خلال الإعلان عن مؤتمرها الرئاسي: خليفة: البحرين أول بلد عربي تختاره منظمة الفن الشعبي

المنامة – منصورة عبدالأمير 

أعلن الأمين العام المساعد لمكتب إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التابع للمنظمة الدولية للفن الشعبي (IOV)، علي عبدالله خليفة أن البحرين هي أول بلد عربي يحتضن المؤتمر الرئاسي للمنظمة وذلك خلال 30 عاما تمثّل عمر المنظمة، مشيرا إلى أن المؤتمر الذي يعقد بشكل سنوي سوف يقام هذا العام يومي 17 و 18 ديسمبر/ كانون الأول الجاري بمملكة البحرين، وذلك بدعم من وزارة الخارجية ووزارة الثقافة والإعلام.

جاء ذلك خلال مؤتمر صحافي نظمه المكتب الإقليمي التابع للمنظمة، ومقره البحرين، صباح الثلثاء الماضي، بفندق الخليج، حضره عدد من أعضاء المجلس الرئاسي للمنظمة الدولية التابعة لليونسكو وعدد من رجال الإعلام والصحافة.

أعلن خليفة خلال المؤتمر عن إقامة المهرجان الدولي الثاني للفنون الشعبية وذلك مساء اليوم (الخميس) بالصالة الثقافية، مشيرا إلى مشاركة فرق استعراضية من الأردن ولاتفيا والهند في المهرجان الذي تدعمه وزارة الثقافة والإعلام بالتعاون مع المنظمة الدولية للفن الشعبي. ودعى خليفة الصحافيين ممن حضروا المؤتمر إلى ضرورة التعريف بالمنظمة من خلال وسائل الإعلام المختلفة، مؤكدا على الدور الفاعل والكبير الذي يمكن أن تلعبه المنظمة في حفظ ورعاية الثقافة الشعبية والتراث الشعبي غير المادي، وما يمكن أن يلعبه ذلك من دور في تعزيز التفاهم والتسامح بين مختلف شعوب العالم.

وقال خليفة أن اختيار البحرين مقرا لقيادة فروع المنظمة بأقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والذي تم في مايو/ آيار 2007 «جاء بناء على موقع البحرين الجغرافي المميز الذي يؤهلها لأن تصبح همزة وصل بين الشرق والغرب ومحطة لإلتقاء وتمازج العديد من الحضارات والثقافات وانسجام مختلف الأجناس والديانات، ولكونها بلدا عريقا اشتهر بتسامح أهله وانفتاحهم المبكر على العالم وبقدرتهم الأصيلة على إبداع الفنون»

كذلك أشار خليفة إلى اللجنة العلمية التي شكلها المكتب الإقليمي ويرأسها البروفيسور التونسي محمد النويري، الذي يشغل منصب منسق الهيئة العلمية للإقليم، والتي تقوم بدراسة الفن الشعبي في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وأفاد بأن اللجنة تصدر مجلة «الثقافة الشعبية» التي صدر منها لحد الآن 3 أعداد، وتصدر بثلاث لغات هي العربية والانجليزية والفرنسية، ويتم توزيعها في 140 دولة وذلك بالتعاون مع المنظمة.

كما تحدث عن افتتاح مركز للمنظمة بالدار البيضاء نجح في توقيع عدد من الاتفاقيات مع مراكز بحثية في مختلف دول المنطقة.

كذلك أشار خليفة إلى تأسيس فرع للمنظمة في البحرين تشرف عليه الشاعرة هنادي الجودر، كما تطرق للحديث عما قدمه المكتب الإقليمي في مجال الترويج للثقافة والتراث الشعبيين، إذ أوضح قائلا «أسسنا المكتب الإقليمي بعد الحصول على موافقة الجهات الرسمية، كما قمنا بتنظيم المهرجان الدولي للفنون الشعبية، هذا عدا عن إصدار مجلة الثقافة الشعبية، وتأسيس منتدى الثقافة الشعبية الذي استضاف 4 ندوات متخصصة في التراث الشعبي»

وقال خليفة أن جهود المكتب تأتي متناغمة مع المشروع الإصلاحي لعاهل البلاد الملك حمد بن عيسى آل خليفة، وتتخذ من مقولة العاهل واصفا الجهود في هذا المجال بأنها «رسالة التراث الشعبي من البحرين إلى العالم» شعارا لها.

من جانبها أكدت رئيسة المنظمة كارمن بديلا على أهمية التواصل بين الشعوب عن طريق الثقافة والتراث الشعبيين، كما أكدت سعي المنظمة لإتخاذ دور أكثر أهمية وفاعلية وتأثيرا في الترويج للثقافات الشعبية وتقوية التواصل بينها.

رئيس الدائرة القانونية بالمنظمة جورج فرندسن قال إن «أهمية المؤتمر الذي يعقد في البحرين تكمن في دراسته للقرارات والقوانين التي استحدثتها المنظمة للتعامل مع بعض المستجدات مثل إنشاء العديد من المراكز الوطنية في مختلف دول المنطقة تهدف للاهتمام بالفن والتراث الشعبيين لتروج لهما» مضيفا أنه «يجب علينا وضع قوانين تساعد المنظمة على التعامل مع هذه المراكز بشكل يضمن استقلاليتها ويربطها بالمكتب الإقليمي للمنظمة في الوقت ذاته» فرندسن تحدث عن تعامل المنظمة مع مختلف فروعها مشيرا إلى أن هذه الفروع «وطنية أهلية مستقلة تمول نفسها ذاتيا وهي مسجلة إما كفرق استعراضية أو مؤسسات بحثية، أما أعضاؤها فهم مسجلين كأفراد في المنظمة»

المنسق العام لدول الشمال الإفريقي نور الهدى باديس قالت إن أهمية الاجتماع تأتي من عقده في دولة عربية للمرة الأولى في عمر المنظمة، ومضيفة بأن المسئولين في المكتب الإقليمي يعملون بشكل جادٍ على إعطاء أبعاد علمية ونظرية للفن والثقافة الشعبيين وهما اللذان ظلا مهمشين لفترة طويلة.

وتطرقت باديس للحديث عن الدور الذي يقوم به المكتب من خلال الإشراف على عدد من البحوث الميدانية التي تنفذها فرق بحثية في مختلف دول المنطقة، مشيرة إلى توقيع المكتب لبعض الاتفاقيات بهذا الشأن مع عدد من الباحثين في المغرب وتونس ومصر.

ودعت باديس إلى ضرورة الدعم الرسمي للثقافة الشعبية في مختلف دول المنطقة، كما شددت على أهمية تضمين هذه الثقافة والتراث غير الماديين في المناهج التعليمية

العدد 2295 – الخميس 18 ديسمبر 2008م الموافق 19 ذي الحجة 1429هـ

 

«فضاءات» تحاور منصور سرحان: المكتبة الوطنية مركز ثقافي متكامل

منصورة عبدالأمير، حبيب حيدر 

قال مدير مكتبة الشيخ عيسى الوطنية منصور محمد سرحان، إن المكتبة الوطنية التابعة لمركز عيسى الثقافي والتي يفتتحها عاهل البلاد جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، اليوم، تحوي قاعة خاصة للمطبوعات تضم ما يزيد على 2000 رسالة ماجستير ودكتوراه قدمها باحثون بحرينيون، إضافة إلى ما يزيد على 4 آلاف مؤلف بحريني تغطي حقولا معرفية مختلفة.

وأضاف أن المكتبة التي تشكل مركزا ثقافيا متكاملا، تعتبر مكتبة إيداع لجميع المؤلفات والمطبوعات الصادرة من الأمم المتحدة، إضافة إلى المطبوعات المحلية، وأن عدد المجلدات التي تحتويها يزيد على 70 ألف مجلد، تم نقل 50 ألفا منها من مكتبة المنامة العامة التي أغلقت قبل عامين.

من جانب آخر، أفاد سرحان بأن هناك ما يزيد على 2000 مخطوطة، توثق تاريخ البحرين، موجودة لدى الأهالي، وطالب الأهالي بتسليم هذه المخطوطات إلى الجهات المعنية التي يمكن لها الاستفادة منها في توثيق وحفظ أجزاء هامة من تاريخ البحرين.

