يصور مسلسل «على موتها أغني» بمشاركة رياحنة في ديسمبر… العلي: السينما جنوني والتكنيك العالي لا يصنع مخرجا

العدلية – منصورة عبدالأمير 

لا يؤمن مخرج الفيلم البحريني «مريمي» علي العلي أن يكون الهدف الأول من أفلامه تقديم رسالة ما، لكنه يؤكد أن مهمة المخرج هي تقديم حالة فنية وطرح رؤيته تجاه قضية ما. والعلي الذي يدافع عن فيلمه «مريمي» بقوة، رافضا كل اتهامات «الجرأة وعدم احترام العادات والتقاليد البحرينية» التي وجهت له إبان عرضه الأول، يؤكد أن رؤية المخرج والحالة الفنية التي يعيشها تجاه أي نص هي التي تفرض وجودها وهي التي تحدد ماهية المشهد.

علي العلي مخرج بحريني لا يتعدى عمره الست وعشرون عاما، برز اسمه في العامين الآخرين كأحد المواهب البحرينية الشابة الواعدة، تألق في فيلم «مريمي» الذي حصدت بطلته فاطمة عبدالرحيم جائزة مهرجان الخليج السينمائي في أبريل/ نيسان الماضي، والذي يعد السادس للعلي بعد عدد من الأفلام القصيرة والتوثيقية التي لفتت أنظار المهتمين بالشأن السينمائي لموهبته، عدا عن فتحها المجال له ليصبح مخرجا يشار لموهبته بالبنان ومديرا لشركة عمران ميديا.

«الوسط» أجرت مع العلي حوارا تحدث فيه عن رؤيته كمخرج وعن مشواره القصير وعما أعطته عمران ميديا وما أعطاها هو.

يشير العلي إلى أن عمران ميديا تأسست في يونيو/ حزيران 2008 على يد مجموعة من الأصدقاء وبدعم من رجل الأعمال المعروف السيد عمران الموسوي. يقول «آنذاك كنا نعمل على صناعة أفلام قصيرة وفيديو كليب، حدث أن شاهد السيد عمران الموسوي أحد أعمالنا وأعجب به كثيرا. فجأنا برغبته في تأسيس شركة إنتاج، وطلب منا تقديم رؤية متكاملة وعمل دراسة جدوى للمشروع. بالفعل تم ذلك وتأسست الشركة، لأعين مديرا لها، فيما يتولى صديقي حسين المهدي إدارة الإنتاج، أما فاضل المتروك فعين مديرا للتصوير وتولى علي نجم إدارة المونتاج، بالإضافة إلى عدد من الفنيين والإداريين الذين يعملون معنا بشكل جزئي».

حول نشاطات الشركة وانتاجاتها يقول العلي «عمران ميديا شركة تجارية عملت في كثير من المجالات، الإعلانات، تصوير برامج تلفزيونية، كما أنتجنا بعض المسلسلات مثل مسلسل «امرأة أخرى» آخر أعمال المخرج البحريني محمد القفاص وبالطبع في مجال السينما».

العلي يؤكد أن عمران ميديا شركة تجارية أولا «ثم تأتي السينما والمشاريع الأخرى التي قدمت على مدى عام ونصف، والتي يشكل عددها انجازا كبيرا للشركة إن قسناه بعمرها».

لكن عمران ميديا وإن كانت شركة تجارية هدفها الربحية أولا فإن العلي يؤكد أنها «آمنت بالشباب، أعطيتها كل وقتي وجهدي وربطت مستقبلي بها. في الواقع أشعر أن عمران ميديا هي علي العلي وعلي العلي هو عمران ميديا».

وهي، كما يفيد علي «تختلف عن باقي شركات الإنتاج البحرينية بأنها شركة يقوم عليها مجموعة من الشباب، وأنا أؤمن بأن عطاء الشاب أهم، هذا عدا عن امتلاكها لمعدات وأجهزة على مستوى عالٍ من التقنية والتطور».

وحول مشاريع الشركة الجديدة يقول «نحن بصدد إنتاج مسلسل «على موتها أغني» التلفزيوني وهو من إخراجي ويعتمد على سيناريو كتبه حسين المهدي ومن بطولة الفنان الأردني منذر رياحنة والسعودي عبدالمحسن النمر كما يشارك فيه من البحرين كل من الفنانين مبارك خميس ومحمد الصفار والفنانة فاطمة عبدالرحيم ومجموعة من نجوم الخليج».

العلي، وإلى جانب المسلسل الذي يبدأ تصويره في ديسمبر/ كانون الأول المقبل يعد أيضا لفيلم سينمائي طويل يرفض التصريح بأي معلومات عنه لكنه يفيد بأنه «مشروعي الخاص، ولا أعتقد أنه سيكون من إنتاج عمران ميديا. هو مشروع مختلف وحلم قديم سيتحقق قريبا. أنا الآن بحاجة للتركيز لكني أعدكم بمفاجأة».

البذور الفنية الأولى للعلي بدأت كما يقول»منذ صغري، كنت أشارك في الأعمال المسرحية التي تقدم في مواكب العزاء. في هذه الأعمال كنت أجد نفسي وكنت دائما ما أضيف للدور. بالطبع كانت تلك الأدوار ارتجالية وتحوي كما كبيرا من العاطفة لكنني كنت أجد نفسي حينها».

ويضيف «بالطبع لم أكن أعرف أنني أمتلك حسا فنيا، بل انني في بداية حياتي امتهنت أعمالا لا علاقة لها بالفن. ظروف حياتي الصعبة فرضت علي أن أعمل في جميع الوظائف، كنت قصابا، بناء، منظفا، سائق شاحنة، مخلصا جمركيا، وحتى بائع سمك، لكنني كنت أبدع في كل مهنة أقوم بها، أحببت كل مهني وأخلصت لها».

