استضافها مركز الشيخ إبراهيم للمشاركة في ربيع الثقافة فاديا طنب الحاج: النخبوية ليست شتيمة ولا أهين تراثي الشرقي

المنامة – منصورة عبدالأمير 

فاديا طنب الحاج مغنية محترفة نادرة من نوعها تجمع بين التقنيات الصوتية الشرقية والغربية. منذ بداياتها ظهرت كعازفة منفردة، أولا مع الأخوين الرحباني وأخيرا مع فرقة ساربند الألمانية.

شاركت في العديد من الكونسرتات في معظم المهرجانات الشهيرة في لبنان وعلى وجه الخصوص المهرجان الدولي في بعلبك والمهرجان الدولي في بيت الدين.

حصلت على الجائزة الألمانية الأولى لسنة 2008 عن فئة موسيقى العالم، أما آخر أعمالها مع ساربند فهو تسجيل «الآلام العربية» في استوديوهات دار الإذاعة الألمانية الغربية في كولونيا. وهذا العمل هو عبارة عن مختارات من أوراتوريو الآلام بحسب الإنجيليين متى ويوحنا ليوهان سيباستيان باخ، وقد ترجم نصوصه إلى العربية الشاعر جاك الأسود، ووضع توزيعه الموسيقي المدير الفني لفرقة ساربند فلاديمير إيفانوف، وغنته فادية الحاج في إطار تجربة موسيقية رائدة لا سابقة لها.

مركز الشيخ إبراهيم للثقافة والبحوث استضاف فاديا طنب الحاج لتحيي أمسية موسيقية أقيمت تحت عنوان «موسيقى العصور الذهبية» وذلك ضمن فعاليات مهرجان ربيع الثقافة 2009. «الوسط» التقت الحاج على هامش زيارتها للبحرين فكان اللقاء التالي:

* منذ البداية كنت المغنية المنفردة في أي فرقة تنضمين إليها، أولا مع الأخوة الرحباني، ثم في مسرحيات لبنانية غنائية في السبعينيات، حتى حين بدأت الغناء في ميونيخ بدأت بالغناء الفردي، الآن أنت المغنية المنفردة لفرقة سارباند الألمانية؟

– نعم كنت مغنية منفردة أطلقني الأخوين الرحباني، وكنت حينها طالبة بالمدرسة لا يتعدى عمري 15 عاما. كان الرحابنة حينها يعملوا مع الست فيروز وكنت أنا عضو بالكورس لكن بعدها بسنتين بدأوا لأول مرة يطرحوا أعمال شبابية يقدموا من خلالها وجوه جديدة، وقد جاءت تلك الأعمال بشكل مستقل عن عملهم مع الست فيروز. في وقتها أخذوني وشقيقتي وعملنا كمغنيتين منفردتين في كل أعمال الأخوين المسرحية والتلفزيونية.

بعدها تعرفت على مدير فرقة سارباند فلاديمير ايفانوف وهو عالم بالموسيقى ومهتم بموسيقى الشرق عامة وبالأصوات التي تملك تقنية غنائية متأثرة بتقنية الشرق، وأنا درست أوبرا يعني غناء غربي لكني لأني تربيت في الشرق وأذناي معتادتان على الموسيقى الشرقية والغناء الشرقي فأنا قادرة على الجمع بين التقنيتين. ذاكرتي الموسيقية لها وجهان وجه شرقي وآخر غربي وهذا أعطاني صورة واتيكيت وصبغة معينة تميزت بها. واصلت الغناء بهذا الشكل لما وجدته من ترحيب كبير بهذا النوع من الموسيقى في أوروبا. الحفلات التي يكون فيها دمج بين النوعين مرغوبة فيها جدا هناك، إذ إن الموسيقى الأوروبية القديمة من القرن الثامن والقرن الثالث عشر كان فيها دمج كثير، ولذا تجد إقبالا كبيرا حين يحضر أشخاص من الشرق لا يزال لديهم تراث شرقي حي، يذكر بالتراث الغربي الذي كان موجودا في تلك الأيام.

