تصور فيلمها الجديد «وجدة» نهايات 2010… هيفاء المنصور: عبّرتُ عن السعوديات المهمَّشات… وأفهم منتقدي أفلامي

منصورة عبدالأمير 

جاء فوز المخرجة السعودية هيفاء المنصور بمنحة الشاشة بمهرجان الشرق الأوسط السينمائي، ليضع خاتمة لمرحلة تشكل الأولى في مراحل صناعة هذه المخرجة الخليجية ذات القدرات الواعدة والرؤية الحادة المتميزة في مجال إخراج وكتابة الأفلام السينمائية. هذه المنحة التي تنقلها من مرحلة الإنتاج المستقل لأفلامها، ومن اختزال أفكارها في الأفلام القصيرة أو الوثائقية إلى فيلم روائي طويل قد يكون كفيلا بأن ينقل على الشاشة جزءا من إبداعات هذه المخرجة الخليجية.

«وجدة» سوف يكون فيلهما، وشركة «أبوظبي إيمج نيشن» ستكون شركة إنتاجها، ومئة ألف دولار أميركي كانت هي جائزتها وستكون موازنة فيلمها الروائي الطويل الأول.

«فضاءات الوسط» أجرت مع المنصور الحوار الآتي:

مبارك الفوز بمنحة الشاشة من مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي، ماذا يعني لكِ هذا الفوز، وما الذي يمكن أن يقدمه الدعم المادي والمعنوي والعمل مع شركة «أبوظبي إيمج نيشن» لفيلمكِ المقبل. أنتِ الآن تنتقلين من الإنتاج المستقل لأفلامك إلى الإنتاج من خلال شركة؟

– الله يبارك فيكِ أولا، الفوز، أي فوز في أي مكان، يعتبر شيئا جيدا للأفلام. منحة الشاشة هي من أهم الجوائز في الوطن العربي والفوز بها يجعل الفيلم في محط الأفلام العالمية ويضعه تحت الضوء ليس فقط في مهرجان الشرق الأوسط لكن في مهرجانات عالمية كبيرة. طبعا العمل مع شركة إنتاج كبيرة مثل شركة «إيمج نيشن» هو حلم يحلم به أي مخرج، وإن شاء الله تتيسر الأمور.

ألا تخشين أن يحد ذلك من حريتكِ في مناقشة أي قضايا أو أفكار، أليس من الممكن أن تفرض عليكِ شركة الإنتاج موضوعات معينة؟

– لا أتوقع أن يحدّ ذلك من حريتي؛ لأن المسئولين بشركة الإنتاج اطلعوا على السيناريو وأعجبهم، لو كانت فيه أية مشاكل لما اختاروه من بين 5 سيناريوهات. من المؤكد أن فكرة الموضوع والسيناريو أعجبتهم ولذا تم اختياره. صحيح أن الإنتاج المستقل يعطي المخرج حرية أكبر ولكن أيضا مع قلة الإمكانات يصبح العمل محدودا، بينما العمل مع شركات كبيرة طبعا يفتح مجالات أكثر، يعطي فرص توزيع أكثر للفيلم، يمكّن المخرج من التعامل مع مدير تصوير جيد وكوادر فنية لها خبرة.

هل يعني هذا أن الموازنة القليلة في أفلامك السابقة التي أنتجتها بشكل مستقل حدَّت من قدرتكِ على الإبداع أو تمكنكِ من تقديم بعض الأفكار؟

– لا، لم تحد من قدرتي على الإبداع لكنها منعت الفيلم من أن يكون بمستوى أفلام أخرى كانت لها موازنة أكبر ومصنوعة بشكل أفضل. حين يصرف على إنتاج الفيلم بشكل جيد فإن هذا الأمر يضعه بالطبع في مصاف الأفلام الكبيرة التي تقدم في جميع أنحاء العالم. وعموما حتى لو رصدت للفيلم موازنة ضخمة، فلن يضيف له ذلك أي شيء مع عدم وجود سيناريو جيد. يجب أن تكون هناك بذرة سيناريو صحيحة لكي يكون الفيلم جيدا، بغضّ النظر عن كون الإنتاج كبيرا أو صغيرا. إذا لم يكن هناك سيناريو جيد لا تسير الأمور بشكل صحيح.

ألا تعتقدين أن العمل من خلال شركات إنتاج يمكن أن يوقع المخرج في شرك مغازلة هذه الشركات التي يمكن أن تفرض شروطها على المخرج؟

– طبعا ممكن أن يحدث هذا، لكن شركات الإنتاج لا تختار مخرجا إلا بعد أن تتعرف على خلفيته وتكوينه. المخرج الذي سوف تسعى شركات الإنتاج للعمل معه، سيكون إذا صاحب رؤية وأسلوب مميز، والشركة بكل تأكيد سوف تحاول أن تحافظ على هذا المخرج المميز لأنه هو الذي سوف يضمن رواج منتجها، فهو من سيعطي وهو من سيتسبب في نجاح الفيلم. الشركة لن تلغي بصمة المخرج تماما، وهي بصمة مطلوبة. هناك كثيرون ممن يحملون تحفظات على العمل مع شركات الإنتاج وهي تحفظات مبررة، لكن أيضا المخرج الجيد عليه أن يتعامل مع شركات الإنتاج بندية وألا يفعل كل ما تطلبه منه هذه الشركات. يجب أن يكون لديه إحساس بالملكية وأن يعرف ماذا يريد أن يقدم، وهذا ما سيكسبه احترام الشركة أيضا.

لكن لو تعودين إلى تاريخ بعض المخرجين، ستجدين أن العمل مع شركات الإنتاج أوقع أفلام بعض المخرجين في فئة الأفلام التجارية. من الصعب أن يحافظ المخرج على القيمة الفنية لأعماله في ظل وجود الضغوط المادية من شركات الإنتاج، ما رأيك أنتِ؟

– كلام صحيح، حين تكون لديك صناعة كما هو الحال في مصر، ستكون هناك مقومات معينة في الأفلام، وستكون هناك مثلا أفلام تعرض في العيد، ويجب أن يكون لها طابع معين وشكل معين، وأحيانا يقدم المخرجون تنازلات لكي يقدمون أفلاما تعرض في هذا الموسم أو ذاك. لكن نحن في الخليج ليس لدينا صناعة، ولكن هذه الخلفية لا تطبق على أفلامنا، فأنا مثلا أريد أن أقدم فيلما تجاريا ليعرض في العيد ويشاهده الناس، هذا ليس موجودا لدينا، الخلفية الموجودة لدينا هي الرغبة في تأسيس صناعة سينمائية في المنطقة، ولذا فالمخرجون هنا يبحثون عن سيناريوهات جيدة أثبتت جودتها. السيناريو الذي قدمته مثلا لم يتم اختياره في مهرجان الشرق الأوسط فقط، بل تم اختياره أيضا في مهرجان روتردام الدولي ومهرجان برلين الدولي ومهرجان كان، وهكذا يتم اختيار الأفلام ذات الشعبية أو التي كوّنت لها رصيدا، أي الأفلام الجيدة. المهرجانات لا تضع اسمها على فيلم تجاري، بل تنظر إلى الرؤية الإخراجية، إلى الصوت المميز للمخرج. أنا لا أتوقع أنه توجد لدينا مشكلة من هذا النوع في الخليج. أتصور أنه إذا كان السيناريو محكما والفيلم يحمل رؤية فإن شركات إنتاج سوف تتهافت على إنتاجه.

نعم ربما توجد هذه المشكلة في مصر وأميركا والهند والصين، فهناك سوق ولها متطلبات والمخرجون هناك عليهم أن يقدموا بعض التنازلات، لكن لا أتصور أن هذا الوضع ينطبق على الخليج.

استعرضتي هموم المرأة السعودية في أفلامكِ السابقة، ماذا تناقشين هذه المرة، هل تغوصين في قضايا أعمق، أكثر جرأة، هل تتسع الدائرة ربما لتشمل قضايا المرأة في مجتمعات أخرى؟ بشكل عام، ما هي القضايا التي تؤرق هيفاء فيما يتعلق بالمرأة، المرأة بشكل عام والسعودية بشكل خاص؟

– فيلمي يتكلم عن بنت عمرها 10 أو 11 سنة تتعلق بدراجة هوائية، وطبعا تعلمين أن كل النشاطات التي تقوم بها المرأة السعودية خارج المنزل تقريبا تعتبر نشاطات ينظر إليها بعين الريبة أو الشك. وهكذا تواجه هذه الفتاة المجتمع الذي يطرح كثيرا من التساؤلات حول تعلقها ذاك، لكنها تسعى جاهدة للحصول على دراجتها وبالفعل يتحقق لها ذلك في نهاية الفيلم.