ثم يعلق «لا يمكن لأي شخص أن يعرف ما يريد منذ البداية، لا يمكن أن تتضح الصورة، علينا جميعا أن نبحث عن أنفسنا وسوف نجدها في مرحلة ما. لذا أؤمن أننا يجب أن نجرب كل شيء. سأكون مبالغا لو قلت إنني شعرت منذ البداية أنني فنان. نعم كنت أحب الفن وأتذوقه وحين أشاهد أي فيلم كنت أنظر له بنظرة مختلفة، لكن لم أشعر بأنني فنان» .

بدايات التوجه الفني لدى العلي جاءت مع انضمامه لقناة الأنوار الفضائية «عملت كمراسل لدى القناة، وهناك بدأت أتعرف على أدوات أكثر وابحث وأقرا. أحببت عملي ورغبت في تطوير نفسي، كانت لي جلسات طويلة مع المصور عبدالنبي الفردان تعلمت منه الأسس الأولية في التصوير».

من خلال قناة الأنوار بدأ العلي مشوار الأفلام القصيرة حين تمكن من إقناع مديرها بتصوير أول برنامج جماهيري «لحظة فرح» الذي شكل نقطة انطلاق لموهبته في التصوير والإخراج، يقول العلي «شجعني نجاحي ذاك على تقديم برامج أخرى، وفتح آفاقي على القراءة أكثر. بدأت أبحث في أساليب الإخراج، فتعرفت من خلال الكتب على مخرجين عالميين وهنا وجدت طريقي، وجدت أنني أريد أن أكون مختلفا لا أريد أن استمر مخرج برامج أو فيديو كليبات، أصبحت الدراما تستهويني أكثر».

لكن العلي لم يتمكن من إقناع مديره بتصوير أعمال درامية للقناة، فقرر هو وأصدقاؤه الثلاثة استعارة أجهزة التصوير والإضاءة من مدير القناة، ليقوموا بتصوير أفلامهم في وقتهم الخاص.

«صورت بحب، أول أفلامي القصيرة وهو «الطريق إلى جهنم»، وحصلنا على إعجاب بعض المختصين عرضته على مديري فأعجب به وسمح لي بعرضه على القناة».

تتالت بعد ذلك أعمال العلي فجاء «اليقظة»، «عباس الوطن»، «شهوة الدم»، «الحل الجذري». جميعها شكلت البدايات، ووضعت اللبنة لشاب أخذ يشار لموهبته بالبنان.

يقول العلي «بعدها بدأت مرحلة عمران ميديا وجاءت أفلام مثل «صرخة ألم»، مريمي، «أيام الحصاد»، «الخليج يحتضر» وأخيرا «ليلى».

من بين كل تلك الأعمال يرى العلي أن «مريمي» «هو الأنضج من بين أعماله السينمائية «قد يكون «شهوة الدم» بالنسبة لي هو الأول على مستوى التكنيك السينمائي، وهو العمل الذي أعطيت فيه روح السينما لكن مشكلته كانت ضعف الميزانية. لكني في «مريمي» فهمت أدواتي كما انني عملت مع محترفين من ممثلين وفنيي إضاءة فأصبحت العملية احترافية بالنسبة لي فأنت تقود فريق عمل وتعمل على تقنية مختلفة وإضاءة مختلفة وجدول معين يجب أن تنتهي منه وميزانية يجب أن لا تتجاوزها».

حول مراحل تطوره يشير العلي إلى أنه تمكن من عمل قفزات هائلة مع انتقاله من فيلم لآخر «اعتقد أن كل فيلم يشكل علامة لمحطة جديدة، أظن أن المخرج ليس هو من يصنع فيلما واحدا في السنة. أؤمن بالاستمرارية وأن يفهم المخرج أدواته. العملية الإخراجية معقدة، ولكي يتمكن المخرج من عمله عليه أن يستمر في صنع الأفلام. لا يهم ضعف النص، المهم أن يتمكن المخرج من مسك أدواته، أن يكون سريع التطور».

ويضيف «بالنسبة لي، أعتقد أن الفرصة الحقيقية التي حصلت عليها كانت هي فترة العام والنصف مع عمران ميديا. الفترة السابقة كانت تمهيدية».

وعما تتطلبه عملية صناعة الفيلم بالنسبة للعلي، يقول «تتحدثين عن العلي اليوم أو بالأمس. العلي اليوم مختلف تماما، فأنا قدمت تجارب ملفتة للنظر وهناك من ينتظر ما أقدمه لذا أطمح لتقديم فيلم طويل مختلف عن كل تجاربي. الأمر بالنسبة لي يشكل تحديا لأنني أصنع تجربة مغايرة قد أفشل فيها. أنا اليوم أضع نفسي في مقابل ما هو موجود على الساحة من أفلام بسيطة. أريد أن أكون مختلفا برؤيتي وموضوعي، أريد أن يشير الجميع لفيلمي بالبنان، تماما كما حدث مع «مريمي» الذي قال عنه المخرج التونسي ابراهيم الطيب «لا أستطيع أن أقول أكثر من أنني شاهدت سينما ونحن بحاجة اليوم لأن نشاهد سينما».

حول صناعة السينما في الخليج يقول «كلام الطيب جميل، بالفعل نحن لا نحتاج لأن نتميز في صناعة الأفلام اليوم، فقط نريد أن نكون موجودين. نحن اليوم في مرحلة صناعة الفيلم وليس في مرحلة صناعة السينما».

ويضيف «أشعر أن الخليجيين هم الأقرب إلى السينما اليوم من بين دول المنطقة، لأن لديهم وعيا مختلفا بالسينما، هناك مجموعة شباب الذين دخلوا هذا المجال بدأوا يفهمون العملية السينمائية ويمتلكون ثقافة سينمائية عالية. هذه المجموعة البسيطة التي نتجت من الزخم الذي حدث في السنوات الأخيرة هم الأقرب إلى السينما وهم من سيضيفون تجارب مهمة في تاريخ السينما الخليجية».

