انتقدوا الفيلم سينمائياً واستاءوا من مبالغته ومباشرته الفجَّة… نقاد وسينمائيون: البحرين أكبر من «حنين» والأمور لا تعالج بالمباشرة

دبي – منصورة عبدالأمير 

في الوقت الذي أثنى فيه عدد من النقاد والسينمائيين العرب على جرأة صناع فيلم «حنين» في التطرق لقضية الطائفية وتداعياتها في البحرين، وهي جرأة غير معهودة في السينما العربية، إلا أنهم في المقابل عبروا عن استيائهم الشديد من الفيلم البحريني «حنين» ليس لمستواه الفني وحسب، لكن لما قدمه من نقل غير دقيق للمشهد البحريني الشيعي – السني ولما تسبب فيه من تشويه لواقع الشعب البحريني وتاريخه الحديث.

صلاح سرميني: البحرين أكبر من الفيلم

مستشار مهرجان الخليج السينمائي الناقد السينمائي السوري صلاح سرميني انتقد طرح الفيلم لقضية الطائفية قبل كل شيء «الفيلم يتحدث عن العلاقة بين الطوائف وهو موضوع مسكوت عنه، أنا لا أعرف ما يحدث في البحرين لكن بالنسبة إلى السينما الخليجية فإن هذه الفكرة بحاجة إلى نقاش».

وأكد سرميني أن السينما الهندية قامت بهذا الدور منذ بداياتها لكنها «كسرت التابوهات بذكاء شديد وأصبح لها تقاليد ومفردات جمالية خاصة بها»، لكن هذا الأثر لا يتحقق حين «يحاول مخرج غير موهوب كسر التابوهات ما يتسبب في حدوث حالة رفض. أحيانا تكون الجرأة مؤذية، والفيلم طرح موضوع مهم وخطير بطريقة تنفر المتفرج»

ويرجع سرميني هذا النفور لأسباب كثيرة أولها استخدام تقنيات التلفزيون ومفرداته «بالنسبة إليّ كانت المحصلة أنني نفرت من الفيلم ونفرت من الطائفتين. في نفس الوقت تأسفت لماذا لم يلجأ المخرج للتلفزيون، كان من مصلحته المادية والمعنوية أن يقدم هذا الفيلم على مدى خمسين حلقة في التلفزيون ليشاهده الجمهور المنزلي. يمكنني حينها أن أغفر له لكن أن ينقل ما يحدث في التلفزيون بكل سيئاته إلى الشاشة الكبيرة!».

وأَضاف «كسينمائي ومهموم بالثقافة السينمائية أعتقد انه على المخرج أن يعيد ترتيب أوراقه ويراجع نفسه مهنيا لأن ذلك من الممكن أن يؤذيه. السينما أكثر قداسة وأكثر احتراما، وأنا لا أحب أن تنتقل السذاجة التي تحصل في التلفزيون إلى الشاشة الكبيرة».

سذاجة الفيلم، كما يوضح سرميني «جاءت على كل المستويات، المعالجة، التقنيات، السيناريو، كل شيء. اعتقد وبكل صراحة، هذا الفيلم يجب أن يدرس في معاهد السينما ليتفادى الطلبة كل الأخطاء الموجودة فيه».

لم يجد سرميني في الفيلم اي عوامل قوة، بما في ذلك الأداء الذي قدمه مجموعة من ممثلي الدراما المتمكنين. سرميني أبدى أسفه لذلك وقال «تحدثت مع إحدى الممثلات وهي مريم زيمان وقلت لها في هذا الفيلم يسيء المخرج إلى السينما ويسيء إلينا وإلى القضية وإلى التقنيين والممثلين. أنا أشاهد مبالغات على مستوى التمثيل وعلى مستوى الماكياج. في العادة أنا متفرج احترم العمل السينمائي ولا يمكن أن تصدر مني كلمة غضب أو نرفزة لكني وصلت إلى نهاية العمل ولم أتحمل ولم أتمكن من ضبط نفسي ومشاعري وغضبي».

وفي رسالة وجهها سرميني الى مخرج العمل واصفا الفيلم بأنه لا يرقى لمستوى أسوأ فيلم هندي شاهده، قال «أتمنى من المخرج الذي يسمعني الآن ألا يصاب بحالة اكتئاب وألا يغضب أو يمرض أو يتضايق ولكن بما أنه ضايقني وضايق متفرجين كثيرين وجعلني أعيش حالة عصبية واستاء من السينما العربية بشكل عام وأصبح متشائماً فمن حقي أن أتحدث بنفس الحدة والغضب والحب في الوقت ذاته».

«هذا الفيلم لم يسليني ولم يعطيني أي معلومة، على العكس أنا حاليا معلوماتي مشوشة، والفيلم جعلني اكره الطرفين السنة والشيعة، أنا الذي لم اعرف نفسي يوما إن كنت سينا أو شيعيا أو مسيحي أو مسلم أو يهودي».

وحول الصورة التي نقلها فيلم «حنين» لسرميني الذي لم يزر البحرين مطلقا «أتمنى أن أتمكن من زيارة البحرين. لدي فكرة جيدة عن البحرينيين ودماثة أخلاقهم وعلاقاتهم الإنسانية الطيبة، كما أنني أتابع أعمال بسام الذوادي وأتابع الأفلام القصيرة التي تعمل في البحرين خاصة أفلام محمد راشد بوعلي، ولدي أصدقائي. مثل هذا الفيلم لن يغير صورة البحرين لأنها اكبر بكثير من ذلك. قد يعرض في مهرجانات خليجية أخرى، وربما تشتريه قناة تلفزيونية مجاملة لكن صورة البحرين أكبر بكثير من أن يغيرها فيلم سينمائي».

أمين صالح : ابتزاز مشاعر المتفرجين لأغراض تجارية

الكاتب والناقد البحريني أمين صالحف أكد أنه سبق وأن شاهد الفيلم في عرض أولي نظمته الشركة البحرين للإنتاج السينمائي، المنتجة للفيلم، وأنه أبدى حينها عدداً من الملاحظات التي لم يؤخذ بها.

يقول أمين «في الفيلم مواطن ضعف يمكن معالجتها عبر المونتاج، اقترحت إلغاء بعض المشاهد، مثل مشهد انتحار الأخت بعد حادث سقوط الطائرة، لأنه زمنيا غير منطقي، ولم يكن له داعٍ كما أنه منفذ بشكل سيئ، ويخل بالزمن عدا عن عدم وجود أي إِشارة لاحقة له. هذا يوحي بأن الكاتب والمخرج كان همهم الأساسي انتزاع عاطفة المشاهد أكثر من منطقية الأحداث، واتضح هذا من خلال الأغاني والميللودراما. هناك محاولة مستميتة لإثارة مشاعر المتفرج الدينية والسياسية والعاطفية. اعتقد أن هذا الأمر خطير جدا لأنه لا يتيح للمتفرج فرصة للتأمل، فهو مشحون طوال الوقت ومتوتر، بسبب التركيز العالي والمستمر لجرعات العواطف.

صالح انتقد استغلال قضية الطائفية لأهداف تجارية لا علاقة لها بأي غرض فكري أو سياسي واعٍ «هذه قضية الساعة الآن وبالتالي يمكن استغلالها، وقد تم حساب الأمر بهذا الشكل، إذ تم تضمين عناصر درامية وأخرى عاطفية ورومانسية وأغاني وموضوع السنة والشيعة والعنصر السياسي، وكلها عناصر جذب للمتفرج بغض النظر عما يقدم من حلول أو أن يكون ما أقدمه يمكن أن يؤزم الوضع».

وحول تقييمه للفيلم قال «حنين» بشكل عام يعاني من نقاط ضعف في كتابة السيناريو إلا أن المشكل الأساس كما اعتقد هو في بناء الفيلم الطولي. هذا البناء صعب عادة في السينما بالذات، إذ لاحظنا عدم سيطرة المخرج والكاتب على مسار الزمن. أحيانا لا نعرف الزمن المقصود، في أي يوم أو أي سنة، حتى التقاطعات التي تحدث بين الأزمنة تربك المتفرج».

عدم القدرة على التحكم في المسار الزمني والقفز بين الأحداث بشكل غير منطقي لا يمكن أن يكون تكنيكاً سينمائياً، بحسب أمين، وما حدث هو أن «الكاتب لجأ لهذه الحيل لإبراز أحداث وشخصيات محددة. هذا تحايل غير مقنع وغير منطقي أكثر من كونه لعبة تقنية. هناك دائما محاولة لإزاحة شخصيات معينة بشكل غير منطقي، فقط من أجل إبراز مشاكل غير منطقية.

كذلك انتقد صالح معالجة السيناريو لمشكلة الطائفية، مشيرا إلى أن «المشكلة معقدة، ومعالجتها يجب أن تتسم بالعمق وأن تكون هناك رؤية واضحة ومعروفة لكل جوانب الصراع الطائفي. هذه مسألة تتصل بالتاريخ، وليس بمزاج أو تربية معينين. هناك تسطيح للقضية، وفي قضايا من هذا النوع اعتقد انه لا بد أن يكون الكاتب والمخرج حذرين جدا في التناول.

صالح أشار إلى أنه برغم سذاجة النص والسيناريو وسطحيتهما إلا أنه «بالتأكيد لم يقصد كاتبه الإساءة، والفيلم بشكل عام يطرح مسألة المصالحة من زاوية عاطفية بحته، وهذا غير ممكن. الواقع لا يحتمل ذلك، هذا الأمر حدث في السينما المصرية في فترة ما، من أجل تحقيق المصالحة الطبقية بين البرجوازية والطبقة العاملة، عن طريق قصص الحب والزواج. المصالحة الطائفية لا تأتي عن طريق الخطب والميللودراما والأغاني وتسطيح القضايا».

الرغبة في تحقيق المصالحة بأسرع وقت ممكن، كما يشير صالح، هي ما جعلت صناع الفيلم يتجهون للطرح المباشر «لن أقلل من شأن الكاتب والمخرج وهما منطلقان بالفعل من نوايا حسنة، لكن نحن نناقش الطرح وطالما أنهما قدما عملاً فنياً، فهو عرضة للنقد والتحليل. المسالة أعمق من هذا وأكثر تعقيدا، ولا يمكن أن تؤخذ بهذه الطريقة البسيطة والمباشرة.