بلاشك يتطرق الفيلم إلى قضايا المرأة وحريتها ومحدودية حركتها، لكنه يتحدث أيضا عن أهمية الحلم، وأنه يجب أن يكون لكل منا حلمه، والرغبة في الحلم وفي تحقيق أحلامنا ولا علاقة للأمر بأن يكون من يحلم بنت أو ولد. الإنسان يجب أن يكون لديه دائما هدف يسعى إليه، يحققه، ينجح في تحقيقه ثم يحتفل بإنجازه ذاك، وهذا ما حاولت أن أبرزه في الفيلم. بالطبع يحكي الفيلم قصة بنت سعودية، والمرأة في السعودية وضعها لا يزال بحاجة إلى مزيد من الحركة وللمطالبة بالحقوق بشكل أكبر. لكن في الوقت ذاته يتحدث الفيلم بشكل أكبر عن الأمل، عن العمل بجهد من أجل تحقيق أهدافنا.

مرة أخرى، إذا تناقشين قضية نسائية، ومرة أخرى – ربما – يدخلكِ هذا في جدل جديد كذلك الذي حصل بعد فيلمكِ الأخير «نساء بلا ظل» وهو الفيلم التي كانت له أصداء سلبية أكثر من إيجابية في داخل السعودية. لماذا لا تتركين قضية المرأة وتناقشين قضايا أخرى، قضايا يعاني منها المواطن السعودي مثلا بعيدا عن المرأة السعودية، ألا تخافين من ضجة جديدة؟

– لا، لا أخاف من ضجة جديدة ولا أتوقع أن «نساء بلا ظل» كانت له ردود فعل سلبية من الناس، كثير من النساء كن يستوقفنني في المطاعم ويحكين لي قصصهن مع أزواجهن مثلا. أشعر أني أعطيت صوتا لبعض النساء المهمشات اللاتي لا يسمعهن أحد، لا أتحدث عن النساء القادرات على التعبير عن همومهن بالكتابة أو بأي شكل آخر، بل أقصد النساء البسيطات اللاتي همشن، أجد أن التجاوب مع فيلمي جيد.

بشكل عام، أنا أتكلم في أفلامي عن تجاربي في الحياة كامرأة، مثلا في «أنا والآخر» تكلمت عن 3 شباب، لم يكن في الفيلم أي نساء إطلاقا، ناقشت قضية التعايش مع الآخر واحترامه.

فأنا أشعر أنني كفرد في أي مجتمع، بنت أو ولد، إمرأة أو رجل، يجب أن يكون لي رأي وأتوقع أن يحترم الناس رأيي ذاك كما أحترم آراءهم. لكي أكون قريبة من أي فيلم أقدمه، أتكلم عن خبراتي وتجاربي في الحياة التي مررت فيها كفتاة سعودية، تربيت في المجتمع السعودي، الذي أشعر أن لا أحد يعرفه ويفهمه كما أفهمه أنا.

ما حدث مع الشيخ عائض القرني مثلا وما قيل عن أنكِ أسأتِ استخدام الحوار معه أو ما شابه من كلمات، ثم اتهامك بتدويل مشاكل بلادكِ، بل إن بعض الأطراف خوّنوكِ حين عُرض الفيلم في القنصلية الفرنسية. ألن يؤثر كل ذلك على محاولاتكِ لصنع فيلم جديد، مرة أخرى يناقش قضية المرأة السعودية، أو على خياراتكِ مثلا وتعاملاتكِ مع الأطراف، ربما حتى على تجاوب بعض المصادر معكِ؟

– لا أتوقع ذلك، «نساء بلا ظل» يشكل علامة فارقة في تاريخي الفني، لكن الحديث عنه ونظرية المؤامرة ثم اتهامي بتدويل القضية أمور لا صحة لها. أنا أقدم فنّا، لا علاقة لي بالسياسة، أقدم أفكارا وأفلاما، ولا يمكن تقديم فيلم بعيد عن البيئة التي يتحدث عنها. حتى تصبحي مخرجة يجب أن تكون لديك فكرة معينة تجاه قضايا حقيقية تمرين بها كإنسانة، ليس من الضروري أن تناقشي هذه القضايا كمفكرة أو كأديبة، بل كما يفعل أي إنسان عادي، يجب أن أكوِّن رأيا حول كل شيء أواجهه في الحياة.

إذا المخرج الصادق هو الذي يعرف كيف يضع آراءه ويعبّر عنها، وأنا أعتقد أنني عبّرت عن نفسي وعن صوت بعض النساء المؤمنات بأفكاري التي أؤمن بها. أما أن أكون خائنة أو ما شابه، بالعكس المفروض أن أعتبر شخصا نشطا في المجتمع.

بالتأكيد لو لم يكن للفيلم تأثير لما اتهمتِ بهذه الاتهامات، ولما أثار ضجة معينة.

– أحترم آراء الجميع وأحترم حتى فضيلة الشيخ عائض القرني، أحترمه جدا وأعزّه كثيرا، وأحترم مجتمع المفكرين السعوديين، لكن أؤمن بأن جمال الحياة هو في الجدال والسجال.

لعل أغرب أمر هو المقاومة العنيفة التي قابلتك من بعض النساء السعوديات، على الأقل على مستوى المنتديات والمواقع الإلكترونية، أنتِ دخلتِ في هذه المواجهة مع المجتمع، من أجل المرأة السعودية، من أجل تغيير واقعها، ومع ذلك تلقيتِ هذه المقاومة منها. كيف يجعلكِ هذا تشعرين، وهل فعلا أنتِ تريدين أن تغيّري هذا الواقع الذي لا تريد بعض السعوديات تغييره، وكأنك تصلحين مجتمعا لا يريد أن يصلح حاله؟

– لا أتوقع أن المجتمع لا يريد أن يصلح حاله. أنا أرى أن ردات الفعل أمر طبيعي؛ لأن المجتمع السعودي كان مجتمعا منغلقا على نفسه لفترة طويلة من الزمن، ولذا فإن أي انفتاح يسبب له نوعا من الصدمة. الناس ليسوا معتادين على أن تقدم امرأة أفلاما، وتعلن أراءها فيها. هذا الأمر بالنسبة إليهم غريب، وأي شيء غير مألوف يُواجَه بالصد. أنا أفهم مُعارضيَّ وأتعاطف معهم جدّا وربما لو كنت في موقعهم لكنت تصرّفت بالشكل نفسه، لكن ربما نظرا إلى تربيتي المختلفة، فأنا سافرت مع أسرتي كثيرا خارج السعودية ولم تكن حياتي مغلقة تماما.

أنا أتعاطف مع منتقديّ كثيرا وأشعر أنهم جزء من تكويني، وحتى وإن واجهوني أو رفضوني فأنا ابنتهم في نهاية المطاف. وهذه الحالة عموما تُعَدُّ إيجابية في المجتمع، ليس من الضروري أن يحبنا الجميع، وكلما كان هناك أخذ وردّ في موضوع ما، كما قويت العلاقات بين الناس في المجتمع لأن الناس حينها سوف تفهم بعضها بشكل أفضل وسوف يبدأ نوع من الحوار، وهذا أمر جيد.

في حواركِ مع الشيخ عائض القرني، كان فيه بعض النقاط الجميلة التي طرحت، فالقرني تحدث عن فكر تنويري جديد. هل يمكن القول إن هيفاء تمثل هذا الفكر الجديد بأفلامها، فأنتِ سعودية تخرج الأفلام، وتناقش قضايا حساسة في مجتمعها؟

– لا أعرف إذا كنت أمثل فكرا جديدا، لكني أمثل موجة جديدة من النساء. أنا لست وحدي، هناك كثير من الكاتبات والروائيات أصبحن يعبّرن عن آرائهن في الحياة، ولا مانع لديهن من أن يعلنَّ آراءهن تلك أمام العالم وأن يصرّحنَ بما يفكّرنَ فيه فعلا وبرؤيتهن في الحياة.

هذه موجة جديدة لم تكن مألوفة في السعودية من قبل، وأنا ضمن هذه الموجة الحاصلة وأشعر بشرف كبير أن أكون كذلك، وأعتقد أننا جميعا سوف نبني شيئا جديدا.

كيف تصنفين نفسكِ، هل أنتِ فنانة وصانعة أفلام، أم ناشطة في مجال حقوق المرأة السعودية؟

– أنا صانعة أفلام بالدرجة الأولى، تهمني حقوق المرأة في السعودية، وحقوق الإنسان في كل مكان في العالم. أحمل حسّا بالعدالة والإنسانية والمساواة وكل هذه القيم الكبرى هي التي تصنع الأفلام العظيمة. لكن أنا أقدّم أفلاما همها الأول الترفيه، فحين تشاهدين أفلامي تستمتعين وتحملين حسّا أعمق في الحياة. حين تتحدث الأفلام عن مبادئ كبيرة مثل الحب والمساواة والعدل وكل شيء، يشعر المتفرج بارتواء روحي.

