في المعرض الرباعي «تقاسيم»…طفولة عنان معقلنة لكن بدائية … والمهدي طفل مندهش بلبنان

الجفير – منصورة عبدالأمير 

الأطفال ودهشتهم هم أبطال لوحات الفنان التشكيلي محمد المهدي، في لوحاته لا تجد سوى الدهشة، الدهشة بكل ما هو جديد، غريب، وغير مألوف.

تلك الدهشة الطفولية يحمل المهدي كثيرا منها، تبرز دائما في كل ثيمات أفكاره، ألوان لوحاته وخطوطه التي تبدو كخربشات طفولية تنطق بالكثير، قد ينسبها للأطفال الذين يملأ حضورهم لوحاته على الدوام، لكنه لا ينفي أبدا أنها تعبير عن انفعالاته بكل الأشياء من حوله.

هذه المرة كانت دهشته في لبنان، بدأت حين زاره العام 2005 مباشرة بعد انتهاء الحرب، لحضور ورشة عمل.

«أدهشني لبنان، كل ما فيه غير مألوف بالنسبة لي، شبابه، فتياته، نساؤه، شوارعه، الثلج الأبيض الذي يغطي جباله، بل وحتى الآثار التي تركتها الحرب على النفوس والشوارع والمباني وعلى كل شيء في لبنان».

لبنان كان أساس لوحاتي الميكس ميديا الاثنتي عشرة التي تشاهديها أمامك، الثيمة المشتركة فيها هو لبنان، لبنان بكل وجوهه، أطلقت على المجموعة اسم «وجوه من لبنان».

هذه اللوحات توثق ذكريات الدهشة والألم والانفعال التي عشتها هناك، لذا نقلت إليها كل ما تحويه ذاكرتي من صور ومواقف نقلتني لتلك الدهشة، فجاءت أسماؤها معبرة إلى حد كبير عن كل تلك الانفعالات والمشاعر، «جبل الثلج»، عشق، الوصول إلى لبنان، النظر إلى الخارج، بيروت، رمز الوحدة، مقدم العصير، المهرج، جين بيرير.

لبنان … آلمني، أدهشني، ثم وترني

حين زرت لبنان كان قد خرج للتو من حرب 2005، آلمني وأدهشني كل ما شاهدته، كان الوضع سيئا، الجنود يملؤون الشوارع، وملمس الحرب كان واضحا على المباني. لقد تركت الحرب آثارها على كل شيء، شعرت بذلك، بدا وكأنني ألمس تلك الآثار، ولذا أردت أن أنقل كل شيء حتى ملمس المباني المتضررة».

انفعالي بكل ما شاهدت ترك أثرا على ألواني وعلى ملمس لوحاتي. ألوان لوحاتي جاءت معتمة لكن في وسط العتمة ينتشر البياض والنور دائما، وتختبئ الطفولة في كل التفاصيل. إنه الأمل في أن يعود لبنان.

ملمس لوحاتي الذي حققته عبر استخدام خامات مختلفة لتكوين لوحات كولاج، جاء هو الآخر لينقل جزءا كبيرا من إحساسي. انظري هنا لقد وضعت معجونا لأعطي إحساسا بالمبنى الذي دمرته الحرب. حين رأيته كنت كمن يلامس جدرانه، لقد أحسست بملمسها في أصابعي بمجرد رؤيته»

لكن انظري هناك، تلك اللوحة التي أرسم فيها فنانا لبنانيا أخذنا في جولة أعلى جبال لبنان فيها كثير من النور والمرح. لقد أدهشني الجبل والثلج الأبيض الذي يغطيه، وبهرني مرح الرجل وخفة ظله.

لبنان سيد التناقضات

تختلط العتمة والنور في لوحاتي وتتداخلان إلى حد كبير، إن لبنان سيد التناقضات.

انظري هنا، هذه بيروت كما رأيتها من نافذة فندقي، متعبة شاحبة، لكن وسط كل ذلك شاهدت قطا جميلا، جعلته يطير في لوحتي مرحا.

نعم تجدين عتمة في اللوحة وهذا تعبير عن انفعالي وحزني الشديد لما رأيت، لكن هنالك بياض وضوء أيضا، إنه أمل خروج لبنان من أزمته.

عتمة وبياض… متناقضان، لكن لبنان هو من أوحى لي بذلك، كل ما فيه متناقض. انظري إلى تلك اللوحة، رسمتها بعد أن التقيت لبنانيتين ترتدي إحداهما زيا إسلاميا فيما ترتدي الأخرى زيا غربيا ومع ذلك فهما صديقتان حميمتان. اختلاف الفكر لم يفسد صداقتهما، إنها وحدة لبنان.

أجواء الحفلات كانت مختلفة، غير مألوفة بالنسبة لي لكنها تمتلئ مرحا وبهجة، في الوقت ذاته تمتلئ توترا ودهشة بكل شيء بالنادل الذي يترنح فيما ينقل طلبات رواد المقهى، بالأجواء التي لم ألفها. انظري هناك ضوء المصباح، لكن هناك أيضا غيوم سوداء. إنه توتري أنا بجو لم ألفه.

كذلك فقد رسمت معظم الوجوه التي قابلتها في لبنان، شخصياتها بقيت مخزونة في ذاكرتي فرسمت انفعالي بها وانطباعي حولها. دائما ارسم ما يميز الشخصية وما يدهشني فيها، قد يكون أسلوب كلامها أو روح فكاهتها كهذا الرجل مثلا الذي كان ذا حس دعابة عالٍ، وهذه الفتاة الدائمة الصمت.