سرحان، الذي شغل منصب مدير المكتبات العامة في البحرين لفترة طويلة، قبل أن ينتقل لمنصبه الجديد، كان في ضيافة «الوسط» أخيرا للحديث عن المكتبة الوطنية، تاريخ المكتبات في البحرين، وإسهاماته في رصد وتوثيق الحركة الفكرية والثقافية في البحرين.

بداية تحدث سرحان عن المكتبة الوطنية التي اعتبرها العمود الفقري لمركز ثقافي متكامل يضم عددا من الإدارات، باعتبار مبناها يشغل مساحة كبيرة جدا تصل إلى 7 آلاف متر مربع، وقال إن المكتبة تضم قاعتين كبيرتين «قاعة للمؤتمرات وتبلغ سعتها الاستيعابية ألف كرسي، وقاعة متعددة الأغراض تسع 400 كرسي، القاعة الأولى مهيئة للترجمة لثماني لغات، فيما يمكن أن تحتضن القاعة الصغرى مختلف الفعاليات والأنشطة كما إنها مهيئة للترجمة للغة الإنجليزية.

كذلك تحوي المكتبة «غرفة للرسائل الجامعية تسمى قاعة المطبوعات الوطنية تحوي ما يصل إلى 2200 رسالة ماجستير ودكتوراه قدمها باحثون بحرينيون لجامعات محلية وعربية وأجنبية، 70 في المئة من هذه الرسائل بالإنجليزية والباقي بالعربية. كما تحوي القاعة ما يصل الى 4400 مؤلف بحريني تغطي حقولا معرفية مختلفة، عدا عن قسم آخر يضم مطبوعات دول مجلس التعاون الخليجي».

مبنى مريح وموظفون مؤهلون

وعن الجديد الذي تحويه المكتبة، قال سرحان: «الكثير، فالمبنى تم تصميمه من قبل أحد بيوت الخبرة في تصميم المكتبات، بل إن تصميم الكراسي والخزانات وكل قطع الأثاث أنجز وفق معايير دولية من قبل شركة ألمانية متخصصة في أثاث المكتبات».

وأضاف «المبنى مريح للدارسين والباحثين إذ نقلنا إليه كل المجلدات التي كانت موجودة في مكتبة المنامة العامة التي بلغ عددها 50 ألف مجلد، وأضفنا إليها 25 ألف مجلد جديدة، فما يوجد لدينا الآن في المكتبة الوطنية 75 ألف مجلد.

كذلك قمنا بتوظيف الكثير من الأشخاص المؤهلين وقمنا بتدريبهم، لدينا أكثر من 50 موظفا وموظفة، معظمهم من حملة الشهادات الجامعية، وأستطيع القول إن السيدات يمثلن 90 في المئة من مجموع موظفينا. القوى العاملة كان اختيارها موفقا، وقد قمنا بإحضار موظفينا السابقين في مكتبة المنامة وعددهم 7 وهم أصحاب خبرة طويلة، بالإضافة إلى عنصرين مهمين أحضرناهما من جامعة البحرين وهما يحملان الماجستير في علم المكتبات من أميركا ولديهما خبرة أكثر من 17 عاما، أحدهما هو رئيس الخدمات المكتبية العامة والآخر رئيس الخدمات الفنية.

ويفيد سرحان بأن موظفيه يخضعون لعملية تدريب مستمرة، «التدريب الداخلي ويقوم به الموظفون المتمكنون من أصحاب الخبرة، وتدريب خارجي يتم بالتعاون مع السفارة الأميركية، وقد تم لحد الآن تدريب الموظفين على أنظمة الفهرسة والتصنيف الإلكتروني والخدمات المكتبية العامة».

أحدث تقنيات الفهرسة والتصنيف

كذلك يرى سرحان أن المكتبة ستكون مريحة لمرتاديها بسبب «الأجهزة والبرامج المتطورة التي تم إدخالها مثل نظام الأفق للفهرسة (Horizon) وهو نظام فهرسة وبحث متطور يسهل عملية الوصول للمراجع والكتب وهو مطبق في دول مجلس التعاون الخليجي وفي كثير من المكتبات الوطنية مثل مكتبة جامعة البحرين وجامعة الخليج العربي، وسوف ننتقل بعدها إلى نظام فهرسة أكثر تطورا هو نظام السيمفوني. أيضا لدينا برنامج RFID، وهو نظام حماية لمقتنيات المكتبة».

ويضيف سرحان «هناك أيضا برامج وأجهزة خاصة للمكفوفين وضعيفي البصر، فهناك جهاز يقوم بمساعدة ضعيفي البصر على القراءة بتكبير الحروف بالقدر المريح لأعينهم، لدينا أيضا برامج للمكفوفين، بحيث يحول البرنامج كل ما هو مكتوب على الشاشة إلى مادة مسموعة، كما يطبع أي مواد تكتب على الجهاز بلغة برايت. كذلك لدينا مكتبة الكترونية تضم 14 مقصورة، وتحوي 24 جهاز حاسوب، بالإضافة إلى قسم الدائرة المغلقة أو Teleconference وسوف يكون متاحا لمن يود استخدامه من الباحثين والمتخصصين».

مكتبة المنامة وتاريخ حافل

وبشأن المكتبات العامة والإدارة التي تركها بعد سنوات طوال قال: «المكتبة الوطنية تابعة للديوان الملكي، أما المكتبات العامة فهي أمر منفصل وسوف تبقى وتنتشر وهناك مشاريع لإنشاء المزيد منها في مختلف مناطق البحرين. حين تركت إدارة المكتبات العامة كانت هناك خطة لإنشاء مكتبات في كل من الحد والسنابس والنويدرات، يفترض أنه تم الشروع في بنائها الآن.

وقال سرحان «تأسست مكتبة المنامة العامة في 1946 وكانت أول مكتبة في دول مجلس التعاون. في العام 1975 صدر مرسوم أميري لتحويلها إلى مكتبة إيداع وألزم المؤلف والباحث البحريني بأن يودع خمس نسخ من مؤلفه، أو نسخة من أي رسالة ماجستير أو دكتوراه، وفي العام نفسه اعتبرت مكتبة إيداع لمطبوعات الأمم المتحدة من معاهدات دولية أو بحوث عن التصحر أو الأمراض أو السلاح أو حقوق الانسان الى غير ذلك. كل هذا نقل الآن إلى المكتبة الوطنية لتصبح مكتبة الإيداع بالنسبة إلى الأمم المتحدة وللمطبوعات المحلية أيضا».

ويضيف «منذ تأسيس مكتبة المنامة حتى نقلها للمكتبة الوطنية، لعبت دورا كبيرا جدا في عملية التثقيف، في أيامي فيها عملنا على إحياء وتنظيم اليوم العالمي للكتاب، وهو يوم وضعته اليونسكو في مطلع التسعينيات وتعتبر البحرين أول دولة خليجية احتفلت به»

سرحان… سيرة مندغمة بالثقافة

سيرة سرحان مندغمة بالكتاب والمكتبات والثقافة في البحرين، طلبنا منه أخذنا في جولة بانورامية حول أهم إصداراته وطبيعة اهتمامه بالثقافة في البحرين وأهم المحطات الثقافية التي أرّخها، إذ بدأها بقوله: «يصل عدد إصداراتي إلى حدود 23 عنوانا وهناك 4 كتب ستصدر قريبا وهي كتاب عن الدكتور محمد جابر الأنصاري كأكبر مفكر في المنطقة وآخر عن دور المرأة البحرينية في رفد الثقافة والكتاب، كان يفترض إصداره في يوم المرأة البحرينية لكن تأخر وصوله من مركز الدراسات العربية. وهناك كتابان سيصدران في 2009 بتكليف من وزارة الإعلام أحدهما عن الشهيد عبدالله المدني والكتاب الثاني عن أحمد كمال.

بدأت رحلتي مع التأليف العام 1983 بإصدار كتاب «الكتاب والمكتبات في البحرين»، كانت بداية بسيطة تخللتها أخطاء لكني أعتز بها كثيرا. كنت في تلك الفترة رئيس المكتبات العامة في البحرين فأنا خدمت منذ العام 1963. بعد تخرجي مباشرة من الثانوية العامة وكان عمري حينها 19 عاما كنت مدرس لغة انجليزية، درّست المرحلة الابتدائية ثم الإعدادية ثم الثانوية، بعد عام واحد نُقلت في العام 1973 للعمل في المكتبة العامة».