كمخرجة، أين أنتِ اليوم؟ وكيف غيّرَتْ تجربة صناعة الأفلام حياتكِ؟

– كمخرجة أنا الآن في أوج مرحلة جديدة في حياتي، قدمت أفلاما قصيرة وفيلما وثائقيا والآن أقدم فيلمي الروائي الأول وهذه نقلة صعبة جدا. لكي أقدم فيلما جيدا يقدمني كمخرجة يحترمها الناس ويستمتعون بأفلامها حصلت على الماجستير في الإخراج من أستراليا، ثم قضيت عامين تقريبا في كتابة سيناريو فيلمي الجديد، وإن شاء الله سوف أبدأ بتصويره مع نهاية العام المقبل فأنا لا أريد آن أتسرّع. أريد أن آخذ الوقت الكافي لأصنع فيلما جيدا، فأنا أتوقع أن هذه المرحلة هي أهم مرحلة في حياتي كمخرجة لأنها سوف تصنعني وتقدمني للناس بشكل صحيح إن شاء الله.

العدد 2610 – الخميس 29 أكتوبر 2009م الموافق 11 ذي القعدة 1430هـ

فوز هيفاء… مؤامرة امبريالية!

منصورة عبد الأمير

لم يشكل فوز المخرجة السعودية هيفاء المنصور بمنحة الشاشة المقدمة من مهرجان الشرق الأوسط السينمائي، أية مفاجأة أو صدمة. كان الأمر متوقعا، فإدارة المهرجان التي وضعت شأن صناعة السينما في المنطقة على رأس أولوياتها، لم تكن لتتوانى لحظة واحدة عن تقديم الدعم لمخرجة لا تأتي من منطقة لا تصنع السينما وحسب، أو من مجتمعات لا تجد في هذه الصناعة سوى ترف ورفاهية لا حاجة لهما فقط، ولكن من بلد لا تملك المرأة فيه خيار تغيير واقعها عدا الإعلان به والتصريح برفضه.

ما لا يمكن تخمينه في هذا الإطار هو طبيعة ردود الفعل التي قد تحصل عليها المنصور بعد فوزها ذاك وإعلانها رغبتها في صناعة فيلم روائي طويل جديد، يناقش قضية نسائية أخرى عبر قصة أكثر جرأة وأكثر كسرا لتابوه المرأة في بلادها.

الحصول على ردود الفعل تلك لا يحتاج إلى مشقة كبيرة، نظرة واحدة لبعض مواقع الصحف التي نشرت الخبر، تكشف ما يحدث. أحد ردود الفعل المضحكة والمثيرة للشفقة في آن واحد هو أن منح الجائزة لهيفاء ليس سوى محاولة، أجنبية بكل تأكيد، للتغرير بهيفاء، كما غُرر بسواها، وأن التاريخ يعيد نفسه وأن الغرب لا يزال يتطلع لأن يبسط نفوذه علينا، محاولا اختراقنا هذه المرة عبر واحدة من حلقاتنا الضعيفة. هيفاء بالطبع هي تلك الحلقة بالنسبة لصاحب النظرية والغرب إذن يتآمر علينا عبر منحها الجائزة!.

السؤال المطروح هنا يتعلق بماهية هذه المؤامرة ودواعيها، إذ لا أدرك لما يحتاج الغرب لأن يتآمر علينا. في واقع الأمر نحن أمة تتآمر على نفسها ولا تملك ما يثير شهية أي طرف ليتآمر ضدها. لذا لا يحتاج الغرب لأن يجهد نفسه ويسخر طاقاته في تدميرنا، لا نملك ما يغريه، نحن نتآمر على بعضنا. ويكفى صاحبنا أن يكلف نفسه عناء الاطلاع على بعض المواقع الإلكترونية، اليوتيوب سيكون مثالا جيدا ليكتشف صدق «تخرصاتي»، له أن يطلع على كم الملفات التي يلغي فيها أحدنا الآخر. مهلا ربما يكون اليوتيوب هو الآخر اختراع أجنبي، هو إذن جزء من المؤامرة.

لا بأس إذن بنظرة في الأرجاء، دون اللجوء لأي وسائط إلكترونية، ليرى كيف يسعى أبناء الدين الواحد ليكفروا من يشاءون وكيفما يريدون، وكيف يخوّن أبناء الوطن الواحد أشقاءهم ويسعون لإلغاء بعضهم الآخر.

نحن أمة تمقت نفسها، لا نحتاج لأن يتآمر ضدنا أحد، فنحن متآمرون من الطراز الأول. حكوماتنا تتآمر ضد شعوبها، وفئات الشعب تتآمر ضد بعضها، ارحمونا يرحمكم الله من هذه الترهات.

هيفاء مخرجة واعدة وصانعة أفلام متميزة وإنسانة رائعة منفتحة على الحياة، تستحق أن تحصد الجائزة وأن تلقى ما يحتاجه فيلمها من الدعم لتعبر عما لا تتمكن كثيرات من التعبير عنه. ومهرجان أبوظبي له حسابات مختلفة، فنية، تجارية، ثقافية، لا يهم، المهم أنها لا تتوقف عند نظريات المؤامرة تلك، تنظر بعين منصفة ومحايد هي عين الفن التي لا تفقه هذه الترهات.

العدد 2610 – الخميس 29 أكتوبر 2009م الموافق 11 ذي القعدة 1430هـ

عرف البحرين الثقافي … غير

منصورة عبد الأمير

في اللقاء مع المدير التنفيذي لمهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي، بيتر سكارليت، حدثني عن توجه إدارة المهرجان المختلف والمميز لدعم صناعة السينما وصنّاعها في المنطقة وذلك بالتركيز على الحال الفنية والإبداع بعيدا عن حسابات الربح والخسارة. هيئة الثقافة والتراث في أبوظبي، بحسب سكارليت، على استعداد تام لأن تتحرك بصدقية عالية في هذا الاتجاه مقدمة الدعم بكل أنواعه لنشر ثقافة صناعة السينما في المنطقة.

لمست ذلك في حجم الإنفاق على المهرجان وفي نوعية الأفلام التي قدمت فيه ولمسه كثيرون غيري. لكن وكما يحدث في جميع المهرجانات، حال أن ظهرت النتائج، برزت الأصوات المعارضة والمنتقدة والمشككة، متهمة لجان التحكيم بالانحياز لطرف هنا أو هناك، مرجعة أسباب الفوز لحسابات خاصة تتعلق بإدارة أي مهرجان، ربما للعلاقات العامة «الخاصة» للجان التحكيم مع صنّاع الأفلام.

مهما يكن من أمر تلك الإدعاءات وسواء أكانت صحيحة أم إنها محض اتهامات باطلة، فإن فوز فيلم المخرج البحريني، محمد إبراهيم محمد «زهور تحترق» بجائزة أفضل فيلم خليجي قصير بمهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي، وحصول أحد ممثليه وهو الفنان إبراهيم البيراوي على جائزة أفضل ممثل خليجي، لا يمكن أن يدرج تحت قائمة الاتهامات أعلاه لأسباب كثيرة. في واقع الأمر، يأتي هذا الفوز متناغما إلى حد كبير مع ما تحدث عنه سكارليت بالنظر إلى الحال الفنية بشكل مجرد.

فوز محمد، وحديث سكارليت الذي ظل يتردد صداه في رأسي، ثم التشكيك في النتائج، أوصلني لتساؤل وجدته يطرح نفسه بقوة وهو «ماذا لو كان المهرجان بحرينيا، هل سيحصد محمد إبراهيم، وفيلمه، وبطل هذا الفيلم أي جوائز.

بنظرة خاطفة سريعة لما يحدث على الساحة الثقافية البحرينية، يمكن القول، إن حظوظ محمد ستكاد تكون حينها معدومة. أعراف المنافسات البحرينية في أي مجال ثقافي تقتضي بألا يحصل «أي كان» على جوائزها.

بداية، سيكون عدد من الجوائز محجوبا، لأسباب ستتحفظ عليها لجان التحكيم، فقط ليثبت البعض فوقيته، ثم تأتي الحال السادية، التي تبدو مقننة إلى حد كبير، في تضييق الخناق على المبتدئين من الشباب مهما بلغ حجم إمكاناتهم وموهبتهم. بعدها ستذهب الجوائز الأولى والثانية والثالثة وصولا إلى العاشرة إن وجدت لمن حصدها في العام الماضي والعام ما قبله، وما قبل ما قبله وصولا إلى أعوام طويلة تسبق عام مولد محمد وغيره من الشباب. الاحتكار هنا هو سيد الموقف وبعض أولي الأمر من المثقفين يؤمن أن المجال يجب ألا يفقد «برستيجه» بأن يكون مفتوحا لمن هب ودب. بعد ذلك سيسلم ما تبقى من الجوائز والتشريفات لأصحاب العلاقات العامة «الخاصة».

