«العقلنة»… نقد أم نقض

منصورة عبد الأمير

تعرضت للانتقاد «الممنهج» «العنيف» ثلاثا خلال الأسابيع الماضية، المرة الأولى كانت على لسان داعية إسلامي، أو كما يسمي نفسه داعية للإسلام الليبرالي. شيخنا الجليل استنكر واستغرب وفغر فاه دهشة حين أخبرته أنني أرتدي الحجاب طواعية، وأنني لا أتعرض لأي قهر أيديولوجي اجتماعي أو سياسي أو ثقافي في ذلك. تحدث طويلا وحاول إقناعي مستندا بقواعد الثابت والمتغير والناسخ والمنسوخ وصولا للجرح والتعديل، قال بأنه لا نص قرآني يثبت كون الحجاب فرضا وأن الآيات التي توصي المرأة بألا تبدي زينتها هي آيات قابلة للتأويل وأنها لا تتطرق بأي شكل من الأشكال لشعر الرأس بل تتحدث عن بعض أجزاء الجسد. بلغة أكثر عصرية قال لي إن للحجاب أصولا سياسية، وإنه تمييز «بشع» ضد المرأة، ثم تساءل دهشا عن سبب عدم وجود تشريع يلزم الرجل بغطاء شعره مستندا على الآية التي توصي المرأة بغضّ بصرها كما توصي الرجل، ما يعني أن للرجل جاذبية وإغواء كاللذين تحملهما المرأة.

انتقاد آخر تعرضت له جاء حين ناقشت موضوع الزكاة والضغوط التي يتعرض لها مسلمو أميركا من قبل الإدارة الأميركية التي تشكك في استخدام أموال الزكاة لتمويل الإرهاب، وتفرض عليهم دفع تلك الأموال لجهات معلومة، ثم تعلن عن مؤسسات خيرية كمؤسسة غلوبال غيفنغ التي تمول الكثير من المشروعات الخيرية في دول مثل المغرب وبوركينا فاسو وأفغانستان وغيرها من دول العالم الإسلامي. باغتني الهجوم حين أعلنت رأيي المتواضع المستند لمعرفتي الشرعية الفقهية البسيطة، فمن غير الجائز أن تدفع أموال الزكاة لجهة غير إسلامية، ولذا فإن هذا الإجراء «الأوبامي» يدخل ضمن إطار تضييق الحريات الدينية في أميركا. حينها لا أعلم كيف انتقل الحديث، كما في المرة الأولى، للنص الديني وضرورة «عقلنته» وتطويعه لأدوات الزمان والمكان.

المرة الثالثة كانت مع نقد تشريع الصوم، مؤيدو النقد تحدثوا بلغة مشابهة، انطلقوا ذات المنطلقات الدينية التي تحرك منها الداعية الليبرالي، استخدموا القواعد الدينية ذاتها، أسهبوا في الحديث عن ضرورة تفكيك النص وإعمال العقل وتجديد الخطاب الديني وما إلى ذلك. استند بعضهم على آليات واستراتيجيات غربية في تفكيك الخطاب والنص الديني وإعمال العقل والفكر.

في المرات الثلاث لم أحسن الرد، ربما لما وجدته من المبالغة المفرطة في التشكيك في كل العموميات والجزئيات، ثم لما وجدته من انتقائية مجادلي في تبني ما يشاءون من أصول النهج التشكيكي الذي أعرف حتما بأنه يجب أن يكون متبوعا بنهج تركيبي تجديدي. ما وجدته هو محاولة للنقض لا النقد، وللإلغاء لا التجديد، وللعبثية لا العقلنة.

عدت لشيخنا الجليل، الذي يدعو للاسلام و«يبشر»به في بلاد اجنبية، لا لأجادله، بل لأعرف «كيف يمكن للإسلام أن يكون ليبراليا، أو لليبرالية أن تتأسلم، هل يسعى شيخنا للبرنة أم الأسلمة، أهي مصالحة عقلانية ممكنة، هل أعمل فيها قواعد الناسخ والمنسوخ، والثابت والمتغير وعلم الرجال والجرح والتعديل»… مرة أخرى لا اعتراض ولكن دهشة ورغبة في المعرفة.

العدد 2575 – الخميس 24 سبتمبر 2009م الموافق 05 شوال 1430هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s