وبيانات وأرقام تسهم في وصف الواقع الثقافي العربي وتشخيصه، وفي بناء قاعدة معلومات للباحثين والمهتمين.

المفكر البحريني علي فخرو كان ضمن الهيئة الاستشارية التي راجعت التقرير والتي ضمت أيضا كلا من الأكاديمي السعودي والرئيس السابق لمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية صالح بن عبدالرحمن العذل والأكاديمي والمفكر المغربي عباس جيراري إضافة إلى الإعلامي اللبناني زاهي وهبي.

«الوسط» حاورت فخرو بشأن موضوع التنمية وإمكانية الوصول إلى خلاصة مشتركة وبالتالي تقديم مشروع تنموي ثقافي في العالم العربي، على رغم الفروق الكبيرة بين دوله. وحول مدى تأثير مثل هذه التقارير على الواقع العربي.

تقرير بالغ الخطورة ومسئولون لا يقرأون

يرى فخرو أن التقرير محاولة جيدة من مؤسسة الفكر العربي، ويعتبره تقريرا بالغ الخطورة، لكنه يستذكر تقارير كثيرة سبقته، أهمها التقرير الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ويسأل: «ما الذي حدث لذلك التقرير؟ ما الذي أوجده من تغييرات في الأرض العربية؟» ثم يضيف «حتى الكتابة عن هذه التقارير، تصبح مثل الموضة نكتب عنها لفترة بسيطة ثم ينتهي الأمر وتوضع في الدرج، لأنها تقارير غير مرتبطة بالواقع، ولو كانت كذلك لوجدنا كل يوم تعليقا عليها».

ويسأل فخرو عما إذا كان «المسئولون في بلاد العرب سيقرأون هذه التقارير (…) هم يقرأون الواشنطن بوست والنيويورك تايمز، يستمعون إلى السي إن إن، لكنهم لا يقرأون التقارير العربية».

لكنه رغم ذلك يرفض النظرة التشاؤمية التي بدأنا بها بشأن عدم إمكانية قيام نهضة ثقافية عربية في ظل انعدام بعض أساسياتها التي وضعها التقرير ومنها تنمية ثقافة حقوق الإنسان وثقافة المواطنة، ويقول: «قضايا الفساد المالي والفساد الذممي والاستزلام في الاقتصاد وفي السياسة، كل هذا يجعل التنمية في الأرض العربية شبه مستحيلة لكن لنكن عادلين مع أنفسنا، كل هذه الصور القاتمة يجب ألا توقفنا لا عن الكتابة ولا عن أي عمل تقارير، أؤكد لك أن كل ما يكتب وكل التقارير بالنهاية ستوجد نوعا من التراكم المعرفي الذي سيكون له تأُثير في يوم ما».

مواطنون أم رعايا

أما عن الخلاف على تعريف المواطن والمواطنة في العالم العربي وهما مفهومان غير واضحين فيؤكد: «كلمة مواطن ليست موجودة لدينا في القاموس، لدينا رعايا، عبر تاريخنا الطويل كله هناك أولي أمر ورعايا، مشكلتنا هي أن الفقه السياسي الإسلامي لم يهتم على الإطلاق بمن يحكم، اهتم كثيرا بقضية العدالة، لكن بعد ذلك تجنب مناقشة كيف تطبق العدالة وكيف يحاكم من لا يطبقها».

لكن الزاوية التي ينطلق منها فخرو ويجدها الأهم تبدو مختلفة عن تلك التي انطلقنا منها، فبالنسبة إليه لا يمكن الحديث عن التنمية الثقافية من دون البدء بالتنمية الاقتصادية، وهو يرى أن واقع العالم العربي ليس مبشرا، ويستند إلى تقرير أعدته قناة «البي بي سي» عمن سيخلف الولايات المتحدة الأميركية اقتصاديا، يقول فخرو: «يذكر التقرير الإمكانيات في كل منطقة في العالم إلا الأرض العربية، وهذا أمر مرعب ومزعج، فهذه المنطقة وخلال 50 سنة وهي الفترة التي يحددها التقرير ستتسلم عشرات التريليونات من الأموال والنفط ومع ذلك لا يستطيع أحد حتى أن يتنبأ بأنها ستكون من الصاعدين اقتصاديا».