هذا هو عرف بلادنا وهذه هي عاداتنا وتقاليدنا العريقة في المهرجانات وهذه هي الأسباب التي تبطل ما يصيبك من عجب حين تسمع عن حال الانتقاد والتذمر الدائمة التي يعيشها بعض البحرينيين حيال أي نتائج في أي حدث ثقافي. لا يتمكن هؤلاء من استيعاب شفافية لجان التحكيم التي أدت لفوز محمد. لا يمكنهم هضم فكرة ألا تكون تصنيفات الشباب وانتماءاتهم وهوياتهم هي الحكم الأول والأخير في استحقاقهم لأي جوائز أو تكريمات.

العدد 2603 – الخميس 22 أكتوبر 2009م الموافق 04 ذي القعدة 1430هـ

حصد فيلمه جائزتي الإخراج والتمثيل بمهرجان الشرق الأوسط… إبراهيم: صوَّرت فيلمي في كرزكان والمنامة وأطمح في تجربة مختلفة

منصورة عبدالأمير 

علاقة المخرج البحريني محمد إبراهيم محمد مع الكاميرا علاقة قديمة تعود لما قبل تسعة أعوام مضت، حين كان الفتى الصغير ملتزما بتصوير كل ما تقدمه مدرسة الخليل بن أحمد التي كان طالبا فيها آنذاك من أنشطة وبرامج طلابية.

تطورت تلك العلاقة بعد ذلك بأعوام قليلة ليقدم محمد من خلالها أول أفلامه القصيرة “هروب”. حينها لم يكن يملك سوى كاميرا فيديو وثلة من أصدقائه لتمثيل مختلف أدوار الفيلم. عرض فيلمه ذاك في عدد من الأندية والمراكز الثقافية بمختلف مناطق البحرين، لكنه حصل عن ذلك الفيلم الذي قدمه العام 2005 على الجائزة الأولى في مهرجان كرزكان الثقافي للأفلام القصيرة.

وبسبب ما حصل عليه من تشجيع تتالت أفلامه القصيرة فمن “الرهينة” الذي صوره بين البحرين وسوريا، إلى “كنز من الإبداع” الذي أكسبه جائزة المركز الأول في الفيلم القصير بالمهرجان الإعلامي الثالث بجامعة البحرين، وكان ذلك في أول أعوام دراسته فيها.

سافر محمد بالفيلم ذاته إلى مسابقة أفلام من الإمارات في أبوظبي التي صور فيها رابع أفلامه “خطوات” وذلك خلال تواجده في المهرجان.

خامس الأفلام كان “بقايا جرح” وبعدها جاء “زهور تحترق” الذي فاز اليوم بجائزة أفضل فيلم روائي قصير في المسابقة الخليجية بقسم أفلام الإمارات بمهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي والذي حصل بطله ابراهيم البيراوي على جائزة أفضل ممثل خليجي في المهرجان نفسه.

ويمثل هذا الفيلم التعاون الثاني مع الشركة البحرينية للإنتاج السينمائي بعد أن كان محمد قد عمل كمساعد للمخرج بسام الذاودي في أول أفلام الشركة “حكاية بحرينية”. وكان محمد، ، قد حصل على المركز الثاني في قسم الأفلام القصيرة في مسابقة الحاج حسن العالي الثقافية عن فيلم “زهور تحترق” قبيل فوزه الأخير بفترة قصيرة . يشار إلى أن محمد قد تسلم إدارة مهرجان الريف للأفلام القصيرة منذ موسمه الثاني، وهو حائز على شهادة في التصوير والإخراج التلفزيوني.

«فضاءات» الوسط أجرت مع محمد اللقاء التالي حال تلقيها أنباء فوزه :

أنت في البدايات وتقدم عملك السادس لتشارك به في مهرجان أبوظبي السينمائي وتتنافس مع أسماء إن لم تزد عنك خبرة في عالم صناعة الأفلام فهي بكل تأكيد تفوقك خبرة في الحياة، ما الذي يعنيه لك ذلك، وما الذي يقدمه إليك هذا الفوز؟

– هذا الفوز يعني لي الكثير ويكفي أنني شرّفت وطني وشرّفت البلاد وكل العاملين في العمل، وأيضا شرّفت كل المحبين لي شخصيا، بالإضافة إلى أنني سعيد جدا بهذا الفوز وفخور أيضا، وبهذه المناسبة أتقدم بجزيل الشكر إلى الشركة البحرينية للإنتاج السينمائي التي كان لها الدور الكبير في هذا الفوز بدعمها الكلي لهذا العمل وبرصد هذه الموازنة لهذا العمل، والحمد لله رب العالمين.

حصدت العديد من الجوائز بحرينيا، لكن خليجيا، تعد هذه الجائزة هي الأولى ما الذي ينوي محمد أن يفعله الآن، ما هي خطوتك المقبلة، هل تنوي الاستمرار في مجال الأفلام القصيرة، أم أنك سوف تنتقل لتجريب الفيلم الروائي مثلا؟

– أنا أطمح في تجربة مختلفة. طبعا الخوض في تجربة فيلم روائي طويل لكن دائما ما تواجهنا بعض المشكلات التي تعيق إنتاج مثل هذا العمل الروائي الطويل، لأن العمل الروائي الطويل يحتاج إلى المزيد من الدعم والجهد، فحينما يوجد هذا الدعم فسأتواجد في هذا المجال بالتحديد. ومن ناحية مجال الأفلام القصيرة فسوف تكون لي تجربة أخرى في مهرجان الخليج السينمائي في شهر أبريل/ نيسان، وبعد هذه التجربة القصيرة سوف أبحث عن جهات تدعم العمل إذا كانت هناك فكرة معينة لإنتاج فيلم روائي طويل.

لكن ما هي الفكرة الجاهزة لديك في الوقت الحالي والتي تنوي تقديمها في عملك المقبل؟

– حاليا أحضّر لفيلم قصير وأحاول اختيار قصة مناسبة.

في هذا الفيلم تعاملت مع فنانين أصحاب أسماء مثل عادل شمس، عبدالله السعداوي، بروين، كيف تمكنت من إدارتهم رغم صغر سنك؟

– أنا أشكر أول شيء الأستاذ عبدالله السعداوي والأستاذ عادل شمس والفنانة بروين على تعاونهم في العمل، وطبعا هم بتواضعهم بحبهم إلى العمل الفني بشكل عام استطعت التعامل معهم بكل مرونة، فأتقدم لهم بجزيل الشكر على تعاونهم هذا وعلى تطوعهم في العمل، وهذا إن دلّ على شيء فيدلّ على حبهم إلى العمل السينمائي.

إبراهيم البيراوي، دخل في منافسة شرسة مع أسماء كبيرة أيضا، مع أنه ممثل في بداياته، ورغم ذلك فاز بجائزة أفضل ممثل خليجي في المهرجان، ماذا تقول عن فوزه؟

– أنا أهنئ هذا الشاب المبدع الفنان إبراهيم البيراوي على هذا الفوز الذي يستحقه بجدارة مع وجود العديد من الأسماء اللامعة والتي لها خبرتها في هذا المجال، مثل الفنان الكويتي جاسم النبهان والفنان البحريني عبدالله ملك والفنانة شيماء سبت. فأهنئه على هذا الفوز حيث كان أداؤه أداء سينمائيا مقنعا فاستحق الجائزة بكل جدارة.

لماذا أسندت له بطولة عملك في مقابل ممثلين آخرين، كان يمكنك أن تستعين باسم معروف، فلماذا إبراهيم تحديدا؟

– لأني شعرت بأن إبراهيم قادر على العطاء، وخاصة أنني رأيت له أعمالا مسرحية أنتجها مسرح الريف فلمست أنه ولد طموح متمكن من أدواته بشكل عام وأحسست أن بإمكانه أخذ الدور وإجادته، وبناء على الدور الموجود لدي تم اختيار إبراهيم البيراوي وفق الإمكانات التي يتمتع بها.

محمد… من أقوى النقاط في فيلمك هي اختيار مواقع تصوير جميلة وزوايا تصوير موفقة أيضا، حدثني عن اختيارك لهذه المواقع، أين قمت أولا بتصوير فيلمك، وكيف قمت باختيار هذه المواقع، وعلى أي أساس؟

– اخترت المواقع التصويرية بناء على الجماليات التي يتمتع بها «اللوكيشن» نفسه، فقبل التصوير قمت بجولة ريفية بالأخص وجولة في سوق المنامة وحددت المواقع التصويرية التي سوف أصوّر فيها، واخترتها بناء على جماليتها، والحمد لله تمكنت من اختيار بعض «اللوكيشنات» المناسبة واخترت معظمها في قرية كرزكان بالإضافة إلى المنامة.

