«مسجون ترانزيت»..خيالي، غير منطقي، مليء بالمبالغات… لكنه مقنع

منصورة عبدالأمير 

ليس مهما أن تكون حوادث أفلام المخرجة المصرية ساندرا نشأت واقعية أو منطقية أو مقنعة. وليس مهما أيضا أن تفتتح المخرجة آخر أفلامها «مسجون ترانزيت» بعبارة تؤكد فيها أن حوادث فيلمها ليست مستقاة من وقائع حقيقية مخلية بذلك نفسها من مسئولية أي تشابه بين قصة الفيلم وأي حوادث واقعية. ليس مهما أيضا أن يبدو استخدامها لتلك العبارة متناقض مع ما هو معروف عن أفلامها من لا منطقية ولا ترابط وهما بكل تأكيد سمتان لا تمتان للواقع بأية صلة في أغلب الأحوال.

لا يهم هذا أو ذاك، ما يهم فعلا في هذه الأفلام هو كونها مقدمة برؤية إخراجية تحمل الكثير من التميز والاختلاف على مستوى السينما المصرية المعاصرة على الأقل.

هذه الرؤية وهذا التميز لا ينحصران في فيلم نشأت الأخير فقط وهو موضع مقالنا اليوم، بل يمكن ملامستهما في أغلب، إن لم يكن جميع، ما قدمته نشأت من نتاج سينمائي، وهو ليس كثيرا، بدأ مع مطلع التسعينيات في «مبروك وبلبل» وانتهى في العام الماضي بالفيلم موضع حديثنا «مسجون ترانزيت».

منذ بدايتها برزت موهبة نشأت الإخراجية، أول أفلامها الروائية الطويلة «مبروك وبلبل» حاز عددا من الجوائز، وعلى رغم كل ما قيل من لا جديته سواء على مستوى الإخراج أو الأداء أو حتى النص، أو تحيز بعض الجهات له من باب تشجيع التجارب الإخراجية الأولى، رغم ذاك يظل هذا الفيلم علامة مميزة في تاريخ هذه المخرجة.

بعدها قدمت نشأت عددا من الأفلام الأخرى المميزة منها «حرامية كي جيه 2» و «حرامية في تايلند» و»ليه خليتني أحبك»، لكن لعل العلامة الفارقة في تاريخ نشأت جاءت مع فيلم العام 2005 «ملاكي اسكندرية»، الذي يمكن اعتباره أول بشائر تألق هذه المخرجة. مرة أخرى، وعلى رغم الانتقادات الموجهة للفيلم بلا ترابط أحداثه ولا منطقيتها وربما احتواءه على بعض الهفوات الإخراجية، عدا عن اتهام الناقد الشهير طارق الشناوي لمؤلف الفيلم وائل عبدالله بأخذ أو سرقة أو اقتباس قصة فيلم ملاكي اسكندرية من الفيلم الشهير «Final Analysis» لريتشارد غير وكيم باسنجر. رغم ذاك لا يمكن إنكار أن نشأت وعبدالله قدما في ذلك الفيلم ما لم يقدمه سواهما من المؤلفين والمخرجين المصريين في مجال الأكشن والإثارة، وخصوصا إذا علمنا أن ذلك الفيلم شكل تجربة الكتابة الأولى لعبدالله، والرابعة على مستوى الإخراج لنشأت.

نشأت من جانبها، أثبتت قدرة عالية على تقديم أفلام ذات مستوى إخراجي عال ينم عن دراسة وتدريب عاليين ربما، وعن موهبة خلاقة تسبقهما بكل تأكيد، سواء أكانت تلك أفلام رومانسية كما في «ليه خلتني أحبك»، أو كوميدية مثل «حرامية في تايلند» أو أكشن وإثارة كما في «ملاكي اسكندرية».

ولعل أهم ما يميز أفلام نشأت هو سيناريوهاتها المحبوكة بشكل جيد، وقصصها غير الاعتيادية، وربما غير الواقعية. حواديت أفلامها تشبه إلى حد كبير حواديت أفلام الأكشن الأميركية التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون مستقاة من أي واقع، لكن رغم كل شيء يجد المتفرج نفسه، أمام جودة تلك الأفلام سواء على مستوى النص أو الإخراج أو الأداء، مجبرا على أن يغفر لا جدية الحدوتة أو لا منطقيتها بل وحتى لجوءها للخيالات والمبالغات في بعض الأحيان.