«الكنزية» في مقابل الليبرالية الحديثة

وعما يرى أنه سبب لذلك يضيف «منذ أسبوعين قامت مجموعة من الأساتذة الأميركان ممن ينتمون إلى المدرسة الكنزية بإرسال كتاب مفتوح إلى الدول العشرين المجتمعة في واشنطن ذكروا فيه أنهم لا يزالون يعتقدون بأن المدرسة الكنزية وبعد إجراء بعض التعديلات عليها يجب أن تكون هي أساس العولمة في القرن الواحد والعشرين.

وخلص هؤلاء إلى 3 نقاط أساسية، الأولى هي أن نظام النقد الدولي يحب أن يتجنب وجود عملة مهيمنة (هيغموني)، والثانية هي أن التجارة الدولية الحرة يجب ألا تكون على حساب النمو المحلي الذي يجب أن تفرد له مكانة خاصة وألا يخضع لأي إملاءات.

أما النقطة الثالثة فهي أيا تكن التحركات في المؤسسات الدولية الكبري فيجب ألا تؤدي إلى ازدياد البطالة في أي بلد كان».

فخرو يربط تلك النقاط التي «ترجع إلى منطلقات مختلفة تماما عن تلك الموجودة في الليبرالية الحديثة» بالقضية الاقتصادية في العالم العربي فيسأل: «ما الذي يدعونا إلى أن نربط عملاتنا بالدولار، وهل من الضروري أن نضحي بالمؤسسات المحلية التي تحاول أن تنمو فقط لإدخالها في عملية العولمة. الآن سيكون لدينا مؤتمر قمة لدول المجلس التعاون وقمة اقتصادية للدول العربية ومطروح مناقشة القضية الاقتصادية، ما أريد قوله للمجتمعين هو»انطلقوا من هذه الصورة».

الاقتصاد الإنتاجي هو الحل

ويعلل فخرو أسباب استحالة قيام تنمية شاملة في المجتمعات العربية «لا التنمية الاقتصادية ولا الوطنية تسيران بشكل مضبوط. فمن ناحية التنمية الاقتصادية حرقنا ثروة هائلة وضاعت علينا فرصة تاريخية ونحن نضع أموالنا في 3 أمور الأسهم والبورصة العالمية والمحلية، ثم المضاربات العقارية التي أصبحت كارثة حقيقية بالنسبة إلى المواطن، فأينما تذهب في المنطقة العربية الآن تجد أن العقار يرتفع ارتفاعا هائلا، وبالتالي أصبح المواطن لا يستطيع أن يشتري قطعة أرض ليبني عليها سكنا وهذا ليس اقتصادا على المدى البعيد. لو كان كذلك لبقيت مدن الذهب التي بناها الأميركان في الساحل الغربي، لا أن تختفي بانتهاء الذهب، وتتحول إلى أطلال تزار في الغرب الأميركي. الأمر الثالث هو الحياة الاستهلاكية النهمة التي نعيشها اليوم، هل تعرفين أننا ننفق من الماء أكثر مما ينفقه الانسان في نيويورك، ونستهلك كميات هائلة من الغذاء ونقتني كميات كبيرة من الذهب وكثيرا من السيارات الفارهة. لقد دخلنا في القضية الاستهلاكية العولمية. الاستهلاك يجب أن يكون في الأساسيات والحاجات وليس في الرغبات، والغالبية الساحقة من استهلاكنا سواء في بلدان النفط أو غيرها يرتبط بالرغبات وليس بالحاجات».

ويصف فخرو اقتصاد العالم العربي بالاقتصاد الخدمي، مضيفا «نحن لا نريد الانتقال إلى الاقتصاد الانتاجي وهو الاقتصاد الحقيقي. الورطة التي وقعت فيها الولايات المتحدة اليوم هي بسبب اعتقادها أن الاقتصاد المعرفي وحده هو الذي سيبقى والحقيقة غير ذلك. فكيف بنا الحال ونحن فشلنا في الانتقال إلى بناء أي من الاقتصادين، سواء الانتاجي أو المعرفي».