وعما يميزه كمخرج من بين باقي أبناء جيله من المخرجين الخليجيين يقول «لا أحب أن أتكلم عن نفسي بل عن كل أبناء جيلي. أعتقد أن ما يميز الشاب هو أن نظرته للأمور مختلفة ولديه قابلية للتعلم عدا عن مرونته وسرعة تطوره ورغبته في أن يجرب كل شيء. لو تتبعتي لأفلامي لوجدتي أنني أستخدم في كل فيلم تكنيكا مختلفا عن الآخر».

حول ذلك التكنيك يقول العلي «أسهل شيء في الإخراج هو فهم لعبة التكنيك وهو الذي يمكنني من تقديم جمالية الصور والكادر، لكن التكنيك العالي لا يصنع مخرجا ولا يثبت كونه متمكنا أم لا.

المخرج هو من يكون ملما بأدواته ويفهم اللعبة، هو من يرسم خط سير الأحداث في الفيلم، هو من يتمكن من مسك ممثليه، تحريك كاميراته، اختيار زوايا تصوير مشاهده، إثراء الصورة بإحساس الممثل، بحس شاعري، بأكشن. العملية كلها مترابطة. أنا أقول إن أسهل الأمور بالنسبة للمخرج الواعي سريع التطور المطلع على تجارب الآخرين هو التكنيك لكن ما بعد ذلك هو الأهم.

وحول رأيه في المخرجين البحرينيين الشباب يقول العلي «مشكلتنا نحن البحرينيين هو تأثرنا الكبير بالتلفزيون ومخرجيه. أعتقد أن على الشباب من صناع الأفلام أن يحددوا وجهتهم قبل كل شيء. هناك فرق بين السينما والتلفزيون، صحيح أن كلاهما يقدم صورة، لكن السينما إحساسها مختلف وتناولها للموضوعات مختلف والمخرج الذي لا يمتلك ثقافة سينمائية لا يمكن له أن يقدم عملا جيدا».

العلي الذي يعاني من مشكلة أخرى تتعلق في اتهامه من قبل بعض العاملين بالغرور، يعلق «أنا هادئ والهادئ هنا يوصف بالغرور لأنهم يحبون الفوضويين والثرثارين وأنا لا أحب أن أزاحم الآخرين بثرثرتي بل بأعمالي».

متهمي العلي يستندون في اتهامهم ذاك للرفض العنيف الذي صدر منه لكل الانتقادات الموجهة لأعماله، على الأخص «مريمي» وهو يرد «لا أرفض النقد البناء،لكن بعض الموجودين يحاولون إلغاء الشباب».

ويضيف «بعض هؤلاء، ربما يعاني من نقص يجعله يخشى تفوق الشباب عليه، ولهؤلاء أقول تأكدوا أن الجيل الجديد سيتفوق عليكم. نحن اليوم أمام تطور شرس وبعض الموجودين لا يرون إلا أنفسهم، ويعتقدون أنهم ملوك التلفزيون، في الوقت الذي نعرف أن التميز في التلفزيون ليس صعبا. مشكلتنا في الخليج أنه حين يتميز المخرج لا يرى إلا نفسه، ناهيك عن التمجيد والصنمية (…) بالنسبة لي طموحي سينما وجنوني سينما وكل شيء بالنسبة لي سينما، ولا يمكن بأي حال مقارنتي بمن يملك خبرة طويلة. عموما أعتقد بأني وصلت لمرحلة لا أقل فيها عن الآخرين ممن يعملون في مجال السينما في الخليج».

أما حول الانتقادات التي وجهت لـ»مريمي» والمتعلقة بجرأته وتقديمه صورة مغايرة لواقع المرأة البحرينية عدا عن تضمينه مشاهد لا تتناسب وتقاليدنا الخليجية، يقول العلي «كمخرج أحب أن أكون صادق مع ورقي ومع نفسي. لا أعرف عن أي عادات وتقاليد خليجية تتحدثين، نحن اليوم شعب منفتح، عمران ميديا قدمت فيلما سينمائيا لكن البلد تمتلئ بالكثير من مظاهر التي لا تتناسب مع عاداتنا وتقاليدنا».

– لكن حين تقدم الأمر على الشاشة يصبح الأمر مختلفا.

«لا أعتقد ذلك، فيلمي مستقل أولا وليس للعرض الجماهيري. أحببت القصة وتناولتها بصدق، ومن وجهة نظري لم أكن جريئا ولم تكن مشاهدي مقززة بل جاءت لتعبر عن حال الضعف التي يعيشها بعض الرجال أمام المرأة والمشهد لا يحمل أي إيحاءات أخرى. كل مشاهد «مريمي» نفذت ضمن سياق قصة، ولم يكن تضمينها عبثا.

– في الوقت ذاته انتقدت لأنك لم تعرض أي مشهد راقص للبطلة وهي راقصة وكان لذلك ضرورة درامية، في الوقت نفسه ضمنت الفيلم مشهدا وصف بجرأته لم يكن له ضرورة؟

«المخرج يقرر ما يراه مهما من مشاهد وما هو ليس بمهم وحين ضمنت هذا المشاهد لم أفعل ذلك ليقال إن العلي جريء. متى ما قرأت الورق وشعرت بنفسي فيه أكون رؤيتي. لم أفكر أبدا أن أقدم فيلما جريئا أو أخالف العادات والتقاليد فأنا ابن هذه العادات والتقاليد أنا ابن القرية.