وكما يروي سرحان فإن كتابه الأول «كان عبارة عن مقالات نشرتها في «الأضواء» وشجعني الدكتور علي محمد فخرو وكان حينها وزير التربية والتعليم على أن تجمع في كتاب، كذلك شجعني على ذلك المرحوم محمد قاسم الشيراوي».

يقول: «وثقت في هذا الكتاب بداية تأسيس المكتبات في البحرين وكانت مكتبات خاصة بدأها رجال الدين، أهمها مكتبة آل عصفور التي أسست في القرن الثامن عشر، والآن سوف يصدر لي كتاب عن دور أسرة آل عصفور في رصد الحركة الثقافية تحت عنوان «إسهامات أسرة آل عصفور العلمية في تاريخ البحرين» سوف يتطرق لهذه المكتبة وهي مكتبة مهمة جدا تنقلت بين عدة دول، من البحرين الى عمان الى العراق الى إيران إذ بقيت هناك لسنوات طوال والآن يحاول الشيخ محسن آل عصفور استرجاع مجموعة من كتبها إلى البحرين لتوضع في المركز الثقافي الذي يقوم ببنائه حاليا.

هناك أيضا مكتبة الشيح إبراهيم بن محمد آل خليفة التي أسست في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين».

أما المكتبات الخاصة فيذكر منها سرحان «المكتبة التي تأسست العام 1913 حين اجتمعت مجموعة من المثقفين البحرينيين منهم محمد علي التاجر وسعيد الشملان وقرروا إنشاء مكتبة بحرينية تكون بديلا للشباب عن المكتبة التبشيرية بالإرسالية الأميركية. كانت مكتبتهم عبارة عن «دكان» صغير في شارع الشيخ عبدالله، وبسبب الإقبال الكبير من الشباب على هذه المكتبة، قرر مؤسسوها تحويلها إلى نادٍ ليتمكنوا من القيام بأنشطة مختلفة. لكن رجال الدين في تلك الفترة ظنوا أن النادي يجلب الخراب، وخصوصا مع وجود الآية القرآنية «ويأتون في ناديهم المنكر»، لذا رفضوا الفكرة وصدر أمر من القاضي المهزع لأحد الأعضاء المؤسسين وهو ناصر الخيري بإغلاق النادي وإلا «جدع أنفه». بالفعل أغلق النادي لكن محمد علي التاجر الذي كان عضوا مؤسسا قام في العام 1923 بتأسيس مكتبته الخاصة التي يبيع فيها الكتب في شارع الشيخ عبدالله وسمح لمرتادي المحل بالاطلاع على الكتب حتى في حال عدم الرغبة في شرائها لكن على شرط أن يتم ذلك في داخل المكتبة».

راصد للحركة الفكرية والثقافية

يواصل سرحان «بعدها اتجهت لرصد الحركة الفكرية في البحرين فأصدرت كتاب «واقع الحركة الثقافية في البحرين» العام 1993 ثم تبعه كتاب «رصد الحركة الفكرية في البحرين خلال القرن العشرين» العام 2000، وأنا أعتبره أهم كتبي لأنني وثّقت فيه كل ما صدر في البحرين خلال مئة عام من الكتب والصحف ودور السينما والأندية والمراكز الثقافية المختلفة.

ثم وجدت أنه كما يوجد نقص في بيبلوغرافيا الحركة الثقافية، فإن هناك نقصا في توثيق العمل الصحافي في البحرين ولذا صدر كتابي عن الصحافة في البحرين وهو الآن مقرر على طلبة الصحافة بجامعة البحرين».

بعد ذلك قام سرحان بتوثيق تاريخ السينما في البحرين، وهو تاريخ قديم يقول عنه «دخلت السينما البحرين العام 1922 وكان ذلك أيام السينما الصامتة، كانت دار السينما حينها كوخا يحوي ألواحا خشبية تستخدم ككراسي، وكان سعر التذكرة آنتين. في كتابي هذا تحدثت عن تطور السينما في البحرين وصولا لتأسيس سيتي سنتر الذي كان العمل عليه جاريا وقت تأليفي الكتاب».

ويواصل «لديّ كتب أخرى منها كتاب عن تاريخ جمعية رعاية الطفولة والأمومة باعتبارها جمعية قديمة تأسست العام 1950، تحدثت في الكتاب أيضا عن تجربة إنشاء أول نادٍ للسيدات في البحرين العام 1953 وهي تجربة فريدة من نوعها. وعلى الرغم من أنها أجهضت منذ بدايتها إذ لم يوافق رجال الدين حينها على أن ترتاد المرأة النادي، إلا أنها تجربة مميزة ومشرقة في تاريخ البحرين الثقافي».

للصحافة تاريخها البحريني الحافل

حين سألناه عما لفت نظره في رصده للتجربة الصحافية في البحرين طوال تاريخها، بدأ سرحان حديثا طويلا عن تاريخ الصحافة وعن إسهاماتها منذ بداياتها حتى اليوم، أثنى على كل المحاولات، وعن تاريخ الصحافة قال: «الصحافة في البحرين اتخذت خطوات رائدة وخصوصا مع بداياتها في الخمسينيات، بالتحديد العام 1935 مع جريدة عبدالله الزايد التي كانت في الواقع مدعومة من قبل الإنجليز للدور الدعائي الذي تقوم به للحلفاء».

وعودة إلى الخمسينيات، يقول: «في هذه الفترة بدأت الجرائد تظهر بشكل آخر، فظهرت مجلة «صوت البحرين» وهي ذات توجه قومي عربي وكانت تطبع في بيروت وكان يسمح للأقلام الرصينة فقط بالكتابة فيها، وكانت المجلة توزع في سورية ومصر والمغرب والعراق.

في الخمسينيات أيضا وبعد ثورة يوليو/ تموز في مصر وتزايد الوعي القومي في محاربة الاستعمار صدرت جرائد مثل «القافلة» التي صدرت العام 1953 وأوقفها الانجليز بعد عام واحد فقط من صدورها لتعود إلى الصدور بعد عام آخر باسم آخر وهو «الوطن»، ثم جاءت جريدة «الميزان» ثم «الخميلة» وكانت أدبية. بعدها كانت هناك فترة توقف حتى جاءت صحيفة «الأضواء» العام 1965 ثم «صوت البحرين»، ثم توالت الصحف.

وعن ما يراه من فروق بين الصحافة في بداياتها والصحافة اليوم يعلّق «ما يحدث اليوم هو تكرار لفترة الخمسينيات من حيث كم الصحف. الفرق الآن أن عدد القراء أكثر، في الخمسينيات كانت الأمية تغزو المجتمع. كذلك دخل الآن عامل التكنولوجيا، في الأربعينيات والخمسينيات كانت سلطة المستعمر تمنع نشر بعض الموضوعات وحينها كان جميع المواطنين البحرينيين يعلمون بأمر المنع حين تصدر الصحيفة في اليوم التالي وتبدو مواقع الموضوعات الممنوعة من النشر فيها بيضاء».

المخطوطات البحرينية

تحدث سرحان أيضا عن المخطوطات في البحرين وهي التي أشار إليها في بعض كتبه، وذلك في رد على سؤال بشأن ما إذا كانت المكتبة الوطنية سوف تخصص قسما يعنى بهذا الشأن. سرحان قال إن أول من تحدث عن المخطوطات حديثا هو علي أبا حسين (مدير مركز الوثائق التابع لولي العهد) وهو من أصدر مجلد مخطوطات البحرين الذي تحدث فيه عن المخطوطات الموجودة في البحرين وذلك بناء على ما سجله ورآه من مخطوطات أثناء زيارات قام بها للأهالي في مختلف قرى ومدن البحرين».

ويتابع «في كتابي الأول تحدثت عن الكثير من المخطوطات، والآن الشيخ محسن آل عصفور يقوم بدور كبير في هذا الجانب، إذ إنه تمكن من أن يحضر مائة مخطوطة تابعة لمكتبة آل عصفور من طهران ومشهد، وسوف يعرضها في مركزه الثقافي.