رعوية سياسية وخصخصة اقتصادية

ويعطي فخرو مثالا على ذلك صناعة النفط فيقول: «المفترض ان نمتلك اليوم وبعد 75 عاما من اكتشاف النفط، أحدث تكنولوجيا النفط وأن يكون لدينا افضل مهندسي نفط وأحسن نظام للتسويق وأحسن نظام للتكرير. لكننا للأسف نتراجع بعد كفاح مرير في الخمسينات لجعل النفط العربي ملكا للعرب، إلى أن نرهن النفط العربي في يد الشركات التي طردناها».

ثم يسأل: «ما الذي يمنع الخليج من أن يكون أحد المراكز الكبرى في الاقتصاد المعرفي كما عملت الهند تماما. العقول العربية موجودة فما الذي يمنع من تجميعها في سيلكون فالي عربي، في أي دولة عربية يكون ذلك. لماذا التركيز على الاقتصاد المظهري الخدمي وتجنب أهم نوعين من الاقتصاد يسيّران العالم وهما الاقتصاد الانتاجي والاقتصاد المعرفي».

ويرى فخرو أنه نتيجة لكل ذلك «بدأت الدولة تتخلى عن مسئولياتها، ففي السياسة تريد أن تكون دولة رعوية وفي الاقتصاد تتخلى عن رعويتها، وبالتالي تبدأ في خصخصة كل شيء… التعليم والصحة والعمل».

حكم المجتمعات أم حكم الشركات

حين سألنا فخرو عما يقترحه كآليات وخطط عملية لتحقيق التنمية الثقافية ولنقل أفكار التقرير إلى حيز التنفيذ.

قال: «نعود إلى المشكلة الأساس وهي مشكلة النظام السياسي العربي، فأينما تولي وجهك فثم النظام السياسي العربي الفاسد أمامك. حكام العرب بصورة عامة مع بعض الاستثناءات، لا يريدون أن يحكموا مجتمعات بل يريدون أن يحكموا شركات.

تسألني عن خطط عملية، أقول لك لا يمكن، لأن هذه الأمور لا ترد في خواطر المسئولين لدينا، لا يهمهم المستقبل ولا يكترثون بأن تكون هناك نهضة ودولة عظيمة مترامية الأطراف وقوة محترمة ومهابة. إذأ القضية هي أنه ما لم يتم حل إشكالية النظام السياسي لن نتمكن من تحقيق أية تنمية. الأنظمة السياسية يجب أن تحصل على شرعية ديمقراطية وهي الكلمة الفصل في هذا الأمر لا أتحدث عن كونها ملكية أو جمهورية أو سلطانية أو إماراتية ليس مهما، المهم أن الشرعية يجب أن تكون ديمقراطية بمعنى أنها شرعية معبرة عن رغبة واختيار الناس بصورة حقيقية».

الدولة العربية تشوه مجتمعها

ويواصل: دولنا العربية لن تصلح إلا حينما يكون هناك توازن بينها وبين المجتمع، إذا كان المجتمع أقوى بكثير من الدولة تصبح فوضى وإذا كانت الدولة أقوى بكثير من المجتمع تميته. نحن هنا ليس لدينا مجتمع، الدولة العربية بعد استقلالها ابتلعت المجتمع العربي بالكامل وليس فقط حيث هناك غنى ونفط، بل في كل مكان. الدولة لم تبقِ في المجتمع روحا، شوهت أخلاقه، شوهت صورته، وقيمه، من أجل أن تبقى ويبقى من يبقى في السلطة، أصبح هناك تلاعب بالطائفية وتلاعب بالعرقية والقطرية، من كان يصدق في الخمسينات أنه سيأتي اليوم الذي نسمع فيه شعار إماراتي وأفتخر أو الأردن أولا، وغير ذلك.

لا يمكن الحديث عن التنمية طالما لا يوجد نظام سياسي يمكن محاسبته، نظام منفصل عن النظام التشريعي والتنفيذي، أي أن توجد ديمقراطية بمعناها الحقيقي سياسية واجتماعية واقتصادية.