وتساءل صالح «ما هي المظاهر التي يمكن اعتبارها طائفية، عدم التزاوج بين الشيعة والسنة حيث كان ممكنا في فترة سابقة والآن صارت المسألة أصعب؟»

ثم قال «القضية نابعة من أمور سياسية واقتصادية ووضع تاريخي قديم ضمن علاقات متشابكة لها جذورها». وفي رده على تصريح لمخرج الفيلم عن هدفه الإصلاحي من وراء تقديم الفيلم ورغبته في مواصلة نضاله من خلال السينما، قال صالح «الفن لا يطرح حلولاً أبدا، ولو كان للسينما هذا التأثير لفعلت السينما الهندية ذلك وهي التي ظلت لسنوات تطرق مسألة الطائفية ومسألة الأديان والتعايش بينها. هناك أمر أقوى من ذلك هو ما يحرك الخيوط، وعلينا نحن أن نمسك بهذه الخيوط. الفن يطرح القضايا، يتناول الواقع بكل أمراضه وعلاقاته وبكل حساسياته، لكنه يترك الحلول لأصحاب الشأن، سواء أكانت قوى سياسية أم مجتمعية أم دينية.»

حسن حداد: مغالطات في الطرح السياسي والتاريخي

الناقد السينمائي حسن حداد وجد الفيلم مفاجئاً «من ناحية سلبية طبعاً. أتعبني كثيرا، أولاً لأنه طويل، ثانياً مزحوم بالشخصيات والأحداث التي لم يكن لكثير منها داعٍ، وكان ممكن أن يتخلى عنها كاتب السيناريو لضمان تماسك الفيلم. بهذا الزج للأحداث والشخصيات أصبح هناك مجال للترهل والضعف للفيلم والملل من قبل المتفرج.

إضافة إلى ذلك، المباشرة في طرح الآراء ووجهات النظر السياسية والتاريخية، إذ طرحت بشكل فج. أي عمل فني يتجه للمباشرة يتخلى كثيراً عن الفن الذي لابد أن تطرح آراؤه بشكل رمزي إلى حد ما. المباشرة قتلت كثيراً مما يريد الفيلم إيصاله».

وقال حداد «هناك أيضا مغالطات كثيرة في طرح القضايا السياسية والتاريخية، إذ يتضح عدم الاعتماد على مصادر أو مراجع حقيقية تحكي ما حدث بالضبط. أعتقد أن الكاتب اعتمد على ذكرياته وربما ما سمعه».

وانتقد حداد الإخراج الذي وجده «مشتتاً وليس فيه رؤية للدراما واضحة ولا يتعامل مع الأحداث بشكل متناسق أو متناغم. أحياناً نشاهد مشهد منفذ بشكل إخراجي جميل بعد لحظات نرى مشهد ينسف ما بنيناه في المشهد السابق، هذا تذبذب. المخرج لم يتمكن من إنقاذ السيناريو وعموما لو كان السيناريو أفضل مما هو عليه كان ممكن للإخراج أن يتعاطى معه بشكل أفضل.

حداد اعتبر «حنين» «تجربة سينمائية فاشلة، سلبياتها الكثيرة لا تجعلك تتذكر الإيجابيات».

وأضاف مؤكدا «شركة البحرين للإنتاج السينمائي، قدمت أولا فلم حكاية بحرينية وحينها بشرتنا بخير وكنا نأمل منها الكثير لكن مع التجربتين الأخيرتين «أربع بنات» و»حنين» أرى أنها تسير في الاتجاه غير الصحيح وعليها مراجعة كل شيء».

خالد ربيع: المباشرة تزيد الشقة بين الطائفتين

الناقد السينمائي السعودي خالد ربيع أشار إلى أن «حنين» يقدم صورة كئيبة عن وضع مفترض في البحرين وأقول مفترض لأنه بحسب ما اعرف فإن الوضع ليس بهذا السوء. وإذا كان كذلك فيجب أن يعكس سينمائيا بشكل مختلف. المخرج أخبرني أنه تقصد المباشرة في الطرح وأنا أتصور أن طرحه كان مباشراً وفجاً ينفر بدلا من أن يولد التعاطف لدى أي متفرج. الطرح المباشر، كما يوضح ربيع «يزيد الشقة لأنه يضخم الأشياء، بطريقة تجعلني لا أتعاطف مع أي جهة. هذا الفيلم أداة للتحريض والتكريس لوضعٍ قائم، المتفرجون من كل فرقة سيكرهون الفرقة الثانية، كل من يشاهد الفيلم سوف يشعر بذلك إذا كان له ميل إلى طائفة معينة فسوف يرى مساوئ الطائفة الثانية.

كان من الممكن أن يعالج الفيلم المشكلة من بعيد وسيكون لذلك تأثير أقوى من عرضه بالخطابية التي شاهدناها. فنيا على المخرج أن يتكئ على الإنساني وحينها سوف تكون رسالته الفنية أقوى، أما المباشرة فمعناها أن يحكم على نفسه بأنه ليس فناناً.

وحول القضية التي يناقشها الفيلم أشار ربيع إلى أنها «قضية حساسة جدا وفيها تفاصيل كثيرة كان ممكن اللعب عليها بالإيحاء وبالرمز. هناك خلط واضح في الفيلم، هو يريد أن يقدم فنا سينمائيا دراميا يتناول الزواج بين طائفتين مختلفتين ويريد أن يوضح الحساسية بين الطائفتين فعكسها بطريقة مبتدئة. لو تناول الفيلم أي مخرج محنك ولديه خبرة أكثر فلن يشتغل عليه بهذا الشكل، ممكن أن يشتغل على رموز خفية وتحدث اثر قوي عند المشاهد وهذه النقطة كانت غائبة».

كذلك فإن الحبكة، بحسب ربيع «فيها تجاوزات غير منطقية وتتداول فكرة تاريخية طويلة ومقسمة إلى أجزاء. أتساءل هل ما رأيناه يعكس حقيقة واقع تاريخي»، وأضاف منتقدا التكنيك الذي لجأ له المخرج للإحساس بالزمن «الصورة الموجودة بشكل عام لم تكن تعطي إيحائية بتاريخية الأحداث ولذلك تم اللجوء إلى الأساليب المباشرة كأن يتم كتابة التواريخ على الشاشة. مخرج متمكن لا يمكن أن يستخدم هذا التكنيك لكن من خلال إمكانيات الصورة سيوحي لنا بالفكرة التاريخية»

وأشار الربيع إلى أن «التكنيك السينمائي يختلف كثيرا عن التلفزيون والمخرج متأُثر بالتلفزيون، وكان لا بد له من استشارة سينمائيين في كيفية معالجة المشاهد والقضايا الأخرى مثل الملابس والصورة والمونتاج، حتى لا تروج الصورة التلفزيونية. من الأشياء المرهقة على المشاهد أن غالبية المشاهد كلوز على الوجه، وهذه تقنية تلفزيونية بحتة.

كذلك فإن الفيلم السينمائي يفترض أنه يعطي بانوراما عن المكان والبيئة في لقطات صغيرة لا تتجاوز الثواني ولكن تحدث عند المشاهد تنوير تجاه المنطقة وتجاه تاريخها أو اللحظة الزمنية. الفيلم ببساطة وبجدارة ممكن يعرض على أنه تلفزيون».

ربيع وجد أداء الممثلين «متفاوتاً بشكل غريب، مريم زيمان نعرف تاريخها وإتقانها للكثير من الأدوار لكنها هنا في 90 في المئة من المشاهد كانت تعطي إحساساً أكثر. مع أنها لو ظهرت بشكلها وأدائها المعروف لكانت قريبة ولأعطت إحساساً أكثر للمشاهد. أداء الشباب كان تلفزيونياً يعتمد على الانفعال الزائد وعلى لغة الوجه والجسد المتوترة والمشحونة. كان يمكن للمخرج أن يوجههم بطريقة ما بدلا من الاعتماد على تعبيرات الوجه والعيون والشد العصبي، هذه تقنية تلفزيونية أخرى».

هدى إبراهيم: درس لما يجب تجنبه سينمائياً

الناقدة السينمائية ومراسلة وكالة الفرانس برس هدى إبراهيم أشارت إلى أن الفيلم «رسالة لمتابعة الحوار والكلام بين الأخوين اللذين يرمزان لفئات المجتمع البحريني، أبداً لم يحبذ أي طرف على الآخر، كل ما فعله هو أنه حاول أن يبين إلى أي مدى يؤدي انقطاع الحوار إلى كارثة وإلى أي مدى يمكن لعدم الاستماع والإصغاء إلى الآخر أن يشلّ الحالة بين الأخوة»

لكن إبراهيم أشارت إلى أنه «لو كان السيناريو مكتوباً بطريقة أقل مباشرة، لكان قد وصل، لكن المباشرة إضافة إلى الرسالة التعليمية التي يحملها منعته من الوصول للمتفرج»

إبراهيم وعلى رغم ما وجدته من نقاط ضعف في الفيلم إلا أنها أكدت أنه «برغم محدودية التجربة البحرينية في السينما، فإن وجود أفلام مهما كان مستواها الفني يساعد في تنشيط حركة معينة ستفضي إلى شيء. برأيي وجود شيء أفضل من لا شيء، وجود هذا الفيلم بالنسبة لما سيأتي بعد سنوات سيكون مهماً لأن من يشاهده سيعرف ما يجب تجنبه في أي فيلم سينمائي

العدد 2792 – الخميس 29 أبريل 2010م الموافق 14 جمادى الأولى 1431هـ

الرويعي والحليبي: «حنين» يحترم الرموز… والتاريخ ليس حكراً على أحد

الوسط – منصورة عبدالأمير 

بعد عرضه الأول في مهرجان الخليج السينمائي في دبي، أثار الفيلم البحريني «حنين» موجة من الاستياء الشديد بين أوساط البحرينيين من حضور المهرجان وذلك للمغالطات الكثيرة التاريخية والفنية والسينمائية التي احتواها، ولتعرضه، الذي يجزم صناعه بكونه غير مقصودا، لتاريخ البحرين الحديث بشكل لم يقبله البحرينيون هناك.

حضور المهرجان من نقاد وسينمائيين وإعلاميين وصناع أفلام خليجيين أو عربا، أثارهم الفيلم بشكل سلبي أيضا. طاله من الانتقادات ما لم يتوقع صناعه الذين أرادوا من وراء، كما يكررون، كل خير للبحرين وأهلها وللإنتاج السينمائي فيها. «الوسط» حاورت مخرج الفيلم حسين الحليبي وكاتب قصته ونصه السينمائي خالد الرويعي لسماع وجهة نظرهما حول الأمر.