أما في المكتبة الوطنية فسوف يكون لدينا قسم خاص للمخطوطات وسوف تخصص موازنة لشراء المخطوطات وخصوصا البحرينية، وأنا أعتقد أن لدينا ما لا يقل عن 2000 مخطوطة موجودة لدى الأهالي. وأنا أدعو الأهالي لإرسال مخطوطاتهم تلك للمكتبة الوطنية فهذا أحفظ لها»

العدد 2295 – الخميس 18 ديسمبر 2008م الموافق 19 ذي الحجة 1429هـ

«الوسط» تحاور الباحث البحريني حسين محمد حسين: اللهجة البحرانية مختلف عليها… وفي البحرين ثقافات لا ثقافة واحدة

منصورة عبدالأمير، حبيب حيدر 

لا يتفق حسين محمد حسين مع من يلغي نظرية وجود شعب أصيل، يرى أن نادر كاظم مبطل نظرية الشعب الأصيل ينتمي إلى مدرسة متشددة في هذا الشأن ويرد عليه كونه لا ينتمي لأي مدرسة. يختلفان لكنهما يعودان ليتفقا فزاوية انطلاقهما ليست واحدة؛ يتحدث كاظم من منظور انثربولوجي بينما يعتمد حسين نتائج جينية مختبرية لا مجال لإنكارها أساسا للدفاع عن نظريته. البدايات كانت طالبا متفوقا، ابتعثته السفارة الفرنسية لعمل كورس تدريبي لمدة عام واحد في باريس، قام بعمل بحث حول أمراض الدم الوراثية.

يختلف مع نانسي خضوري في أصل وبدايات اليهود في المنطقة لكنه يعود ليقول: «كل منّا يطلق كلامه ذاك بناء على مراجعه ومصادره»، ثم يعود ليطلق تعليقا لطيفا على الكاتبة باسمة القصاب التي ترى أن «المثليين» هم أصحاب برنامج، لكنه يعلق ضاحكا «المثلية هي إحدى سياسات الذكورة الفاشلة في مواجهة جين الأنوثة القاتل». هو حسين محمد حسين، الذي يمتنع عن وصف نفسه بالباحث، على رغم اعتماده أسلوبا علميا مختبريا للوصول الى أي نتائج تحدث عنها. يطرق خجلا حين يُسأل عن بداياته ويغفل ذكر حقيقة كونه الأعلى معدلا بين خريجي دفعته، بل إنه يردُّ ضاحكا حين يواجه بالسؤال عن تلك الحقيقة «كان ذلك منذ زمن طويل». والزمن الطويل الذي يتحدث عنه حسين ليس سوى نهايات العام 1995 حين تخرّج وحين كان هو واحدا من حملة أعلى المعدلات بين خريجي دفعته. حينها كانت السفارة الفرنسية تجري اتصالاتها مع مسئولي قسم الأحياء بجامعة البحرين باحثة عن شاب طموح يمكن أن تمنحه عاما تدريبيا كاملا في واحد من أرقى مراكز الدراسات والبحوث في باريس.

كان ذلك هو حسين وكان المركز هو المعهد الفرنسي الوطني، وكانت تلك هي البدايات.

«الوسط» التقت حسين، وأجرت معه حوارا شيِّقا، ناقشته خلاله في بعض من آرائه العلمية التي أصبحت أخيرا مثارا لجدل بين بعض المختصين.

*من طالب بقسم الأحياء في جامعة البحرين، لباحث جيني في واحد من أرقى مراكز باريس كيف حدث ذلك، كيف وقعت على هذا المجال، وكيف أخذك علم الجينات إلى تاريخ وتراث البحرين والمنطقة؟

– بدايتي كانت مع بعثة تدريبية لمدة عام واحد في أحد المراكز البحثية في باريس، قدمتها السفارة الفرنسية. كان البحث المناط بي يدور حول تشخيص أمراض الدم الوراثية، السكلر والثلاسيميا، على وجه التحديد. كان الأمر حينها بمثابة تحدٍّ لي، قُدم لي بحث لم تحسم نتائجه لسنوات، تمكنت منه خلال فترة قصيرة.

نجاحي السريع في أول مهمة قُدمت لي، أدهش مسئولي، أدخلت على برنامج ماجستير الوراثة الجزيئية من معهد الدراسات العليا التطبيقية التابع لجامعة السوربون، هنا خُيِّرتُ بين الاتجاه إلى التحليل الإكلينيكي للنتائج التي حصلت عليها او اتخاذ وجهة جديدة والتوجه لعمل تحليل تاريخي. كان النوع الأول بالنسبة لي أمرا روتينيا لا حيوية فيه، لذا اتجهت إلى التحليل التاريخي، على الأخص لأنني مغرم بالتاريخ.

من دراسة الجينات لبحوث اثنولوجية

تركزت بحوث حسين على تشخيص أمراض الدم الوراثية جينيا، ودراسة الحمض النووي وتحليله لمعرفة أنواع الطفرة التي تسبب هذه الأمراض، يواصل حسين «لدينا نوعان من أمراض الدم الوراثية هما السكلر والثلاسيميا، حين بحثت فيهما لمعرفة الطفرة التي تسببهما وجدت أن هذه الطفرة لا تأتي من عدم وأنها تورث من جيل إلى آخر. بدايتها تكون في وسط جماعة معينة، هنا كان لا بد لي من تحديد وجهة بحثي، إما الاكتفاء بالبحث الاكلينيكي أو اتخاذ منحى آخر وتحليل أصل الطفرة التاريخي. هنا وجدت أنني بحاجة إلى دراسة الخلفية التاريخية لأي مجموعة بشرية توجد فيها هذه الطفرة، وإلى دراسة تاريخ المنطقة والمناطق المجاورة لمعرفة ما إذا كانت تلك الطفرة نشأت بين هذه المجموعة أم انتقلت إليها بسبب الهجرات…

أخذني ذلك لدراسة أطوار التاريخ الثلاثة، الأول الذي يتم الاعتماد فيه على مصادر كلاسيكية، وهي مصادر تتضارب فيها المعلومات وترتفع فيها نسبة الخطأ. انتقلت بعدها للطور الثاني وهو دراسة التاريخ عبر دراسة اللغة أو اللهجة، وهي التي تمثل الحدود الداخلية لأي جماعة.

لكنني بعدها وجدت أن اللغة أو اللهجة أكبر من الحدود السياسية لأي جماعة؛ فاللهجة البحرانية، على سبيل المثال، موجودة في البحرين وفي شرق السعودية، كذلك وجدت أن اللغة لا تورث جينيا، وأنه يمكن اقتباسها عن طريق المجاورة.

هناك إذن نسبة خطأ في هذا الطور، بالطبع إذا أضفنا النتائج المستقاة عبر دراسة التاريخ باستخدام هذا الطور لتلك المتوصل إليها عبر استخدام الطور التاريخي الكلاسيكي، تتقلص نسبة الخطأ لكنها تظل عالية إلى حد ما.

هكذا أخذتني دراستي للطور الثالث لدراسة التاريخ وهو طور البصمة الوراثية أو الجينات، وهو طور تقل فيه نسبة الخطأ إلى واحد في المئة أو الألف».

السكلر والثلاسيميا… بداية الحضارات

الأطوار الثلاثة هي ما اعتمدها حسين لتشخيص أمراض الدم الوراثية، يقول حسن: «النتائج التاريخية التي توصلت إليها أثبتت أن وجود جين أو طفرة السكلر يعد من أهم العلامات لمعرفة أصول شعب ما». وجد حسين أن هذه الطفرة «نشأت مع فجر التاريخ وبدأت مع بداية المجتمع الزراعي، حين ظهرت المياه الراكدة إلى جانب الأراضي الزراعية، حيث يعيش البعوض الذي يحمل الكثير من الأمراض من بينها مرض الملاريا. هذا المرض أثر على التركيبة الوراثية أو الجينات بصورة غير مباشرة وأدى لحدوث طفرتي الثلاسيميا والسكلر وهما طفرتان يعني حملهما الوقاية من الموت بمرض الملاريا».

ويواصل حسين «نعرف إذا أن ظهور هاتين الطفرتين جاء مع ظهور الحضارة، لكن أي حضارة؟ هنا تتشعب القصة، فالسكلر موجود في مناطق مختلفة وهناك أنواع مختلفة له تختلف باختلاف المنطقة. هكذا إذا يمكن دراسة المجموعات الإثنية على أساس أمراض الدم الوراثية».

