السعداوي يرفض تصنيف فيلم «غبار» وجناحي يعتبره «سينما فقيرة»

منصورة عبدالأمير 

كما هو المخرج المسرحي البحريني عبدالله السعداوي دائما، مختلف بتميز، تدهشك جرأته في الطرح كما هي في الأسلوب وفي اختيار الأدوات، وكما هو، تأتي أعماله. اليوم وبعد انقطاع زاد على العام منذ آخر أعماله المسرحية «ميتروشكا»، يعود بعمل جديد أسماه «غبار». هذه المرة يأتي عمله سينمائيا، أفضل ما يمكن أن يوصف به هو كونه «سعداويا» بامتياز، «سعداوي» اللغة السينمائية، الأدوات، الوجوه والشخصيات… «سعداوي» الهم. باختصار فيلم «غبار» الذي عرض أخيرا أمام جمهور خاص بنادي البحرين للسينما هو حالة «سعداوية» جديدة تستعرض الكثير من هموم المواطن البحريني، بدءا من الفقر والبطالة وصولا إلى ردم السواحل وحقوق المرأة المسلوبة باسم القانون والتشريعات.

«الوسط» التقت السعداوي وأجرت معه الحوار الآتي:

كيف تصنف فيلمك، إذ يبدو هنا وكأننا أمام دراما توثيقية Docudrama تستخدم الكثير من ملامح التجريب. كيف تجده أنت، وهل ترى أنه من الممكن التجريب في فيلم توثيقي، أنت تمزج الخيال بالواقع، كيف تفعل ذلك؟

– لنخرج عن التصنيفات فهي ليست ذات أهمية بالنسبة إلي، فيلمي يحوي كل الأنواع المعروفة، هناك سينما تجريبية، سينما مطلقة، سينما مباشرة… وغير ذلك، وهذه ليست المرة الأولى التي أمزج فيها بين الأنواع الفنية. فعلت ذلك في أعمال مسرحية سابقة لي، كمسرحية «الكمامة» التي مزجت فيها بين الواقع والخيال، وجمعت فيها بين عدد من المدارس. وهذا الأمر ممكن على مستوى المسرح والسينما وحتى الرواية، بالإمكان اختيار دروب كثيرة بدلا من الذهاب إلى الطريق المعروف.

عملية المزج هذه بين الأنواع والأساليب تمكّن المتفرج من أن يبدأ الفيلم من أي مشهد يشاء، وسيمكنه مواصلة المشاهدة وتكوين فيلمه الخاص أو حالته الخاصة تجاه الفيلم. أنا أشبّه هذا الفيلم بمجموعة من الكلمات المتقاطعة على المشاهد أن يربط فيما بينها في سبيل أن يعمل فيلمه الخاص، هو في واقع الأمر عوالم متفرقة يجمعها خيط واحد. فيلمي يبدو كبحث على شبكة الإنترنت يقودك إلى نوافذ كثيرة كلها تنفتح على بعضها الآخر.

مشاهدي عفوية وموازنتي «صفر»

لكن هل هناك ثيمة مشتركة تربط كل هذه العوالم؟

ما أفعله هنا هو أنني كشخص يكتب رسالة ما، يضعها في زجاجة ويلقي بها في البحر، قد تصادف رسالتي أحدا ما ويقرأها، وقد لا يحدث ذلك.

– نعم، هناك ثيمة مشتركة بين عوالم الفيلم تتمثل في وجود مدينة حديثة، يجولها شخصان يفتشان في زواياها، في محاولة لمعرفة ما يدور فيها، وقد يصل بحثهما إلى دواخلهما. يفكران أحيانا بشكل عفوي فتأتي مشاهدهما عفوية كما هي في الواقع لا يحاولان إجراء أي تغيير عليها، وأحيانا تخلق المصادفة مشاهدهما كمشهد «البنك» الذي لم يكن موجودا في الأساس لكننا أضفناه في محاولة لتضمين ثيمة الحلم، وثيمة الآلة التي تتعامل مع الحلم، وثيمة وجود رفاهية في مقابل إفلاس مادي.

هل لموازنة الفيلم تأثير على اعتماد خط الفيلم وأسلوبه؟

– في الأساس لم تكن هناك موازنة، ولم نحتج إليها، كل ما احتجنا إليه هو كاميرا استعرناها من عبدالله رشدان، ثم احتجنا إلى شراء «هارد ديسك»، وهو الشيء الوحيد الذي كلفنا، إذ وصلت قيمته إلى 120 دينارا. فيما عدا ذلك لم نكن بحاجة إلى أية موازنة حتى الممثلين لم يتسلموا أجورا.

حتى فكرة الفيلم جاءت من ورشة عملية أردنا أن نقدم منها فيلما، ثم أردنا أن نعمل فيلما مكملا للفيلم. حتى أنه لم تكن لدينا أية خريطة واضحة للفيلم. لم ننطلق من سيناريو مكتوب بل من أفكار في أذهاننا.

لدينا فكرة أردنا أن نتحرك عليها ونعمل مواجهة بين الواقع الموجود في حركته وبين الفن. مشاهدنا واقعية قدمناها كما هي من دون أي تدخل في أدوات المشهد. في الواقع، أتعامل مع أدوات المشهد بحسب ما هي موجودة، أنا أشكل مشهدا مما هو موجود أمامي، والمتفرج هو الذي يتكفل بتأويله ويعمل إيحاءاته الخاصة.