* الجمع بين التقنيات الصوتية الشرقية والغربية، معادلة صعبة كيف تمكنت من إتمامها، ألا تتداخل الألحان والنوتات بالنسبة لك ، هل تفصلين بنيهما، تدمجينهما؟

– ما أغنيه في الأغلب سواء ما سأقدمه بمركز الشيخ إبراهيم أو ما أقدمه عادة مع فرقة سارباند ليس غناء أوبرالي. التقنية الصوتية تشبه كثيرا الطريقة التي نغني بها في الشرق وفيها مساحة للارتجال كما أني لا أستعمل تقنية الصوت الرأسي الموجودة في الغناء الأوبرالي. هنا حرارة أكثر في طريقة الغناء، كما أن الأرابيسك في الغناء أو التزيينات التي يتم عملها في الصوت هي ذاتها الموجودة في الغناء الغربي القديم.

* أحدهم علق على خبر عن غنائك لأوبرا بألحان باخ بأن أعاب عليك الغناء الأوبرالي باللغة العربية وقال إنك لو استمعت للتراث العربي الأصيل لما فعلت ذلك وإنك تنكرت للمقامات الشرقية. في المقابل قرأت لك تعليق أو توقيع على صورتك كتبت فيه أنا أمرأة شرقية وفرحتي كبيرة أن انتمي لثقافة هذا الشرق ودفئ أهله؟

– إذا كان غنائي تنكرا للشرق، فأظن أنه يجب على الشخص الوفي للغة العربية ألا يتعلم أي لغة أجنبية، يجب أن يكون منغلق على نفسه ولا يعرف سوى حضارته وموسيقاه. أريد أن أوضح نقطة، حين أغني باخ أغني بتقنية كلاسيكية لكنه ليس غناء أوبرالي. الأوبرالية فقط في العمل الموسيقى إذ إن هويته هوية عمل أوبرالي فيه قصة مثل المسرحية الغنائية وهي خالية من الحوارات، كلها مغناة. الأوبرا هي عمل يدور حول قصة لا علاقة لها بالدين، وأعمال باخ أكثرها أعمال دينية، فهو موسيقى يتلقى أجرا من الكنيسة ولذا حين أغني باخ فأنا لا أغني أوبرا باخ.

وأنا بالفعل أعتبر أنني بنت الشرق، ومهما عشت في الغرب وتعاطيت مع الأوروبيين والأجانب تظل هويتي الشرقية عزيزة على قلبي بكل ما تعنيه من لطف وحرارة إنسانية وإيجابية في التعامل وكرم وعزة نفس.

* عملية المزج، ما الذي تضيفه للتراث الموسيقي العربي، وما الذي يمكن أن يعطيه هذا التراث الى الغرب؟

– النظام الموسيقى الغربي كان نظام بدائي في القرون الوسطى وحتى نهاية القرن الرابع عشر، في مقابل نظام الموسيقى الشرقية الذي كان متقدما جدا على النظام الغربي ولذلك حين جاء زرياب عالم الموسيقى الشرقي من بغداد إلى قرطبة وأحضر كل معرفته إلى الأندلس عمل نهضة رهيبة هناك. لفترة زمنية معينة كان يمكننا قول ذلك، لكن جاء وقت كان للموسيقى الغربية نهضتها وتقدمها الموسيقي. هذا لا يعني أنهم أفضل منا بل إنه لا يمكننا المقارنة فنحن لدينا أكثر من 48 مقاما، فيما لا يوجد لديهم سوى مقامين. نظامهم وكتابتهم الموسيقية عمودية فيما كتابتنا أفقية ولذا فالنظامين لا يتناقضان بل ربما يكملان بعضهما. اليوم ونحن في عصر العولمة نجد أن الكثير من المؤلفين الغربيين يستعينوا بمؤدين شرقيين أو يطلعوا على النظام الموسيقي الشرقي. هم يرون أن ما يأخذوه منا يشكل إضافة لهم، فلماذا نرفض نحن أن نأخذ منهم.