أؤمن بوجود بحرينيين أصليين

*فهل كان هذا البحث وتلك الدراسة هو ما جعل حسين يختلف مع نادر كاظم في نظريته حول التاريخ المحبوك والتاريخ المصنوع بالتأويل، وأن كل شخص يمكن له أن يؤمل التاريخ بحسب ثقافته، والأهم من ذلك آراؤه حول نفي فكرة السكان الأصليين؟

– قضية الشعب الأصلي هي قضية مختلف عليها بين الباحثين، وهناك مدارس متعددة فهناك من لا يؤمن بوجود ما يسمى بالشعب الأصلي إطلاقا، فيما يقدم آخرون تعريفا دقيقا جدا للشعب الأصلي بحيث ينطبق على جماعات معينة كالشعب الأصلي الموجود في استراليا أو غيرها من المجتمعات البدائية. لكن في المقابل هناك تعريف عام ينطبق على كم كبير من الجماعات التي تحمل أجندة سياسية مثلا في أي منطقة في العالم، مما يجعلنا نجد في هذه المناطق ما يسمى بالشعب الأصلي والشعب غير الأصلي.

لم أختلف مع نادر، هو أعلن انتماءه للمدرسة المتشددة التي لا تؤمن بوجود شعب أصيل بينما لم أعلن انتمائي لأي مدرسة. أنا أعتمد على نتائج البحوث الموجودة لدي لأنني حين أتحدث عن الشعب الأصلي لا أتحدث عن البحرين أو منطقة الخليج بل عن العالم كله، في كل دولة هناك مجموعة من الناس تزعم أنها الشعب الأصلي».

الحقيقة العلمية خير دليل

يقول حسين: «هنا نعود إلى أطوار التاريخ الثلاثة وتشخيص الجين الحامل لمرض السكلر، ما توصلت إليه، وبحسب البحوث المنشورة حول تاريخ المنطقة والاكتشافات التي توصل إليها علماء الآثار في المنطقة، فإن مرضي السكلر والثلاسيميا كانا موجودين في البحرين منذ فترة ما قبل الميلاد، وان النوع الموجود لدينا في البحرين مثلا هو ذاته الموجود في شرق الجزيرة العربية، وأن الجين الموجود هو ذاته الموجود قبل مئات السنين. بالطبع لا يمكن نفي الحقائق البحثية المختبرية، وهكذا يمكننا إثبات وجود شعب أصيل في المنطقة (…) الشعب الذي يحمل نوع السكلر الموجود لدينا هو شعب قديم.

كذلك فإن النتائج التي نشرتها وزارة الصحة والتي تبين آخر مسح لأمراض الدم الوراثية، تشير إلى انتشار هذين المرضين وسط الجماعات القروية. فلو جمعنا هذه النتائج الى النتائج السابقة التي تشير إلى وجود المرضين منذ أيام تايلوس والفترة الهلنستية في البحرين ولربما في فترة أسبق من هاتين الفترتين فما الذي سنتوصل إليه».

ويواصل «لم نسمع عن حدوث إبادة جماعية في المنطقة، بل إن كل الكتابات الكلاسيكية تتفق على ان القبائل العربية التي انتقلت للبحرين تزاوجت مع الشعب الأصيل كقبيلة عبد القيس التي أصبحت مثار سخرية قبائل شبه الجزيرة العربية حين تحول محاربوها إلى مزارعين بعد انتقالهم الى البحرين».

ثم يعلِّق «الحقيقة التاريخية يمكن إبطالها ومناقشتها، فقد ترى نفسك شعبا أصليا بينما لا يراك آخرون كذلك. لكن ما يوجد لدينا هو حقيقة تاريخية، يقويها عامل انتشار اللهجة ثم تؤكدها نتائج مختبرية».

ويضيف «ليس هناك أي باحث يمكنه رفض الحقائق العلمية لأنها محسوبة بشكل رياضي وهذا هو سر قوة علم الجينات، فالطفرة لها معدل حدوث معين أو احتمالية معينة وانتشارها بهذا الكم له معادلة رياضية».

تقارب لهجوي وتراث شفوي واحد

*قلتَ إن توظيف النتائج العلمية يختلف باختلاف الباحثين. ما هي توظيفاتك أنت للنتائج التي توصلتَ إليها وفي أي المجالات قمتَ بتوظيفها، وكيف قَوَّتْ تلك النتائج من تأييدك لنظرية الشعب الأصلي؟

– حين درست بعض المجموعات في البحرين وجدت انه لا يوجد اتفاق على كثير من الأمور بين الباحثين، حتى اللهجة نفسها. اللهجة البحرانية مثلا، ما هي أصولها، على الأخص في ظل غياب لهجة موحدة، فنحن نرى أن كل مجموعة من الناس تختار لهجة معينة تتبعها ثقافة معينة، فما يوجد لدينا ليس تعدد لهجات وحسب بل تعدد ثقافات. كل قرية لها ألفاظها، وكل جيل له لهجته، حتى في المنطقة الشرقية في شبه الجزيرة العربية وهي التي تشترك معنا في اللهجة. ما الذي جعل المجموعات تنقسم وتتعدد لهجاتها، هل يعود ذلك لما يقال حول ان البحرين كانت تحوي ما يزيد على 300 قرية، ثراء الأرض حينها جعل المجموعات تنقسم وتنعزل على نفسها وبالتالي تتعدد لهجاتها.

الآن حين تزور سترة تجد بها ظواهر «لهجوية» غير موجودة في أي مكان آخر في البحرين، وكذلك الحال مع شارع البديع أو المنطقة الغربية مثلا.

هذا التقارب اللهجوي يمكن دراسته باستخدام الأطوار الثلاثة التي تحدثت عنها سابقا بحيث يُقوِّي كل طور من استنتاجات الطور الآخر، مما يوصلنا إلى نتائج قوية لا يمكن أن تبطل. حتى التراث الشفوي المتناقل يمكن دراسته من خلال هذه الأطوار. ما يوجد لدينا في المنطقة وما يثبت نظرية الشعب الأصيل هو وجود اتفاق غريب في التراث الشفوي المتناقل، ما يعني أن هذه الشعوب كانت متجاورة منذ وقت طويل فهي كتلة واحدة من العادات والتقاليد واللهجة والتاريخ والجينات.

قلعة البحرين ليست كذلك!

*اشتغلتَ على أسماء البحرين على تعدد المراحل التاريخية، وتحدثتَ عما يسمى بالفترة الهلنستية في تاريخ البحرين. ما طبيعة هذا الاشتغال؟

– الاشتغال على أسماء البحرين كان جزءا من كتاب «البحرين في العصور الهلنستية»، وهي عصور ما قبل الإسلام الواقعة في الفترة بين الأعوام 600 قبل الميلاد الى 600 بعد الميلاد وهي الفترة التي اصطلح على تسميتها بالفترة الهلنستية. في هذه الفترة تعاقبت على البحرين أسماء كثيرة اختلف عليها الباحثون وعلى أسباب إطلاقها، كأوال وميشماهيج وغيرها. هناك بحوث كثيرة موجودة باللغة الإنجليزية وبلغات أخرى لكنها للأسف غير متوافرة للقارئ في البحرين.

الفترة الهلنستية هي فترة الديانة المسيحية في البحرين، وأنا لا أتحدث في كتابي عن تاريخ الديانة المسيحية بقدر ما أتحدث عن اللغة الطقسية السائدة حينها وهي اللغة الآرامية. وهذا البحث لم يكن استنتاجيا بل تجميعيا، إذ إنني لم أجد بحثا شاملا متكاملا حول هذه الفترة، هناك كم كبير من البحوث الفرنسية والإنجليزية لكن لا يوجد بالعربية أي بحوث مفصلة عن آثار المسيحيين في البحرين.

ويواصل «هذا البحث قادني لمعرفة وجود حصن هلنستي في موقع قلعة البحرين، وحين تنشر صور قلعة البحرين أضحك كثيرا فهذه الصور ليست لقلعة البحرين بل للحصن الهلنستي. هناك قلعتان مختلفتان لهما تاريخ مختلف وهذه المعلومة غير متوافرة للقارئ العادي، هي موجودة فقط في المراجع الأجنبية».

*يأخذنا هذا للأخطاء التي يرتكبها دارسو التاريخ، هل هناك أخطاء أخرى تعتقد أنها تؤثر على معلومات الناس وتصبح مسلمات بينما هي في الواقع أخطاء تاريخية فادحة؟

– هناك أمور كثيرة يقع فيها دارسو التاريخ بسبب عدم الاهتمام، والمشكلة لدينا أن هناك الكثير ممن يدعون أنهم باحثون في التراث والتاريخ في حين أن الباحث يجب أن يكون دارسا لمنهجية البحث، وملمّا بطريقة تقصِّي الحقائق.