وهي هنا في فيلمها الجديد «مسجون ترانزيت» الذي يعرض حاليا بسينما الدانة، تثبت الأمر ذاته وتعود مرة أخرى إلى أفلام الأكشن والإثارة التي تبدو متمكنة منها إلى حد كبير. يشاركها هذه المرة بطلها المعتاد أحمد عز، ومهما تكن أسباب هذا التعاون المستمر بين الاثنين، إلا أنهما يشكلان معا ثنائيا ناجحا لدرجة كبيرة. عز يبدو دائما مختلفا في أفلام نشأت عما هو عليه في أعماله الأخرى. نشأت تمكنت من أن تخرج طاقة هذا الفنان، وتبعد عنه صورة النجم الوسيم الذي لا يصلح سوى للأدوار الرومانسية، والأهم من ذلك استطاعت أن تنسي المتفرجين الدور الذي لم يقدم له الكثير والذي عرفه الجمهور من خلاله أولا في الفيلم الشهير «مذكرات مرهقة» للمخرجة إيناس الدغيدي.

عز هنا ليس هو الذي شاهدناه هناك، نحن هنا أمام فنان قادر على أن يقدم أدوارا مركبة، ويتقمص شخصيات تحمل من الخير كما هو من الشر، شخصيات لا يمكن للمتفرج أن يحدد موقفه منها بسهولة، تماما كما لا يمكنه فعل ذلك أمام حبكات أفلام نشأت جميعها، وتلك في واقع الأمر مهارة وبراعة كبيرة لا يتمكن منها الجميع. لعله تفاهم وكيمياء «في العمل» بين عز ونشأت، ولعلها براعتها الإخراجية الفائقة التي تلقى بظلالها على كل طاقم عملها بدءا من أبطال العمل ونجومه وصولا لجميع الفنيين ومهندسي الصوت والإضاءة والمصورين. لا يهم، المهم أن أحمد عز وساندرا نشأت يشكلان ثنائيا متكاملا بارعا ناجحا يقدم أداء عالي الجودة.

عودة إلى كاتب قصة الفيلم وائل عبدالله، أجد أنه ليس من الإنصاف أن ينسب فضل تميز الفيلمين «مسجون وترانزيت» و «ملاكي اسكندرية» لنشأت. عبدالله في واقع الأمر هو من قدم الأساس لهذين العملين، رغم كل ما يقال من «سرقته» لأفكار أفلام أجنبية، فيلم ريتشارد غير أولا والآن فيلم مكسيكي لم يحدد اسمه بعد في هذه المرة. مهما يكن من أمر فعمل عبدالله متقن ونصوصه جميلة ومحبوكة بشكل جيد، ثم إن الاقتباس أمر ليس مستهجنا في الأعمال الأدبية والفنية، كما لا يمكن الجزم بنقاء أي عمل أدبي وخلوه من أي اقتباس، كل الأعمال تستقي أفكارها من بعضها الآخر، المهم في عملية التجميع والصياغة والحبكة الجيدة.

عبدالله يقدم عز في هذا الفيلم في شخصية مركبة أخرى تشبه شخصية المحامي التي قدمها في ملاكي اسكندرية. هذه المرة هو علي، اللص البارع في فتح الخزائن الذي يحوله سوء حظه، ولعله حسن حظه، إلى عبدالرحمن رجل الأعمال الثري ورب الأسرة المحب. مرة أخرى لا نعرف إن كان عز ضحية من حوله أم شريكا في مؤامرتهم، وكما خدعته غادة عادل في ملاكي اسكندرية، يخدعه الآن نور الشريف ويدمر حياته تقريبا.

