البطاطس والتصحيح السياسي

منصورة عبد الأمير

لا تزال بعض المطاعم الأميركية تفضل الإشارة إلى طبق البطاطس المقلية «الفرنش فرايز» على قوائم الطعام لديها باسم بطاطس الحرية «فريدوم فرايز»؛ بل إن أحد المطاعم في أوكلاهوما يبالغ في الأمر حين يضيف عبارة تصف الطبق بأنه «النسخة الأميركية لتقليد فرنسي».

العبارة «دمها خفيف» إلى حد ما لكنها تكشف الكثير من الأمور، تستدعي بكل تأكيد الحملة «الشرسة» التي قادها المحافظون في الولايات المتحدة العام 2003 ، وعلى رأسهم نائبان بارزان في مجلس النواب الأميركي، احتجاجا على المعارضة الفرنسية لغزو العراق.

الحملة دعت إلى مقاطعة البضائع والمحلات التجارية الفرنسية وإزالة كل ما له علاقة بفرنسا من الذهنية الأميركية. فرنسا لم تكترث للأمر حينها والمتحدثة باسم السفارة الفرنسية في واشنطن، ناتالي لويس، اكتفت بتعليق قالت فيه، «إن فرنسا تركز على أمور حاسمة ومهمة، وأن الاسم الذي يختاره الأميركيون للبطاطس لا يقع ضمن نطاق تركيزها» ثم اكتفت بالإشارة إلى أن هناك احتمال أن تكون البطاطس الفرنسية طبقا بلجيكي الأصل!!

لم تستمر تلك الحملة طويلا؛ بل إن أحد النائبين عاد في العام 2005 ليعلن أسفه على المشاركة فيها، وبعدها بعام عاد اسم فرنسا يلوح شامخا على قوائم الطعام الأميركية، أولا في مطاعم مجلس النواب، ومنها إلى عموم المطاعم في أميركا.

طالت الحملة كثير من التحفظات والانتقادات الموجهة إلى الحملة، وربما أشهرها تلك التي أطلقها الممثل الأميركي الشهير، جوني ديب، حين وصف أميركا بالجرو الغبي الشرس، وأعرب عن استغرابه من اهتمام رجال في مواقع مهمة في بلاده بتلك الأمور.

لم تشكل تلك الحملة سابقة في تاريخ أميركا، كما أنها ليست الدولة الوحيدة في هذا فكثير من دول العالم فعلت أمورا مشابهة. بالطبع لا يمكن وصف الحملات تلك بالبلهاء بشكل مطلق، في بعضها كثير من المنطق، ربما نذكر منها حملة العام 2006 في إيران التي أدت إلى تغيير أسماء الفطائر الدنماركية إلى زهور النبي محمد وذلك احتجاجا على الرسوم المسيئة للرسول (ص).

هذه الحملات «اللغوية» يمكن أن تأتي تحت مسميات عديدة، ربما تدخل ضمن نطاق حملات التصحيح السياسي، لكنها بكل تأكيد حملات فاشلة، خائبة المضمون عقيمة الهدف. لكن هذه الحملات بكل تأكيد تأتي لتشير لحال صحية، إن أمكن القول، يمر بها أي مجتمع تنطلق فيه. حال من التضامن الاجتماعي، من الولاء لقضية ما، نوع من اللحمة الوطنية التي تبرز عند الحاجة إليها. هي حال نفتقدها، وربما لذلك لا تنجح حملات المقاطعة لدينا. ليس مهما حجم أرقام الخسائر التي يتم تداولها عبر المواقع الالكترونية لأي منتج تعمم أخبار مقاطعته. الواقع يكشف أمرا آخر هو أننا لا ننجح في مثل هذه الحملات. لا يستجيب المستهلكون هنا قبل أصحاب المال بالطبع لها، ربما لفقدان الثقة بجدواها أو لخطأ في التركيب الاجتماعي الثقافي لدينا، وقد تكون لذلك أصول سياسية!!

مهما يكن من أمر، فإننا ننجح كثيرا حين يأتي الأمر لحملات أحلام انفلونزا الخنازير، والرسائل التي تهدد متجاهليها بكوارث ليست في الحسبان.

العدد 2568 – الخميس 17 سبتمبر 2009م الموافق 27 رمضان 1430هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s