«أغورا»… فيلم للمؤسسات الدينية

منصورة عبد الأمير

بالنسبة للبعض قد يبدو أهم ما في فيلم «أغورا» الإسباني هو دحضه للنظرية الغربية التي تتهم الدولة الإسلامية بتدمير مكتبة الإسكندرية. الفيلم يوجه لوما شديدا ولاذعا للكنيسة المسيحية في القرن الرابع الميلادي لقيام أتباعها وبأمر من أعلى «قياداتها» بتدمير وضياع ما ضمته المكتبة من تراث علمي بشري قيم.

في واقع الأمر فإن للفيلم أهمية خاصة في مثل هذا الوقت الذي تتصاعد فيه حدة الصراعات وتنتشر فيه خطابات الكراهية الدينية، ليس بين منتسبي الديانات المختلفة وحسب بل بين أبناء الدين الواحد.

الفيلم يستعرض وقائع مريرة وحوادث بشعة نتجت من التطرف والتشدد الدينين ومن تسلط رجال الدين واضطهادهم لأبناء الديانات الأخرى، وكذلك يسلط الضوء على تبعية الحشود لزعاماتها الدينية ورفض قواعد إعمال قواعد العقل والمنطق من قبل تلك الحشود والقيادات.

هذه الوقائع تتشابه إلى حد كبير في معطياتها مع ما يدور اليوم، ليس في العالم الإسلامي فحسب بل في كل أرجاء العالم. صحيح أن السيطرة والهيمنة على الحشود الإسلامية هي سيطرة دينية في كثير من الدول الإسلامية، إلا أن هناك أنواع أخرى من الهيمنات السياسية والثقافية تمارس ضد الشعوب الأخرى ربما بنفس القدر والتأثير.

ولعل واحدا من أهم الحلول التي يطرحها الفيلم لمواجهة التطرف والتشدد الدينيين، وهما على الأقل ما يعصف بعالمنا العربي اليوم، هو اعتماد التشكيك منهجا حياتيا. التشكيك، بحسب الفيلم، يعني إعمال العقل والقدرة على نقد ممارسات الكنيسة أو أي سلطة دينية متطرفة أخرى. والفيلم لا يدعو إلى التشكيك الديني وحسب، يركز عليه نعم، لكنه يتعرض للنهج التشكيكي في العلوم والفلسفة.

التشكيك في الفيلم هو ما أوصل هيباتيا لنظرية الدورة الهلامية للكواكب لتنقض النظرية القديمة السائدة. كذلك فإن التشكيك في بعض نصوص الكتاب المقدس هو ما مكن الجماهير من الالتفات لتلاعب الكنيسة بمصائر الشعوب وواقعها. التشكيك هو ما جعل «دافوس» عبد هيباتيا، مثلا، يستفسر عن ضرورة قتل اليهود، في حين تحث تعاليم المسيحية على التسامح وتدعو إليه وتثبته سيرة المسيح نفسه.

الفيلم يشكك في الكثير ويثير تساؤلات حول العديد من القضايا التي لم تكن تؤرق أهالي الإسكندرية أو من عاصرهم في القرن الرابع الميلادي، لكنها قضايا تثير إشكالات عديدة اليوم، ربما لمنتسبي جميع الأديان، كقضايا إنسانية المرأة، الاعتراف بالآخر، التسامح الديني، نبذ التطرف والتشدد، ضرورة مراجعة النصوص الدينية وإعمال العقل، الخلاف أو الوفاق بين الدين من جانب والعلم والفلسفة من جانب آخر، وغير ذلك كثير.

قد يكون الفيلم بمثابة وقفة لم تكن تتعلق بالكنيسة المسيحية ولا القرن الرابع الميلادي ولا الإسكندرية في العصر الروماني ولا أيّا من ذلك. لكنه يمكن أن يكون وقفة تحتاج مؤسساتنا الدينية، الإسلامية، على وجه الخصوص، أن تقفها مع نفسها، لتراجع كثير من ملفاتها، على الأقل تلك التي طرحها الفيلم، ولترد على إشكالات عديدة، ولتقف بشجاعة في وجه نهج التشكيك الذي لا يوجه لها من الخارج الآن لكنه على ما يبدو يأتي كنتاج طبيعي للعصر الذي نعيش.