ويضيف «نحن نقدم حالة فنية لا يمكننا أن ننفذ أعمالنا من منظور الناس والمجتمع، أنا أخاطب تنوعا مختلفا، و»مريمي» عرض في البحرين وفي دبي والأردن وسان فرانسيسكو وجنوب إفريقيا. هذا التنوع الذي اعمل عليه ولا يمكنني حصر نفسي ببيئتي وقريتي»

العدد 2638 – الخميس 26 نوفمبر 2009م الموافق 09 ذي الحجة 1430هـ

شركات الإنتاج السينمائي والجرأة المطلوبة

منصورة عبد الأمير

البحرين وإن لم تكن تعمل جاهدة على الانضمام لدول الخليج التي تصر على أن أصل التأسيس لصناعة السينما الخليجية يأتي من خلال المظاهر الاحتوائية، إلا أنها تبدو غير بعيدة عما يحدث من حراك سينمائي فني في المنطقة. لعلها القدرات الكثيرة الواعدة التي تمتلئ بها هذه الأرض الطيبة، ولعلها جهود بعض أصحاب الشأن في هذا المجال، وهنا لا أتحدث عن الجهات الرسمية بل عن أصحاب الشركات الخاصة ممن يؤمنون بشباب هذا البلد وإمكاناتهم الواعدة، أكرم مكناس وعمران الموسوي يأتيان على رأس القائمة بكل تأكيد. نجد لنا موطئ قدم إذن، ولسنا بعيدين ولا غافلين عما يحدث، ربما لا نحب البهرجة والصوت العالي ونبدو هادئين كهدوء جزيرتنا ووداعة سواحلها، أقول ربما.

مهما يكن من أمر فإن هناك جهودا واضحة لا يستهان بها في هذا المجال، هناك شركة البحرين للإنتاج السينمائي التي تصور فيلمها الثالث «حنين» وهناك عمران ميديا والتي يعتزم مديرها علي العلي تصوير فيلم جديد قريبا. الفيلمان، يقدمهما شباب ينطلق بسرعة في هذا المجال، حسين الحليبي، وعلي العلي في الإخراج ثم خالد الرويعي وحسين المهدي في الكتابة. الحليبي والرويعي يناقشان بجرأة قضية الطائفية، يعداننا بتقديم عمل لا يجامل أحدا، لا يهادن ولا يخشى في الحق لومة لائم.

من جانب آخر وعلى رغم أن العلي يرفض التصريح بأية تفاصيل عن فيلمه إلا أن تلميحاته تشير إلى فيلم يتعرض لقصة حب تعيقها اختلافات لم يحددها، ليست طائفية على ما يبدو لكنها على أية حال لا تمت للمنطق بصلة، منطق الحب على الأقل. رغم ذاك نتوقع من العلي جرأة ربما مشابهة لجرأته في «مريمي» وربما تكون من نوع آخر.

جرأة شركة البحرين للإنتاج السينمائي في طرحها، والجرأة المتوقعة من عمران ميديا، دون شك، سمة من سمات العمل السينمائي، وأحد مقوماته. السينما دون جرأة قد تعني أي شيء آخر سوى السينما، حتى وإن اختلفنا في نوع الجرأة المطلوب والمناسب أو المتوقع من فيلم بحريني.

ولأن الشركتين تقدمان الأعمال الأولى يمكن القول إنهما تصنعان تاريخ السينما في البحرين أو تستأنفاه. كذلك فإن الأساليب والطرق والإجراءات الفنية والإدارية والقانونية التي تتبعها الشركتان في تقديم أعمالهما، تبدوان وكأنهما ترسخان لمفاهيم وتقاليد صناعة الأفلام في البحرين، بشقها التجاري. ما يعني أن على الشركتين أن تكونا حريصتين على أن تقدما ما يليق بسمعة البحرين وبتاريخها وبريادتها في كل المجالات الفنية والأدبية، فهما مسئولتان عن جزء من صورة البحرين في الخارج، بحاضرها وماضيها ومستقبلها، في المحافل الفنية السينمائية على الأقل. مسئولتان عن تقديم أعمال نتمنى أن تكون صادقة لا تحابي أي طرف.

العدد 2638 – الخميس 26 نوفمبر 2009م الموافق 09 ذي الحجة 1430هـ

في ثالث أعمال الشركة البحرينية للإنتاج السينمائي … (حنين) الرويعي والحليبي يناقشان الطائفية دون محاباة

العدلية – منصورة عبدالأمير 

أسرتان بحرينيتان يجمعهما القدر في منزل واحد ليحولهما إلى أسرة واحدة، يظللها الحب والوئام، تمتلئ أيامها بسعادة لا تعلم أن قدرا آخر سيكون لها بالمرصاد. الحرب العراقية الإيرانية تكون البداية ثم تأتي كل الظروف الأخرى التي عاشتها المنطقة وتأثرت بها البحرين لتخلق حالا ما ألفتها تلك الأسرة كما لم تألفها جل الأسر البحرينية. حالا تحيل حياة الأسرة إلى جحيم، تجعل الإخوة أعداء، فيروس ينتشر كالنار في الهشيم تؤججه تيارات وأهواء مختلفة، يحيل بحرين الأمس المنتشية حبا إلى بحرين لا تشبه تلك التي يعرفها أبناؤها، بحرين يسعى البعض إلى أن يشعلها البعض طائفية بغيضة تنهش أوصالها.

الطائفية بكل وجوهها، والبحرين منذ العام 1983 حتى العام 2000، ثم كل ما مرت به من أحداث ومنعطفات سياسية واجتماعية، ستشكلان موضوع الفيلم الثالث لشركة البحرين للإنتاج السينمائي الذي تقدمه تحت عنوان «حنين»، والذي بدأت أعمال تصويره الثلثاء الماضي، والذي أعلن رئيس مجلس إدارة الشركة أكرم مكناس تدشينه خلال مؤتمر صحافي عُقد مساء الأحد الماضي بنادي الخريجين، تحدث فيه مكناس بالإضافة إلى مخرج الفيلم حسين الحليبي وكاتبه خالد الرويعي، وعدد من الفنانين المشاركين في الفيلم.

مكناس أعلن خلال المؤتمر نفسه، تولي الفنان البحريني قحطان القحطاني إدارة الشركة وذلك خلفا للمخرج البحريني بسام الذوادي، مضيفا بأن الشركة ستواصل العمل على تطوير الكفاءات البحرينية، وإنها ستسخر كل إمكاناتها، وأن كانت ضعيفة، في هذا الشأن.

