في أول أفلامه «المسافر»…أحمد ماهر… «مخرج مؤلف» يتحدى المألوف ويشوه الحقائق بواقعية سحرية

منصورة عبدالأمير 

هل يمكن أن تكون الضجة التي أثيرت حول الفيلم المصري «المسافر» هي سبب كل الانتقادات وردود الفعل السلبية التي لحقت به. هل يمكن أن يكون الصخب الذي صاحب الفيلم منذ البداية، والذي بدا مفتعلا في بعض الحالات، هو سبب الإحباط الذي لحق بكثيرين ممن تفرجوا عليه؟

ربما يكون ذلك صحيحا فهذا الفيلم هو الوحيد الذي تحمست له وزارة الثقافة المصرية فأنتجته «بشكل مباشر»، مخصصة له ميزانية كانت في البداية 8 ملايين جنيه مصري، لكنها تحولت إلى 20 مليون لأسباب لعل أهمها التدخلات الكثيرة، والتي وصف بعضها بالبيروقراطي، في شكل الفيلم ومضمونه، ما تسبب في تعطيله لسنوات عديدة.

عدا عن ذلك فإن حماس الوزارة نفسه للفيلم أثار جزءا من الضجة، فالفيلم هو الأول، تأليفا وإخراجا على مستوى السينما لأحمد ماهر، رغم ذاك هو الأول الذي ينتج بشكل مباشر من قبل الوزارة، وهو الذي تُضاعف له الميزانية ولا يحدد وقت للانتهاء منه بل يترك الخيار لمخرجه ومؤلفه أحمد ماهر ليقرر ذلك، وتلك سابقة في تاريخ السينما المصرية.

بعد ذلك تأتي ضجة أخرى يتم الحديث فيها عن اختيار الفيلم للمشاركة في المسابقة الرسمية لمهرجان فينسيا السينمائي الدولي في دورته السادسة والستين وذلك ضمن 23 فيلما من جميع أنحاء العالم. سابقة أخرى تستدعي هجوما آخر وكثير من الحسد، إذ إنه في تاريخ السينما المصري لم يتمكن سوى يوسف شاهين من الوصول بأفلامه للتنافس في مهرجان فينيسيا، فكيف يفعلها أحمد ماهر بأول أفلامه.

الشريف غاضب، وانسحاب من تورنتو

ولا تنتهي الضجة، إذ تنتشر شائعات عن غضب عمر الشريف من مستوى الفيلم وذلك بعد أن شاهد عرضه في فينيسيا، ثم يعود أحمد ماهر لينفي كل ذلك متهما أطرافا، لم يحددها، بمحاولة التشويش على الفيلم مؤكدا انه سيظل فخورا بأنه الوحيد من بين مخرجي بلاده، بعد يوسف شاهين، ممن تمكن من الوصول إلى مسابقة فينيسيا.

يأتي بعد ذلك مهرجان تورنتو بكندا فتقرر مصر أن تسحب الفيلم بعد أن كان مقررا مشاركته وذلك احتجاجا على احتفاء المهرجان بمدينة تل أبيب ضمن برنامج «من مدينة إلى مدينة» بالإضافة إلى وجود عدد من النشاطات التي تروج «لإسرائيل».

في المقابل لم يسجل لفيلمي «احكي يا شهرزاد» و «هليوبوليس» الموقف ذاته، إذ استمرا بمشاركتهما واكتفيا بالتوقيع على مذكرة احتجاج وجهت لإدارة المهرجان وضمت توقيعات عدد من السينمائيين العالميين من بينهم جين فوندا.

بعد ذلك يأتي صخب آخر حول مشاركة أو عدم مشاركة الفيلم في مهرجان القاهرة السينمائي ثم نية عرضه التي لحقت بعدم عرضه والتي تبعتها تبريرات حول تسبب مباراة مصر والجزائر في عرضه «على هامش المهرجان» وأخيرا عودة مخرجه ومؤلفه أحمد ماهر ونفيه القاطع لصحة تلك الأقاويل وإرجاعه سبب «لا عرضه» لتأخر وصول نسخة العرض من إيطاليا!