العدد 2701 – الخميس 28 يناير 2010م الموافق 13 صفر 1431هـ

وادي الذئاب…ومعاداة العرب

منصورة عبدالأمير

لم يرق دلال «إسرائيل» لتركيا، ولم تتمكن من استخدام ورقة معاداة السامية لتجبر تركيا على وقف عرض مسلسل «وادي الذئاب». اعتذرت رسميا، وورقتها الكليشيهية المبتذلة والمثيرة للاشمئزاز لم تنفع كورقة ابتزاز مع تركيا.

جاءت معترضة على تعرية سياساتها تجاه أطفال فلسطين على الشاشة، وهي التي يعريها في كل يوم مناظر جثث الأطفال الممزقة، ومشاهد كثيرة لا يمكن أن تغيب من ذاكرة وضمير البشرية، كذاك الذي يظل حيا طريا لمحمد الدرة وهو يختبئ خلف ظهر أبيه هربا من رصاصات حاقدة مزقت جسده الصغير، أو نشيج الصغيرة هدى وهي تصرخ أمام جثث والدها وأشقائها على أحد شواطئ غزة.

دلال «إسرائيل» ليس جديدا، وهي التي تسجل في كل يوم اعتراضاتها على عشرات بل مئات من الأفلام «المعادية للسامية»، ربما لتعرضها لشخصية رجل يهودي محتال غادر، وربما يصل الأمر لقيام شخص معقوف الأنف بدور يهودي في فيلم ما.

«اسرائيل» اعتقدت لوهلة أنها «تمون» على تركيا كما هو الحال مع جيرانها من العرب وهم الذين لن يترددوا لحظة واحدة في أن يحضروا لها «لبن العصفور» لو طلبته، لا أن يوقفوا مسلسلا أو عملا فنيا من أجل سواد عيونها، والشواهد على ذلك كثيرة.

لم يحدث ذلك والطموح أن لا تتنازل تركيا عن موقفها وتواصل عرض المسلسل وألا يتم حذف أي من مشاهده أو تغييرها. وعموما مهما تكن تطورات الأمر، فإن لهذا الحدث دلالات كثيرة لعل أهمها هو أن تركيا أثبتت أنها دولة ذات إرادة حرة، وأنها ليست كما يتهمهما البعض «ترقص على السلم». هي في واقع الأمر تؤدي دورا رئيسيا في المسرح، في حين يقف العرب أقزاما يراقبون ما يحدث في الظلام، وفي أحسن الأحوال تسند لهم أدوار كومبارس لا يدير ظهره للجمهور.

لكن بعيدا عن كل ذلك فإن الدلالة «السينمائية» للحدث تأخذنا لأعمال كثيرة معادية للعرب، لم يتحدث عنها أحد يوما، معظمها جاء من هوليوود، ولا نذكر أن وزير خارجية بلد عربي ما استدعى، لا سمح الله، سفير دولة ما، لا ليوبخه معاذ الله، فتلك ليست من شيم العرب لكن على الأقل ليبدي شيئا من لوم وعتاب لا يبتعد عن «لوم الحبايب».

الأفلام الهوليوودية مثلا، ومنذ البدايات قدمت الشخصية العربية بشكل بشع، العربي فيها يحمل كثيرا من اللؤم، لا أمان له، يمكن أن يغدر بالآخر في أي لحظة، بالطبع لن ننسى كليشهات الإرهاب وقمع النساء والهوس بالجنس ومظاهر البداوة المفرطة التي تسيطر على حياة العربي. ولعل واحدا من أشهر الأمثلة التي قدمت هذه الصورة فيلم Rules of Engagement الذي اعتبر الأكثر إهانة للشخصية العربية، على الأقل لتصويره أطفال العرب بأنهم صغار تمتلئ نفوسهم حقدا متعطشين للدماء و … قتلة.

لم يسجل اعتراض عربي «رسميا» واحدا على ذلك الفيلم أو أي فيلم آخر مهين للشخصية العربية والإنسان العربي، والسؤال الذي لا أملك له جوابا هو «أيعني هذا أن العرب لا يحترمون ذواتهم كثيرا كأبناء عمومتهم «الساميين» وأن الإنسان العربي يمكن أن يكون «ملطشة» لكل من هب ودب!

