للمرة الخامسة «غياب» أفضل فيلم قصير… بوعلي: أنا راوي قصص المهمشين والمنسيين

منصورة عبدالأمير 

للمرة الخامسة خلال عامين، يحصد الفيلم البحريني القصير «غياب» جائزة جديدة تضاف إلى رصيد الفيلم واعتراف آخر بتميز موهبة مخرجه محمد راشد بوعلي. هذه المرة فاز «غياب» بالجائزة الثالثة في مهرجان المحمدية الدولي للفيلم القصير وذلك خلال دورته الرابعة التي عقدت في الفترة من 23 حتى 25 أبريل/ نيسان الماضي، في مدينة المحمدية بالمغرب.

«غياب» الذي تنافس مع 24 فيلما تمثل 19 بلدا من مختلف دول العالم، حقق نجاحا بارزا خلال العاميين الأخيرين بمشاركته في 24 مهرجانا دوليا وتحقيقه لعدد من الجوائز وشهادات التقدير أبرزها الجائزة الفضية بمهرجان الهربان الدولي السينمائي بالعراق في يناير/ كانون الثاني 2009، جائزة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان الفيلم العربي في روتردام العام 2008، وجائزة أفضل ملصق سينمائي في مسابقة أفلام من الإمارات التابعة لمهرجان الشرق الأوسط السينمائي في أبوظبي وذلك في اكتوبر/ تشرين الثاني 2008.

وكان مخرج الفيلم محمد بوعلي قد أنجز بعد «غياب» فيلمين قصيرين بعنوان «البشارة» و»كناري» حققا تميزا مشابهاً جعل أنظار المهتمين تلتفت لموهبة محمد راشد بوعلي وتميز رؤيته الإخراجية.

«الوسط» حاورت بوعلي حول أسلوبه الإخراجي، والثيمات التي يشتغل عليها في أفلامه، كما استطلعت آراء بعض المتابعين له من كتاب سيناريو ونقاد حول مستوى أعماله وتميزه كمخرج للأفلام القصيرة.

بدايات العام 2009 قلت في لقاء صحافي «أضحك حين يناديني أحد بالمخرج خاصة حينما أفكر في أسماء المخرجين العالمين الذين خلقوا معنى السينما» وقلت بأنك تجتهد لكي تصل إلى لقب مخرج. الآن بعد نجاحاتك الأخيرة كيف تنظر إلى نفسك هل لا تزال ترفض أن يطلق عليك لقب مخرج وهل لا تزال تجتهد للحصول على هذا اللقب؟

– في الفترة الأخيرة أصبح كثير من الأشخاص يطلقون على أنفسهم مخرجين. جيمس كاميرون يقول إنه يمكنك حمل الكاميرا وتصوير أي شيء ثم تقول للآخرين إنك مخرج. لن يعارضك أحد لكن المشكلة هي في ثقتك أنت بنفسك وفي ثقة الآخرين فيك. هذا الأمر يكتسب عبر السنوات عن طريق تقديم المزيد من الأعمال وعبر ما يطرح. حالياً أنا لست مخرجاً، يمكن أن أكون راوي قصص، وهذه هي المهنة الرئيسية للمخرجين. ماأزال أتمنى أن يأتي اليوم الذي يقال فيه عني أنني مخرج وأكون واثقاً أنني أستحق هذا اللقب الذي يتضمن عدة مهام وتحديات وثقافة عميقة.

تنحو منحى مختلفاً قليلاً عن أبناء جيلك من المخرجين الشباب، حتى حين تتحدث عن بدايات توجهك للإخراج لا تتحدث عن كونك تهوى مشاهدة الأفلام منذ صغرك. تأخذ موضوع الإخراج بشكل جاد أكثر قليلاً من الآخرين، حتى أنك عملت بائعاً للتذاكر بإحدى دور السينما وقلت إنك فعلت ذلك لتدرس توجهات المجتمع السينمائية، حدثنا عن الأمر وعما قدمه لك من خبرة وعن انعكاسات ذلك على أعمالك اللاحقة؟

– لا أزعم أنني أحب الإخراج منذ صغري، في الواقع عشقت السينما كفن وروح وقصص وثقافة. طبعاً كان حلمي أن أصبح مخرجاً لكنه كان حلماً غير واقعي بالنسبة لي. بعدها توجهت للبحث والكتابة والاطلاع. هكذا وحتى العام 2006 لم أكن أعرف أي شخص من الوسط الفني، وكان موضوع الإخراج بالنسبة لي ولعاً شخصياً.