ماذا تعني لك صناعة الأفلام، أو صناعة السينما، هل تتفق مع من يرى أنه لا يمكن أن تقوم صناعة للسينما في المنطقة، وأن المهرجانات السينمائية هي مجرد ترف ولا علاقة للموضوع بصناعة السينما؟

– بالفعل لا توجد لدينا صناعة سينما حقيقية لأننا لا نملك سوقا سينمائية كما هو موجود في مصر أو أميركا مثلا، فالوضع مختلف بيننا نحن الدول الخليجية وبين مصر وأميركا أو أية دولة أخرى، لكن هذه التجارب تعزز قدراتنا وتعزز التجارب بشكل عام، فهذا الشيء يصنع جيلا سينمائيا يمكن أن يكون مؤسسا لسوق سينمائية أيضا، ولِمَ لا.

البعض يتهم لجان التحكيم في المهرجانات بالتحيّز لأطراف دون أخرى، ويقولون إن الأمر كله لا يتعدى كونه مسألة علاقات عامة. أنت الآن شاركت في المهرجان وعشت تجربة حتى التنافس بين أطراف أخرى، ثم تجربة الفوز… كيف وجدت النتائج، هل هي منصفة أم أن هناك تحيزا؟

– طبعا النتائج لمست فيها أنها طبيعية ومنصفة ومتوقعة أيضا، إضافة إلى أن لجان التحكيم تختلف من مهرجان إلى آخر، ولكن بشكل عام المهرجانات التي شاركت بها شعرت أن لجان التحكيم لهم رؤية خاصة في مجال التحكيم، فلهم رؤيتهم ولهم قناعاتهم وآراؤهم، فنحن نحترم كل الآراء ونحترم قناعاتهم أيضا، والعمل في النهاية أهم شيء يكسب رضا الجمهور ويكون قريبا من مشاعرهم وقريبا من أحاسيسهم ولا يكون مجرد عمل رمزي يعجب لحكم التحكيم فقط لا أكثر؛ لأن بعض لجان التحكيم تميل إلى الرمزية وإلى الأعمال الفنتازية التي لها دلالات رمزية وتكون هذه الأعمال دائما بعيدة عن الجمهور، فأهم شيء أن العمل يكسب رضا الجمهور هذا أهم شيء بالنسبة لي حتى لو لم يفز، فأعمالي السابقة لم تفز لكني شعرت بأن الجمهور ارتاح من هذه التجارب.

عملك مأخوذ من رواية لغسان كنفاني، على أي أساس تم اختيار هذه القصة؟

– من ناحية اختياري لفكرة غسان كنفاني لكوني معجبا بهذا الكاتب وبروايته وبقصصه القصيرة أيضا، لأنها دائما ما تكون قريبة إلى ذهن القارئ، وقد أعجبتني قصة «كعك على الرصيف» جدا إذ قرأتها قبل سنتين تقريبا وبعدها جلست مع الأستاذ علي باقر وحوّلناها إلى فيلم برؤية محلية بعيدة كل البعد عن الفكرة بشكل عام أو بعيدة ليست عن الفكرة وإنما عن بعض الأمور التي تتعلق بالمجتمع الفلسطيني، فقربنا العمل بحيث نكون متمكنين من إخراجه وإنتاجه في البحرين.

هذه المرة هل تنوي أيضا أن تلجأ إلى روايات مثل رواية غسان كنفاني، أم أنك من الممكن أن تقبل بسيناريو محلي بحريني؟

– أتمنى أن يكون عملي المقبل بحرينيا بكل ما تعنيه الكلمة، بحريني بحريني.

أنت مجتهد وموهوب وهذا واضح في عملك، لكن هل هناك طرف معين تدين له بالفضل في هذا النجاح؟

– كل الذين شاركوا في العمل لهم دور كبير في نجاح هذا العمل، ونجاح العمل هو نجاح لكل العاملين في هذا العمل من جهة إنتاج (الشركة البحرينية للإنتاج السينمائي)، من الفنان الكبير عبدالله السعداوي، الفنان عادل شمس، الأستاذ علي باقر في كتابة السيناريو، إبراهيم البيراوي أيضا، الفنانة بروين، الفنانة اللبنانية نيكول، لمياء الشويخ، كل هؤلاء الفنانين لهم دور كبير، إضافة إلى الموسيقار محمد حداد ومدير الإضاءة خالد العميري فنان طبعا، والآسيويين اللذين شاركا في العمل الفنانين آجيد وبيناج ماثيو، فكل هؤلاء كان لهم دور كبير في نجاح العمل وتفوقه.

– محمد إبراهيم… مبارك الفوز مرة أخرى، ونشكر لك حضورك الجميل اليوم، كما نشكر جميع مستمعي الوسط اون لاين على حسن إصغائهم.

العدد 2603 – الخميس 22 أكتوبر 2009م الموافق 04 ذي القعدة 1430هـ

نوستالجيا مهند.. أزمة نصوص وقيم

منصورة عبد الأمير

أحب الصحافيون رشيد عساف، أعجبوا بلباقة جمال سليمان، جذبتهم ابتسامة سلوم حداد. المصورون من جانبهم تحلقوا بكاميراتهم حول دينزل واشنطن، استفردت هند صبري بصورهم دون الثلاثة المحيطين بها.

لكن كل احتفاء الصحافة بواشنطن وصبري وغيرهم من النجوم أمثال منة شلبي وديمي مور، وكل من مروا على السجادة الحمراء إبان افتتاح الدورة الثالثة لمهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي في أبوظبي، لم يكن ليضاهي ذلك الذي حصل عليه كيفانش تاتليتوغ.

من هو كيفانش تاتليتوغ على أية حال؟ لكثيرين لا يعني الاسم شيئا، وقد لا يعرفون لمن يعود، وإن علموا فلن يمكنهم حل الأحجية ومعرفة سبب استقطابه للعدسات خصوصا مع غياب سجل واضح لإنجازات وبطولات كيفانش الفنية أو الشخصية.

لكن كيفانش أو «مهند» بطل المسلسل التركي «نور» كان هو من استقطب عدسات المصورين خلال حفل افتتاح المهرجان الخميس الماضي بقصر الإمارات. بدا وكأنه الأشهر والأهم نجومية من بين كل من حضروا. لم يتساءل أي من المصورين الأجانب الذين ملأوا القاعة عمن يكون وماذا يشكل، جميعهم كانوا يعرفون الاسم … «الحركي» بالطبع … مهند، الاسم الذي حقق له شهرة ما كانت على حسبانه لا هو ولا أي من شاركوا في مسلسل نور ولا حتى من قاموا بدلجته.

ربما بدا ذلك طريفا، ولعله مستهجنا مستنكرا، حتى لمهند ربما، الذي لا أظنه يعلم شيئا عن سر نجوميته لدينا، وربما، أقول ربما، يعيش الفتى حالة تأمل لوضعه ذاك إذ يقارن حجم إنجازاته الفنية بواقع نجوميته.

أن تحتفي به الفتيات الصغيرات والشابات الجميلات والنساء الناضجات، فذلك ما لا يمكن الحديث عنه، أسبابه كثيرة وعوارضه مثيرة للشفقة. أن يثير غيرة الشباب ليشنوا حملات تشويه سمعة له، فتلك نتيجة طبيعة للاحتفاء أعلاه. لكن أن يستقطب عدسات المصورين، أن يكون أحد الوجوه التي يحتفي بها المهرجان وليس أدل على ذلك من تضمين الحديث عنه في الخطاب الذي افتتح به المدير الفني للمهرجان بيتر سكارليت، فذلك ما يستحق فعلا التوقف عنده.

لماذا يصبح مهند بطل الشاشات، ما الذي يملكه، وسامته، أم إنها شخصية العاشق الشهير التي نفتقدها في حياتنا ونظل نعيش حالة نوستالجيا دائمة نحو الجمال والحب والعطاء وكل ما فقدناه من قيم. ثم ما الذي يريده المشاهد العربي، وأي واقع يمكن أن يكشف هذا التعلق والوله والإعجاب والاحتفاء بممثل مثل كيفانش، ليس استخفافا به لكن لأن سجله خال من أي إنجازات تذكر.

مهما تكن الأسباب فإن نجومية مهند أمر لا ينبغي الاستخفاف به، هو إشارة لأزمة نعيشها كشعوب عربية، أزمة قيم مجتمعية أولا، ثم أزمة يعيشها كتاب النصوص الذين نضبت أفكارهم، هي أزمة أول عوارضها حالة الحنين التي يعيشها المتفرج للفكرة التي يقدمها مهند. هي حالة تستدعي أخذها بكل جدية من قبل كتاب السيناريو وصناع الأعمال الدرامية والسينمائية ربما لنقدم أعمالا ونجوما أكثر واقعية وأكثر ارتباطا بقيمنا المجتمعية وثقافتنا الشرقية من مسلسل «نور».