ما الحاجة للوثائق… إنه تاريخ قريب

الأحداث الساخنة والمنعطفات الحادة التي مرت بها البحرين خلال الفترة (1983-2000) تشكل مسرحاً زمنياً لفيلم «حنين» والمرحلة التي نقلها ووثقها سينمائيا كل من الرويعي والحليبي.

في الثمانينيات، كان الرويعي طفلا، وفي التسعينيات كان شابا في مقتبل عمره، لا يعقل إذاً أن يكون قد اعتمد ذاكرته مصدرا للكتابة. سألته واثقة جازمة بنفيه لكنه فاجأني بابتسامة طويلة قال بعدها «هناك جوانب اعتمدت فيها على الذاكرة، لقد عشنا هذه المرحلة. جميعنا يتذكر بقعة الزيت، وكيف كان أباؤنا وأمهاتنا يحضرون السمك ونرى الزيت فيه. لم استوعب الأمور الأكبر لكن بعد ذلك عرفناها وخالطنا من عاصروها، ولا أعتقد أنه من الصعب جدا أن ننبش فيها، ننبش في أمور حدثت منذ مائة عام فما بالك بأمر بسيط كهذا»

الرويعي اعتبر استعراض تاريخ حركات وطنية وأمور لها حساسية خاصة أمرا بسيطا يمكن الاعتماد فيه على الذاكرة، بكل تأكيد لم يقصد ذلك تماما، سألته «استعنت بأشخاص ومصادر ووثائق ومراجع، أليس كذلك»؟ قال «ليس ذلك ضروريا، لا أعتقد أن الأمر بهذه الصعوبة. ثم أن الأحداث معروفة، الفيلم يبدأ من العام 1983 وهي فترة شهدت اعتقالات وكان فيها حركات وطنية، التحرير، الشعبية، بعض الحركات الدينية الناشئة. كل ذلك معروف للجميع بحكم المناخ المثقف والمطلع في البحرين. أصدقاؤنا كانوا أعضاء في هذه الجبهات ولدينا المعلومات الكافية التي تجعلنا قادرين على أن نتحرك في هذه الأجواء. كما اننا نستعرض هده الحركات لنعرف المشاهد بأجواء تلك الفترة فقط، لم ندخل في التفاصيل.

سلوكيات المجتمع هي الأهم

الحليبي كانت له وجهة نظر مختلفة، أكد بأنه «على مؤلف ومخرج أي فيلم، والمؤلف في الأساس، أن يبحث ويطلع قبل الكتابة. لا يمكن أن نعتمد على مصادرنا الخاصة فقط، بالتأكيد يجب إجراء لقاءات مع الأشخاص الذين عاصروا تلك الفترة، كما أنه من المهم الرجوع لبعض الكتب.

بالنسبة لي تحدثت مع كثير من الأشخاص ذوي التوجهات متنوعة، ممن عاصروا تلك الفترة ودونت كثير من المعلومات. تمكنت من أن ألمّ بمجموعة من السلوكيات المجتمعية التي كانت موجودة وهذا هو الأهم. الأحداث التاريخية معروفة ولكن الأهم سلوكيات المجتمع البحريني آنذاك. ثقة لا حدود لها

أعود فأسأل الرويعي «كيف تقيم دقتك في نقل هذا التاريخ المعاصر؟»، فيجيب» مئة في المئة، لم أخترع شيئاً، الفترة الزمنية لم تشكل مشكلة بالنسبة لي، استعرضت فترة لا يزال معاصروها موجودين ولو كان هناك أي خطأ سيناقشوني فيه.» أستفهم منه «هنا تكمن الصعوبة، تكتب تاريخاً حياً طرياً، تتناول تاريخ حركات وطنية لا يزال رجالاتها موجودين، ألا تخشى من اعتراض بعض الجهات على طرحك لتاريخها دون الرجوع إليها؟» فيرد مدافعا «الحركات الوطنية لم تكن موضوع الفيلم ولا يمكن لأي أحد أن ينكر الأحداث التي سردتها». والدي وأعمامي عاشوا تلك الفترة عدت للحليبي لأسأله إن كان يتفق مع الرويعي في دقة الفيلم في نقل حقيقة ما جرى في الشارع البحريني في الثمانينيات والتسعينيات؟ فكان جوابه «عشت فترة التسعينيات ولا أعتقد أن الفيلم كان مبالغ فيما طرحه. حتى الثمانينيات، عاشها والدي وأعمامي، وأنا كنت موجودا وكانت لي ذكريات. لا أظن أننا بالغنا في الطرح، على العكس طرحنا كان حياديا لم يجرح أي طائفة ولم يتعرض لأي مذهب. كل ما تعرضنا له سلوكيات أفراد متطرفين، وهذه السلوكيات موجودة سواء في الثمانينيات أو التسعينيات، أو حتى اليوم. كانت الطوائف متحابة ومتداخلة فيما بينها لكن الآن هناك حواجز كثيرة».

احتكار للتاريخ

دقيقاً وجد الرويعي نفسه، الحليبي أكد الأمر، سألت الرويعي «ألا تعتقد أن كتابة التاريخ القريب والمعاصر مسئولية أكبر من أن تتعامل معها بهذا التساهل؟» بثقة مدهشة، أجاب «لا، التاريخ ليس حكراً على أحد، وإذا شعرت أي جهة أنني أشوه تاريخها فلها الحق في أن تعترض» سألته «لكنك بسردك الذاتي هذا احتكرت التاريخ، تكتب عن شخصيات واقعية يعرفها كل البحرينيين دون أن تكلف نفسك عناء الرجوع لأي مصدر. أنت أمام مسئولية كبرى» لأنني أتحدث عن واقع، ثم أنني لا أنظر للأمر بهذه الكيفية، ولو شعر المشاهدون أن بعض شخصيات الفيلم قريبة فهذا ببساطة لأننا نتحدث عن واقعنا، فحادثة الطائرة مثلا حين يشاهدها الناس ويشعرون أنها تمت لهم فذلك لأنهم يقومون بعمل مقارنة بسيطة وسهلة. لم أفعل سوى أنني نقلت الواقع، رسمت خطا معينا، حددت من خلاله البداية والنهاية وملأت الفراغات، وهي فراغات كانت موجودة في الأساس. أحداث التسعينيات كانت موجودة، لم أفتعلها، والشخصيات التي طرحتها يمكن أن يرى فيها المشاهد أشخاصاً من الواقع. أقصد لأننا جميعا أهل، شعرنا أن الفيلم قريب جدا وحميم وبالتالي مؤثر». الشملان والجمري … أين المشكلة وفيما يتعلق بالشخصيات، أضاف الرويعي «الحدث يصنعه أشخاص، والأشخاص هؤلاء موجودون شئنا أم أبينا. وهؤلاء لم يكن موضوعي لكني أضمنهم لهدف ما، كما ضمنت صورة جمال عبدالناصر وصورة الإمام الحسين. لم أفعل ذلك عبثاً. هذه الشخصيات هي رموز في البحرين، سياسيين كانوا أم من عامة الناس، هم موجودون. ما أريد قوله هو أن البحرين بلد صغير وجميعنا يعرف بعضنا الآخر، بالتأكيد مثلا سيأتي من يقول أن أحمد مبارك هو أحمد الشملان، وأن الشخص المعمم هو عبدالأمير الجمري. اين المشكلة؟.

أنا مهووس بتاريخ البحرين

سألت الرويعي «أقحمت شخصيات وأحداث كثيرة في فيلم لا تتجاوز مدته الساعة والنصف، وكأنك تريد أن تختصر عشرين سنة في فيلم واحد. ما الداعي لذلك وكان يمكنك مناقشة الطائفية من خلال حياة الأسرة وما تمر به من منعطفات مع عدم الدخول في مساحات معينة ثثير بعض الجهات؟ فأجاب « كل كاتب يتناول الموضوع بطريقة مختلفة، وأنا مهووس بتاريخ البحرين الغني لذا أحببت أن أعرضه. بحسب وجهة نظري هذا الفيلم هو فيلم جيلي أنا، لأنه يناقش العشرين سنة الماضية. أنا لا أتحدث عن الأجيال الأخرى، أتكلم عن جيلي أنا. ما المانع من أن أتحدث عن مرحلتي كفنان وكاتب. واقعنا غني ولدينا شخصيات مؤثرة، لماذا لا نتناولها، حتى بشكل مباشر حين يستلزم الموضوع. هل تعتقدين أنه لأتحدث عن جلسة توقيع العريضة الشعبية مثلا، أن أحضر أشخاصا يرتدون بدلات أميركية أو أن أجعلهم جميعا من «الملالي» أو «السلفيين». أنا ألتزم الدقة وأهم ما في الأمر أن هدفنا لم يكن تقديم الأشخاص، بل أن نقول إن هؤلاء الأشخاص صاغوا شيئاً مهماً في هذا البلد.

أي تشابه مع الواقع غير مقصود

المرور السريع بالأحداث والشخصيات والرموز الوطنية، أضعفها وأفرغها من مضمونها وهمشها؟ لماذا هذا التساهل؟

الرويعي أفاد بأن ذلك يعود لكون «الشخصيات ليست مهمة في سياق الفيلم، ثم انني كنت أتابع تقاطعات العائلة مع هذه الأحداث، أنا أقوم بعمل موازنة في التوقيت. الشخصيات كانت تؤرخ للمرحلة فقط وخطها مختلف. أنا مهموم بالعائلة، وبالسياق التاريخي. الحليبي قال « لم نحاول أن نتطرق لشخصيات بمسماها، أحداث الفيلم مستوحاة من الواقع لكنها مصاغة درامياً. وأي تشابه مع أي شخصية واقعية صدفة، ومع ذلك فنحن لم نسئ لأي شخصية، ثم انه لو كانت الشخصيات هامشية لما ضمناها في الفيلم». التسعينيات… حركة وطنية أم أحداث عنف عدت للحليبي لأسأله إن كان يرى أن طرح الفيلم لأحداث التسعينيات طرح سطحي، وأنه صور ما حدث على أنه عمليات تخريب وربما لقاءات سرية تتم في المجالس وحسب؟ أختلف معك تماما، من يركز في الفيلم ويحاول تحليل ما ترجمته الصورة سينظر للموضوع بشكل مختلف. لم نحاول التطرق للتسعينيات من جانب الأعمال التي جرت، تطرقنا للمطالبات لكنها لم تكن الحدث الوحيد. الموضوع الأهم الذي نتحدث عنه هو العائلة التي تتفكك بسبب الطائفية، ليس بسبب أحداث التسعينيات، بالعكس هناك مشهد يوضح أن أحداث التسعينيات جمعت في فترة من الفترات الشخص اليساري والسني والشيعي، وكان هناك مشهد توقيع العريضة الذي يوضح وجود عدة توجهات والذي تم الإشارة إليها في عدة مشاهد، حتى مشاهد الكتابة على الجدران جاءت لتوضيح المطالب. أردنا أن نوضح أن هناك وحدة وطنية وكان هناك من يؤسس لها. نحن نحترم كل الرموز الوطنية ونقدر لها نضالاتها التي لولاها لما كنا اليوم قادرين على طرح الفيلم بهذه الجرأة.

