أي المثقفين أنت!

منصورة عبد الأمير

في كتابه «مثل نهر منساب» الذي يضم مجموعة من مقالاته المنشورة في عدد من الصحف، يسرد الروائي البرازيلي باولو كويللو، في افتتاحيته، بعضا مما يراه شيئا من صفات المثقفين و «علاماتهم». المقدمة طريفة جدا بقدر ما تطرح نقاطا يجدر التوقف عندها لما تتسم به من جدة ولما تثيره من إشكالات تستحق المناقشة، تماما مثل معظم كتابات كويللو التي تنساب فيها العبارات بسيطة لكن عميقة معبرة عن الكثير.

عودة إلى نقاط كويللو التي قام بتجميعها خلال بحث أجراه وهو في سن الخامسة عشرة والتي تسرد «الأعراض» التي تصيب الإنسان ليصبح «كاتبا»، وهي ذاتها ما قد يتجمع، برأيي، حين تبحث عن معنى كلمة «مثقف»، بشقيها العالمي والبحريني. فقط وقبل أن أسرد هذه «العلامات» أريد وعدا من قارئي بأن يتقبل مقالي هذا بروح رياضية بحتة، تشبه الروح التي أكتب بها الآن.

الكاتب «المثقف» بحسب كويللو هو من تغطي عينه النظارات، لا تلامس أسنان المشط شعرات رأسه. هو الغاضب على الدوام من كل شيء، ولأجل لا شيء، وإن لم يكن كذلك فهو مكتئب لا محالة. قضى معظم حياته وراء القضبان، أي قضبان، مجادلا أشباهه من مشعثي الشعر مرتدي النظارات في قضايا وجودية عميقة صعبة المراس. يحمل دائما أفكارا مذهلة لروايته المقبلة لكنه في المقابل يكره تلك التي طبعها للتو، وبالطبع يمقت تلك التي كتبها سواه ممن هم ليسوا بأصدقاء. يرّوج دائما لرسالة لا يفهمها سواه، وهو يقصد ذلك، ففهم رسالته ينفي صفة العبقرية عنه.

حصيلة الإنسان «الاعتيادي» تتكون من 3000 مفردة، لا يمكن للكاتب «المثقف» استخدامها، فهناك 189 ألف مفردة أخرى في القاموس، لا يعرفها أولئك «الاعتياديون»

اللااعتياديون فقط هم من يمكنهم قراءة عباراته ونصوصه وربما فهمهما، وعليه حينها أن يكره كل من يفهمه من هؤلاء، ربما لأنهم جميعا يسعون لشغل الشواغر الأدبية ذاتها، ولذا فإنهم يتنافسون على نيل جائزة «الكتاب الأكثر تعقيدا» و«الأعصى فهما وقراءة على البشر الاعتياديين».

حين تسأله عن آخر ما قرأه عليه أن يختار كتابا لم يسمع به أحد قبله، ولثقافته الواسعة يمكن له في أغلب الأحوال أن يتحول لناقد، لا يقرأ سوى كتب أصدقائه.

يمكنني أن أضيف أخيرا أن المثقف هو أكبر المتبنين لنظرية «خالفْ تُعرَفْ»، ولذا حين يريد أن يبهر الآخرين فإن عليه أن يتجاوز كل القواعد، وينتهك الحرمات، وينال من المقدسات. عليه أن يكسر التابوهات، كل التابوهات بلا استنثاء، بحسب ما تجيزه له دور النشر، سواء أكانت وسيلة النشر كتابا، صحيفة، أم مادة مسموعة أو مرئية.

آخر ما أود قوله، لكن بابتسامة صادقة وبهدف المزاح الذي لا أقصد أن يكون ثقيلا، أي الكتَّاب أنت، وأي المثقفين تكون؟

العدد 2582 – الخميس 01 أكتوبر 2009م الموافق 12 شوال 1430هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s