العدد 2694 – الخميس 21 يناير 2010م الموافق 06 صفر 1431هـ

 

حماية النقد السينمائي … وماذا بعد؟

منصورة عبد الأمير

أتفق مع النقاد السينمائيين محمد رضا وأمير العمري وصلاح السرميني في مبادرتهم الرائدة التي أطلقوها، أخيرا، عبر بيان إلكتروني أعلنوا فيه عن تشكيل هيئة من «الغيورين على الكتابة والصحافة السينمائية»، تتصدى لظاهرة السرقات الأدبية والصحافية كواحدة من الظواهر التي تتنافى مع أخلاقيات الكتابة والنقد السينمائيين.

بالطبع لا تأتي ريادة البيان والدعوة التي يحملها لكونهما تكشفان ما هو خفي على العاملين في جميع الحقول الكتابية والصحافية، فالسرقات الأدبية ليست ظاهرة جديدة في عالم الكتابة، إذ يعود عمرها لقرون، ولربما يكون ذلك ليس عمر نشأتها بل عمر التوجه لمحاربتها وتسميتها أو اعتبارها كظاهرة.

النتاج الإنساني مذ وجد، وجدت معه السرقات والاعتداءات و«الانتحالات»، كما أن من يسميهم البيان بالدخلاء لا يشكلون فرقة جديدة أو مستحدثة، فهؤلاء وجدوا ونشأوا مع نشأة وجود أرشيف يضم كتابات كل المبدعين أو المساهمين في الحضارة البشرية بكل أوجهها.

كذلك فإن التوجه لمحاربة السرقات الكتابية ليس أمرا جديدا، ربما يكون جديدا في عالم الصحافة العربية، أقول ربما، لكنه بدأ في المجال الأكاديمي، على الأخص في المؤسسات التعليمية التي تحترم نفسها، منذ أمد طويل.

نعم أتفق مع البيان في أن هذه الظاهرة تفشت في الآونة الأخيرة، لكن «الآونة الأخيرة» لا تعني قطعا عاما أو عامين مضيا، بل ربما عقد من الزمان، ومرد ذلك كما أظن هو التداول الواسع لمختلف المقالات والإبداعات في كل المجالات التي أتاحها التطور التقني والتكنولوجي في عالم الإنترنت.

بالطبع لا أنتقد مثل هذا التوجه، على العكس هي خطوة مهمة من شأنها تخليص الساحة الكتابية والصحافية من كثير من «الدخلاء» كما يسميهم البيان، لكن السؤال الذي أود طرحه لمطلقي البيان هو «وماذا بعد؟».

ماذا بعد أن يتم الكشف عن حالات السرقة، وفضحها ونشرها في كل المحافل الأدبية والكتابية، والاتصال بالصحف التي يعمل فيها «المحتالون» أو «الدخلاء» على الكتابة أو ما شاء أي أحد أن يطلق عليهم.

ماذا بعد ذلك، هل يمكن أن تقتصر هامة مثل هذه الهيئة، التي تضم كبار النقاد والمهتمين بالساحة السينمائية العربية، على الدخول في معارك وربما مناوشات وأخشى أن تصل لمهاترات، مع أقلام أو منابر قد لا تكون غايتها احترام الأخلاقيات الصحافية أو الاكتراث لها. أظن أن بعض إدارات الصحف حيث تنشر «السرقات» لا تكترث كثيرا، على الأخص مع الحجم «غير الهام» الذي تعطيه هذه الصحف للكتابات الثقافية، واعتبارها الصفحات الثقافية كماليات يمكن الاستغناء عنها حين تقتضي الضرورة وحين لا تقتضي، ولذا يمكن في أي حال وفي كل حال التساهل مع أي مادة تنشر فيها، ومع أي صحافي أو كاتب أو دخيل أو مدع يساهم فيها.

العدد 2687 – الخميس 14 يناير 2010م الموافق 28 محرم 1431هـ

حماية لأخلاقيات النقد السينمائيّ.. نقاد عرب يطلقون بيانا يحارب قص ولصق «الدخلاء»

منصورة عبدالأمير 

أطلق عدد من النقاد السينمائيين العرب، أخيرا، بيانا وجه لكافة المؤسسات الإعلامية العربية أعلنوا من خلاله تكوين هيئة أولية من النقاد السينمائيين «والغيورين على الثقافة السينمائية العربية» تأخذ على عاتقها الدفاع عن وجود مهنة النقد والصحافة السينمائية، كما دعوا فيه إلى حماية الأخلاقيات المهنية للنقد السينمائي والكتابة السينمائية الجادة.