تنويع الألوان يعكس

سألت خالد عن المسار الزمني المرتبك في الفيلم وهو ما أربك المتفرج، فأجاب «أرى الأمر عكس ذلك، في كل مرحلة هناك ما يشير إلى الزمن، الإنترنت، توقيع العريضة، سقوط الطائرة، غزو الكويت». أما حسين فأكد أن «الزمن كان واضحا حتى من خلال الصورة، التي كانت تميل إلى اللون البني في المشاهد التي تصور فترة الثمانينيات، وكذلك الموسيقى كانت مختلفة. في التسعينيات عادت الألوان طبيعية والموسيقى أصبحت «لايت» وكذلك الماكياج». كذلك أشار الحليبي إلى أن هناك «انتقالاً في نفسيات الشخصيات يوحي بالزمن، ففي فترة كان هناك تشنج وإحباط، في العام 2000 بدأت الأمور تتحسن».

لست خياطاً محترفاً

سألنا الرويعي إن كان يظن أن طرحه الذاتي جعله يفرغ قضية الطائفية من مضمونها ليتحدث عن عوارضها فقط دون مناقشتها بعمق. «لكنني لست باحثاً اجتماعياً وأنا لا أعالج القضية، ثم انه لا توجد حتميات في الفن. كان من الممكن أن أقوم بالكتابة عن بعض الشخصيات مثل عبدالرحمن الباكر أو أحمد الشملان، لكن لم أرد هذه التركيبة وفضلت اللجوء للواقع كما هو، أنا لست خياطاً محترفاً. المهم في هذا الموضوع أن أقترب من الناس ليصبح الموضوع مؤثراً. سألنا الحليبي حول اختصار الفيلم للطائفية في «الزواج» فقال «لم اختصرها في الزواج، البيت يمثل الوطن الذي يجمع السنة والشيعة، الصراع الرئيسي لم يكن بين شخصيتي الأخوين، الصراع كان أكبر من ذلك ولذا قمنا بنقل وقائع حقيقية بشكل صريح وواضح كحادث تكسير الترب ومسألة توزيع بعض الكتب والتسجيلات التي تتعرض لطائفة معينة.

خطابي ليس سياسياً

«لماذا توجب أن تناقش قضية بهذه الحساسية وفي هذا الوقت الذي يمر فيه الشارع بمرحلة احتقان طائفي وتشنج بين الطائفتين، وبهذا الشكل المباشر. هل هي جرأة في الطرح أم تهور؟ « سميه ما تشائين، لكن أنا لا أعتقد أن هناك وقتاً مناسباً وآخر غير مناسب، وفي النهاية خطابي ليس سياسياً. أنا أقدم فناً والفنان لا يحكمه زمن معين. أحدهم سألني إن كان الفيلم واقعياً فقلت له البحرين أفضل بكثير من الفلم وقد تشعر أن هناك مبالغة لكن نحن لا نبالغ، فقط لدينا مجسات لكن لأن الناس تخاف أن تواجه الأمر فنتهم بالمبالغة. كل ما يحدث هو أنك تستلم الأمر بشكل مكثف وجريء خلال ساعتين.

حادثة الطائرة … لم تستثمر

حادثة الطائرة المنكوبة حدث مهم جداً جمع قلوب البحرينيين، شيعة وسنة، لكن لم يتم استثماره بشكل صحيح لخدمة موضوع الفيلم؟

بالنسبة للرويعي فإن «الحادثة وقعت في وقت كان فيه جفاء كبير بين البحرينيين، وكانت نتائجها أن جمعتهم من جديد، كانت البحرين كلها مآتم عزاء وكان الناس ينتقلون من مآتم لآخر. أما عدم قدرتنا على استثمار الحدث كما ينبغي فيعود لعدم تمكننا من الحصول على مادة توثيقية كافية».

أما الحليبي فيرى أن «الأمر كان واضحا فالعائلة التي كانت تعيش مشاكل كثيرة، عادت لتحل مشاكلها بعد الحادثة وهذا يرمز لما حدث في المجتمع».

ابتزاز عاطفي لغرض تجاري

من الأمور الأخرى التي أثيرت ضد الفيلم أيضا المبالغة في استغلاله ظاهرة يعاني منها المجتمع البحريني لأغراض تجارية، عبر المبالغة في استدرار العواطف والعزف على كل الأوتار الدينية والسياسية والمذهبية لخدمة أغراض مادية. الرويعي والحليبي رفضا الاتهام ونفيا تضمين عناصر الإثارة تلك من أجل نجاح الفيلم أو تحقيق سرعة الوصول، إذ أوضح الأول مستنكرا «لا نملك شركة إنتاج، وحين فكرنا في الفيلم لم نكن نفكر بأننا ندخل مشروعا تجاريا سيعود علينا بمدخول كبير». الحليبي أيده قائلا «لم أخاطب العاطفة فقط، خاطبت العقل والعاطفة، قد يشعر المتفرج بعد المشاهدة الأولى إني أتلاعب بعواطفه، لكن لو يركز في الفيلم سيفكر في كثير من الأمور التي لا يمكن تفسيرها إلا من خلال العقل وليس العاطفة.

لهجة أهل الشيعة … عدم دقة أم تنميط مقصود

قدمت الفنانة القديرة مريم زيمان في الفيلم شخصية المرأة الشيعية التي تتزوج سنياً وهي التي تؤمن بالبحرين وطنا واحدا وبالبحرينيين جميعاً إخوة وأحبة. أداء زيمان كان مفتعلا، قد يعود جزء كبير من ذلك للهجة الشيعية التي استخدمتها من غير تمكن ما أدى لأن يكون أداؤها مفتعلا. لماذا توجب أن تؤدي زيمان الدور مع عدم تمكنها من اللهجة؟

يدافع الرويعي قائلا «مريم بذلت جهدا كبيرا، ربما لم يقتنع البعض بأدائها لأنهم يعرفونها ويعلمون أن هذه ليست لهجتها الأصلية. جائز أن تكون الممثلة أخفقت في هذا الجانب لكن ذلك لا يشكل مشكلة كبيرة» أما الحليبي فيقول «مريم مثلت دور الأم الشيعية المعتدلة المسالمة ككل أمهاتنا، سواء كن شيعة أم سنة. قد تكون مريم أخفقت وأنا لا أرى ذلك، لكنها لم تظهر بشكل يسيء لأي طائفة أو أي لهجة».

العدد 2792 – الخميس 29 أبريل 2010م الموافق 14 جمادى الأولى 1431هـ

«الوسط » تحاور مستشار مهرجان الخليج السينمائي في دبي…سرميني: تواطئ مجتمعي يفتك بالسينما، وشباب الخليج سيفرضون أنفسهم

دبي – منصورة عبدالأمير

يرى مستشار مهرجان الخليج السينمائي في دبي، الناقد السينمائي صلاح سرميني أن الأفلام التي تعرض للشباب الخليجي من خلال المهرجان تتسم بكثير من الجرأة والصدق في انتقاد العقلية المجتمعية السائدة، وأن طبيعة وتقاليد المشاهدة في العالم العربي قد تحد من قدرة المبدع، إلا أنه توقع أن تحظى تلك الأفلام وصانعوها بشيء من الخصوصية على مستوى المشهد السينمائي العالمي تماما كما حدث للسينما الإيرانية.

ويشير سرميني، وهو المشرف على قسم الأفلام الأجنبية في المهرجان منذ بداياته العام 2008، إلى أن المهرجان تمكن خلال دوراته الثلاث من أن يخلق حركة صناعة بصرية في منطقة الخليج أنتجت أعدادا لا بأس بها من المخرجين الخليجيين الشباب، تمكن بعضهم من أن يفرض نفسه على كثير من المهرجانات السينمائية العربية والدولية.

جاء ذلك خلال الحوار التي أجرته «الوسط» مع الناقد العربي خلال انعقاد الدورة الثالثة لمهرجان الخليج السينمائي في دبي وذلك في الفترة 8 – 14 أبريل/ نيسان الجاري

كيف تقيم أداء المهرجان في دورته الثالثة من حيث عدد المشاركات ومستواها وما يستجد من مبادرات نحو إقامة صناعة سينمائية خليجية؟

– مهرجان الخليج في دوراته الثلاث هو امتداد لكل المبادرات السابقة وأولها مسابقة أفلام من الإمارات في أبوظبي التي شجعت على تأسيس مهرجان دبي والمهرجانات الأخرى.

المهرجان، عاما بعد آخر، يؤدي الدور المفترض منه في تشجيع المواهب المحلية، الهاوية والمحترفة على السواء، فهو نافذة لها لتعرف مستواها في مقابل المستويات الأخرى.، كما إنه خلق حركة سمعية بصرية ليس فقط في الإمارات وإنما في منطقة الخليج بشكل عام. منذ 10 سنوات مثلا كان عدد المخرجين الكويتيين لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، كذلك في السعودية كانت البداية مع هيفاء المنصور، وفي البحرين كنا نتحدث عن الجيل المتوسط مثل بسام الذوادي. الآن لم يعد الأمر كذلك، ظهر جيل جديد، وبأعداد كبيرة ومن المفارقة أنهم من الجنسين وخاصة في الإمارات.