 

 العدد 2596 – الخميس 15 أكتوبر 2009م الموافق 26 شوال 1430هـ

 

مع افتتاح الدورة الثالثة لمهرجان الشرق الأوسط السينمائي… سكارليت: السينما التركية مفاجأة وأبوظبي مرشحة لصناعة مختلفة

منصورة عبدالأمير 

حين أعلن بيتر سكارليت استقالته من منصبه كمدير فني لمهرجان ترايبيكا السينمائي، وذلك بدايات العام الجاري، في فبراير/ شباط على وجه التحديد، شكل ذلك مفاجأة غير سارة لجميع المهتمين بالشأن السينمائي، فالمهرجان الذي بدأ العام 2001 على يد الفنان روبرت دو نيرو، شهد على يد سكارليت نجاحا كبيرا هو الذي أخذه من نجاح لآخر حتى وصل به لمصاف المهرجانات العالمية رغم حداثة عمره.

صدمة الاستقالة تلك تبعتها مفاجأة أخرى، لكنها هذه المرة سارة للغاية، على الأقل على مستوى منطقة الشرق الأوسط، فبعد ما يزيد على الشهرين بقليل من إعلان استقالته تلك، عاد سكارليت ليعلن مرة أخرى انضمامه لمهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي الذي يفتتح دورته الثالثة في إمارة أبوظبي. إعلان سكارليت جاء خلال وجوده في مهرجان كان السينمائي، حينها كانت ردود فعل المقربين منه غير مشجعة، لكن سكارليت الذي اعتاد التحدي أبى إلا أن يواصله، ويخوض التجربة ليبرهن للجميع خطأ اعتقادهم أو ربما صحته.

اليوم ومع انطلاق الدورة الثالثة لمهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي، أول الدورات التي تنعقد بعد تولي سكارليت الإدارة الفنية للمهرجان، يتحدث سكارليت لـ»الوسط» عبر اتصال هاتفي بشأن رؤيته الجديدة ومشاريعه لمهرجان الشرق الأوسط.

يحمل بتير سكارليت خبرة طويلة مع المهرجانات تصل إلى ثلاثين عاما، قضى عشرين عاما منها مع مهرجان سان فرانسيسكو ومن بعدها سبعة أعوام مع مهرجان ترايبيكا. مسيرة فنية طويلة تكللت بالنجاح منذ بداياتها، ما الذي جعلك تترك نجاحك في ترايبيكا فجأة، وكيف تنوي أن توظف خبرتك الطويلة هذه في مهرجان الشرق الأوسط؟

– في الواقع تركت سان فرانسيسكو بعد 19 عاما، وذلك حين وجدت أن عملي فيه لم يعد مخيفا، لم يعد هناك تحد بعد الفترة التي قضيتها، ولذا قررت أن أترك العمل لانتقل إلى باريس أولا لأدير مؤسسة السينما الفرنسية «سينماتيك فرانسيس» التي تملك أقدم وأكبر أرشيف سينمائي في العالم. حينها قال لي الجميع إنني غبي وكانوا محقين في ذلك إذ بعد عام واحد كنت مستعدا ليس بالضبط لأعود إلى أميركا ولكن لأترك فرنسا. بالصدفة كان مهرجان ترايبيكا السينمائي قد بدأ للتو في نيويورك وكان موسمه الأول قد انتهى. كان القائمون عليه قد خططوا لموسم واحد فقط لكن النجاح الذي حققه المهرجان جعلهم يقررون الاستمرار في تنظيمه. كانوا يبحثون عن مدير للمهرجان وهكذا وصل بي الأمر لأن أقضي الست سنوات الماضية مع ترايبيكا.

نعم أعتقد أن مهرجان ترايبيكا مؤسس بشكل قوي، لكني أيضا أعتقد أنه بعد ستة أعوام لم تعد روح التحدي التي بدأت بها موجودة لدي، ولذا حين اتصل بي المسئولون في أبوظبي وهم أصدقاء لي الآن، شعرت بحماس شديد، فأنا زرت هذا الجزء من العالم عدة مرات سابقا أثناء حضوري مهرجان دبي السينمائي، بل يمكنني القول إنني زرت هذه المنطقة أكثر قليلا من معظم الأميركان، جزء من ذلك يعود لأن زوجتي مولودة في طهران ولهذا أيضا أحببت هذا الجزء من العالم وأشعر حين أكون فيه كأنني في وطني، وحين أسافر إلى أميركا أشعر بأن كل شيء بارد هناك، ليس الجو فقط بل حتى الدفئ البشري الموجود هنا، لا تجده هناك في الشمال.

إنها فرصة رائعة أن أكون هنا، والتحدي الموجود كبير جدا فهناك الكثير من الأمور المثيرة والجديد التي تحصل في هذا الجزء من العالم، ولذا أعتقد أن المهرجان يمثل فرصة مذهلة لصناع الأفلام وللمتفرجين.

حين تم إقامة الدورة الأولى من مهرجان دبي السينمائي، كان هناك العديد من الأشخاص في أميركا وكنت واحدا منهم، يعتبرون الأمر جنونا إذ كيف يتم إقامة مهرجان للسينما في دولة لا تنتج أي أفلام. تغير هذا الآن وأعتقد أنه سيتغير أكثر، وخصوصا مع تزايد المهرجانات في المنطقة فهناك الآن مهرجان دبي، ومهرجان الخليج، وهناك مهرجان سيبدأ في الدوحة بالإضافة إلى مهرجان الشرق الأوسط الذي يعقد دورته الثالثة الآن. أعتقد أن هذه علامات جيدة والمهرجانات تشكل فرصة للاطلاع على الكثير من الأفلام من جميع أنحاء العالم، وخصوصا أنه طوال السنة ليس هناك سوى أفلام هوليوود وبوليوود، لا أعرف عن البحرين لأنه لم تحظَ لي فرصة زيارتها لكن هذا هو الحال في أبوظبي. بالطبع يسبب هذا الأمر خسارة كبيرة لسببين أولا لأن معظم صناع الأفلام يتعلمون كيف يصنعون الأفلام بمشاهدتها، وسواء كان ما يشاهدونه أفلام هوليوود أم بوليوود فإن الأساليب الفنية والأفكار التي يطلعون عليها ستكون مقتصرة على ما هو موجود في هوليوود وبوليوود. بالطبع ما هو مقدم في هذه الأفلام رائع، كلنا نحب أفلام هوليوود وبوليوود لكن يوجد في العالم أفلام أخرى نحتاج لأن نشاهدها.

السبب الآخر الذي يجعلني أعتقد أن إقامة مهرجان دولي في أبوظبي أمر مهم، ومرة أخرى أريد أن أؤكد جهلي التام بالوضع في البحرين، لكن هنا يوجد نسبة هائلة من السكان من جميع أنحاء العالم، وأعتقد أن نسبة الأجانب تفوق نسبة الإماراتيين بما يصل إلى 8 إلى 1.

أتذكر حين وصلت إلى هنا في أبريل/ نيسان، سمعت أحد المسئولين بحكومة أبوظبي الذي كان يتحدث عن ضرورة أن يكون هناك تواصل بين المواطنين والأجانب الذين لا يتعلمون العربية ولا يختلطون مع المجتمع، وهذا هو حال الأجانب في كل مكان وعبر فترات مختلفة من التاريخ فحين ترك الروس روسيا بعد تحولها الاتحاد السوفييتي أو حين ترك الصينيون بلادهم بعد ثورة 1949 وجاءوا إلى أوروبا وأميركا كانوا يميلون لأن يعيشوا في مجتمعات خاصة بهم ولأن يتحدثوا لغتهم الأصلية، لكن الأمر أصبح مختلفا بالنسبة للأجيال التالية من هؤلاء المهاجرين الذين تأقلموا مع المجتمع الجديد وأصبحوا جزءا منه.

الآن في أبوظبي ومع وجود هذه النسبة الكبيرة من الأجانب أعتقد أن فكرة إقامة مهرجان دولي للأفلام مثل مهرجان الشرق الأوسط سوف يمد الجسور بين المواطنين وجميع الجنسيات الموجودة. كما أن المهرجان سيتيح للأجانب فرصة لأن يشاهدوا أفلام بلادهم، وأملي الكبير هو أن يعطيهم أيضا فرصة لأن يشاهدوا أفلاما من الشرق الأوسط التي لا يحصلوا على فرصة لمشاهدتها في أي وقت آخر طوال العام.

نحن الآن نخطط حملتنا بحيث نقول للآخرين ألا تشعرون بفضول لأن تشاهدوا فيلما من مصر أو لبنان أو العراق أو أي من الدول المجاورة للمكان الذي تعيشون فيه الآن، ألا تريدون أن تعرفوا عن الأشخاص الذين يعيشون إلى جواركم.