وفي وسط كل ذلك دائما يختبئ الأطفال في لوحاتي، الطفل في هذه اللوحة، انه هنا في وجه هذه المرأة.

سواد عنان محتج، قلق، لكن متفائل

الفنان التشكيلي أحمد عنان شارك في المعرض نفسه بعشرين عملا، امتلأت بكثير من السواد الذي يقول عنه عنان بأنه سواد «مخفف ومتلاعب به يحمل دلالات لا تمت للكآبة بصلة»

«قال البعض إن لوحاتي في هذا المعرض توحي بالكآبة وأنا أعتقد أن هذه قراءة شخصية، فالسواد هنا متلاعب به يمتلئ بكثير من الإضاءات»

في أحد المعارض شاركت بلوحات امتلأت بكثير من السواد، أطلقت عليها «الربيع». الربيع حتما لا علاقة له بالسواد، لكن سوادي كما ذكرت مختلف».

في الواقع أنا لا ألتزم بلون واحد في لوحاتي، فهنا مثلا في هذه اللوحة تجدين هذه الغرفة المغلقة حيث لا أبواب ولا نوافذ، ولا شيء سوى كرسي. وجدت هنا أنه يجب أن أضيف لونا آخر لكسر جمود اللوحة وربما كآبتها. أضفت اللونين الأحمر والأخضر، فهذه لوحة حب وورود متناثرة عليّ أن أحركها.

عموما أنا أتعامل مع اللون كملمس، اختار الملمس بشكل عفوي وكذلك اللون، لكني في الوقت ذاته أتعامل مع ألواني باختيار دقيق ومعبر وذي دلالة. مثلا في تلك اللوحة، الأصفر هنا يعطي عملي بهجة ونشاط ويحرك اللوحة الجامدة خصوصا انه يميل للبرتقالي. إلى جانب ذلك هناك ضوء ينتشر دائما في أعمالي في إشارة إلى الأمل بتحسن كل شيء.

هناك شخوص دائما في أعمالي، وهي تملأ اللوحة. لوحة العائلة هذه مثلا تبدو كصورة جماعية ويبدو الأشخاص فيها وكأنهم في حالة انتظار. الانتظار أكبر الآلام التي يعيشها الإنسان.

إنه أنا!!

الشخصيات التي أرسمها تعبر عني إلى حد كبير، هي دائما مكتوفة اليدين تعبيراعن احتجاجها وعدم رضاها وربما القلق الذي تعيشه. إنهم جميعا ينتظرون أمرا ما.

قد أرسم نفسي كما في هذه اللوحة التي يوجد فيها حزن وعدم رضا وانتظار. انظري حتى ملامح وجه هذا الشخص تشبهني، إنه أنا. في لوحات أخرى تجدين إلى جانب الانتظار، استنكار وغضب أو عدم رضا. لا أحد سعيد، وربما يعبر ذلك عما أعيشه أنا من قلق ولا رضا وانتظار لما هو أفضل.

المرأة دائمة التواجد في لوحاتي، وهي ترمز للمجتمع كما أنها موجودة في نفسي وتتفاعل بداخلي فأخرجها بهذا الشكل. هنالك الكرسي أيضا وهو عامل مشترك في كل لوحاتي، كما يرمز لأمور كثيرة، فهو دلالة على الانتظار الذي يكسر الروتين ويجعلك تطمح لما هو أفضل. وقد لا تجدين الكرسي بل السرير بدلا منه وهو ما يرمز لأمور أعمق ويحمل معاني مختلفة قد تكون متناقضة. قد يشير للراحة أو المرض أو الحزن. السرير هو ما يسر وربما يكون السر.

أيضا تجدين طيورا في كل لوحاتي تقريبا، وطيوري ليست كما يعتقد البعض واجمة تبعث الكآبة. إنها طيور السلام.

تناقضات لونية ولا حصر للدلالات

شخوص لوحاتي دائما ضخام القامة ذوو أعناق غليظة وأنوف مفلطحة، حتى النساء منهن. رغم ذلك هناك أنوثة. إنه التناقض في أعمالي، في اللون وفي المعنى.

أحب السواد لكني أوزعه بشكل مختلف يحوي كثيرا من الإضاءات والمعاني. أتعامل مع اللوحة كملمس، قد أضيف لها ملمس إضاءة أوزعها بأشكال كثيرة قد توحي بالتناقض، وهو تناقض لوني في اللوحة يشير للتناقض في واقع حياتنا.

طفولتي معقلنة وعفويتي مدروسة

عموما أؤمن أنه ليس للفن لون أو موضوع محدد، إنها هوية الفنان التي تنطق بها أعماله. وبالنسبة لي لا يمكنني تفسير كل شيء في أعمالي، هناك دائما ما يجب أن يجتهد فيه المتفرج. أنا أرسم بشكل عفوي حر فأنا أحب التعامل مع الأشكال دون قيود، وفي ذلك تعبير عن احتجاجي، لكن عفويتي تلك مدروسة. هناك طفولة معقلنة في أعمالي وكما وصفها البعض فهي مزيج من الطفولة والبدائية.

هل تعرفين أنني أرسم بيدي اليسرى كما اليمني، كما أني لا أقيد نفسي حتى أثناء الرسم، قد ارسم فيما آكل أو أتحدث مع أحدهم. أفعل ذلك لأزيد من صدق اللوحة وعفويتها وعدم تأثرها بمقاييس محددة كالواقعية أو أي مدرسة أخرى. أرسم بعفوية مقصودة ومدروسة.

العدد 2771 – الخميس 08 أبريل 2010م الموافق 23 ربيع الثاني 1431هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s