القحطاني من جانبه أكد بأنه سيبذل كل جهده من أجل تحقيق الأهداف التي تم إنشاء الشركة من أجلها والمتمثلة في تشجيع قيام حركة فنية سينمائية في البحرين، مشيرا إلى أن مشاركته الإدارية في فيلم «حنين» تمثل الأولى بالنسبة له على مستوى السينما، على رغم خبرته الطويلة في العمل التلفزيوني.

وبحسب القحطاني فإنه يفترض الانتهاء من تصوير الفيلم خلال 22 يوما فقط، وستصور معظم المشاهد في منطقة أم الحصم فيما يتم استكمال ما تبقى منها في جمهورية مصر العربية. ويشارك في الفيلم كل من مريم زيمان، هيفاء حسين، علي الغرير، خالد فؤاد، وياسر القرمزي.

نستعرض الواقع ولا نجرح أحدا

وعن فكرة العمل أكد كاتب السيناريو، خالد الرويعي، أن عمله يتناول قضية الطائفية من خلال استرجاعه لبعض الحوادث في تاريخ البحرين الاجتماعي والسياسي، مؤكدا «نرجع بالذاكرة من خلال استعراض كل التقلبات التي شهدتها البحرين في هذه الفترة»

مضيفا «سنمر بهذه الأحداث ونعيشها من خلال أسرة بحرينية تعيش هذه الأجواء وسنشهد معها الكثير مما شهدته البحرين، ستكون ذاكرة البحرين حاضرة لذلك أسمينا الفيلم (حنين) ففيه حنين لأمور كثيرة».

حسين الحليبي، مخرج العمل، أكد بأن الفيلم يقدم حالا رومانسية معتدلة، لكنه يميل إلى الفيلم السياسي، وهو في واقع الأمر يمتلئ بالحنين للذكريات الجميلة وللماضي الجميل، للحب الذي كان يملأ القلوب «الحب الذي نتمنى أن يكون موجودا، للتقارب، للاندماج» وأضاف «عكفنا على كتابة السيناريو لمدة عام ونصف وقمنا بعمل العديد من المعالجات الدرامية له، لذلك أعتقد أن الفيلم جاء بشكل مدروس فهو يقدم أحداثا تاريخية اجتماعية وسياسية حقيقة مرت بها البحرين، والعائلة محور فيلمنا».

وعلى رغم واقعية «حنين» العالية واستعراضه لأجزاء من تاريخ البحرين المعاصر، إلا أن الحليبي يؤكد أن أحداث فيلمه «لن تكون مطابقة للواقع، ستكون مأخوذة من حوادث واقعية، وستكون شخصيات الفيلم مشابهة لشخصيات بحرينية حقيقية، لكن تلك الأحداث والشخصيات لن تكون مطابقة للواقع، بالطبع سيكون فيها جانب درامي وستوضع ضمن إطار حبكة درامية»

وأكد «سنحاول قدر الإمكان ألا نجرح أي طرف ولن نمس بأي طائفة. لا نريد سوى أن ننقل الواقع ونعرض هذه القضية. في هذا الفيلم نحترم جميع الشخصيات الوطنية لكننا نتطرق إلى اللمتطرفين الذين يعملون على زعزعة البلد، وهؤلاء ينتمون لجميع الطوائف، الطائفة السنية والشيعية، بل ولمختلف الأيديولوجيات»

الحلول بيد الحكومة والمجتمع المدني

الحليبي والرويعي أكدا أنهما لا يسعيان إلى تقديم أو اقتراح حلول للقضية الطائفية، والرويعي يؤكد جرأة طرح «حنين» ويقول: «لن نحابي أي طرف في طرحنا هذا، ونحن نعلم تماما أنه لا يمكن معالجة هذا الموضوع بهذه السهولة، لكننا نطمح أن يعكس فيلمنا الواقع كما هو».

من ناحيته يقول الحليبي: «سنطرح القضية بشكل محايد لأننا نريد أن نصل إلى الجميع، لكل من يمارس الطائفية، لكل من يقمع الآخر ويتحداه ويفرض عليه أجندة معينة»، ثم يشير إلى أنه ترك نهاية فيلمه مفتوحة «لا يقدم الفيلم حلولا، الحلول تأتي من خلال مؤسسات المجتمع المدني ومن الحكومة. نحن لا نفعل سوى أن نسلط الضوء ثم يأتي التغيير من الجهات المعنية».

ويؤكد أن تجربته الفنية تلك «يمكن تداولها في العالم العربي فالفن هو اللغة التي تفهمها كل الشعوب وتشعر بها. لن أحتكم لمدلولات تخص الشعب البحريني فقط لكن تلك التي تتعلق بكل الشعوب»

ويوضح «قدرة الفن على تقديم أي رسالة من خلال فيلم أو مسرحية أو أي شكل فني، أكبر بكثير من قدرة أي بيان سياسي على الوصول إلى قلوب وأحاسيس الناس. البيان قد يكون مكتوبا بصيغة تخاطب نخبة معينة، أما العمل الفني فيمكن أن يحوي من الأحاسيس وعوامل الجذب الأخرى ما يجعله قادرا على الوصول لكل مشاهديه وبالتالي يصبح تأثيره أكبر»

الأغاني وطنية رومانسية

يحتوي الفيلم على عدد من الأغاني التي يقدمها المطرب البحريني، خالد فؤاد وهو الذي يقوم بدور البطولة في الفيلم إلى جانب هيفاء حسين. كلمات الأغاني، بحسب الحليبي، يمكن تأويلها بأكثر من طريقة «تعمدنا أن تكتب الكلمات ثم توضع لها ألحان تجعلها مناسبة لحالتي الحب والحنين اللتين يطرحهما الفيلم. فالحب هنا هو ذلك الموجود بين الحبيب وحبيبته، وهو الذي يرمز لحب الشعب لوطنه».