أنا متمرد وروحي شبابية

هل تعتقد أن الساحة السينمائية في البحرين مستعدة لتقبل هذا النوع من الإنتاج؟ ألا نحتاج إلى نضج هذه الساحة أولا، أم أنك تراهن على وجود تلامذة مخلصين لك سيتبنون أسلوبك؟

– قد لا أقدم فيلما آخر، فتوجهي مسرحي، لكن ما أريده هو أن أعمل فيلما يمكن أن يكون محرضا للآخرين على تقديم أفلام مشابهة، وخصوصا إذا كان هناك من يعمل بشكل جدي وواع. كل الأشياء حولنا لها حكايات ولها عوالم إذا تحاورنا معها تنفتح لنا الأمور ويمكن لنا أن نصنع من هذه الحكايات أفلاما كثيرة. يجب أن نفتح خيالنا على هذه العوالم، وهذا أعتقد أنه يقدم نوعا من القيمة للإنسان، لأن الإنسان وجد في سبيل أن يتحاور ويصغي ليثري روحه. وعلى العموم كان هناك ارتياح شديد تجاه الفيلم، وخصوصا من قبل جمهور الشباب، ربما بسبب الحركة السريعة للفيلم وتعدد عوالمه. عملت الفيلم بروح شبابية، في الواقع لاأزال أحمل اندهاش الشباب بالأشياء حولي، لاأزال أعيش حالة الشك والحيرة التي يعيشها الشباب تجاه كل ما هو جديد، ولم أفعل هنا سوى أني حاولت اصطيادها بالكاميرا.

هل يمكن اعتبار «غبار» مقاومة من السعداوي أو تمردا على ما هو موجود من محاولات سينمائية، هل هي محاولة لخط نهج جديد؟

– هي محاولة عمل فيلم لا أكثر ولا أقل. نعم، السعداوي متمرد لكن لا يوجد سينما سائدة في سبيل أن يتمرد عليها أحد، حتى الخطوط الموجودة ليست خطوطا واضحة.

ذاتية الشباب تصنع أفلاما أقوى

ما الذي يمكن أن تقدمه مثل هذه الأفلام للإنتاج السينمائي في البحرين وكيف ترى مستقبلها؟

– هذه الأفلام تعلمنا كيف نرى الأشياء ونرى ما وراءها ونخترقها ونحللها، السينما بحاجة إلى أن تثبت جذورها، والشباب بحاجة إلى أن يحملوا وعيا بهذه الحالة، لا أن يكون الأمر مجرد حماس يفتر بعد حين. يجب أن تكون هناك مثابرة حقيقية للبحث، يجب أن يكون هناك وعي بالأشياء وأن يكون للشباب مواقف تجاه واقعهم، تجاه السينما. يجب أن تكون ذاتية أي صانع فيلم موجودة في الفيلم وخصوصا الشباب الجدد على هذا الطريق الذين دخلوا عملية التوليف السينمائي وليس السينما التجارية. هؤلاء إذا تكونت لديهم ذاتيتهم الخاصة لبناء عوالمهم الحقيقية تمكنوا من أن ينتجوا أفلاما أفضل وأكثر تأثيرا.

حين سألنا السعداوي عما دفعه لإنجاز فيلم «غبار» مع المخرج والمصور التلفزيوني محمد جناحي، قال: «هو أقدر شخص على فهمي، سبق أن قدمت معه فيلما قصيرا هو فيلم الشجرة، ولمست بنفسي براعة تصويره، لم أرافقه إلى موقع التصوير، فقط شرحت له الفكرة وطلبت منه تنفيذها، وفعلا تمكن من أن يقرأ فكرتي وينفذها تماما كما في ذهني».

وواصل: «هذا الرجل يملك الكثير على مستوى التصوير والإخراج، لكن طاقته معطلة ولم يعطَ القيمة التي يعتمد عليها».

أما جناحي الذي لم يكن موجودا في البحرين حال عرض الفيلم، وحتى أثناء إجراء المقابلة مع السعداوي، فقال متحدثا لـ «الوسط» في اتصال هاتفي:

«جاءت فكرة الفيلم مصادفة، وهي تقوم على وجود شخصين يريدان صناعة فيلم سينمائي ولكن موازنتهما معدومة. الفيلم ينتمي إلى السينما الفقيرة كحال معظم الأفلام التي قدمتها، وكحال مسرحيات السعداوي، هي كذلك تنتمي إلى المسرح الفقير.

بداية التفكير في الفيلم كان حين كنا، أنا والسعداوي، في زيارة لساحل الفاتح، طبعا الساحل منطقة مهملة لكن على رغم ذلك شاهدنا أطفالا يسبحون في البحر، حينها سألني السعداوي عن أول ما تبادر إلى ذهني… هكذا جاء الفيلم».

الصدق أولا ثم الدقة

عن تصويره للفيلم وكيفية اختياره لمواقع التصوير، وهما مما يميز الفيلم، قال جناحي: «لا أستطيع التحدث عن التصوير لكني أعتقد أن الشخص الصادق مع نفسه الذي يعيش هم العمل الذي يقدمه يمكن له أن يبدع فيه، أنا أرى نفسي صادقا أكثر من كون تصويري جميلا. ربما تحريت الدقة في اختيار زوايا التصوير وهو ما أنتج مشاهد جميلة. أيضا راعينا أنا والسعداوي أن تكون حركة الممثلين واقعية جدا بعيدة عن أية حركة مسرحية على الأخص، لأننا نقدم فيلما توثيقيا، والكاميرا التوثيقية يجب أن تنقل صورة حقيقية للواقع لا أن تجمِّله.

العدد 2267 – الخميس 20 نوفمبر 2008م الموافق 21 ذي القعدة 1429هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s