نحن نعيش يوميا ما عاشته دويلات الاندلس وما عاشته مصر في آخر أيام المماليك يوميا. الآن في الخليج العربي لدينا حوالي 12 مليونا من العمالة الاجنبية غير العربية. ما الذي يضير هذه المنطقة أن تحضر 12 مليونا عربيّا تنتقي العناصر الجيدة تدربها وتوطنها في هذه الأرض محل الأجانب وتدربهم تدريبا جيدا وترفع مستوياتهم وعندها أنا واثق بأنهم سيحمون هذه المنطقة وسيموتون في سبيلها أكثر من أهلها الأصليين ولا أتحدث عن إحضار أوباش من هنا وهناك أتكلم عن توطين عمالة عربية صحيحة منتجة رفيعة المستوى ترتبط بهذا المجتمع وتعيش من أجله.

أما بالنسبة إلى تنمية الثقافة فإن لها مداخل كثيرة، أولا العائلة قبل أي شئ، الجانب الآخر التعليم الذي يركز على العلم لذاته وعلى حب المعرفة وليس على قضية التسابق بين الطلبة.

النقطة الثالثة هي قضية المؤسسات الثقافية إذ على الدول العربية ان تولي اهتماما فعليّا بالثقافة، بأن تنفق الكثير على الأمور الثقافية فتهتم بالمتاحف والفنون وكل شئون الثقافة

العدد 2274 – الخميس 27 نوفمبر 2008م الموافق 28 ذي القعدة 1429هـ

السعداوي يرفض تصنيف فيلم «غبار» وجناحي يعتبره «سينما فقيرة»

منصورة عبدالأمير 

كما هو المخرج المسرحي البحريني عبدالله السعداوي دائما، مختلف بتميز، تدهشك جرأته في الطرح كما هي في الأسلوب وفي اختيار الأدوات، وكما هو، تأتي أعماله. اليوم وبعد انقطاع زاد على العام منذ آخر أعماله المسرحية «ميتروشكا»، يعود بعمل جديد أسماه «غبار». هذه المرة يأتي عمله سينمائيا، أفضل ما يمكن أن يوصف به هو كونه «سعداويا» بامتياز، «سعداوي» اللغة السينمائية، الأدوات، الوجوه والشخصيات… «سعداوي» الهم. باختصار فيلم «غبار» الذي عرض أخيرا أمام جمهور خاص بنادي البحرين للسينما هو حالة «سعداوية» جديدة تستعرض الكثير من هموم المواطن البحريني، بدءا من الفقر والبطالة وصولا إلى ردم السواحل وحقوق المرأة المسلوبة باسم القانون والتشريعات.

«الوسط» التقت السعداوي وأجرت معه الحوار الآتي:

كيف تصنف فيلمك، إذ يبدو هنا وكأننا أمام دراما توثيقية Docudrama تستخدم الكثير من ملامح التجريب. كيف تجده أنت، وهل ترى أنه من الممكن التجريب في فيلم توثيقي، أنت تمزج الخيال بالواقع، كيف تفعل ذلك؟

– لنخرج عن التصنيفات فهي ليست ذات أهمية بالنسبة إلي، فيلمي يحوي كل الأنواع المعروفة، هناك سينما تجريبية، سينما مطلقة، سينما مباشرة… وغير ذلك، وهذه ليست المرة الأولى التي أمزج فيها بين الأنواع الفنية. فعلت ذلك في أعمال مسرحية سابقة لي، كمسرحية «الكمامة» التي مزجت فيها بين الواقع والخيال، وجمعت فيها بين عدد من المدارس. وهذا الأمر ممكن على مستوى المسرح والسينما وحتى الرواية، بالإمكان اختيار دروب كثيرة بدلا من الذهاب إلى الطريق المعروف.

عملية المزج هذه بين الأنواع والأساليب تمكّن المتفرج من أن يبدأ الفيلم من أي مشهد يشاء، وسيمكنه مواصلة المشاهدة وتكوين فيلمه الخاص أو حالته الخاصة تجاه الفيلم. أنا أشبّه هذا الفيلم بمجموعة من الكلمات المتقاطعة على المشاهد أن يربط فيما بينها في سبيل أن يعمل فيلمه الخاص، هو في واقع الأمر عوالم متفرقة يجمعها خيط واحد. فيلمي يبدو كبحث على شبكة الإنترنت يقودك إلى نوافذ كثيرة كلها تنفتح على بعضها الآخر.