وعن اخيتاره لخالد فؤاد للمرة الثانية، يعلق «أي عمل فني يجب أن يحوي عناصر جذب كالموضوع والممثلين. وخالد تميز في أداء دوره في فيلم أربع بنات على رغم أنه ممثل جديد، إضافة إلى شعبيته العالية بين جمهوره البحريني والخليجي».

يشار إلى أن الحليبي كان قد أخرج ثاني أفلام الشركة وهو فيلم «أربع بنات» الذي حصد جائزة المركز الثاني بمهرجان دبي السينمائي عدا مشاركاته في عدد من المهرجانات العربية والعالمية.

وهو في استعراضه لتجربته تلك، يعلق قائلا: «حصل فيلمي السابق على كثير من الانتقادات، لكن انطلاقتي هذه المرة ستكون مختلفة وسيأخذ الفيلم شكلا آخر، فقد كتب بلغة سينمائية قوية، وأنا أؤمن أن أهم خطوة في أي عمل هي الورق، إذا كان قويا ومكتوبا بشكل جيد فإن ذلك يتيح للمخرج أن يرتقى برؤاه وأن يقدم عملا جيدا. كذلك أصور الفيلم بتقنية مختلفة عن سابقتها؛ إذ نستخدم هذه المرة كاميرا Full HD وهي التي تعطي صورا ذات جودة سينمائية عالية»

يشارك في الفيلم أحمد الفردان كمخرج منفذ، فيما يشارك كل من محمود الحليبي، فهد مندي، وسلمان الزياني كمساعدين للمخرج. إدارة الإنتاج أسندت لمحمود شفيق، فيما يقوم عبدالنبي الفردان بأعمال التصوير.

ويقول الحليبي: «الفيلم يحمل كل الكوادر والعناصر التي تملك بصمات واضحة سواء في البحرين أو خارجها».

يشار إلى أن «حنين» الذي بدأ تصويره منذ يومين، يتوقع عرضه في مارس/ آذار المقبل بدور السينما في البحرين.

العدد 2631 – الخميس 19 نوفمبر 2009م الموافق 02 ذي الحجة 1430هـ

عرض ثاني أفلامها «جيران» بمهرجان الشرق الأوسط السينمائي… تهاني راشد: لا أحن لماضي «غاردن سيتي» فقط أحكي واقع مصر

أبوظبي – منصورة عبدالأمير 

ترفض المخرجة المصرية تهاني راشد الإشارة، ولو عن بعد، لحال النوستالجيا التي تملأ فيلمها الثاني «جيران»، بل أنها ترد بعنف على أحد المتفرجين متهمة إياه بإساءة فهم فيلمها مدافعة بشدة عن كل شخصياتها وعن فكرتها العامة مستنكرة وصف «العشوائية» الذي أطلقه ذلك المتفرج على طريقة تصويرها وربما على سكان حي «غادرن سيتي» موقع أحداث فيلمها.

عرض فيلم «جيران»، الذي يشكل ثاني أفلام راشد بعد عودتها إلى مصر منذ ثمانية أعوام، لأول مرة خلال الدورة الثالثة لمهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي الذي أقيم في أبوظبي في الفترة 8-17 أكتوبر/ تشرين الثاني الماضي. ويأتي هذا الفيلم الوثائقي بعد فيلم راشد الأول «البنات دول» الذي أثار ضجة كبرى واتهمت على إثره بتشويه سمعة الفتاة المصرية.

في «جيران» تصحبنا تهاني في رحلة في حي غاردن سيتي، الحي الصغير في حجمه الكبير في رمزيته، والذي يعكس صورة مصر المعاصرة بكل سلبياتها وإيجابياتها، مسلطا الضوء على «ما لا يعرفه المصريون أنفسهم» عن معاناة سكان الحي والحال التي يعيشوها، وذلك بحسب تعبير صحافية مصرية حضرت العرض الأول للفيلم بأبوظبي.

فكرة الفيلم نشأت في ذهن راشد ومساعدتها منى أسعد على اثر استضافة السفارة الأميركية بالقاهرة لراشد لعرض فيلمها «البنات دول». التقت راشد السفير الأميركي حينذاك، ليدعوها إلى حفل استقبال كان قد نظمه لجيران السفارة بحي الغاردن سيتي وهم المتضررون بشكل كبير من الطوق الأمني المحيط بمنطقة السفارة.

تقول تهاني «حينها طلبت من السفير السماح لي بتصوير حفل الاستقبال، فرحب بذلك، وهكذا بدأنا تصوير الفيلم. لم نكن نعرف وجهتنا لكنها كانت فرصة أردنا استثمارها»

وتواصل «كان حديث الأهالي مع السفير خلال حفل الاستقبال يتركز على الحالة الأمنية التي يعيشها الحي والتي يفرضها وجود السفارة فيه وما يتسبب فيه ذلك من معاناة للأهالي. من هنا انطلقنا وبدأنا في جمع حكايات الأهالي تلك. حين تعمقنا في الأمر اكتشفنا أن غاردن سيتي يمتلئ بالحكايات التي تستحق أن تفرد في فيلم توثيقي»

بالطبع لم تكن تهاني راشد أو مساعدتها تهدفان من وراء تقديم الفيلم للمساهمة في تخفيف حدة الوضع الأمني في غاردن سيتي، هما تتمنيان ذلك لكن راشد تقولها صراحة «لا أظن أن فيلمي سيفعل أي شيء بهذا الخصوص. ما أردته فقط هو أن أطرح مشكلة أولئك الذين يعيشون بالقرب من السفارة الأميركية ويعانون … إنهم يخسرون رزقهم ولا أحد يسأل عنهم»

لكن لماذا غاردن سيتي على وجه التحديد، ما الذي يميز هذا الحي عن سواه

تقول راشد «عشت في هذا الحي وأعرف كم التحولات التي مر بها وأعلم أن سرد حكاياته يعني سرد تغيرات الواقع المصري منذ الثورة حتى اليوم»