أما لدينا فكل شخص يكتب مقالا في الصحيفة يطلق على نفسه باحثا، فيما لا يمكن أن تُعَدُّ باحثا في أوروبا مثلا إلا حين تنشر أوراقك في نشرات علمية محكمة من قبل متخصصين، أما المقالات التي تكتب فهي ليست بحوثا.

نانسي خضوري وتاريخ اليهود

تحدثتَ أيضا عن تاريخ اليهود في البحرين وعلّقتَ على آراء نانسي خضوري بخصوص بدء تاريخ اليهود في البحرين…

– لم أرد عليها، هي كتبت عن تاريخ اليهود في الفترة الحديثة لكن المراجع التي بحثتُ أنا فيها تشير إلى أن وجودهم قديم وبداياتهم لا تعود إلى العام 1800 كما ذكرَتْ هي، بل إنهم موجودون في البحرين منذ عصور ما قبل الإسلام وهذا أمر ثابت تاريخيا. تتبعتُ بدايات اليهود وكل ما نُشر عنهم وعن أصولهم ووجودهم على سواحل الخليج وسواحل البحرين فوجدت أنهم كانوا يتنقلون مع انتقال المركز التجاري وكانوا من كبار تجار اللؤلؤ حتى في أيام البرتغاليين وكان البريطانيون يطلقون عليهم اسم يهود البندقية.

لم ينتهِ الحديث مع حسين محمد حسين، الباحث الأكاديمي البحريني، والمتعمق في دراسة التاريخ والتراث البحريني، الحاصل على الماجستير في الوراثة الجزيئية من معهد الدراسات العليا النطبيقية التابع لجامعة السوربون، وبقي أن نقول إن بحوث حسين بدأت بثلاثة بحوث متخصصة نشرتها مجلات عالمية محكمة تدور حول التحليل الجزيئي لأمراض الدم الوراثية، لبحوث أخرى نشرتها مجلة «الواحة» السعودية، لبحوث أخرى كثيرة بعضها بدأ حتى قبل سفره إلى فرنسا من بينها معجم للحيوان تضمن أسماء جميع الحيوانات الموجودة في البحرين والخليج العربي.

لم ينشر أي من بحوثه وكتبه رغم قيمتها العلمية التاريخية العالية، ولأن حسين لا يعرف الخضوع والاستسلام لم تتوقف عطاءاته للقارئ البحريني عند ذاك، إذ قام بإعداد ودبلجة عشرات الأفلام التعليمية القصيرة التي تشرح مادة الأحياء بحسبما يدرسها طلبة الثانوية في مدارس وزارة التربية والتعليم، وهي أفلام وضعها حسين على موقعه الالكتروني الخاص، وعلى رغم أنها تحظى باهتمام كبير من المختصين والدارسين وعلى رغم أضافة وصلتها في مواقع وزارات التربية ببعض دول الخليج، إلا أنها لم تحظَ باهتمام وزارة التربية والتعليم لدينا حتى بعد اتصال حسين نفسه بالمسئولين هناك وإرشادهم لموقعه الإلكتروني.

بقي أن نقول إن حسين الحاصل على شهادة متخصصة عالية في التشخيص الجيني لأمراض الدم الوراثية من جامعة السوربون الفرنسية، لا يعمل في مركز أبحاث بحريني، ولا ينتمي لمؤسسة تؤرخ التراث البحريني، ولا يحاضر هنا وهناك، هو في واقع الأمر مدرِّس أحياء في إحدى المدارس الثانوية التابعة إلى وزارة التربية والتعليم

العدد 2288 – الخميس 11 ديسمبر 2008م الموافق 12 ذي الحجة 1429هـ

استضافه مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث يحيى الجمل: تراثنا يقوم على الملك العضوض ونحن أعداء العقلانية

المنامة – منصورة عبدالأمير 

يرى الوزير المصري السابق والفقيه الدستوري يحيى الجمل أن أزمة التخلف الحضاري التي تعيشها الأمة العربية والاسلامية تعود أسبابها لغياب روح القانون من الدساتير العربية، ولعدم اعتماد مبدأ سيادة القانون أساسا للحكم في هذه الدول العربية.

الجمل، الذي استضافه مركز الشيخ ابراهيم للدراسات والبحوث مساء الاثنين الماضي في محاضرة بعنوان «العرب والثقافة الإنسانية»، وصف معارضة بلاده بأنها ممزقة ومشتتة وأن صورتها غير سارة، وقال عن حزب الجبهة الديمقراطي الذي أسسه بالتعاون مع أسامة الغزالي حرب ومجموعة من السياسيين والمفكرين ثم تولى رئاسته، إنه مثل مصر كان أملا لحقه ما لحق غيره، أما حركة «كفاية» فقال إنها «كويسة» وأنها حركت الشارع المصري، لكنها في نهاية الأمر حركة وليست حزبا.

«الوسط» التقت الجمل خلال لقاءٍ جمعه بمحرري الشئون الثقافية في عدد من الصحف المحلية، ليتحدث عن الفقه الدستوري، روح القوانين وسيادتها، وفقه العقل في مقابل فقه الشريعة.

بداية، أوضح الجمل، وهو أحد أهم الدعاة الدستوريين في الوطن العربي، ما يقصد تحديدا بفقه القانون الدستوري، إذ بيّن أن الفقه الدستوري «يدور حول الدولة، وأركانها، وكيفية نشأتها» وأن الحديث عن الفقه الدستوري يبدأ بالحديث عن «كيفية نشأة الدساتير، وهي التي لم يعرفها العالم قبل أكثر من 250 سنة، وذلك حين بدأت الحضارة الأوروبية تتحرك نحو زيادة مساحة الحرية وتقييد مساحة السلطة. حينها وضعت الدساتير لكي تحدد سلطات الدولة واختصاصات كل سلطة، ومن يعبر عن هذه السلطات، ثم ما هي الحقوق والحريات العامة للأفراد في مواجهة هذه السلطات ثم كيف تتوازن هذه السلطات. هنا تبرز مسألة مهمة: أين موقع القضاء من سلطات الدولة، فالقضاء هو الذي يمسك الميزان، ويفصل في المنازعات التي تنشأ بين الأفراد أو بين الفرد والحكومة أو بين الأجهزة حكومية وبعضها. من هنا أيضا تبرز أهمية أن يكون القضاء سلطة مستقلة وألا تتدخل فيه أي من السلطتين التنفيذية والتشريعية.

الدستور هو الذي ينظم كل هذه الأمور، وينظم سلطات الدولة واختصاصات هذه السلطات وعملية التوازن بينها وما يسمى في الفقه الأميركي check and balance، كما ينظم حقوق وواجبات الأفراد في مواجهة سلطة الدولة.

الاتجاه الحديث يرى أن الدساتير محايدة بمعنى أن الدستور هو أداة لتنظيم سلطات الدولة، وهو في ذاته لا يتبنى وجهة نظر سياسة معينة، وهكذا يمكن وضع دستور في بلد غير ديمقراطي كما حدث في الاتحاد السوفياتي حين وضع دستور العام 1936 وفي الوقت الذي كانت البلد تعيش فيه فترة حكم ستالين الرهيبة. أما الاتجاه الأكثر حداثة فيقول إن الدستور لا بد أن يحمي حريات الناس، وأنه وجد لكي يقيد السلطة لحساب الحرية».

القوانين العربية لا روح ولا سيادة لها

من الفقه الدستوري انتقل الحديث إلى تاريخ الدساتير، وإلى روح القوانين التي تحدث عنها الفيلسوف الفرنسي، صاحب نظرية فصل السلطات، تشارلز مونتيسكيو في كتابه «روح القوانين» De l>Esprit des Lois، الذي وضعه في القرن الثامن عشر (العام 1748 تحديدا)، والذي اعتبره الجمل واحدا من أمهات الكتب في علم السياسة، كان السؤال عن الروح التي اختفت وبقيت القوانين في مختلف الدساتير.

لم يتفق الجمل مع من يعمم اختفاء روح القوانين وبقاء الشكل إذ «ينطبق هذا على بلادنا العربية فقط، إنما في كثير من بلاد الديمقراطية الحقيقية تظل روح القوانين موجودة؛ ففي بلد مثل انجلترا أو فرنسا أو السويد مع كل ما تأخذه على هذه الدول، تظل روح القانون موجودة وتظل سيادة القانون موجودة».