هي ضجة لم تنتهِ ويبدو أنها لن تفعل، ولا يُعلم إن كانت مفتعلة كنوع من الدعاية للفيلم أم طبيعية يثيرها حاسدو ماهر على ما يحظى به من رعاية غير مسبوقة. هي على أي حال، ضجة ظلمت الفيلم وأخذت منه أكثر مما قدمت له، ولربما يعود إليها معظم النقد السلبي الذي وصل حد السخط في بعض الأحيان تجاه الفيلم وتجاه مخرجه في معظم الحالات.

ويفتتح مهرجان الشرق الاوسط

من جانب آخر كان مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي الذي انعقد في أبوظبي في أكتوبر تشرين الأول الماضي، قد اختار «المسافر» كفيلم الافتتاح. بالطبع لم يكن ذلك اختيارا عشوائيا ولا مزاجيا أو هوائيا ولا يشير لحظوة يتمتع بها أحمد ماهر لدى إدارة المهرجان. فبيتر سكارليت الذي كان مديرا لمهرجان ترايبيكا السينمائي يمتلك ما يكفي من الخبرة والثقافة والمزاج المهني الذي يجعله قادرا على اختيار ما يراه مميزا وما يظنه صالحا لأن يفتتح به المهرجان في أول دورة يتسلم رئاستها. وسكارليت شرح أسباب اختياره ذاك، أثناء تقديمه لحفل افتتاح الدورة الثالثة من المهرجان، حين أثنى على مخرج الفيلم الذي أمضى فترة طويلة من حياته في إيطاليا وتأثر بأساليب مخرجيها الفنية، وأشار إلى أن ماهر معجب إلى حد كبير بعوالم الروائي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز.

تقديم سكارليت ذاك جعل جمهور «المسافر»، على الأقل ممن حضروا حفل افتتاح مهرجان الشرق الأوسط، يتوقعون واحدا من أفلام الواقعية الإيطالية، ولأن ماركيز حاضر في الصورة، فالمتفرج إذن سيكون أمام ما يعرف بالواقعية السحرية. الواقع يقدم بأسلوب خيالي لا منطق فيه، بغرائبية تحمل الكثير من الدلالات، وبحسب التعريف القاموسي فإننا سنكون أمام فيلم سردي، أكثر الظن «يتضمن السرد فيه أحداثا خرافية وخيالية تظل محتفظة بطابع الموثوقية في الروي الواقعي الموضوعي».

هل تحقق ذلك في فيلم ماهر الذي جاء ليسترجع أحداث 3 أيام في حياة راويه الذي يؤدي صوته عمر الشريف، وهي الأيام التي جاء اختيارها معبرا عن عدد من الأحداث الكبرى التي شكلت منعطفات حاسمة في التاريخ العربي الحديث هي احتلال فلسطين، وحرب أكتوبر، وأخيرا أحداث الحادي عشر من سبتمبر. هذه الأحداث تشكل خلفية زمنية تدور فيها حوادث قصة بطل الفيلم والذي يقوم بدوره خالد النبوي في شبابه ثم عمر الشريف في المرحلة الأخيرة التي تجري أحداثها العام 2001.

النكبة الأولى…1948

في اليوم الأول نعود إلى العام 1948 وإلى عامل التلغراف حسن «خالد النبوي» لنعيش معه أحداث اليوم الأول الذي يتسلم فيه عمله في بورسعيد. في هذا اليوم يتسلم حسن برقية تفيد بوصول فتاة أرمينية هي «نورا» تقوم بدورها اللبنانية «سيرين عبدالنور» للقاء خطيبها المصري فؤاد «عمرو واكد» والزواج منه.

يجد حسن نفسه منشدا للقاء الفتاة والتعرف عليها، فيقرر تقمص شخصية خطيبها، يلتقي بها بالفعل ويشعر بانجذابه الشديد إليها كما تشعر هي بذلك، وينتهي الأمر بأن يقوم باغتصابها على ظهر المركب.