كذلك ظهرت مخرجات من الكويت ومن عمان والسعودية. في البداية احتفينا بالمخرجة هيفاء المنصور، الآن نجد أن المنصور والمهرجان والحركة نفسها مهدوا لظهور طاقات أخرى شبابية أو نسائية. المهرجان يشجع الجميع لأنه يقدم لهم فرصة لعرض أفلامهم دون أي تعالٍ أو وصاية عليهم، هو فقط يقودهم نحو الطريق الصحيح.

ما الذي يشير إليه في رأيك ارتفاع عدد الأفلام المشاركة هذا العام، الملاحظ أن هناك قفزة في هذا العدد إذ وصل إلى 112 فيلما

– في مسابقة أفلام من الإمارات كان يسمح لأعداد كبيرة من الأفلام بالمشاركة حتى ولو كانت بمستوى لا يستحق المشاركة ولكن كانت هناك محاولة لتشجيع الشباب. حاليا مع بدء مهرجان الخليج ومهما كان عدد المشاركات مرتفعا فإن هناك عملية تصفيه قد تكون قاسية نوعا ما ولا يمكن مقارنتها مع تصفيات المهرجانات الأخرى في الوطن العربي أو أي دول أخرى. في كل الأحوال لو عملنا إحصائية لكل الأفلام التي تنجز في منطقة الخليج، أو على الأقل في دولة الإمارات سنجد أنها أكثر من إنتاجات الأفلام القصيرة التي تعمل في مصر مثلا، ولو حصلنا على عشرة أفلام جيدة من هذا العدد فإن النتيجة ستكون جيدة، ولو حصلنا على عشرين مخرجا من منطقة الخليج فإن هذا أمر ممتاز. وهذا يعني أنه خلال خمس سنوات سوف نسمع عن مواهب كثيرة من الخليج ستفرض نفسها وتضع بصماتها في السينما العربية وفي نفس الوقت سوف تصل بشكل طبيعي إلى السينما العالمية. الآن لا يعرف كثيرون في المشرق أو المغرب العربي أنه توجد سينما في الخليج، أو أن الخليج ينتج أفلاما أكثر من تلك التي تنتج حتى في مصر التي وجدت فيها صناعة السينما منذ أكثر من مئة عام.

هل يعود ذلك لكون إنتاجنا لا يرقى إلى المستوى الذي يجعله يصل للآخرين أو أن يسمعوا به؟

– الآن بدأوا يسمعون مع تراكم التجربة ومع تاريخها الذي يعود إلى 10 أعوام، وبدأوا ينظرون إلى التجربة بعين أخرى كما أصبح لديهم فضول ورغبة في أن يشاركوا في مهرجان دبي ومهرجان الخليج من أجل أن يتعرفوا عن قرب على هذه التجربة التي فرضت نفسها. حاليا أصبحت السينما الخليجية مطلوبة في كل المهرجانات، وأصبحت المهرجانات العربية والأوروبية تتطلع لما يحدث في الخليج. أصبحت المسألة فضولا إذ ما الذي يمكن أن تنتجه هذه الدول المحافظة والمفترض أن تكون متدينة ومحكومة بالتقاليد الاجتماعية والإسلامية، وما هي الصور التي يمكن أن يقدموها.

بالنسبة للعرب فهم لديهم أفكار مسبقة عما يحدث في الخليج ومسألة أن يكون هناك شباب يمكنهم عمل أفلام لم تكن مستوعبة قبل فترة. حاليا بدأت هذه الفكرة تستوعب، وهذا بالطبع يعود إلى المهرجانات السينمائية الموجودة في المنطقة وفي الإمارات. لو قمنا بحساب عدد هذه المهرجانات سنجد أنه يصل إلى خمسة أو ستة مهرجانات ما بين مسابقة أفلام الإمارات، مهرجان دبي، مهرجان الخليج، مهرجان أبوظبي، ويمكن كذلك أن نضيف إليها مهرجان مسقط ومهرجان الذي لم يتم بسبب مشاكل رقابية. مهرجان الدوحة أيضا، ومهرجان للسينما العربية في الكويت، ربما في البحرين يمكن أيضا يتشجع الشباب من الجيل المتوسط ويتخذوا مبادرة يرجعوا من خلالها مهرجان السينما العربية أو أن يقدموا مهرجانا آخر بصبغة دولية.

فهل ترى أننا نسير على الطريق الصحيح نحو تأسيس صناعة سينمائية انطلاقا من هذا المهرجان على الأقل؟

– تأسيس صناعة سينمائية يحتاج إلى سنوات، وهذه الصناعة هي من عمر السينما ففي الدول الغربية أو حتى في مصر بدأت العروض والإنتاجات السينمائية مع بداية السينما نفسها. ليس مطلوبا أن يكون هناك صناعة سينمائية في الخليج لكن على الأقل أن تكون هناك ثقافة سينمائية وشغف لمشاهدة الأفلام وتنوع في المشاهدة. بالطبع لا أنتظر من الخليجيين أن ينتظروا مئة عام لنتحدث عن صناعة سينمائية يمكن مقارنتها مع ما يحدث في مصر أو في تونس.

حاليا مع التطورات في التقنية الجديدة ربما خلال 10 سنوات تستقر الأوضاع ونبدأ نتحدث عن سينما خليجية وعن مخرجين خليجيين موهوبين دون أي شك أو أي نوع من الفضول، أن نتحدث عما يحدث في الخليج بثقة وبنوع من الاحترام لتجاربهم. ليس مطلوب أن تكون هناك صناعة سينمائية بمفهوم الصناعة، المطلوب أن يكون هناك شباب يتمكنون من التعبير عن أنفسهم سواء من الشباب أو البنات. منذ عشرة أعوام، كان الشباب يخافون أن يمسكوا الكاميرا، ومنذ 10 سنوات وربما لحد الآن هناك إشكاليات في الصورة من الناحية الدينية والأخلاقية، ما يحدث في الخليج الآن هو أن الشباب كسروا هذه الفكرة في تحريم الصورة وبدأوا يصنعون الصورة. لقد بدأت الآن أشاهد أفلام من مخرجات خليجيات، منذ ثلاث إلى أربع سنوات كنت أشاهد أفلام متحفظة فيها نوع من الخوف والرقابة الذاتية الكبيرة جدا من قبل الشباب، خاصة البنات. حاليا بدأت أشاهد أفلام جريئة بشكل غير معقول، وذلك مقارنة مع المناخ السائد في الخليج. هذه الجرأة على حمل الكاميرا من قبل الشباب والبنات سوف توصلهم في يوم من الأيام إلى جرأة في طرح الموضوعات وفي تقديم الصورة الصحيحة لبلدهم.

هل تتحدث عن مجرد إشكالات دينية أم تابوهات سياسية، دينية، اجتماعية قد تعيق طريق تقدم الشباب الخليجي؟

– لا أعرف إن كانت هناك تابوهات في الخليج، أعتقد أن هناك رقابة ذاتية فقط، تربية هؤلاء الشباب قائمة على مفاهيم وعادات ولكن عاما بعد آخر، أصبحت هذه الرقابة تضمحل وتزول وأصبح الشباب السينمائيون أكثر اقترابا من مجتمعهم وأكثر جرأة في طرح الموضوعات وأكثر شفافية، بالأحرى أصبحوا أكثر صدقا. كانوا في السابق يخافون أن ينتقدوا العقلية الرجالية السائدة حاليا أصبحوا ينتقدون هذه العقلية ويضحكون منها.

فيلم «حنين» البحريني مثلا يتطرق إلى قضية شائكة وعويصة وخطيرة في المجتمع الخليجي والعربي بشكل عام. المخرج لم يكن لديه أي تابو أو تخوف من طرح الموضوع.

قد لا يكون الأمر بحجم «تابو» لكن ألا ترى أن هناك مواصفات عالمية للفيلم السينمائي، وعناصر يجب أن يحتويها أي فيلم ليحقق نجاحا قد يشكل وجودها في إشكاليات تواجه صانع الفيلم الخليجي وتحد من وصوله للجمهور العالمي؟

اعتقد أن السينما العربية تختلف تماما عن السينما الفرنسية والأميركية وليس كل ما يصنع في الغرب صحيح. كما أن الوصول إلى المشاهد الغربي يمكن أن يتم عن طريق فيلم «ابن بابل» لمحمد الدرادجي وعن طريق أفلام يوسف شاهين الذي يصنعها بصدق. الصدق في التعامل والموهبة بنفس الوقت هما الأساس.

الجمهور الأجنبي متشبع تماما، لن يشده المشهد الجنسي ولا السياسي، ما سيشده هو العمل السينمائي نفسه بغض النظر عن جنسيته سواء أكان من البحرين أو من السعودية.

المشاهد الغربي مثلا مهتم بالسينما الإيرانية لأنها سينما مختلفة تماما عن الأفلام التي يشاهدها. بالطبع لم تشد هذه الأفلام جميع المشاهدين الغربيين وهذه ميزة إيجابية في الغرب إذ إن هناك تنوعا في المشاهدة لدى المشاهد الغربي.

بالنسبة إلى التابوهات، أعتقد انه ليس ضروريا أن يكون هدف السينمائي كسر التابوهات، بل إن يقدم فيلمه بصدق وبأسلوب يشد المتفرج العادي والمتفرج المتخصص، أو أن يفعل مثل السينما الهندية التي تكسر التابوهات لكن بطريقة ظريفة جدا وفيها جمالية عالية. السينما الهندية تقدم مشاهد جنس غير صريحة ومواربة أكثر مما تقدمه السينما الأميركية.، وبسبب التابوهات والممنوعات تخلق مفردات أو بدائل جمالية أخرى لتتمكن من تقديم هذا الجانب وبالتالي شد المشاهد وأنا في الواقع أستمتع بهذه المشاهد المواربة أكثر بكثير من تلك التي أشاهدها في فيلم فرنسي مثلا.

برأيك ما الذي يختلف في ثقافة المشاهدة بين المتفرج العربي والغربي؟

– في مصر على سبيل المثال هناك شريحة كبيرة من الشعب تعيش في فقر وتخلف وجهل وجوع من كل النواحي ولذا فإن أي مشهد يمكن أن يثير انتباه هذا المتفرج، حتى إذا كان بعيد عن أي تابو لان طبيعة المشاهدة في الدول العربية مختلفة تماما عن طبيعة المشاهدة في الدول الغربية. ربما يكون ذلك أيضا إلى محاولة الوصاية على المتفرج من قبل الرقابة ومحاولة الوصاية على الأخلاق.