وسيادة القانون التي يتحدث عنها الجمل تعني «أن تتشربه العقول والنفوس وتتحرك بناء على هذا المعنى». ويستشهد الجمل على غياب روح سيادة القانون لدينا بحادثة شخصية وقعت له إبان زيارته لجامعة بولدو الفرنسية على إثر دعوة تلقاها لمناقشة رسالة دكتوراه، يقول «استضافتني الجامعة في المدينة الجامعية في بيت الأساتذة، كان الوقت صيفا ولم يكن في المدينة الجامعية أحد سواي أنا وسيدة جزائرية وشخص سنغالي. بعد الانتهاء من الورشة دعاني صديق فرنسي على العشاء وفي طريق العودة وبينما كان يقود سيارته وسط المدينة الجامعية. وصلنا للإشارة الضوئية، فتوقف صديقي عند الضوء الأحمر سألته بدعابة: لماذا توقفت،المدينة خالية ولا يوجد سوانا. حينها سألني: هل أنت جاد؟ قلت له: نعم، فعاد ليسألني: لقد تغيرت، ما الذي حدث لك، القانون يأمرني بالتوقف».

ويعلق الجمل ضاحكا: «في بلادنا إذا لم يكن هناك عسكري أو تهديد بالسجن لا توجد سيادة للقانون(…) كل أمورنا بنيت على فكرة الإكراه وليس الاختيار».

الثقافات تلتقي رغم تباينها

عودة إلى مونتيسكيو الذي قضى 20 عاما من عمره متنقلا بين حضارات وأمم مختلفة، ما دعاه لإطلاق فكرة وجود روح مختلفة لكل أمة في وضع قوانينها. دار السؤال حول إمكانية أن يقال اليوم إن قوانين المجتمعات العربية لابد أن تكون مختلفة عن قوانين الأمم الأخرى. وعلى رغم ان الجمل يرى أن «القانون نتاج اجتماعي، فالمجتمعات المتقاربة تنتج قواعد قانونية متقاربة والمجتمعات المختلفة اختلافا جذريا تنتج قواعد قانونية مختلفة، الأمر الذي ينتج عددا من الأنظمة القانونية في العالم، تلتقي في أمور وتختلف في أمور أخرى، كالنظام الأنجلوساكسوني السائد في أميركا وكندا وانجلترا والنظام اللاتيني السائد في أوروبا كلها وهناك الثقافة الهندية والثقافة الصينية وكان يفترض أن تكون هناك ثقافة عربية وشخصية عربية ونظام عربي»، وعلى رغم إيمانه بحتمية اختلاف النتاج القانوني للثقافات المختلفة فإنه يؤمن بأن «الثقافات المختلفة تلتقي في قواعد مشتركة، هناك مثلا قاعدة في القانون الروماني القديم تعني الوفاء بالعهد، وهي قاعدة موجودة في الثقافة والتشريعات الانجلوساكسونية وفي اللاتينية وفي الشريعة الإسلامية وفي كل الأنظمة القانونية»، هذه القاعدة توجد في القانون الروماني ويؤكدها الفقه الإسلامي والقرآن واضح في قوله تعالى «وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا».

إلى جانب ذلك يرى الجمل أننا «تأُثرنا بالشريعة الإسلامية وهذا طبيعي، لكن هذا التأثر خف في الفترة الأخيرة لأننا إلى جوار ذلك تأثرنا بقوانين المستعمر. على رغم ذلك بقيت الشريعة الإسلامية مصدرا أساسيا فيما يتعلق بقوانين الأحوال الشخصية، والقانون المدني مثلا(…) الشريعة الإسلامية في كثير من المؤتمرات الدولية اعتبرت مصدرا أساسيا من مصادر القانون المدني. في العام 1936 وفي مؤتمر عقد في لاهاي تم اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادر الفقه الحديث، بل إن محكمة العدل الدولية التي تتشكل على اعتبار أن القضاة فيها يمثلون الحضارات المختلفة، تضم باستمرار قاض واحد، على الأقل، يمثل الثقافة الإسلامية».

أعداء للعقلانية ونعيش عصر الخرافة

انتقل الحديث بعد ذلك الى أسباب الأزمة التي تعيشها الحضارة العربية والإسلامية، وإن كان جزء منها يعود إلى عدم تطور فقه الشريعة لدينا إلى فقه القانون، وإلى كون العقل الفقهي الشريعي الديني هو الذي يشتغل وليس العقل القانوني الدستوري.

الجمل لا يرى الأزمة تتوقف على ذلك وهو يعتقد أن «أسباب التخلف لدينا عديدة، لنواجه أمورنا بصراحة نحن مجتمعات متخلفة حين نقارن أنفسنا بالعالم. فكرة القانون وسيادته وروحه تغيب عن فهمنا وهذا ليس من تراثنا الإسلامي إنما من تراث التخلف.

الفقه الإسلامي أعمل العقل، ولذلك جاءت الاختلافات الفقهية والاجتهادات لدى أئمة الفقه الإسلامي لا حصر لها، لكن ما حدث هو أننا بعد العصر العباسي الثاني وبعد تسلط المماليك على الفقه في الكثير من البلاد العربية توقف الاجتهاد وتوقف إعمال العقل لدينا.

نحن لا نُعمل العقل وكأن بيننا وبين العقلانية عداء، على أن الدين الإسلامي هو الدين الوحيد في الأديان السماوية الثلاثة الذي أعلى سلطان العقل وحين تقرأ القرآن تجد «أفلا يعقلون»، «أفلا يتفكرون»، «أفلا يتدبرون»، «أم على قلوب أقفالها»، هذه الدعوة موجودة ربما في كل صفحة من صفحات القرآن الكريم، لكن للأسف الشديد هذا التراث وكما قلت منذ نهاية العصر العباسي الثاني توقف كله، توقف إعمال العقل(…) نحن نعيش اليوم في عصر الخرافة ولا نعيش في عصر العقل الذي يعيشه العالم من حولنا.

لسنا عبيدا للنص ولا تلغوا عقولنا

من العقل، امتد الحوار للحديث عن فقه العقل، العقل المسبوق بنص والحضارة الإسلامية التي تأتي كل اجتهاداتها العقلية ضمن نص في مقابل العقل الغربي المتحرر من النص.

لم يتفق الجمل مع من اعتبر العقل العربي غير متحرر إذ يرى أن «النص موجود لكن في فترات الازدهار في الحضارة الإسلامية والعربية كان العقل متحررا. لو قرأنا المعتزلة قراءة متعمقة، سنجد أنهم يرون أنه إذا خالف النص العقل فالعقل أولى بالاتباع، هذه مدرسة كبيرة في فقه الإسلام وفيها بعض كبار المفكرين الإسلاميين مثل ابن رشد الذي حرقنا كتبه وكل كتب المعتزلة ليترجمها العالم ويستفيد منها، وليعد ابن رشد بعدها احد ملهمي عصر النهضة في أروبا».

ويواصل «لم نكن عبيدا للنص في أي يوم، لا تلغوا العقل والتراث العربيين إذا كان النص يقول لي: لا اله إلا الله محمد رسول الله لن أعارضه، لكن بخلاف ذلك هناك نصوص كثيرة من الفقه الإسلامي مثلا فيها آراء متعددة(…) النص لدينا إذن مصدر من مصادر العقل وليس العقل كله»

لا دولة دينية في الإسلام

من هنا جاء الحديث عن الدولة الدينية وعن قوله إن «الإسلام لا يعرف الدولة الدينية، وإنما هناك دولة إسلامية طابعها مدني»، ليوضح «الدولة الدينية المرجعية فيها لرجل الدين لكن الدولة المدنية المرجعية فيها إرادة الناس وسيادة القانون. أنا ضد الدولة الدينية بمعنى أن تكون المرجعية لرجل الدين فقط. الأحزاب الإسلامية بعضها يرى أن ولاية الفقيه أمر واجب ومشروع بعضها يرى أنه يجب الرجوع أولا إلى المراجع الشرعية، وأنا أرى أن كل المراجع متاحة أمامنا وكل الفكر متاح أمامنا وعلينا ان نعمل العقل إلى أبعد المدى».