القائمون على البيان هم ثلاثة من أشهر النقاد السينمائيين العرب وهم الناقد اللبناني محمد رضا، والناقد والمخرج السوري صلاح السرميني، والناقد المصري أمير العمري. وبحسب البيان فقد قرر الثلاثة إطلاق بيانهم المذكور «لمواجهة انتشار ظاهرة السرقات التي يتعرّض لها نقاد السينما العرب من قِبل دخلاء يلجأون إلى هذه الوسائل غير الأخلاقية.

وقد حمل البيان ما يزيد على المئة توقيع لعدد من العاملين في المشهد السينمائي العربي الذين وافقوا عليه من نقاد ومخرجين سينمائيين وعدد من المهتمين بالحركة السينمائية من صحافيين وفنانين وطلبة جامعات وغير ذلك، وذلك إعلانا منهم بالتضامن مع محتوى البيان والموافقة على كل محتواه وما يدعو إليه من أهداف.

مطلقو البيان تحركوا من واقع قناعاتهم بأن «المادة النقدية المكتوبة هي عمل إبداعي خاص» ولذا فإنها «تمتلكُ حقوقا ثابتة تسمى «حقوق المؤلف»، لا يجوز الاعتداء عليها عبر نقلها، أو سرقتها».

ويشير النقاد الثلاثة إلى أن ظاهرة السرقات هذه «تفشت خلال السنوات الأخيرة» وهي كما يفيدون «ظاهرةٌ خطيرةٌ تهدّد الثقافة السينمائية العربية، وتعرقل مساعي نقادها السينمائيّين».

السرقة التي يقصدها النقاد الثلاثة «تتجسد في النقل، القصّ، اللصق، الانتحال، الترجمة بدون ذكر المُؤلف والمصدر، أو السرقة الكاملة للنصوص النقدية».

كما تتضمن الاعتداءات التي ينوي مطلقو البيان التصدي لها «الاستحواذ على خبرٍ أو بيانٍ أو ملفٍ صحافيّ بدون الإشارة إلى المصدر، إلاّ إذا عمد الكاتب إلى تحليل الخبر أو البيان أو المعلومات الواردة في الملف الصحفي، وتقديم وجهات نظره في محتواها».

ويضيف البيان بأنه، نظرا «للاستسهال وفقدان آليات المُحاسبة، ومن أجل مواجهة هذه الظاهرة التي تتفاقم يوما بعد يوم، أصبح من الضروري أن ترتفع أصوات النقاد السينمائيين، وكلّ من يكتبون عن السينما، ومن يعتبر نفسه صادقا، نزيها، وشريفا، للتصدّي بكلّ الوسائل المُتاحة للسرقة، والقائمين بها».

وبحسب ما جاء على لسان النقاد الثلاثة في البيان «نعتبر من حقّنا وواجبنا حماية هذه المهنة من الانحدار أو حتى الاندثار، وإعادة الاعتبار إلى النقد والصحافة السينمائية. وهذا لن يتحقق إلاّ بمُواجهة هذا التسيّب الحاصل، وتساهل العديد من أجهزة ومؤسّسات ووسائل الإعلام في هذا النطاق».

وبحسب البيان فقد قرر الموقعون في حال الكشف عن حالة سرقة والتأكد تماما من وجودها «بنشر الحالة في كافة الوسائل والمحافل الإعلامية التي يعملون بها، والاتصال بإدارة الوسائل الإعلامية التي ظهرت فيها السرقة بهدف لفت النظر، والمُطالبة بإجراءٍ مهنيّ فعّال».

كذلك يعتزم هؤلاء «إرسال رسالةٍ إلى المهرجانات السينمائية العربية تتضمّن تفاصيل السرقة والانتحال» و«تخصيص ركن في المُدونات، والمواقع السينمائية لأعضاء اللجنة، أو أصدقائهم لنشر تفاصيل، وأسماء من ثبتت عليهم حالة السرقة، والنصب مع وضع الروابط الضرورية» بل إنهم أعلنوا عزمهم تصعيد الأمور، إن اقتضى الأمر، باللجوء إلى القضاء بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية واتفاقاتها الدولية.

العدد 2687 – الخميس 14 يناير 2010م الموافق 28 محرم 1431هـ