مشاهدي عفوية وموازنتي «صفر»

لكن هل هناك ثيمة مشتركة تربط كل هذه العوالم؟

ما أفعله هنا هو أنني كشخص يكتب رسالة ما، يضعها في زجاجة ويلقي بها في البحر، قد تصادف رسالتي أحدا ما ويقرأها، وقد لا يحدث ذلك.

– نعم، هناك ثيمة مشتركة بين عوالم الفيلم تتمثل في وجود مدينة حديثة، يجولها شخصان يفتشان في زواياها، في محاولة لمعرفة ما يدور فيها، وقد يصل بحثهما إلى دواخلهما. يفكران أحيانا بشكل عفوي فتأتي مشاهدهما عفوية كما هي في الواقع لا يحاولان إجراء أي تغيير عليها، وأحيانا تخلق المصادفة مشاهدهما كمشهد «البنك» الذي لم يكن موجودا في الأساس لكننا أضفناه في محاولة لتضمين ثيمة الحلم، وثيمة الآلة التي تتعامل مع الحلم، وثيمة وجود رفاهية في مقابل إفلاس مادي.

هل لموازنة الفيلم تأثير على اعتماد خط الفيلم وأسلوبه؟

– في الأساس لم تكن هناك موازنة، ولم نحتج إليها، كل ما احتجنا إليه هو كاميرا استعرناها من عبدالله رشدان، ثم احتجنا إلى شراء «هارد ديسك»، وهو الشيء الوحيد الذي كلفنا، إذ وصلت قيمته إلى 120 دينارا. فيما عدا ذلك لم نكن بحاجة إلى أية موازنة حتى الممثلين لم يتسلموا أجورا.

حتى فكرة الفيلم جاءت من ورشة عملية أردنا أن نقدم منها فيلما، ثم أردنا أن نعمل فيلما مكملا للفيلم. حتى أنه لم تكن لدينا أية خريطة واضحة للفيلم. لم ننطلق من سيناريو مكتوب بل من أفكار في أذهاننا.

لدينا فكرة أردنا أن نتحرك عليها ونعمل مواجهة بين الواقع الموجود في حركته وبين الفن. مشاهدنا واقعية قدمناها كما هي من دون أي تدخل في أدوات المشهد. في الواقع، أتعامل مع أدوات المشهد بحسب ما هي موجودة، أنا أشكل مشهدا مما هو موجود أمامي، والمتفرج هو الذي يتكفل بتأويله ويعمل إيحاءاته الخاصة.

أنا متمرد وروحي شبابية

هل تعتقد أن الساحة السينمائية في البحرين مستعدة لتقبل هذا النوع من الإنتاج؟ ألا نحتاج إلى نضج هذه الساحة أولا، أم أنك تراهن على وجود تلامذة مخلصين لك سيتبنون أسلوبك؟

– قد لا أقدم فيلما آخر، فتوجهي مسرحي، لكن ما أريده هو أن أعمل فيلما يمكن أن يكون محرضا للآخرين على تقديم أفلام مشابهة، وخصوصا إذا كان هناك من يعمل بشكل جدي وواع. كل الأشياء حولنا لها حكايات ولها عوالم إذا تحاورنا معها تنفتح لنا الأمور ويمكن لنا أن نصنع من هذه الحكايات أفلاما كثيرة. يجب أن نفتح خيالنا على هذه العوالم، وهذا أعتقد أنه يقدم نوعا من القيمة للإنسان، لأن الإنسان وجد في سبيل أن يتحاور ويصغي ليثري روحه. وعلى العموم كان هناك ارتياح شديد تجاه الفيلم، وخصوصا من قبل جمهور الشباب، ربما بسبب الحركة السريعة للفيلم وتعدد عوالمه. عملت الفيلم بروح شبابية، في الواقع لاأزال أحمل اندهاش الشباب بالأشياء حولي، لاأزال أعيش حالة الشك والحيرة التي يعيشها الشباب تجاه كل ما هو جديد، ولم أفعل هنا سوى أني حاولت اصطيادها بالكاميرا.