حين أدمج النوعين لا أقصد أن أهين تراثي ولا أجرحه، تراثي له حراسه وأنا أعتبر أنه أعطاني وعلمني الكثير. الآن هناك من يحضر أغاني البوب من أميركا فتمتلئ المدن الرياضية بمن يصفق لهم فلماذا حين يقدم الأمر ذاته على مسرح وفي إطار ثقافي لحضور لا يتجاوز 300 شخص ويعمل دمج بين الشرقي والغربي يقال له أنت تؤذي تراثنا.

* لكن ألا يجعل ذلك ما تقدميه محصور على طبقة معينة، ربما هي طبقة النخبة، ما يجعلك نخبوية؟

– النخبوية ليست شتيمة، أنا لم أختر الجمهور النخبوي، فقط اخترت ما يناسبني وجاءت نتيجته بالصدفة نخبوية، لكن لو خيرت بين أن أقدم حفلة أمام 2000 شخص في صالة كبيرة أقول أني أتمنى ذلك وسوف أحاول أن أقدم برنامجي بما يتناسب مع شريحة عريضة، فما أقدمه إلى 300 شخص في صالة صغيرة مثل قاعة محاضرات يختلف عما سأقدمه على مسرح لألفي شخص فما قدمته في مهرجان بعلبك وفي مدرج ضخم كان مختلف عما أقدمه في ألمانيا وفي أوروبا أو ما أقدمه هنا.

* بررتي غيابك عن وسائل الإعلام بأن «الحلقة المغلقة التي يتعاطى معها الإعلام ليست حلقتك» ماذا تقصدين بهذا الكلام، وعن أي حلقة مغلقة تتحدثين؟

– أعترف أن حضوري في بعض وسائل الإعلام سابقا حين بدأت مع الرحابنة في تقديم الفن المتداول والسهل الممتنع الذي تسمعه كل الناس كان حضوري واضح ومثل أي شخص آخر، بل ربما إن كثيرين ممن تسمعين بهم الآن لم يولدوا أصلا حينها. حضوري كان موجودا بالإعلام ولكن لا ننسى أني غبت عن لبنان عشر سنوات في فترة الحرب، سافرت وتخصصت وعملت فترة في الأوبرا والإذاعة الكلاسيكية في ألمانيا وعملت مع فرقة سارباندا وعملت مئات الحفلات. أنا أعتبر أني فتحت لنفسي خط لا يشبه الخط الموجود لا في لبنان أو الوطن العربي لكن بالطبع حين عدت إلى لبنان عملت افتتاحية جديدة لعملي بمهرجان بعلبك، كتب عن حفلة واحدة قدمتها في بعلبك ربما 40 مقالة وكان ذلك في الصحافة اللبنانية المحلية لأن الصحافة العربية لم يكن لها حضور وخصوصا أن ذلك كان مع إنتهاء فترة الحرب.

بعد ذلك كانت هناك تغطيات إعلامية لأعمال قدمتها في الأعوام 2000، 2001 و 2005 لكن لأن كل شيء أقدمه هو ذو طابع ثقافي، بالطبع لن يجعل ذلك من أخباري مادة مرغوبة لمجلات الفضائح لكنك ستجدين أخباري في أهم صحيفة لبنانية وهي النهار التي تتابع أخباري وتكتب عني باستمرار. ما أتمناه فعلا هو أن أوصل دعوتي ولا أريد ان أستخدم كملة مبالغ فيها، لكن لنفترض أنني أريد أن أقدم دعوة للثقافة، لن يمكنني أن أحصل على كل شيء، وأنا لا أقدم ما يدفع بأن تعلق صوري على جدران المباني، لا يتناسب ذلك مع ما أقدمه. بل إنه حتى اسطواناتي التي سجلتها بألمانيا لا أضع صورتي على غلافها.

ربما لسنا معتادين في لبنان على أن يكون للفن «جوارير»، جارور الثقافة وآخر للترفيه وثالث لموسيقى العالم وموسيقى الجاز وهكذا. المعيار الذي يحكم به على الفنان لدينا هو كونه مشهور أم لا، أما في الغرب فالتقسيمات في هذا المجال واضحة. لا أشعر أني مظلومة فأنا اخترت ذلك وسوف يكون مكاني خطأ إذا وجدت صورتي في كل مكان.