عشت في مصر في الثمانينيات وحينها لم يكن الحجاب منتشرا كما هو الآن. حاليا حين أزور مصر أجد الحجاب والنقاب وحتى الحجاب الفكري منتشرا بشكل كبير، ليس بين النساء فقط بل حتى بين الرجال. كل هذا ينعكس على المجتمع، فليس من الممكن أن يمر المجتمع خلال بضع سنوات بهذا التحول الديني الكبير ثم يتقبل الحرية الكبيرة في الفيلم السينمائي. يمكن له أن يتقبل تلك الحرية في بيته بينه وبين نفسه، وأنا أعتقد انه إذا كان صادقا مع نفسه ومع دينه وعاداته وتقاليده مفترض به أن يمتنع عن مشاهدة التلفزيون ليس القنوات المشفرة والمتخصصة فقط لكن حتى الكليبات العربية، التي أجدها مؤثرة أكثر من الأفلام الممنوعة. هناك شرخ في التعامل مع الدين وهناك شروخات اجتماعية ناتجة عن تراكمات، ويبدو أن الأنظمة والحكومات والثقافة والمثقفين بشكل أو بآخر يوجد بينهم نوع من التواطؤ أو التساهل مع هذه الشروخات، أو ربما يكون هناك شرخ لدى المثقف والرقيب نفسه.

لست متفائلا كثيرا بما يحدث في العالم العربي، بدأت افقد التفاؤل في السينما العربية. الآن لا يوجد سوى السينما المصرية المحلية التي تنتج إنتاجا خاصا، ومعظم السينما العربية تفكر بالإنتاجات المشتركة مع الغرب.

السينما العربية هي في الواقع الأمر سينما أجنبية لكننا نحتفي بها ونمنحها الجوائز فقط لأن من ينتجها مخرجون عرب يعيشون في الغرب. ولأنه ليس لدينا سينما بدأنا نستوردها، ربما 75 أو90 في المئة من الأفلام العربية التي تعرض في مسابقات المهرجانات أفلام مصنوعة في الغرب إما لمخرجين موجودين في الغرب أو انتاجات مشتركة غالبيتها أوروبية. بدأنا نستورد ثقافتنا من الغرب لكي لا نعترف بأنه لم يتبقَ لدينا شيء نقدمه. السينما على وشك أن تموت أو تضمحل، لم يتبقَ لدينا سينما.

هذا تزييف للسينما العربية وتزييف للتاريخ وحتى للهوية العربية إذ كيف يمكن ان اشاهد فيلما باللغة الفرنسية أو الدانماركية مثلا وأقول عنه عربيا.

أنت قلق ليس فقط على الإنتاج السينمائي ولكن حتى على علاقة المشاهد أو المتفرج العربي بالسينما وعلى وعيها بها؟

– أنا لست قلقا، صحيح هذا همي الأساسي وشغفي ولكن كما قلت أنا غير متفائل، لا أعاني السينما العربية. كانت هذه معاناتي وكان هذا النفس النضالي موجود لدي. حاليا أعيش في باريس، أشاهد الأفلام التي أريدها واطلع على الحركات السينمائية واقرأ ما أريد. في النهاية إذا كان المجتمع العربي ينخرط في التزمت الديني فلا يمكنني أن أفعل شيئا.

ثم لماذا أقلق على السينما العربية، إذا كان صناع السينما العربية ليسوا قلقين على أنفسهم، إذا كان هناك جو ومناخ عام وتواطؤ من قبل الوسط السينمائي العربي أن يسير في هذا الاتجاه. هناك أفكار بدأت تتذبذب مثل فكرة الهوية وحتى فكرة التابوهات فربما منذ عشر سنوات كان هناك تابو معين يشكل خطورة، حاليا انكسر هذا التابو.

فأنت ترى أن هناك تابو انكسر في نفوس الشباب في مقابل موجة تزمت ديني.

– التزمت لدى المجتمع ولكن الشباب أنفسهم الذي كان عندهم نوع من الخوف يريدون الآن أن يكسروا حاجز الخوف. المجتمع يتطور، فنحن نقبل حاليا بفكرة التلفزيون وقليلا ما نسمع أن هناك من يقول إن الصورة حرام حتى الشيوخ والعلماء أنفسهم بدأوا يروجون لفكرة أن الصورة ليست حرام طالما لا تؤذي الفكر الديني.

المجتمع يمر بحالة تغيير وتحول وهناك جيل جديد يفكر بشكل جديد سينتصر في الآخر مهما كانت أفكار الجيل القديم متزمتة أو رجعية أو متخلفة. الخوف فقط أن يشد هذا الجيل الجديد في بعض المجتمعات مثل مصر السينما إلى الوراء.

فهل يمكن أن تنطلق السينما العربية مستقبلا من الخليج أو أن ينتهي دور مصر؟

– كلا لم ينتهِ دور مصر ولكن السينما التي ستنطلق من الخليج ستنطلق بروح مختلفة شبابية خصبة. في سينما مصر ترسخت تقاليد وعادات ومفاهيم وجماليات، هنا الأرض خصبة وهناك جيل جديد ينهل من كل المراجع المتوافرة لديه. لن يتغلب على السينما المصرية ولا السورية أو الجزائرية ولكن سيخلق خصوصية مثل السينما الإيرانية التي خلقت لنفسها مكانا في السينما العالمية والمشهد السينمائي العالمي وجذبت إليها جمهورا وبدأ يصبح لها حضور في المهرجانات الدولية.

سيكون هناك سينمائيون خليجيون سوف يفرضون خصوصيتهم بموضوعاتهم وأفكارهم وربما بجرأتهم التي تأتي من الانفتاح الذي يعيشون.

العدد 2785 – الخميس 22 أبريل 2010م الموافق 07 جمادى الأولى 1431هـ

في المعرض الرباعي «تقاسيم»…طفولة عنان معقلنة لكن بدائية … والمهدي طفل مندهش بلبنان

الجفير – منصورة عبدالأمير 

الأطفال ودهشتهم هم أبطال لوحات الفنان التشكيلي محمد المهدي، في لوحاته لا تجد سوى الدهشة، الدهشة بكل ما هو جديد، غريب، وغير مألوف.

تلك الدهشة الطفولية يحمل المهدي كثيرا منها، تبرز دائما في كل ثيمات أفكاره، ألوان لوحاته وخطوطه التي تبدو كخربشات طفولية تنطق بالكثير، قد ينسبها للأطفال الذين يملأ حضورهم لوحاته على الدوام، لكنه لا ينفي أبدا أنها تعبير عن انفعالاته بكل الأشياء من حوله.

هذه المرة كانت دهشته في لبنان، بدأت حين زاره العام 2005 مباشرة بعد انتهاء الحرب، لحضور ورشة عمل.

«أدهشني لبنان، كل ما فيه غير مألوف بالنسبة لي، شبابه، فتياته، نساؤه، شوارعه، الثلج الأبيض الذي يغطي جباله، بل وحتى الآثار التي تركتها الحرب على النفوس والشوارع والمباني وعلى كل شيء في لبنان».

لبنان كان أساس لوحاتي الميكس ميديا الاثنتي عشرة التي تشاهديها أمامك، الثيمة المشتركة فيها هو لبنان، لبنان بكل وجوهه، أطلقت على المجموعة اسم «وجوه من لبنان».

هذه اللوحات توثق ذكريات الدهشة والألم والانفعال التي عشتها هناك، لذا نقلت إليها كل ما تحويه ذاكرتي من صور ومواقف نقلتني لتلك الدهشة، فجاءت أسماؤها معبرة إلى حد كبير عن كل تلك الانفعالات والمشاعر، «جبل الثلج»، عشق، الوصول إلى لبنان، النظر إلى الخارج، بيروت، رمز الوحدة، مقدم العصير، المهرج، جين بيرير.

لبنان … آلمني، أدهشني، ثم وترني

حين زرت لبنان كان قد خرج للتو من حرب 2005، آلمني وأدهشني كل ما شاهدته، كان الوضع سيئا، الجنود يملؤون الشوارع، وملمس الحرب كان واضحا على المباني. لقد تركت الحرب آثارها على كل شيء، شعرت بذلك، بدا وكأنني ألمس تلك الآثار، ولذا أردت أن أنقل كل شيء حتى ملمس المباني المتضررة».

انفعالي بكل ما شاهدت ترك أثرا على ألواني وعلى ملمس لوحاتي. ألوان لوحاتي جاءت معتمة لكن في وسط العتمة ينتشر البياض والنور دائما، وتختبئ الطفولة في كل التفاصيل. إنه الأمل في أن يعود لبنان.

ملمس لوحاتي الذي حققته عبر استخدام خامات مختلفة لتكوين لوحات كولاج، جاء هو الآخر لينقل جزءا كبيرا من إحساسي. انظري هنا لقد وضعت معجونا لأعطي إحساسا بالمبنى الذي دمرته الحرب. حين رأيته كنت كمن يلامس جدرانه، لقد أحسست بملمسها في أصابعي بمجرد رؤيته»

لكن انظري هناك، تلك اللوحة التي أرسم فيها فنانا لبنانيا أخذنا في جولة أعلى جبال لبنان فيها كثير من النور والمرح. لقد أدهشني الجبل والثلج الأبيض الذي يغطيه، وبهرني مرح الرجل وخفة ظله.

لبنان سيد التناقضات

تختلط العتمة والنور في لوحاتي وتتداخلان إلى حد كبير، إن لبنان سيد التناقضات.

انظري هنا، هذه بيروت كما رأيتها من نافذة فندقي، متعبة شاحبة، لكن وسط كل ذلك شاهدت قطا جميلا، جعلته يطير في لوحتي مرحا.

نعم تجدين عتمة في اللوحة وهذا تعبير عن انفعالي وحزني الشديد لما رأيت، لكن هنالك بياض وضوء أيضا، إنه أمل خروج لبنان من أزمته.

عتمة وبياض… متناقضان، لكن لبنان هو من أوحى لي بذلك، كل ما فيه متناقض. انظري إلى تلك اللوحة، رسمتها بعد أن التقيت لبنانيتين ترتدي إحداهما زيا إسلاميا فيما ترتدي الأخرى زيا غربيا ومع ذلك فهما صديقتان حميمتان. اختلاف الفكر لم يفسد صداقتهما، إنها وحدة لبنان.