يأخذه حظه السيئ للسجن، ومرة أخرى لا يمكنني الجزم إن كان ذلك حظا سيئا أم العكس. هناك يلتقي بعقيد «نور الشريف» يجنده لحساب المخابرات المصرية ويحوله من لص خزائن لبطل قومي ويحوله إلى ما أسماه «مسجون ترانزيت». وفيما يتم التخطيط لأولى عملياته الفدائية ومن ثم تنفيذها، تبرع المخرجة مرة أخرى في أن تغوص للحظات في ذاكرة المتفرج وتعود به لبعض الأعمال الوطنية السياسية التي قدمتها السينما المصرية. يبدو حينها وكأننا أمام فيلم جاسوسية غير مبتكر، على الأخص حين يعود نور الشريف للظهور في حياة عبدالرحمن مهددا استقرارها طالبا منه القيام بعملية أخرى من أجل مصر. للحظات يبدو قرار الدخول لهذا الفيلم غير صائب، فهذه اللقطات وهذه المشاهد سبق وأن شاهدناها وحفظناها عن ظهر قلب من كل أفلام ومسلسلات السينما والدراما المصرية التي قدمت قصص عملاء المخابرات المصرية في «إسرائيل» عبر سنوات طويلة.

لكن ذلك الشعور يتلاشى حين نكتشف أن عبدالله مارس ذات الدور الذي مارسه نور الشريف الذي لم يكن سوى مزور محتال يدعى عادل رأفت، مع علي الذي تحول لعبدالرحمن والذي خدع الجميع بإخفاء ماضيه. عبدالله أيضا يوهمنا أننا نتفرج على فيلم جاسوسية، ويجعلنا نعيش تفاصيل بطولية مع عز الذي يغتال ضابط مخابرات إسرائيلي شهير. نشأت بالطبع تشارك في عملية الخداع حين تستخدم تكنيك مألوف لتصوير هذه المشاهد شاهدناه كثيرا في أفلام الجاسوسية والبطولات الوطنية، نراها تهتم بتحديد التواريخ والأوقات واختيار الموسيقى الملائمة وحركات الكاميرا المعروفة والوجوه المألوفة وكل ما سوف يقفز على أذهانكم الآن من كلاشيهات تلك النوعية من الأفلام. النتيجة هي أننا نعيش الحدث، نقتنع به، رغم لا منطقية تفاصيله، يستثير أعصابنا، ويجعلنا نقف على أطرافنا خوفا وهلعا وربما تتردد في أذهاننا ألحان وطنية ثورية عديدة ونحن ندعو من الأعماق بالتوفيق لعز في مهمته الوطنية النبيلة تلك!!

يضللنا وائل وساندرا مرة أخرى حين يلقيان بنا وسط دوائر متداخلة من الخداع والنصب والاحتيال والكذب. يخدع نور الشريف أحمد عز «عبدالرحمن»، ويخفى عبدالرحمن حقيقة ماضيه عن زوجته، ثم يخدعه مدير مكتبه. وتستمر أحداث الخداع ويبدو كأننا في سلسلة لا تنتهي من الكذب والخداع، خداع يشبه ذاك الذي تعرضنا له كما تعرض له بطل فيلم «ملاكي اسكندرية»، وهو خداع لم يمكن للمتفرج غفرانه لغادة عادل رغم كل الظروف التي أجبرتها على ارتكابه، لكن يتم تعويضنا خيرا حين يتم القبض على غادة وتودع السجن، هذه المرة يأتي تعويضنا على حساب أحمد عز الذي يودع السجن رغم وقوعه ضحية لألاعيب نور الشريف!

الجميل في الفيلم هو أننا حتى اللحظة الأخيرة لا يمكننا أن نقرر ما إذا كان أحمد عز خيّرا أم شريرا، ما إذا كان يستحق السجن أم لا. نخرج من الصالة مسترجعين تلك الجمل القانونية التي علمها نور الشريف لأحمد عز في أحد مشاهد الفيلم ونظل نتساءل هل كان عز محقا في ما فعله، هل يستحق العقاب فعلا، هل هناك ثغرة قانونية يمكن أن ينفذ من خلالها عز!!

التساؤل الأخير الذي يظل ملحا هو لماذا اتهمت ساندرا نشأت ووائل عبدالله بالتلاعب على في عقول المشاهدين والضحك على ذقونهم بعد فيلم «ملاكي اسكندرية» وبكل تأكيد بعد فيلم اليوم، وهما ربما يبدوان من قلائل من قدموا فيلما يحترم تفكير مشاهده، يقنعه حتى بلا منطقيته، يبرر تلك اللامنطقية …. فيلم يستحق المشاهدة!!

العدد 2463 – الخميس 04 يونيو 2009م الموافق 10 جمادى الآخرة 1430هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s