وعن التعدديات الحزبية في العالم العربي، ومستقبله في ظل هذه التعددات يقول: «العالم العربي يمر الآن بمحنة لأن العالم كله يتقدم في حين يحافظ هو، وللأسف الشديد، على تراث التخلف، لكن ذلك لا ينفي وجود بؤر صغيرة في بعض البلاد التي تحاول ويحاول الناس فيها أن يخرجوا من هذا الإطار ويدخلوا في منطقة قد تقود إلى الديمقراطية».

رؤساء سابقون في الجزائر

وبشأن استغلال السلطات في العالم العربي لحقيقة بناء الدساتير العربية على الشريعة الإسلامية باعتبارها مصدرا من مصادر التشريع أو المصدر الرئيسي في بعض الدساتير، قال «أنا مع أن تكون الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادر التشريع، لكن ما يحدث في دولنا العربية هو نوع من النفاق الاجتماعي».

لكن هذه المادة تستخدم كما يفيد الجمل «عند ما يكون ذلك في صالح الحكام ولا تستخدم عند ما يكون العكس كذلك»، ويضيف «نحن نتحدث عن الديمقراطية ونكره الديمقراطية، نتحدث عن سيادة القانون ولا نؤمن بسيادة القانون. للأسف تراثنا كله، من أيام الأمويين حتى اليوم، تراث يقوم على الملك العضوض. العالم كله فيه ملكيات وجمهوريات، نحن البقعة الوحيدة في العالم التي يوجد فيها ملكيات وجمهوريات ملكية. جمهوريات لا تنتقل السلطة فيها مطلقا إلا بالانقلاب أو القتل أو الوفاة. هذا هو النفاق والكذب الذين أتحدث عنهما، لماذا نقول رئيس جمهورية ونحن ليس لدينا جمهورية، النظام الجمهوري يقوم على تداول السلطة وحرية تكوين الأحزاب وسيادة القانون ونحن بعيدون عن كل هذا».

ويتذكر حادثة طريفة حدثت له في زيارة للجزائر يقول «كنت في الجزائر إبان احتفالات البلاد بعيدها القومي. ذهبت للسلام على رئيس الجمهورية عبدالعزيز بوتفليقة، حين حضر الرئيس رأيت شخصين يسيران أمامه، دهشت وتساءلت عمن يكونان، بداية اعتقدت أنهما من الحرس الجمهوري، لكنني حين اقتربت لأهنئ الرئيس وجدت أنهما الرئيسان السابقان أحمد بن بيلا والشاذلي القليبي. دهشت كثيرا وسألت: «ما هذا، يوجد في الجزائر رؤساء سابقون!»، وكتبت مقالا بعنوان: «تصوروا… في الجزائر رؤساء جمهورية سابقون!».

دستور «52»… أُلقي في اليم

في تعليقه على الثغرات في الدستور المصري التي بدأ الحديث عنها منذ ثورة العام 1952 ومنذ أن أعلن القائد العام للقوات المسلحة إنشاء لجنة لتكوين دستور يفترض به أن يسد كثيرا من الثغرات التي مكنت الملك من أن يتخذ من الدستور مطية لأهوائه.

يقول «كان أول شعار رفعته ثورة 1952 هو «نحن نحمي الدستور»، بلا شك كانت مقاصد الثورة عظيمة جدا وكانت تريد أن تحرر الشعب المصري من أمور كثيرة وقد نجحت فعلا في تحرير الشعب من بعض الأمور التي كانت تكبله لكن من الناحية الدستورية لم يكن الحال كذلك. في العام 1954 شكلت لجنة أعدت مشروع دستور، وأنا أقول باعتباري أستاذ قانون دستوري إن دستور 1954 من أفضل ما وضع في كل أقطار الأمة العربية وليس في مصر وحدها.

لكن ما حدث هو أن الإخوان في مجلس قيادة الثورة حين راجعوا المشروع وجدوا انه لا يعطيهم ما يريدون من السلطات فهو يوسع مساحة الحرية على حساب السلطة، فلم يرضهم ذلك فألقوا به في اليم وعملوا دستورا جديدا العام 1956 يكرس فردية السلطة وشموليتها وقوة السلطة التنفيذية وتهميش سلطة القضاء.

التعديلات الدستورية في مصر… خطيئة

ويواصل «حدث الأمر ذاته العام 1971، بداية كانت هناك خطوة تقدمية ونصوص رائعة كنص سيادة القانون وأن يكون أساس الحكم في الدولة والنص الذي يقول إن جريمة التعذيب لا تسقط أبدا بالتقادم(…) ثم أدخلت تعديلات هذا الدستور، تعد كلها، وصولا الى تعديلات 2005، ردة إلى الوراء، لأنها تزيد مساحة السلطة على حساب مساحة الحرية. بل إن التعديلات الأخيرة التي حدثت في الدستور المصري خطيئة دستورية على الأخص المواد التي لا يوجد لها مثيل في دساتير العالم جميعا والتي تنص على أن رئيس الجمهورية ينتخب عن طريق الاقتراع المباشر ثم بعد ذلك يتحدث عن إحكام موضعها الطبيعي القانون العادي ثم أحكام موضعها الطبيعي اللوائح ثم أحكام لا موضع لها وينتهي النص إلى 4 صفحات وخلاصة النص هي أنه لا يجوز أن يرشح أحد لرئاسة الجمهورية.

دولة المواطنين لا تفرق بين مواطنيها

أخيرا وصل الحديث الى مفهوم المواطنة الدستورية الذي يستند إلى مجموعة من الحقوق والواجبات، والتلاعب بهذا المفهوم من قبل الأنظمة العربية، إذ يوضح «الدولة المدنية الديمقراطية هي دولة مواطنين بمعنى ان المواطنين جميعا أمام القانون سواء، يتمتعون بالحقوق نفسها ويتحملون الواجبات نفسها، أي دولة يجري التفريق بين المواطنين على أي أساس الدين المذهب الجنس الثروة اللون لا تصبح دولة مواطنين».

المواطنة، في رأي الجمل، تقوم على فكرة الانتماء لبلد معين «ثم يأتي بعد ذلك النص الدستوري لكي يعطيني حقوقا ويفرض علي واجبات والنص الدستوري يجب أن يعطي الحقوق ذاتها والواجبات ذاتها لكل مواطن في الدولة. أما الإحساس بعدم وجود صلة بالبلد التي لا تعطيك شيئا بل على العكس تقهرك ينهي الولاء وينهي المواطنة».

يحيى الجمل

يحيى الجمل، وزير سابق وفقيه دستوري وقانوني مخضرم، أسس مؤخرا بالتعاون مع أسامة الغزالي حرب ومجموعة من السياسيين والمفكرين حزب الجبهة الديمقراطي ثم تولى رئاسته.

– يحيى عبدالعزيز عبدالفتاح الجمل.

– اسم الشهرة: يحيى الجمل.

– ولد العام 1930، في المنوفية.

المؤهلات العلمية

– ليسانس الحقوق 1952.

– ماجستير القانون 1963.

– دكتوراه القانون 1963.

التدرج الوظيفى

– معاون نيابة 1953.

– مساعد نيابة 1954.

– وكيل نيابة 1954.

– مدرس بكلية الحقوق جامعة القاهرة 1964.

– أستاذ مساعد 1970.

– أستاذ بقسم القانون العام بكلية الحقوق، جامعة القاهرة.

– عميد كلية الحقوق، جامعة القاهرة.

– وزير الدولة لشئون مجلس الوزراء ووزير التنمية الإدارية.

المؤلفات العلمية

– الأنظمة السياسية المعاصرة 1969.

– النظام الدستورى في ج. م. ع، 1970.

– النظام الدستورى المصري.

– القضاء الإداري، 1986.

– القضاء الدستوري.

– نظرية التعددية في القانون الدستوري (عدة طبعات).

– حماية القضاء الدستوري للحق في المساهمة للحياة العامة.

وله الكثير من المقالات في المجالات الأدبية في مصر والعالم العربي.

الهيئات التي ينتمي إليها

– عضو المجلس القومى للتعليم والبحث العلمى.

– عضو محكمة التحكيم الدولية بباريس.

– عضو مجلس أمناء جامعة 6 أكتوبر.

– عضو مجلس الشعب.

– عضو مجلس جامعة الزقازيق.

– عضو لجنة القانون بالمجلس الأعلى للثقافة.

الجوائز والأوسمة

– جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية من المجلس الأعلى للثقافة عام 1998

العدد 2281 – الخميس 04 ديسمبر 2008م الموافق 05 ذي الحجة 1429هـ