في العام 2001 وحين كنت أدرس القانون في جامعة البحرين، عملت في سينما السيف كبائع للفشار «البوب كورن» لمدة ثلاثة شهور. لم يكن يشغلني ما يقوله الآخرون حول وضعي الوظيفي، ما كنت أهتم به فعلا هو قربي من أجواء السينما ومن جمهورها. بعدها انتقلت لبيع التذاكر وهنا بدأت أفهم توجه الأذواق العامة. عرفت متى يتم الإقبال على الفيلم، ومتى تكون أوقات الذروة وما هي الأفلام التي تصل لمشاعر الجمهور أو ينفر منها. كانت تجربة جميلة جدا، ومازلت أجني فوائد منها. لم أندم أبدا، على العكس من ذلك أنا فخور بتجربتي وأعتقد أنه لولاها لكان توجهي اليوم أو تفكيري مختلفين.

لست مميزاً … فقط مشاهد نهم

تقنيتك الإخراجية، الأسلوب الذي تتبعه والرؤية التي تقدم بها أفلامك، طرحك، الثيمات التي تتطرق إليها، كلها مختلفة عما يتطرق إليه كثير من الشباب. هل هذا يعود لنظرة مختلفة لديك حول ماهية السينما أو مفهوم الإخراج السينمائي ؟

– نظراً لمتابعتي المكثفة للأفلام، حين كنت أعمل في السينما وبعد انتهاء دوامي كنت أشاهد 3 أفلام في اليوم تقريبا. وقبلها كان عدد الأفلام التي أشاهدها في اليوم يتراوح بين 5 إلى 6 أفلام.

مشاهداتي كونت قاعدة في اللاوعي لدي، ربما تجدين أن هذا مختلفاً قليلا أو مميزاً لكني اشعر أن اختلاف توجهي أمر طبيعي. لا أشعر أنني مميز، هناك أشياء كثيرة يمكن تقديمها حتى بالإمكانيات البسيطة والموازنات القليلة. أقدم ما يمكنني الآن لكني واثق أن أموراً أفضل قد تأتي مع الوقت. في الفترة الأخيرة بدأت أتوجه لأسلوب السينما الإيرانية في الإخراج، من حيث تناولها للألوان والرموز. من حيث بساطتها، وتركيزها على الحس الإنساني، وذلك نظراً لما وجدته من قرب في أسلوب الحياة بين المجتمعين، سواء في الرتم البطيء للحياة.

لماذا تتوجه لثيمات تتناول عالم الكبار، مثل ثيمات الانتظار والقلق والوحدة والانعزال والولاء لكل ما هو قديم خصوصاً في أفلامك الثلاثة الأخيرة. لماذا لا تهتم بقضايا شبابية أكثر؟

– الأمر يعتمد على تواصل الشخص مع السينما التي يقدمها، ليس ممكنا أن يقدم الشخص فكرة أو حالة دون أن يشعر بها أو تؤثر فيه أو يتعاطف معها. الثيمة التي قدمتها في فيلم «غياب»، تتحدث عن الفئات المظلومة أو التي لم يتم التطرق لها بالشكل الذي تستحقه. الأفلام الثلاثة تشكل بالنسبة لي فيلماً واحداً بثلاث فصول، ثلاثة أساليب وأفكار مع ثلاثة كتاب مختلفين تماماً، ففي «غياب» تعاملت مع الكاتب حسن حداد، في «البشارة» تعاونت مع الكاتب الروائي فريد رمضان، وفي «كناري» تعاونت مع الأستاذ والكاتب الروائي أمين صالح. لدينا ثلاث مدارس في الكتابة، حاولت أن أتعامل معها بنفس الثيمة ليصبح لدي في النهاية ما يشبه الفيلم الواحد لكن بفصول مختلفة. عرضت أفلامي الثلاثة في مجلس شويطر وكانت ردة الجمهور أن شعروا وكأنهم شاهدوا فيلماً واحداً، كان هناك تواصل لامرئي بين الأفلام الثلاثة على رغم اختلاف الكتاب والقصص والأحداث.

الهوية البحرينية البسيطة همي الأول

هناك بصمة محلية في أفلامك تنقلها عبر قصص إنسانية، لا تنتمي شخوصها لأي مجتمع معين لكن في كل فيلم دائماً هناك البحرين، وروح أهلها وتاريخها، ودائماً تعبق أفلامك برائحة المحرق القديمة بأزقتها وأحيائها وروح سكانها الطيبة. هل هذا إغراق في المحلية، وألا تخشى أن تصنف ضمن دائرة الأعمال الدرامية التي لا تنفك تناقش حقبة معينة من تاريخ البحرين وترفض الخروج منها أم أن ذلك ينبع من نظرة مغايرة لدور السينما ودور صانع الأفلام القصيرة في نقل صورة مجتمعه بكل جمالياتها وقيمها وتراثها؟

– لو تأملنا في عمق هذه الأفلام من حيث الفكرة والقصة والثيمة أو المضمون أو الهدف، فلن نجد ما هو خاص بالبحرين ما عدا في «البشارة». في كل دولة عرضت فيها أفلامي الثلاثة يتم التعاطف مع الحالة ومع الشخصيات والأفكار، وكأن حدثها يمكن أن يدور في أي مكان في العالم. أشارك بهذه الأفلام في الكثير من المهرجانات في خارج البحرين ولذا يجب أن يكون فيها بصمة للهوية البحرينية، أحاول قدر الإمكان أن أظهر هوية الإنسان البحريني وطيبته وتواضعه وثقافته وحياته البسيطة والجميلة. أريد أن يعرف الآخرون أن فكرتهم خاطئة حول أهل الخليج إذ يعتقدون أننا نعيش جميعاً في قصور ويملك كل منا بئر نفط. في الواقع هناك نوع من المشاكل الإنسانية الخاصة التي حاولت أن أتناولها من خلال عرض الثقافة البحرينية أو نمط الحياة البحريني وهذا ما يجعل أفلامي مقبولة ومطلوبة في مهرجانات عالمية.