* مشاركتك في سوبر ستار، كيف جاءت، صحيح هي صنعت لك شعبية، لكن ألا تجدينها تتعارض مع توجهاتك النخبوية؟

– هذا سؤال مضبوط وصحيح كثيرا، في الحقيقة حين طلب مني الياس الرحباني المشاركة في البرنامج ترددت فأنا لا أجد نفسي في هذا البرنامج، شجعتني شقيقتي التي كانت ترى أنه برنامج «مرتب، وبيطلع أصوات محترمة» وقالت ربما يكون هذا وجه من وجوهك، ولن يؤثر على ما تقدميه. وافقت ولم أكن قد شاهدت حلقة واحدة من البرنامج حتى إنهم عملوا فيّ مقلب حين أحضروا أحد من ربحوا في نهائيات العام السابق ليتظاهر بأنه مشترك جديد.

الحقيقة هي أن حصيلة مشاركتي في البرنامج كانت جيدة بالنسبة لي من ناحية إعلامية، إذ لا يمكنني أن أبقى في برجي العاجي وأتعالى على كل ما ينتشر بين الناس شعبيا. أعتقد أن تجربتي كانت ناجحة ونادرا ما التقيت بأحد حتى من المعارضين لدخولي البرنامج إلا وأكدوا كونها مشاركة جيدة.

شكلت فرقة موسيقية ثلاثية مع أختيك تحت اسم (الثلاثي الشرقي «TriOrient») بهدف ترجمة الأغاني اللبنانية التقليدية والتراثية والأغاني الشرق أوسطية مع الآلات الموسيقية وبدونها بطريقة منسجمة أو بتعدد الأصوات. ماذا تقدم هذه الفرقة للتراث الموسيقي العربي، ما هي إسهاماتها في نقل الأغاني اللبنانية إلى لغة أخرى، هل تفقد هذه الأغاني شيء من خصوصيتها وجمالها وأصالتها حين تنقل؟

– ما نقوم به ليس ترجمة بل إعادة صياغة موسيقية لهذه الأغاني بشكل يجعلها تتناسب مع تركيبة 3 أصوات نسائية، ونحن لا نغني ككورس بل كثلاث أصوات مختلفة. نعمل إعادة لكتابة التوزيع لهذه الأغاني الكلاسيكية الشرقية القديمة التي تعتبر من التراث الموسيقى الشرقي حتى لو كان تراث حديث تابع للقرن العشرين. من دون إي إدعاء يمكن أن نقول أننا نقدم إضافة.

* ما هي موسيقى العصور الذهبية، ما هي أصلا العصور الذهبية للموسيقى، تتحدثين عن عصر ذهبي للموسيقى أو عن موسيقى هذا العصر الذهبي؟

– «كله سوا» كان هناك نوع من الانفتاح الحضاري وذهنية جيدة للتعايش بين الأديان الآن كل بلد متعصب على دينه وكل طائفة تعادي الأخرى ومتعصبة ضد الأخرى. أتباع الديانات السماوية الثلاث كانوا متعايشين مع بعضهم في أحلى فترة بالتاريخ بشكل سلمي لأنه كان هناك ملوك مؤمنين بأن هذا التعايش يشكل إثراء لهم وأنهم إذا تمكنوا من احتواء الجميع في جو سلمي وديمقراطي خالٍ من التشويش والأجواء المشحونة بالانفعالات السلبية بين الطوائف والحضارات واللغات، فإن ذلك سوف يعود عليهم بالنفع. أنا أعتبر أنه على كل الأصعدة كانت تلك عصور ذهبية إذ كان جل الطموح لدى الحكام أن يروا مختلف الإثنيات والأعراق تعيش مع بعضها بصدق وتتفاعل مع بعضها. هكذا يقول التاريخ وأنا أعتقد بأنه بكل تأكيد هناك جانب من الصحة في هذا الكلام.

العدد 2393 – الخميس 26 مارس 2009م الموافق 29 ربيع الاول 1430هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s