أجواء الحفلات كانت مختلفة، غير مألوفة بالنسبة لي لكنها تمتلئ مرحا وبهجة، في الوقت ذاته تمتلئ توترا ودهشة بكل شيء بالنادل الذي يترنح فيما ينقل طلبات رواد المقهى، بالأجواء التي لم ألفها. انظري هناك ضوء المصباح، لكن هناك أيضا غيوم سوداء. إنه توتري أنا بجو لم ألفه.

كذلك فقد رسمت معظم الوجوه التي قابلتها في لبنان، شخصياتها بقيت مخزونة في ذاكرتي فرسمت انفعالي بها وانطباعي حولها. دائما ارسم ما يميز الشخصية وما يدهشني فيها، قد يكون أسلوب كلامها أو روح فكاهتها كهذا الرجل مثلا الذي كان ذا حس دعابة عالٍ، وهذه الفتاة الدائمة الصمت.

وفي وسط كل ذلك دائما يختبئ الأطفال في لوحاتي، الطفل في هذه اللوحة، انه هنا في وجه هذه المرأة.

سواد عنان محتج، قلق، لكن متفائل

الفنان التشكيلي أحمد عنان شارك في المعرض نفسه بعشرين عملا، امتلأت بكثير من السواد الذي يقول عنه عنان بأنه سواد «مخفف ومتلاعب به يحمل دلالات لا تمت للكآبة بصلة»

«قال البعض إن لوحاتي في هذا المعرض توحي بالكآبة وأنا أعتقد أن هذه قراءة شخصية، فالسواد هنا متلاعب به يمتلئ بكثير من الإضاءات»

في أحد المعارض شاركت بلوحات امتلأت بكثير من السواد، أطلقت عليها «الربيع». الربيع حتما لا علاقة له بالسواد، لكن سوادي كما ذكرت مختلف».

في الواقع أنا لا ألتزم بلون واحد في لوحاتي، فهنا مثلا في هذه اللوحة تجدين هذه الغرفة المغلقة حيث لا أبواب ولا نوافذ، ولا شيء سوى كرسي. وجدت هنا أنه يجب أن أضيف لونا آخر لكسر جمود اللوحة وربما كآبتها. أضفت اللونين الأحمر والأخضر، فهذه لوحة حب وورود متناثرة عليّ أن أحركها.

عموما أنا أتعامل مع اللون كملمس، اختار الملمس بشكل عفوي وكذلك اللون، لكني في الوقت ذاته أتعامل مع ألواني باختيار دقيق ومعبر وذي دلالة. مثلا في تلك اللوحة، الأصفر هنا يعطي عملي بهجة ونشاط ويحرك اللوحة الجامدة خصوصا انه يميل للبرتقالي. إلى جانب ذلك هناك ضوء ينتشر دائما في أعمالي في إشارة إلى الأمل بتحسن كل شيء.

هناك شخوص دائما في أعمالي، وهي تملأ اللوحة. لوحة العائلة هذه مثلا تبدو كصورة جماعية ويبدو الأشخاص فيها وكأنهم في حالة انتظار. الانتظار أكبر الآلام التي يعيشها الإنسان.

إنه أنا!!

الشخصيات التي أرسمها تعبر عني إلى حد كبير، هي دائما مكتوفة اليدين تعبيراعن احتجاجها وعدم رضاها وربما القلق الذي تعيشه. إنهم جميعا ينتظرون أمرا ما.

قد أرسم نفسي كما في هذه اللوحة التي يوجد فيها حزن وعدم رضا وانتظار. انظري حتى ملامح وجه هذا الشخص تشبهني، إنه أنا. في لوحات أخرى تجدين إلى جانب الانتظار، استنكار وغضب أو عدم رضا. لا أحد سعيد، وربما يعبر ذلك عما أعيشه أنا من قلق ولا رضا وانتظار لما هو أفضل.

المرأة دائمة التواجد في لوحاتي، وهي ترمز للمجتمع كما أنها موجودة في نفسي وتتفاعل بداخلي فأخرجها بهذا الشكل. هنالك الكرسي أيضا وهو عامل مشترك في كل لوحاتي، كما يرمز لأمور كثيرة، فهو دلالة على الانتظار الذي يكسر الروتين ويجعلك تطمح لما هو أفضل. وقد لا تجدين الكرسي بل السرير بدلا منه وهو ما يرمز لأمور أعمق ويحمل معاني مختلفة قد تكون متناقضة. قد يشير للراحة أو المرض أو الحزن. السرير هو ما يسر وربما يكون السر.

أيضا تجدين طيورا في كل لوحاتي تقريبا، وطيوري ليست كما يعتقد البعض واجمة تبعث الكآبة. إنها طيور السلام.

تناقضات لونية ولا حصر للدلالات

شخوص لوحاتي دائما ضخام القامة ذوو أعناق غليظة وأنوف مفلطحة، حتى النساء منهن. رغم ذلك هناك أنوثة. إنه التناقض في أعمالي، في اللون وفي المعنى.

أحب السواد لكني أوزعه بشكل مختلف يحوي كثيرا من الإضاءات والمعاني. أتعامل مع اللوحة كملمس، قد أضيف لها ملمس إضاءة أوزعها بأشكال كثيرة قد توحي بالتناقض، وهو تناقض لوني في اللوحة يشير للتناقض في واقع حياتنا.

طفولتي معقلنة وعفويتي مدروسة

عموما أؤمن أنه ليس للفن لون أو موضوع محدد، إنها هوية الفنان التي تنطق بها أعماله. وبالنسبة لي لا يمكنني تفسير كل شيء في أعمالي، هناك دائما ما يجب أن يجتهد فيه المتفرج. أنا أرسم بشكل عفوي حر فأنا أحب التعامل مع الأشكال دون قيود، وفي ذلك تعبير عن احتجاجي، لكن عفويتي تلك مدروسة. هناك طفولة معقلنة في أعمالي وكما وصفها البعض فهي مزيج من الطفولة والبدائية.

هل تعرفين أنني أرسم بيدي اليسرى كما اليمني، كما أني لا أقيد نفسي حتى أثناء الرسم، قد ارسم فيما آكل أو أتحدث مع أحدهم. أفعل ذلك لأزيد من صدق اللوحة وعفويتها وعدم تأثرها بمقاييس محددة كالواقعية أو أي مدرسة أخرى. أرسم بعفوية مقصودة ومدروسة.

العدد 2771 – الخميس 08 أبريل 2010م الموافق 23 ربيع الثاني 1431هـ

قدمت «كتاب الأدغال» ضمن فعاليات مهرجان ربيع الثقافة…فرقة سيتي دانس الأميركية: الرقص بلا معنى محبط، ونسعى لزيادة تقدير البحرينيين لهذا الفن

الجفير – منصورة عبدالأمير 

ضمن فعاليات ربيع الثقافة، استضافت وزارة الثقافة والإعلام، بالتعاون مع السفارة الأميركية ومجلس التنمية الاقتصادية، لأسبوع الماضي فرقة سيتي دانس المسرحية ومقرها واشنطن دي سي، لتقدم عملها المسرحي الراقص «كتاب الأدغال» على مسرح الصالة الثقافية. العمل مأخوذ عن الرواية الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه والتي كتبها المؤلف البريطاني الشهير روديادر كيبلينغ وقدمتها ديزني في فيلمها الشهير «كتاب الأدغال – جنغل بوك».

اشتمل برنامج الفرقة، أثناء تواجدها في البحرين، على تقديم عدد من العروض التعليمية لطلبة المدارس الحكومية ولبعض الطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة، بالإضافة إلى ورشات تعليمية لتدريب عدد من الشباب البحريني ممن تتراوح أعمارهم بين 17-25 عاما وذلك ضمن برنامج المواهب الذي يدعمه مجلس التنمية الاقتصادية ويتزامن مع مهرجان ربيع الثقافة.

«الوسط» التقت طاقم عمل المسرحية الذي حضر البحرين والمتكون من 12 راقصا ومدير أعمال الفرقة بول ايميرسون، ومخرج العمل ومصمم الرقصات كريستوفر مورغان وبعض أفراد طاقم الإنتاج، وهم الذين عبروا عن سعادتهم الشديدة للمشاركة في مهرجان ربيع الثقافة الذي قال عنه إيميرسون إنه «مهرجان معروف ويحظى باهتمام واحترام كبيرين في الولايات المتحدة»

مدير الفرقة عبر عن امتنانه لوزارة الثقافة والإعلام وللسفارة الأميركية في البحرين لإتاحة الفرصة لفرقته للمشاركة في المهرجان مشيرا إلى أن ذلك يعطي فرقته «اعتبارا كبيرا ويمثل مصدر اعتزاز لسيتي دانس».

ويؤكد ايميرسون «أنا مؤمن تماما بالدبلوماسية الثقافية وأعتقد أن الفنانين الأميركيين الذين تسنح لهم الفرصة لمشاركة عناصر من أميركا والثقافة الأميركية مع العالم هم جزء مهم من هذه الدبلوماسية الأميركية ومن الصورة التي تريد أن تقدمها أميركا للعالم عن نفسها. أعتقد أن ذلك يتطلب رؤية خاصة من حكومة الولايات المتحدة الأميركية وكل الأطراف المشاركة في البرنامج».

ولا تعد هذه المرة الأولى التي يسافر فيها فريق سيتي دانس لتقديم عمل من أعماله خارج الولايات المتحدة، إذ يؤكد ايميرسون «قدمنا هذا العمل بالذات في أماكن عديدة في العالم وهو أحد أعمالنا المفضلة الذي يروي القصة الشهيرة بطريقة مختلفة ومميزة تجعله مناسبا للعائلة إلى جانب كونه عرضا راقصا».

إيميرسون يشير إلى أن الفضل في تميز العمل يعود «يعود لمصممي الرقصات الذين تعاونوا مع طاقم العمل لجعل ذلك ممكنا. على أية حال هذا أمر اعتيادي في أعمال شركة سيتي دانس، إذ نتعاون جميعا على الوصول بالعمل إلى صيغته النهائية التي تجعله عرضا ذا نكهة مميزة ومختلفة».

