حليم… خارج السياقات … حلم بحريني

منصورة عبدالأمير

بعيدا عن أي إشكالات، وخارج أي سياقات، دينية أم اجتماعية أم ما شاء للقارئ أن يؤطر هذا المقال بها، تمر بعد أيام الذكرى الثانية والثلاثين لرحيل العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ.

مرة أخرى، خارج كل السياقات، تمر ذكرى العندليب الذي أطرب، من شاء أن يُطرب من شباب جيله، ولربما من جاء بعده من الأجيال، بما يفوق المائتي أغنية يمكن القول أن معظمها يأتي على رأس قائمة التراث الغنائي المعتد به على مستوى العالم العربي على مدى عقود.

«حليم»، مرة أخرى خارج السياقات، شكل ظاهرة، يمكن وصفها بالثقافية، المجتمعية، وحتى السياسية، قبل أن تكون غنائية، معبرة إلى حد كبير عن روح المجتمع المصري أولا والعربي ثانيا، وهي التي كانت روح واحدة إلى حد كبير في تلك الفترة «الذهبية» من عمر العالم العربي.

قدم الأغاني الرومانسية التي وضعت الحب في قالب مثالي يوتوبي، نفتقده اليوم، لا نجده في واقع حياتنا، قبل أن نبحث عنه في كل أغنيات اليوم التي لا يمكن وصفها إلا بكونها أحد عوارض الانحدار الذي يعيشه عالمنا.

بالطبع لا يمكن اختزال حليم في الأغنية الرومانسية، إذ يعلم القراء أنه ما من مغنٍ مثله جسد بأغنياته كل مبادئ ثورة الضباط الأحرار كما فعل هو. كان حليم أشبه بإعلامي مخلص للثورة ولمبادئها ولرجالاتها. في واقع الأمر كان أكثر من ذلك، حليم كان بمثابة أحد الضباط الأحرار، كان لأغانيه كثير من التأثير على موقف الشباب من الثورة، يقاس ربما بتأثير خطابات قيادات الثورة.

حتى وإن لم يكن الأمر كذلك، فأغنيات حليم الوطنية كانت مختلفة تماما، حليم لم يختزل الثورة في أشخاص، تغني أولا بمبادئها الداعية لمجتمع تسوده العدالة الاجتماعية قبل كل شيء.

لم يكن غريبا عن مبادئ ثورة يوليو، وأغانيه العاطفية لم تكن غريبة عن تلك الأغاني الوطنية التي تغني فيما بعد بها. كلها، كل الأغاني التي انطلقت من بين شفتيه دعت لإعطاء ثيمة الحب، بشكله الفلسفي الأعمق وبمعناه «الكوني» الأرحب، قيمة أعلى وأهمية أكبر.

الحب في أغنيات حليم الوطنية، كان موجها لكل قيم العدالة والإنصاف، كان موجها للوطن قبل كل شيء، لمصر أولا، لأبنائها، لنيلها، ثم لقادتها ورجالات ثورتها.

حليم حلم في أغانيه بأن تنطق كل الشفاه بـ «كلام فيه حب»، أن يرى الناس وهم «ما عرفوش الجراح والقلب»، أن يرى الدروب «ما فيهاش دموع أحزان»، أن يرى «بكرة، بيزرع ضحكة في الإنسان».

تمنى في أغانيه أن يرى بعينيه «فرحة قلوب الصابرين» وأن يرى «الحيارى في طريق الأمل ماشيين» و»اللي هاجر راجع هنا» و «اللي يائس كفكف دموع أحزانه». حلم أن يرى «الدنيا نور على كل البشر» وأن «أشوف سما ما يغيبش عنها قمر»

بمقاييس معينة، حققت له الثورة ولكل من ينطق بلسانهم، كثير من ذلك. وللمرة الرابعة، بمقاييس خارجة عن كل السياقات، أقول، نحتاج اليوم لروح تشبه تلك الروح لنرى سما البحرين «ما يغيبش عنها قمر» ولا تشط بها شطوط «المغرضين» ولا أهواء المزايدين على الوطنية والمقامرين بمستقبلها في سوق «نخاسة» أهوج أحمق لا يعرف له وجهة ولا يقيم لحب البحرين وزنا.

العدد 2757 – الخميس 25 مارس 2010م الموافق 09 ربيع الثاني 1431هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s