ما يلفت النظر في فيلم ماهر منذ المشاهد الأولى هو الاهتمام الشديد من قبل المخرج بالكادر والصورة، كذلك تبدو حركة الكاميرا وزوايا التصوير مختلفة إلى حد كبير، هل هي مدلولات الواقعية السحرية.

منذ البداية تصدمنا حركة الكاميرا الرتيبة والمشاهد التي تهتم بتفاصيل لا معنى لها وسير الأحداث البطيء حد الملل، لكن ما يزعج حقا هو التصوير السيئ لشخصية حسن، الذي بدا فظا غير إنساني في تعامله مع الفتاة. حسن يفترض أن يمثل الشخصية المصرية، هل هذه هي الشخصية التي يريد أن يقدمها أحمد ماهر للرجل المصري أو العربي بشكل عام، هل هو تشويه الواقع والصدمة التي تعمد الواقعية السحرية لإحداثها في نفوس متلقيها، فقط من أجل نقد واقع ما. قد يكون الأمر كذلك، لكن يبدو أن أحمد ماهر بالغ قليلا في سحرية واقعيته.

الواقعية السحرية.. ضجيج دائم

الواقعية السحرية، على أية حال، ومنذ بدايات ظهورها أثارت ضجيجا مشابها لما يثيره فيلم أحمد ماهر، وتعرضت للهجوم. قيل عنها تارة أنها من مخلفات ما بعد الاستعمار وأن «البيض» استخدموا هذا المصطلح ليقللوا من شأن أعمال «الآخرين» سواهم وهم اللاتينيين هنا. وقيل عنها أنها أسلوب أدبي فقد رونقه، أو طريقة لاستغلال البعض في أميركا اللاتينية. آخرون لم يحملوا الأمر كل ذلك، فقط وجدوا الأسلوب ينزع الجدية من أي عمل أدبي.

ثم جاء ارتباط الواقعية السحرية بالحداثة ورؤيتها المختلفة للواقع اليومي المعاش والاعتيادي الذي وجدت فيه ما يمكن أن يشكل أرضية لواقع مشوه غريب، شاذ، استثنائي. واقع يتحدى فيه الخيال الواقع الحقيقي المعاش، يعريه، يسخر منه، وينقده بشكل حاد حين يعبر عنه بمفاجآت وصدمات تحول كل ما هو واقع إلى شيء آخر لا يحدث سوى في ذهن أولئك الروائيين أو صناع الأفلام من متبعى هذا الأسلوب.

هل يمكن الهجوم على فيلم «المسافر» من الزاوية نفسها، وهل يوجه ماهر نقدا لبلاده من منظور يبدو غريبا في زوايا انطلاقه إلى حد كبير.

1973.. منعطف آخر

في اليوم الثاني الذي تدور أحداثه العام 1973 نجد أنفسنا في مدينة الإسكندرية ويجد حسن نفسه في مواجهة ماضيه ويتلمس آثار فعلته الشنيعة التي شاهدناها في اليوم الأول حين يلتقي بناديا ابنة نورا من فؤاد «تقوم بدروها سيرين عبدالنور أيضا». تلجأ إليه الفتاة بعد موت شقيقها التوأم علي الذي يشبه حسن تماما، شبه يجعل الشكوك تدور حول أن يكون علي وناديا هما ثمرة حادثة الاغتصاب التي تمت قبل أعوام طويلة. لكن المصادفة والمفاجأة الصادمة وغير المتوقعة هي أن هذا اليوم الذي يبدأ بموت علي ينتهي بزواج شقيقته من صديقه المجنون وذلك تنفيذا لوصية علي!!

مرة أخرى نحن بعيدون عن الواقع وأمامنا شخصيات لا نفهمها، كل ما تفعله بعيدا عن أي منطق. هذا الرجل «حسن» يتصرف مرة أخرى بشكل غريب شاذ وغير مقبول، هو نفسه يبدو غريبا عن كل شيء حوله، بل وحتى عن نفسه.

2001 وعمر الشريف

أخيرا نأتي لليوم الثالث في حياة حسن وهو الذي تدور أحداثه العام 2001، هذه المرة نلتقي بحسن وهو رجل مسن، عمر الشريف يظهر هنا، وحقيقة يبدو مقنعا أكثر من خالد النبوي الذي سقط على ما يبدو في فخ تقليد أو محاولة تقمص شخصية الشريف.