الجانب التعليمي هو الأهم

مخرج العمل كريستوفر مورغان يؤكد أن ما يميز هذا العمل وكل أعمال سيتي دانس هو الجانب التعليمي الذي يضمنه لمتفرجيه سواء فيما يتعلق بأهمية الرقص كفن للتواصل أو بالتعريف بأساليب الرقص المختلفة وأنواعها، يقول «لدينا الآن مدرسة لتعليم الرقص للأطفال في واشنطن دي سي التحق بها لحد الآن 900 طالب. كذلك نقوم بتقديم الكثير من النشاطات الموجهة للأطفال في هذا الجانب في جميع أرجاء الولايات المتحدة. وسوف نقوم بتنفيذ جزء من هذا البرنامج التعليمي أثناء تواجدنا في البحرين. غدا سنلتقي مع مجموعة كبيرة من الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة لنقدم لهم عرضا خاصا للعمل نفسه، وهذا أمر مميز بالنسبة لنا ونحن سعداء بهذه الفرصة. إنه يشبه كثيرا ما نقدمه في أميركا. كذلك ستتاح لنا الفرصة لأن نعمل مع مجموعة من الشباب البحريني من ذوي المواهب لكي ندمجهم في عرضنا المسرحي. إننا سعداء بهذا الأمر الذي سوف يشكل تحد لنا. سوف يقضي معنا الشباب يومين كاملين وسيشاركون في عرضنا هنا في البحرين».

ويضيف «هذا جزء من أسلوبنا في تقديم العروض فنحن لا نعرض أعمالنا فقط حين نذهب إلى إي مكان، بل نسعى لأن نشرك الآخرين معنا ولأن تكون عروضنا تفاعلية. رغم ذلك فهذه المرة يبدو الأمر مختلفا فنحن في العادة لا ندمج الممثلين في عروضنا، فقط نشترك معهم في عروض أخرى، وهذا ما سنفعله في شهر أبريل/ نيسان إذ سنسافر إلى رام الله لنشترك مع فرقة فلسطينية في تقديم عرض راقص في افتتاح مهرجان للرقص يقام هناك».

الرقص بلغة واحدة

مورغان يؤمن أن اللغة لن تشكل أي عائق في تقديم العمل للأطفال في البحرين «لا نزال قادرين على أن نتحدث لغة واحدة عبر الحركة، وسوف نعرض للأطفال في بعض المدارس الحكومية هنا الكثير من أساليب الرقص التي تعبر عن الأفكار والعواطف ثم سندمجهم في العرض، وذلك عبر برنامج «الرقص بلغة واحدة» الذي نقدمه حين نخاطب مجتمعا متعدد اللغات. نريد أن نحقق نوعا من العالمية وأن نتحدث بلغات كثيرة عبر أسلوب الرقص»

ويواصل «سنقدم عروضا لا تعتمد على الحوارات، وفي العادة معظم عروضنا لا تشتمل على الكثير من الحوارات. ونحن نقصد هذا الأمر، بل أن أحد أسباب اختيارنا لكتاب الغابة هو أن الحيوانات شخصيات تعتمد على الحركة وهكذا يمكن أن تروى القصة دون اللجوء لحوارات كثيرة».

ويتدخل دانيال زوك الذي يؤدي شخصية القرد – الملك لوي «كينغ لوي» في الحوار قائلا «نحاول في عملنا المسرحي أن نلتزم بكثير من التفاصيل الواردة في الكتاب الأصلي، ولكن مع الاهتمام بفكرة أن يفهم المتفرج العمل دون الاعتماد على الكلمات، وهكذا نقوم بتأدية الحركات والإيماءات والرقصات التي وضعها مصممو الرقصات لنا بشكل يترجمها إلى لغة يفهمها الجميع. في عملنا هذا نقوم بتقديم إيماءات بسيطة لكن الجمهور، باختلاف لغاته وثقافاته، يفهم معناها ويتفاعل معها بشكل جيد، وهذا ما يحقق اتصالا قويا مع جمهورنا.

في الحقيقة الأمر سيكون ممتعا بالنسبة للجمهور الغير معتاد على التفرج على مسرحيات راقصة، كما أن هناك جانبا تعليميا للجمهور ليعرف كيف يمكن إيصال الأفكار دون الاعتماد على الحوار».

موسيقى لكل شخصية

وتلتقط جيزيل الفيراز التي تقوم بدور الذئبة التي تتبنى موغلي «ماذر وولف» الحديث فتقول «موسيقى العمل وضعها موسيقيون عملوا معنا خطوة بخطوة في وضع ألحان تتناسب مع كل تفاصيل القصة بل إن لموسيقاهم وظيفة في رسم أحداث القصة. لقد وضع هؤلاء ثيمة كل شخصية ليضمنوا مزيدا من تفاعل الأطفال مع العمل. الموسيقي تساعدنا إلى حد كبير في فهم القصة فهناك لحن معين لكل شخصية فأنت ترى الشخصية ثم تسمع الموسيقى الخاصة بها وهذه طريقة أخرى لرواية القصة».

ويضيف دانيال مؤكدا أهمية الموسيقى «بمجرد أن أدخل إلى المسرح أتسبب في حدوث كل أنواع الفوضى بالموسيقى التي تعزف عند دخولي وبنوع الرقص المصاحب لها. نوعا ما أكسر بفقرتي الروتين الذي تقدم به باقي فقرات العمل، هناك كل تلك الأساليب من الرقص ثم فجأة يسمع الأطفال حضوري وأقدم ذلك النوع من الرقص الذي يدمج الأطفال بشكل أكبر في القصة».

تقدير فن الرقص هدفنا

الفرقة التي تتخذ من زيادة تقدير الجمهور لفن الرقص ودوره الفعال هدفا لها تعمل على تحقيقه عبر عروضها التي تجمع فيها بين البراعة في الأداء المسرحي، الاهتمام بالجانب التعليمي مع التركيز على الجوانب الفنية الأخرى. لتحقيق ذلك الهدف يقول مدير الفرقة «هذا هو السبب الذي يجعل من قصة «كتاب الأدغال» العمل الأنسب لفرقة سيتي دانس. الرقص والحركة هي طرق رائعة لسرد أي قصة وهما لا يحتاجان لأي لغة. إنهما طرق تواصل رائعة بين البشر باختلاف لغاتهم وثقافاتهم. هذه القصة مناسبة لتحقيق هدفنا بسبب قدرتها على تقديم شخصيات مختلفة وإمكانية رواية أحداثها عن طريق الحركة، الحركة بكل أنواعها.

«الرقص ينقل المتفرج لحياة الشخصية، لجنونها، لحنانها، للشر الذي يعيش بداخلها. المتفرج يتفاعل مع الشخصيات من خلال الحركة، القصة تأخذه معها من خلال الرقص وهكذا يمكن أن ترى كيف يمكن للرقص أن يروي القصة بشكل رائع بطريقة لا علاقة لها بأي فكرة نمطية عن الرقص، أنت فقط ترى أشخاصا وحيوانات يتحركون على المسرح وهذا هو ما يعطي للقصة طعم ويجعل المشاهد يقدر الرقص. وهكذا تلاحظ أن الأطفال مباشرة بعد العرض يقومون بتقليد الإيماءات كحركة الحية والطريقة التي تسير بها ويقلدون هذه الطريقة ويحاولون أن يقصوا جزءا آخر من القصة لم نتطرق إليه ويمكن لكريستوفر أن يخبركم كيف طلبنا من الأطفال أن يساهموا بتقديم بعض الحركات في أحد عروضنا».

ويلتقط كريستوفر الحديث ليؤكد على الجانب التعليمي في عروض الفرقة فيقول «لذلك فإننا ملتزمون دائما بأن تكون عروضنا تعليمية إلى جانب كونها عروضا راقصة. إننا ننطلق في عرضنا هنا في البحرين من ذات المنطلق الذي نتحرك منه قبل تقديم أي عرض في الولايات المتحدة. نسعى دائما للتأكد من أن الرقص أمر مألوف بالنسبة للمتفرج، وهذا يتضمن شقا تعليميا أيضا، فعلينا أن نجعل المتفرج يدرك ما نقدمه إليه ويعرف الفرق بين أساليب الرقص المتعددة التي ندمجها معا في عروضنا، والتي تجسد مختلف الحالات، والتي تبدو مفهومة ومتشابهة في كل الثقافات.

جائزة التميز في واشنطن

الفرقة التي تصف نفسها بأنها أبرز فرق واشنطن في تقديم عروض الرقص الحديث، سعدت أثناء تواجدها في البحرين بخبر حصولها على جائزة التميز في التعليم التي منحها إياها عمدة واشنطن، ومدير الفرقة الذي وصله خبر حصول فرقته على تلك الجائزة قبل يوم واحد من لقاء الوسط إياه عبر عن سعادته بتلك الجائزة وقال «نحاول دائما أن نقدم أفضل ما لدينا وأن نعطي فنانينا وجمهورنا الخبرة الأفضل بقدر ما يمكن كما أن هدفنا كشركة هو تقديم الرقص والفن بكل أشكالهما بشكل يحرك القلب ويصل للجمهور. هذا أمر مهم لنا كما هو مهم لمشاهدينا لأنه يغير الطريقة التي ننظر بها جميعا لفن الرقص على المسرح، فهو فن إنساني يعبر فيه الراقصون عن انفعالاتهم ومشاعرهم بكل صدق ووضوح عبر هذه الآلية القوية والفعالة».

وتؤكد جيزيل الفيراز على الأمر فتقول «ما هو مميز لدى سيتي دانس هو قدرتنا على الوصول لجمهور مختلف فنحن نقدم عرضا في واشنطن دي سي ثم نذهب إلى فلسطين ثم نأتي إلى البحرين. نحن قادرون على الوصول لأشخاص مختلفين بطرق مختلفة عبر الرقص بكل أنواعه، السعيد والحزين والمرعب».

يحبطني الرقص بلا معنى

ويختم كريستوفر مورغان الحديث بقوله «هناك اتجاه في الولايات المتحدة الآن ينحو نحو الرقص التجريدي وهو أمر جميل وربما مثير بالنسبة للراقص لكنه لا يحمل أي معنى. بالنسبة لي أرى أنه محبط أن أقدم عمل راقص جميل لكنه لا يحمل أي معنى، وهكذا فقد عملنا في سيتي دانس على تقديم أداء ذي معنى نخاطب به الجمهور».

العدد 2764 – الخميس 01 أبريل 2010م الموافق 16 ربيع الثاني 1431هـ