وتواصل «في الفيلم يتحدث طبيب الأسنان والروائي علاء الأسواني عن غاردن سيتي الذي كان يشبه باريس ويعيش حالة رفاهية لم تكن تشبه تلك الموجودة في أي حي مصري آخر. غاردن سيتي يعكس واقع مصر عبر عقود مضت»

هي تجربة ذاتية إذن تلك التي قادت راشد لأن تحكي معاناة ساكني «غاردن سيتي»، وهي تعاطف بل وربما انحياز، ترفض راشد الإقرار به، مع الساكنين الارستقراطيين ممن تسببت ثورة الضباط الأحرار في إن يفقدوا كل امتيازاتهم. راشد على أية حال تنتمي لطبقة ارستقراطية تسببت الثورة في أن تهاجر إلى كندا».

وراشد ترد بعنف على مشاهد يرى أن الفيلم صور الماضي الجميل وأشار إلى الثورة التي شوهته، ثم يتهمها بمحاولة تصنيف شخصيات فيلمها وتصوير بعضهم على أنهم عشوائيات.

تهاني ترفض ذلك وترد بعنف قائلة إن «كل متفرج من حقه أن يشاهد الفيلم بنظرة مختلفة، لكني لا أظن أن تصويري لعائلة بركة قلل احترامي لهم، هؤلاء أشخاص بسطاء ولكني لم أصور أي أحد بعشوائية. وأنا لا أحاسب أحدا في فيلمي، بل إني استعرض سلبيات وإيجابيات كل مرحلة»

وحول النوستالجيا والحنين إلى الماضي وهما الواضحان في فيلمها تقول تهاني «لا يوجد في الفيلم نوستالجيا، حالة الحنين هي ليست حنين للماضي، أحمل حنينا للفترة التي كان الناس يحترمون فيها بعضهم، لا أحن للماضي كماضٍ بل لأشياء فقدناها»

وتواصل «لم أهتم كثيرا للأفكار التي تحملها الشخصيات التي صورتها، بالنسبة لي الإيديولوجية تأتي بعد الناس، ما أحبه هو الناس، لا يهمني ما إذا كانوا ينتمون لليسار أم لليمين، بل ما هم عليه وما يكافحون من أجله. قد لا أتفق مع بعض من ظهر في فيلمي في أفكارهم وفي اتجاهاتهم لكني أحترمهم، أحترم ذاكرتهم، أحترم ما يريدون أن يعلمونا إياه.

ثم تضيف «لم تواجهنا المشكلة في إقناع الآخرين برواية حكاياتهم لكن في اختيار القصص التي نصورها، كانت هناك الكثير من الحكايات ولم يرفض أي أحد أن يروي قصته، المشكلة كانت في تجميع المادة واختيارها»

تهاني لا تعود إلى ماضي غاردن سيتي عبر حكايات أبناء وأحفاد الأسر الارستقراطية التي دمرتها الثورة وبددت أحلامها وقضت على مستقبلها وحسب، لكنها وبتكنيك مختلف ومميز، تمزج مادتها الوثائقية بمواد مأخوذة من أرشيف السينما المصرية يتضمن لقطات من أفلام تم تصويرها في الحي الشهير أو في قصور وفيلل أصبحت الآن خرائب مهجورة جالتها كاميرا تهاني بما يشبه الحسرة.

تعتمد راشد في فيلمها المزج بين الوثائقي والروائي، وهي كما تشير مساعدتها «تملك قدرة وبراعة أن تحول أي شخصية عادية لشخصية روائية»

وعلى رغم الصعوبة التي واجهت تهاني في العثور على مادة فيلمية جيدة، إذ إن «هناك مشكلة كبيرة في أرشيف السينما المصرية، إذ إن كثير من الأفلام مفقودة رغم التراث السينمائي المصري الهائل. كذلك فإن المادة الأرشيفية التي استخدمناها لم تكن ذات جودة عالية وكان واجبا عليها أن نقوم بعمل مونتاج لها لنتمكن من استخدامها في الفيلم»

لكن لماذا اللجوء للأرشيف السينمائي

ترد راشد «أردنا أن نستخدم السينما المصرية كمرجع للحياة في هذا الزمن، لأنها كانت تعكس واقع الحياة وأسلوبها في ذلك الوقت، وكانت توضح كيف كان الناس يتحركون ويعيشون»

المخرج المصري يسري نصر الله، الذي كان حاضرا للعرض، وافقها الرأي وأضاف «أن استخدام تهاني للمادة السينما بهذا الشكل مشابه لحالة المعمار في القاهرة وأنا أرد هنا على المتفرج الذي كان مستاء من حالة الحنين إذ لا أظن أن هناك من يحن لفترة سابقة بالتأكيد أنت تريد أن تحافظ على تراث معماري أو سينمائي أو تحفظ تاريخ السينما المصرية، لكن هذا ليس حنينا إلى الماضي، إنه حفاظ على ما يعكس حضارتك»

قد تكون تهاني لجأت لهذا التكنيك في فيلمها لأنه كما قالت «الفيلم طويل وكان علي أن أشد المتفرج لفيلمي وأجعله يستمتع به»

وربما، وهنا تضيف منى، مساعدة راشد في الإخراج، فإن «هناك موضوعا آخر أردنا أن نتطرق له إذ إننا حاولنا عمل مقارنة بين غادرن سيتي حين كان حيا راقيا، وبين الأحياء الراقية اليوم، التي تقع خارج المدينة وتحاط بأسوار عاليه تعزلها عن المجتمع، فيما لم يكن الحال كذلك مع الطبقات التي عاشت في غاردن سيتي»

قدمت تهاني راشد عبر فيلمها «جيران» مفهوما جديدا لصناعة الفيلم الوثائقي، تمكنت وهي بذلك تسجل سابقة ربما في الفيلم الوثائقي العربي من أن تشد متفرجيها على مدى ساعتين لمادتها التي مزجت فيها بين الروائي والتوثيقي والتأريخي. احبت شخصيات فيلمها واحترمتها جميعها، الارستقراطي المتظلم من تسلط الثورة عليه، والمهمشون المؤمنون بشعارات الثورة والذين لا يزالون يتمسكون بها ويعيشوها.