أعتقد أنه جزء من قوة السينما كشكل فني هو قدرتها على جعلنا نفهم الأشياء التي نشترك فيها وفي مثل هذا الوقت المليء بالصراعات من الجدير أن نتوقف عند تلك الأمور المشتركة بيننا بغض النظر عن لون بشرتنا أو درجة حرارة البلد التي نعيش فيها أو الملابس التي نرتديها، مثل هذه المهرجانات تمثل فرص جيدة تذكرنا بهذا.

قمت باستعراض بعض نتاج سينما الشرق الأوسط من خلال برنامجك التلفزيون سينمادون، الذي بث لسنوات في أميركا، ما مدى اطلاعك على هذا النتاج اليوم، وكيف ترى واقع ومستقبل السينما في الشرق الأوسط؟

– في العادة لا يعرض التلفزيون الأميركي أفلاما مترجمة، وبرنامجي قدم عشرات من تلك الأفلام، نصف هذه الأفلام إن لم يكن ثلثها كان من الشرق الأوسط. معظم الأميركان لا يعرفون الكثير عن الشرق الأوسط، ولا عن تاريخه أو ثقافته، وأنا لعدة أسباب أهمها عملي في السينما سافرت كثيرا وشاهدت أفلاما من جميع أنحاء العالم، وحضرت الكثير من المهرجانات على مدى ثلاثين عاما تقريبا، كونت العديد من الصداقات وبدأت في معرفة أمور أكثر عن المنطقة. في النهاية هذا هو المكان الذي جاءت منه شهرزاد، ومنه بدأ تقليد رواية القصص لدى البشر، ولذا فإنه من المؤسف أن لا تجد تلك الأصوات إلا من خلال الأدب، يمكنك أن تحصل على نسخة من حكايات ألف ليلة وليلة التي يعود تاريخها لألف عام أو أكثر ولكن لا يمكنك أن تسمع هذه الأصوات عبر السينما في أي مكان في العالم، ولا حتى هنا في المنطقة.

الشباب هنا ربما يعرفون عن فرانسيس كوبولا ومارتين سكورسيزي وكلينت ايستوود، أكثر مما يعرفوه عن أشخاص نشأوا معهم، ربما يوجد في حيك الذي تعيش فيه كلينت ايستوود آخر، ولذا أعتقد أن مهمتي في هذا المهرجان هو أن أضع البذور وأعدّ تربة خصبة ليس من أجل خلق ثقافة مشاهدة الأفلام لدى الشباب في المنطقة وحسب، ولكن لكي نخلق صنّاع أفلام يقدمون قصصهم للعالم بأجمعه ليخبروه عن هذا الجزء من العالم.

أي النماذج السينمائية الموجودة في المنطقة برأيك يمكن أن يكون مبشرا بولادة صناعة سينمائية حقيقية، النموذج الإيراني، أم ذلك الذي يأتي من شمال إفريقيا إن أدرجناه ضمن نتاج الشرق الأوسط على اعتبار التشابه الثقافي والإيديولوجي؟

– كلا النموذجين مثير للاهتمام، السينما الإيرانية كان لها بصمة واضحة على العالم منذ الثمانينيات، ربما يعود جزء من ذلك إلى أنه لم يتوقع أحد في ظل القيود السياسية المفروضة في إيران أن يكون هناك صناع أفلام يقاومون كل ذلك ليعبروا عن أنفسهم بهذا الشكل. بالطبع تغير هذا الآن ففي السنوات الخمس الأخيرة لاحظنا أن كبار المخرجين الإيرانيين مثل عباس كياروستامي ومحسن مخملباف وجعفر بناهي يقدمون أفلاما تعرض لدينا لكنها لا تعرض في إيران، فهناك رقابة شديدة على الأفلام، لذا أعتقد أن النموذج الإيراني نموذج مهم. النموذج الثاني المهم في المنطقة هو النموذج التركي وفي الحقيقة ربما لم تكونوا سمعتم بهذا من قبل ولم نعلنه بعد، لكننا في مهرجان الشرق الأوسط نخصص جزءا من البرنامج للسينما التركية فسوف نعرض 8 أفلام من تركيا، سيدخل اثنان منها مسابقة الأفلام الروائية، بينما يدخل اثنان آخران مسابقة الأفلام الوثائقية. السبب الذي جعلنا نركز على الأفلام التركية هو أن السنوات الثمان إلى العشر الأخيرة كانت غنية بالنسبة للإنتاج التركي، وهو غير متأثر بشكل كبير بهوليوود وغير ممول من قبل أوروبا ولذا فإن هذا النموذج قد يكون مهما لصناع الأفلام، فتركيا ليست بعيدة وهناك نقاط التقاء ثقافي كثيرة مع الأتراك.

ما هي المعايير التي سوف تستخدم لتنظيم مهرجان في ابوظبي، بالتأكيد ستكون مختلفة تماما عن معايير تنظيم مهرجان في نيويورك أو سان فرانسيسكو أو أي جزء آخر من العالم، نحن نتحدث عن مهرجان يقام في دولة لا تملك أية صناعة سينمائية، وتضع أنظمتها الاجتماعية والسياسية الكثير من المعوقات في وجه صناعة السينما؟

– أحد أول الأمور التي فعلتها في دورة هذا العام هو أنني قمت بفصل مسابقة الأفلام الروائية عن مسابقة الأفلام التوثيقية اللتان كانتا مدموجتين في العام الماضي، وقد سبب ذلك إرباكا للمحكمين، إذ لم يكن صحيحا أن يتم تحكيم الأفلام الروائية والوثائقية مع بعضها.

وبما أن المهرجان يسمى مهرجان الشرق الأوسط، جعلت هدفي الأول أن يكون نصف أفلام المسابقة على الأقل من هذه المنطقة ويشمل ذلك إلى جوار دول المنطقة كل من إيران وتركيا ومنطقة شمال إفريقيا. أذكر أنه أثناء وجودي في الدورة الأخيرة لمهرجان كان وحين حدثت بعض الأشخاص عن هدفي ذاك، سخر مني البعض وقالوا لن تجد حتى 8 أو 9 أفلام جيدة، لكن الآن أريد أن أقول لهؤلاء إنني وجدت 8 أو 9 أفلام روائية وتوثيقية قوية بعضها تم عرضه مسبقا مثل فيلم إيليا سليمان «الزمن الباقي»، وبعضها يعرض للمرة الأولى مثل الفيلم العراقي «ابن بابل» والفيلم المصري «بالألوان الحقيقية».

هذا يجيب على سؤالك أيضا إذ إن هناك الكثير من الأعمال التي تنتج هنا في مصر ولبنان والعراق وسورية لكن لا أحد يعرف عنها، وخصوصا الآن مع دخول التقنيات الرقمية في صناعة الأفلام ما سهل الأمر لصناع الأفلام. بل إن هؤلاء على دراية تامة بما يحدث في الغرب، وهم يعرفون ظروف المنطقة ويمكنهم أن يحددوا المساحة التي يتحركون فيها ليقدموا أفلاما مختلفة تماما عما تم تقديمه منذ 10 إلى 15 عاما. بعض هذه الأفلام قد لا يسعد الأنظمة في المنطقة مثلا فيلم «هيلوبوليس» المصري الذي تسبب في إلغاء مهرجان القاهرة للأفلام المستقلة، وهو الآن يدخل مسابقة الأفلام الروائية في المهرجان. مهرجان الشرق الأوسط يسعى لأن يقدم لصناع الأفلام مثل هذه الفرص غير الموجودة في دولهم وهذا سبب آخر يجعل المهرجان مهما للغاية سواء اليوم أو في المستقبل.

أبو ظبي تسعى لأن تكون محطة مهمة على مستوى صناعة السينما سواء على مستوى المنطقة أو على مستوى العالم، هل تعتقد أن هذا الأمر ممكن بالشكل الحاصل مع فورة المهرجانات رغم عدم وجود صناعة سينمائية بالمعنى الصحيح؟

– أعتقد أن مثل هذه الصناعة سوف تبدأ وهناك أسباب كثيرة للتفاؤل، أحدها هو التوجه الجدي والمذهل في أبوظبي نحو دعم الثقافة، الجميع يعرف أن ابوظبي سوف تستضيف متاحف عالمية مثل اللوفر والغونغهايم، وهناك الكثير من الفعاليات الثقافية التي تنظم هنا بشكل أسبوعي.