هل يمكن اعتبار «غبار» مقاومة من السعداوي أو تمردا على ما هو موجود من محاولات سينمائية، هل هي محاولة لخط نهج جديد؟

– هي محاولة عمل فيلم لا أكثر ولا أقل. نعم، السعداوي متمرد لكن لا يوجد سينما سائدة في سبيل أن يتمرد عليها أحد، حتى الخطوط الموجودة ليست خطوطا واضحة.

ذاتية الشباب تصنع أفلاما أقوى

ما الذي يمكن أن تقدمه مثل هذه الأفلام للإنتاج السينمائي في البحرين وكيف ترى مستقبلها؟

– هذه الأفلام تعلمنا كيف نرى الأشياء ونرى ما وراءها ونخترقها ونحللها، السينما بحاجة إلى أن تثبت جذورها، والشباب بحاجة إلى أن يحملوا وعيا بهذه الحالة، لا أن يكون الأمر مجرد حماس يفتر بعد حين. يجب أن تكون هناك مثابرة حقيقية للبحث، يجب أن يكون هناك وعي بالأشياء وأن يكون للشباب مواقف تجاه واقعهم، تجاه السينما. يجب أن تكون ذاتية أي صانع فيلم موجودة في الفيلم وخصوصا الشباب الجدد على هذا الطريق الذين دخلوا عملية التوليف السينمائي وليس السينما التجارية. هؤلاء إذا تكونت لديهم ذاتيتهم الخاصة لبناء عوالمهم الحقيقية تمكنوا من أن ينتجوا أفلاما أفضل وأكثر تأثيرا.

حين سألنا السعداوي عما دفعه لإنجاز فيلم «غبار» مع المخرج والمصور التلفزيوني محمد جناحي، قال: «هو أقدر شخص على فهمي، سبق أن قدمت معه فيلما قصيرا هو فيلم الشجرة، ولمست بنفسي براعة تصويره، لم أرافقه إلى موقع التصوير، فقط شرحت له الفكرة وطلبت منه تنفيذها، وفعلا تمكن من أن يقرأ فكرتي وينفذها تماما كما في ذهني».

وواصل: «هذا الرجل يملك الكثير على مستوى التصوير والإخراج، لكن طاقته معطلة ولم يعطَ القيمة التي يعتمد عليها».

أما جناحي الذي لم يكن موجودا في البحرين حال عرض الفيلم، وحتى أثناء إجراء المقابلة مع السعداوي، فقال متحدثا لـ «الوسط» في اتصال هاتفي:

«جاءت فكرة الفيلم مصادفة، وهي تقوم على وجود شخصين يريدان صناعة فيلم سينمائي ولكن موازنتهما معدومة. الفيلم ينتمي إلى السينما الفقيرة كحال معظم الأفلام التي قدمتها، وكحال مسرحيات السعداوي، هي كذلك تنتمي إلى المسرح الفقير.

بداية التفكير في الفيلم كان حين كنا، أنا والسعداوي، في زيارة لساحل الفاتح، طبعا الساحل منطقة مهملة لكن على رغم ذلك شاهدنا أطفالا يسبحون في البحر، حينها سألني السعداوي عن أول ما تبادر إلى ذهني… هكذا جاء الفيلم».

الصدق أولا ثم الدقة

عن تصويره للفيلم وكيفية اختياره لمواقع التصوير، وهما مما يميز الفيلم، قال جناحي: «لا أستطيع التحدث عن التصوير لكني أعتقد أن الشخص الصادق مع نفسه الذي يعيش هم العمل الذي يقدمه يمكن له أن يبدع فيه، أنا أرى نفسي صادقا أكثر من كون تصويري جميلا. ربما تحريت الدقة في اختيار زوايا التصوير وهو ما أنتج مشاهد جميلة. أيضا راعينا أنا والسعداوي أن تكون حركة الممثلين واقعية جدا بعيدة عن أية حركة مسرحية على الأخص، لأننا نقدم فيلما توثيقيا، والكاميرا التوثيقية يجب أن تنقل صورة حقيقية للواقع لا أن تجمِّله.

العدد 2267 – الخميس 20 نوفمبر 2008م الموافق 21 ذي القعدة 1429هـ