في اليوم الثالث أو في المرحلة الزمنية الثالثة يلتقي حسن بحفيده، ابن ناديا، التي توفيت هي الأخرى كما توفيت والدتها في ظروف لم نعرف عنها شيئا. عموما لن نتوقع تفسيرا منطقي أو قصصا مكتملة، لكن ما يحدث هنا يبدو قمة الشذوذ والغربة تجاه كل شيء. فحسن وحين يلتقي حفيده علي « شريف رمزي» يجد نفسه أمام مواجهة جديدة مع ماضيه، فالحفيد يشبه الجد إلى حد كبير لكنه يحمل أنف فؤاد زوج نورا!!

بكل تأكيد هناك وجه آخر للواقعية السحرية، فهي تقدم رؤية المخرج تجاه قضية ما، وموقفه، وتعلن رفضه وتحديه لكل ما يطرحه، وذلك تماما هو ما فعله أحمد ماهر في فيلمه، لعله لم يوفق في طرح وجهة نظره بالأسلوب أعلاه، لعله بالغ في استخدامه لأساليب فنية «غربية» كثيرة ما جعله فيلما يشبه وجبة دسمة لا طعم ولا لون ولا رائحة لها.

«المخرج المؤلف» عاوز كده

ماهر كما يبدو أراد تقديم فيلم يتحدى فيه ما هو شائع في سينما بلاده، السينما التي لا تتخذ من شعار «الجمهور عاوز كده» سنة لها، تضحي بالغالي والنفيس وبكل القيم والتقاليد والمبادئ السينمائية فقط من أجل معاكسة شباك التذاكر، مدعية أنها ترضى الجمهور في الوقت الذي تخلق ذوقا سينمائيا هابطا لا يقدم رسالة سوى التسلية والمتعة والترفيه.

من الواضح أن ماهر يسير في فيلمه على قاعدة مختلفة، هو لا يغازل أي جمهور أو شباك تذاكر، فيلمه يسير على خط مختلف ويتبع أساليب غريبة لا تعرفها سينما بلاده. يعلن منذ البداية ان فيلمه ينتمي لسينما المؤلف المخرج، هو إذن لا يكترث لرأي شباك التذاكر، هو يخط مسارا جديدا، قد يقبل وقد يرفض وهو ما حدث بالفعل. يقول أنه يتبع أسلوب الواقعية السحرية ويضيف بأنه تأثر بأفلام الواقعية الايطالية، ويتكرر اسم فيلليني في أحاديثه أو الأحاديث التي تدور حوله.

التربص والهجوم ضريبة التجديد

واقعية ايطالية، واقعية سحرية وسينما المؤلف، بالطبع لم يشفع اسم بيتر سكارليت ولا مهرجان الشرق الأوسط ولا فينيسيا ولا لندن ولا أي مهرجان آخر للفيلم. بكل تأكيد لن يحبه الجمهور وسوف يبدو انسحاب كثيرين منهم من صالة العرض سواء في فينيسيا بشهادات بعض الصحافيين ممن سجلوا ذلك في كتابتهم حول الأفلام أو حيث شهدت بأم عيني في مهرجان الشرق الأوسط، طبيعيا.

كذلك لن يشفع للمخرج حديثه عن «حالات تربص» و «حملات هجوم» يتعرض لها فيلمه. أحمد ماهر لا يحتاج لأن يجعل من نفسه ضحية، فردود الفعل طبيعية ومتوقعة بسبب كل ما ذكرناه. عليه أن يجتهد وأن يواصل مساعيه فهو يبدأ خطوة صحيحة، رغم كل أخطاءها، حين يتحدى السائد في سينما بلاده لعلها ستكون بداية الخلاص للسينما المصرية التي تفقد رونقها وبريقها وقيمتها يوما بعد آخر.

العدد 2645 – الخميس 03 ديسمبر 2009م الموافق 16 ذي الحجة 1430هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s