ولذا فإنه بالنسبة لشخص مثلي قدم من أميركا، فأنا أعتقد أن هذا الدعم السخي والاهتمام الجدي بالثقافة أمر مبشر، وهو بالمناسبة دعم مفتوح لا يضع في حسبانه الأرباح، وهذا أمر مهم للثقافة فحين لا يتم الحكم عليها من باب الأرباح التي يمكن تحصيلها تصبح الأمور مختلفة، وأنا أعتقد أن أبوظبي هي إحدى الأماكن التي يتم فيها تقييم الثقافة بعيدا عن الأمور المالية والحسابات الربحية، وهذا أمر مهم للغاية، فما يحدث هو أن أغلب ما نشاهده من نتاج سينمائي في العالم هو ما يظن بعض الأفراد أنه سيعود عليهم بأرباح مادية، وهذا ما لا تجده في الأدب مثلا فالشاعر لا يكتب قصيدة لأنه يعتقد أنه سيجني مالا من ورائها وكذلك الملحن لا يؤلف سيمفونية وهو يفكر في الأجر المادي، لكن صناعة الأفلام محكومة بالأرباح التي تجنيها، ولذا فإن إمكانية قيام صناعة سينمائية في المنطقة غير محكومة بهذه الحسابات، وهو ما أظن أنه سيتحقق في أبوظبي، هو أمر مبشر وباعث على التفاؤل بقيام صناعة سينمائية مختلفة.

العدد 2589 – الخميس 08 أكتوبر 2009م الموافق 19 شوال 1430هـ

فورة مهرجانات والبحرين خارج الخريطة

منصورة عبد الأمير

تفتتح في أبوظبي أعمال الدورة الثالثة لمهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي الذي يقام بدعم من هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، بعدها بأسابيع قليلة ستقدم الدوحة نسخة قطرية من مهرجان ترايبيكا السينمائي. في ديسمبر/ كانون الأول المقبل سوف يطفئ مهرجان دبي السينمائي الدولي شمعته الخامسة، وأخيرا وبعد ذلك بأسابيع أكثر، في أبريل/ نيسان على وجه التحديد، يفترض أن تنعقد الدورة الثالثة من مهرجان الخليج السينمائي في إمارة دبي.

مهرجانات هنا وهناك، خليجية جميعها، مهما اختلفت مسمياتها، قريبة في جغرافيتها وفي وقتها، متوحدة، على غير العادة، في أهدافها. يبدو الخليج وكأنه يعج بفورة، ولعلها ثورة سينمائية فيلمية مهرجانية. بدأتها دبي العام 2004، بمهرجان كان في بداياته مثارا للاستغراب، وربما التندر والسخرية، أو حتى الاستنكار والاحتجاج وسوء الظن الذي كان حكما وفيصلا حينها. توقيت المهرجان وتعارضه مع مهرجانات سينمائية عربية أخرى كان باعث الخلاف الأول، وحقيقة عدم وجود صناعة سينمائية خليجية تستدعى الاحتفاء بها كان السبب الثاني.

مهما يكن من أمر، ومهما يكن حجم الخلاف الذي حدث حينها، إلا أن القائمين على المهرجان أثبتوا للجميع، وعبر السنوات حسن نواياهم من ناحية، وإمكانية تحريكهم للمياه الراكدة سينمائيا على مستوى الخليج، بل وقدرتهم على التأسيس لتلك الصناعة وليس أدل على ذلك من الإقبال الشبابي الأخير على صناعة الأفلام القصيرة في مختلف دول المنطقة.

بعيدا عن الاعتراضات وبعيدا عن قوة حجة المعترضين وصحتها، إلا أنه لا يمكن إنكار أن هذه المهرجانات، مهرجان دبي أولا ثم مهرجان الخليج، وبعدها مهرجان الشرق الأوسط، خلقت أجواء مختلفة، وصنعت حراكا سينمائيا يمكن تلمسه بسهولة في أوساط جيل من صناع السينما الشباب.

البحرين من جانبها، وعلى المستوى الرسمي، لا تبدو وكأنها راغبة في أن يكون لها موطئ قدم ولا ساق ولا حتى أصبع على هذه الخريطة السينمائية الخليجية، مع العلم بأنها واحدة من دول الخليج السباقة في هذا المجال، ومع الأخذ بعين الاعتبار رغبتها في أن تتحول إلى عاصمة للثقافة العربية، وعلى اعتبار السينما وعالم الصور الناطقة جزء لا يتجزأ من أي حراك ثقافي.

المحزن ولعله الطريف هو أن البحرين وعلى رغم ضعف إمكاناتها المادية مقارنة بجاراتها، إلا أنها تملك من المقومات البشرية والتاريخية والثقافية ما لا يملكه سواها من دول الخليج العربي. وعلى مستوى صناعة الأفلام قدمت البحرين وتقدم عددا لا بأس به من صناع الأفلام المتميزين بشهادة النقاد والسينمائيين العرب ممن حضروا تجارب هؤلاء السينمائية، وممن يشهدون بأن البحريني هو صاحب الطرح الأكثر جدية بين صناع السينما من الشباب الخليجي بل ويتلمسون مواطن الضعف في أعماله وهي التي لا تتعدى قلة الإمكانات والدعم والتدريب، باختصار ضعف الدعم الرسمي.

العدد 2589 – الخميس 08 أكتوبر 2009م الموافق 19 شوال 1430هـ

أي المثقفين أنت!

منصورة عبد الأمير

في كتابه «مثل نهر منساب» الذي يضم مجموعة من مقالاته المنشورة في عدد من الصحف، يسرد الروائي البرازيلي باولو كويللو، في افتتاحيته، بعضا مما يراه شيئا من صفات المثقفين و «علاماتهم». المقدمة طريفة جدا بقدر ما تطرح نقاطا يجدر التوقف عندها لما تتسم به من جدة ولما تثيره من إشكالات تستحق المناقشة، تماما مثل معظم كتابات كويللو التي تنساب فيها العبارات بسيطة لكن عميقة معبرة عن الكثير.

عودة إلى نقاط كويللو التي قام بتجميعها خلال بحث أجراه وهو في سن الخامسة عشرة والتي تسرد «الأعراض» التي تصيب الإنسان ليصبح «كاتبا»، وهي ذاتها ما قد يتجمع، برأيي، حين تبحث عن معنى كلمة «مثقف»، بشقيها العالمي والبحريني. فقط وقبل أن أسرد هذه «العلامات» أريد وعدا من قارئي بأن يتقبل مقالي هذا بروح رياضية بحتة، تشبه الروح التي أكتب بها الآن.

الكاتب «المثقف» بحسب كويللو هو من تغطي عينه النظارات، لا تلامس أسنان المشط شعرات رأسه. هو الغاضب على الدوام من كل شيء، ولأجل لا شيء، وإن لم يكن كذلك فهو مكتئب لا محالة. قضى معظم حياته وراء القضبان، أي قضبان، مجادلا أشباهه من مشعثي الشعر مرتدي النظارات في قضايا وجودية عميقة صعبة المراس. يحمل دائما أفكارا مذهلة لروايته المقبلة لكنه في المقابل يكره تلك التي طبعها للتو، وبالطبع يمقت تلك التي كتبها سواه ممن هم ليسوا بأصدقاء. يرّوج دائما لرسالة لا يفهمها سواه، وهو يقصد ذلك، ففهم رسالته ينفي صفة العبقرية عنه.

حصيلة الإنسان «الاعتيادي» تتكون من 3000 مفردة، لا يمكن للكاتب «المثقف» استخدامها، فهناك 189 ألف مفردة أخرى في القاموس، لا يعرفها أولئك «الاعتياديون»

اللااعتياديون فقط هم من يمكنهم قراءة عباراته ونصوصه وربما فهمهما، وعليه حينها أن يكره كل من يفهمه من هؤلاء، ربما لأنهم جميعا يسعون لشغل الشواغر الأدبية ذاتها، ولذا فإنهم يتنافسون على نيل جائزة «الكتاب الأكثر تعقيدا» و«الأعصى فهما وقراءة على البشر الاعتياديين».

حين تسأله عن آخر ما قرأه عليه أن يختار كتابا لم يسمع به أحد قبله، ولثقافته الواسعة يمكن له في أغلب الأحوال أن يتحول لناقد، لا يقرأ سوى كتب أصدقائه.

يمكنني أن أضيف أخيرا أن المثقف هو أكبر المتبنين لنظرية «خالفْ تُعرَفْ»، ولذا حين يريد أن يبهر الآخرين فإن عليه أن يتجاوز كل القواعد، وينتهك الحرمات، وينال من المقدسات. عليه أن يكسر التابوهات، كل التابوهات بلا استنثاء، بحسب ما تجيزه له دور النشر، سواء أكانت وسيلة النشر كتابا، صحيفة، أم مادة مسموعة أو مرئية.

آخر ما أود قوله، لكن بابتسامة صادقة وبهدف المزاح الذي لا أقصد أن يكون ثقيلا، أي الكتَّاب أنت، وأي المثقفين تكون؟

العدد 2582 – الخميس 01 أكتوبر 2009م الموافق 12 شوال 1430هـ