وفي تعليقها على بعض شخصيات فيلمها تقول «بعض شخصيات الفيلم تعطيك أملا، كبائع الجرجير ابراهيم السيد وهو الذي يسكن بالقرب مني. هذا الرجل الذي أره يوميا وأعرف تماما كيف يعيش وإلى أي مدى يعاني لكني لا أستطيع أن أفعل له شيئا».

وتواصل «كثير من العبارات وردت على لسان بعض شخصيات فيلمي أعجبتني كثيرا، أهمها العبارة التي جاءت في قصة أوردها المفكر اليساري المصري محمود أمين العالم حول قيام مجموعة من جلادي السجن بضرب العالم ورفاقه إبان سجنه في نهاية الخمسينيات ليعلق أحد السجناء بعد انتهاء نوبة الضرب بالقول «داحنا موتناهم من ضربنا»، وتهاني تقول «كلمات العالم معبرة إلى حد كبير عما آلت إليه الأمور في مصر».

العدد 2624 – الخميس 12 نوفمبر 2009م الموافق 25 ذي القعدة 1430هـ

«الفيس بوك» و«التويتر» محظوران

منصورة عبد الأمير

منتصف الشهر الماضي، انطلقت على موقعي الفيس بوك والتويتر الالكترونيين حملة استهدفت واحدة من كتّاب الأعمدة في صحيفة «الديلي ميل» البريطانية، وهي الكاتبة الشهيرة جان موار. جاءت الحملة لتعبر عن استياء ما يصل إلى 25 ألف من المثليين أو من مناصري القضية المثلية، إن كان هناك قضية، بسبب عمود لموار عن وفاة المغني الايرلندي وعضو فرقة البوي زون ستيفن غاتلي الذي وافته المنية فيما كان يقضي إجازته في أسبانيا، مع رفيقه وشريك حياته اندرو كاولز.

موار تحدثت بألم عن وفاة هذا الشاب الذي لا يتجاوز الثالثة والثلاثين من عمره، لم تنتقد مثليته، ولم تعارض زواجه، بل إنها بدأت حديثها معلنة موقفها من «المثلية»، مؤكدة أنها من أشد أنصار القضية المثلية. موار كتبت أن الظروف التي مات فيها الشاب لا يمكن أن تكون طبيعية كما تزعم تقارير الشرطة، وهي هنا لا تلمح لشبهة جنائية، لكنها تنتقد ظروف وفاته والكيفية التي مات فيها على الأريكة على بعد أمتار فقط من غرفة النوم التي كان رفيقه وشريك حياته يتقاسمها في ذلك الحين مع شاب برتغالي رافق الزوجين من حيث قضيا ليلتهما. قالت موار أن ستيفن قضى وحيدا حزينا بائسا، قالت إن موته يكشف كذبة الزواج المدني، ثم أضافت أنه يكشف أكثر عن واقع بائس يعيشه المشاهير مستشهدة بعدد من الأسماء لعل أشهرهم الراحل مايكل جاكسون.

لم تنتقد موار مثلية ستيفن، ولم تسئ إليه، بل عبرت عن كثير من حزنها لفقده ولخسارة رحيله، رغم ذاك ثارت ثائرة كثيرون، أشهرهم الممثل الكوميدي والمخرج البريطاني ستيفن فراي، الذي أعلن مثليته منذ وقت طويل، والفنان التشكيلي والنحات دارين براون وهو الآخر مثلي الجنس. الاثنان دعيا زوار صفحاتهما على «موقع التويتر» إلى رفع أصوات الاحتجاج لدى لجنة مراقبة الصحافة البريطانية.

الاحتجاجات لم تصل للجنة الرقابة وحسب لكن «موقع الديلي ميل» تلقى 500 تعليقا أسفل مقالة موار بعد ساعات قليلة من نشرها. الشركات المعلنة التي تضع إعلاناتها تلقت هي الأخرى مطالبات بسحب إعلاناتها، بل وصل الأمر بأن يتم نشر عنوان منزل موار وبأن تتلقى تهديدات بسبب موقفها الهوموفوبي أو المعادي للمثليين.

عادت موار لتعتذر، لم تعتذر عما كتبته لكنها قالت إن توقيت عمودها كان خاطئا وخصوصا أنه جاء قبل يوم واحد من جنازة غاتلي، وفي الوقت الذي كانت فيه أسرته وأصدقائه في الفرقة وشريك حياته يعيشون فاجعة موته. بالطبع لا تزال تفاعلات ذلك الأمر مستمرة ولا تزال كثير من التكهنات تنطلق بين الحين والآخر لتتهم ذلك الطرف أو ذلك بافتعال تلك الحملة، ولعل أشهر تلك الأطراف التي توجهت لها أصابع الاتهام هي صحيفة الغارديان المنافسة.

لا يعنيني موت ستيفن غاتلي ولا تفاعلات وفاته، لكن أسرد هذه القصة ليشاركني القراء الدهشة التي أعيش من قوة الرأي العام لديهم وتمكن بعض الجماعات من أن تشكل قوى ضغط على الصحافة والمعلنين وبالتأكيد على ملاك القرار. ترى ماذا يحدث لو دارت حوادث مشابهة لدينا، حيث تتفنن الصحف في مهاجمة مختلف الفئات والأطراف والجماعات، أكاد أجزم أن موقعي الفيس بوك والتويتر سيصبحان حينها محظورين مخالفين لقوانيننا.

العدد 2617 – الخميس 05 نوفمبر 2009م الموافق 18 ذي القعدة 1430هـ