من السعداوي إلى «الهيب هوب»… ليس سوى الإحباط

منصورة عبد الأمير

ثمة محطات ذات طابع ثقافي خاص استوقفتني خلال الأسابيع الماضية، دفعتني للعودة لكتابة هذا العمود من جديد! لم تفرز تلك المحطات قضايا يمكن الكتابة عنها بصورة موسعة بعد، ربما لأن معطياتها لم تكن كافية، لكنها أثارت أفكارا ومشاريع لقضايا ذات طابع خاص، فجميع تلك المحطات، وبغرابة شديدة، تنحو منحى واحدا وتقدم الرسالة ذاتها، فقط تتغير الوسيلة ويختلف الأسلوب.

أول تلك المحطات جاء مع أمسية خاصة أقامتها الوسط للمخرج عبدالله السعداوي عرضت خلالها فيلمه الأخير «غبار». الفيلم يلامس عددا من قضايا الشارع البحريني مثل الفقر، ردم السواحل، العولمة وضياع الهوية، العنف ضد المرأة وقانون الأحوال الشخصية، اضطرابات الشارع الأخيرة، البطالة، التفاوت الطبقي في البحرين وغير ذلك.

قد تتوه في بعض المشاهد لكنك بكل تأكيد ستخرج بكم من الألم وربما الغضب على واقع يأتي الفيلم ليقدمه دون رتوش أو مداراة لأي طرف.

المحطة الثانية كانت عبر عمل مسرحي شبابي، قدمه طلبة معهد البحرين للتدريب تحت عنوان «مشكلة منسية» لكنه في واقع الأمر ناقش عددا من مشكلات الشباب.

مرة أخرى، وعلى رغم كون العمل كوميديا بالدرجة الأولى، إلا أن المتفرج يخرج بكم هائل من الألم، ويستشعر كما أكبر من الإحباط يعيشه هؤلاء الشباب. إحباط بسبب الفقر، البطالة، عنف الشوارع، المخدرات، والتفكك الأسري.

ثالث المحطات كانت ملف صوتي، استقبلته على هاتفي النقال، كان عبارة عن أغنية هيب هوب جاءت على لسان عدد من الشباب البحريني. الأغنية بقدر ما تحمله من ظرافة وخفة ظل وبراعة في الأداء، جاءت معبرة هي الأخرى عن حال شديد من الإحباط والغضب.

تحدثت عن الرواتب الهزيلة، الصفقات الفاسدة لأصحاب الأملاك، التفاوت الطبقي الفاحش، البطالة والشباب العاطل، الخدمات الصحية السيئة وأكثر من ذلك.

في فيلم السعداوي يموت العجوز الذي يأبى إلا أن يواصل عمله في غسل السيارات ليكسب قوته وقوت عياله. ولأن الفيلم ليس دراميا ولا مفتعلا بل تصوير توثيقي واقعي، يموت العجوز حقيقة وقبل أن يتم السعداوي قصته معه.

في مسرحية الطلبة يتجه الشاب الذي بدا مثاليا للمخدرات، لم يبقَ أمل في نفوس هؤلاء الشباب، كل ما حولهم لا يبعث إلا على اليأس والإحباط فلماذا لا ينتهي بطل مسرحيتهم مدمنا. لماذا لا يكون متصنعا صاحب شعارات، أليس مجتمعهم كذلك؟

الهيب هوب البحريني وعلى رغم ملامسته لكل تلك الجروح، يعود ليخبرك أن من قدموه هم فرقة الفايس بوي Vice Boy . اسم يجعلك تتوقف عند مدلولات اختياره، من يناقش تلك المشكلات ويتحدث عنها ومن يحمل ذلك الكم من البراعة في تقديم تلك الكلمات والألحان ليس «فايس بوي»، إلا إذا كان للكلمة معنى آخر غير ما توارد إلى ذهني، أو أن تكون بلا دلالات، وذلك ما أشك فيه فمن قدم تلك الأغنية لا يمكن أن يكون قد استعار الاسم دون فهم مدلولاته. لا أقرأ الأمر إلا على أنه إحباط من نوع آخر!

العدد 2407 – الخميس 09 أبريل 2009م الموافق 13 ربيع الثاني 1430هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s