كيف ترى أهمية الوعي والثقافة السينمائيين بالدور الحقيقي للسينما وبأساليب الإخراج وتقديم الأفلام ؟

– السينما أهم وسيلة إعلامية ووسيلة للتواصل ولإظهار أي صورة بشكلها الصحيح. وهي ثاني أفضل وسيلة للتواصل بين الشعوب بعد كرة القدم. الوعي بها جداً مهم لأنه كما قلت يمكن لأي شخص أن يصور أي شيء ثم يقول أنا مخرج لكن ما مدى وعي هذا المخرج واطلاعه على الأفلام. ما مدى فهمه بالمدارس السينمائية الموجودة وبما يريد المجتمع.

لا يمكن أن أزعم أنني مخرج لمجرد أنني شاهدت بعض الأفلام في السينما. ليس هذا ما يكون الوعي بالسينما خصوصا إذا كانت الأفلام تجارية بعيدة عن المنحى الفني والثقافي.

التاريخ في النهاية لا يسجل الفيلم التجاري. قد يزعم المخرج أنه يقدم فيلماً للجمهور لكن هذه الأفلام تنسى بعد فترة. الفيلم يجب أن يفرض نفسه بفكرة أو بمستوى فني أو بثقافة، تجبر الجمهور على مشاهدته. هذه الأفلام تبقى في الذاكرة. السينما هي أفضل طريقة لوضع التاريخ في عقول المجتمع الحالي أكثر من التلفزيون أكثر من أي شيء ثانٍ.

رمضان: لا نعول على المؤسسة الرسمية

الكاتب الروائي والسيناريست فريد رمضان، هو واحد من أكثر المهتمين بالمخرج بوعلي، هو في واقع الأمر من قدم له الدعم والتشجيع منذ فيلمه الأول «بينهم» وهو من لا يزال يتعهده حتى اليوم بالرعاية والتشجيع والتدريب.

كيف ترى التطور الحاصل في تقنية بوعلي وأسلوبه وأدائه خلال الفترة التي راقبته فيها ودعمته بشكل مباشر ومكثف على الأخص في العامين الأخيرين ومع الأفلام الثلاثة الأخيرة التي يبدو وكأن ملامح شخصيته الإخراجية نضجت فيها؟

– بوعلي من وجهة نظري كان يشكل خامة جميلة في مجال صناعة الفيلم البحريني. شاب في مقتبل العمر مندفع على ثقافة سينمائية من خلال الاطلاع والمتابعة ليس على مستوى السينما الأميركية بل السينما العالمية بشكل عام. بدأ بدايات صحيحة من خلال محاولاته وهو في منتصف العشرينيات في كتابة وجهات نظر نقدية تجاه بعض التجارب والأفلام. حين تعرفت عليه وجدت فيه الحماس والحب الذي لا أجده للأسف عند الشباب الآخرين، هذا ما جعلني أثق فيه.

في بداياته كان مثل كل الشباب يعتقد أنه يمكن أن يصنع أفلامه بنفسه، بمعنى أن يقوم بكتابة السيناريو وإخراج الفيلم والقيام بكل العمليات الفنية. حين بدأ أول تجربة وكان ذلك بتشجيع مني، أحضر لي أول سيناريو كتبه بنفسه، بصراحة لم أفهم تفاصيل السيناريو، لكنني شجعته على إخراجه.

بعدها قدمت له النصيحة التي أقدمها دائماً للشباب عليكم أن تبحثوا عن كتاب سيناريو متخصصين في كتابة الأفلام. محمد اقتنع وعلى هذا الأساس أبدى حماساً بالحصول على سيناريو مكتوب من قبل كتاب متخصصين في هذا المجال أو لهم محاولات على الأقل في الكتابة، فجاء فيلم «غياب» الذي كتبه حسن حداد. بعد هذه التجربة أدرك محمد أن التخصص مسألة مهمة وضرورية خاصة في المادة الأولى لصناعة أي فيلم وهي السيناريو، وعلى ضوء ذلك استمر يفتح أفقاً جديداً في صناعة الفيلم البحريني القصير. ونقل حماسه للشباب الآخرين حول أن صناعة الفيلم لا تأتي بالنيات الحسنة ولكن بالاجتهاد والمتابعة والمثابرة والنقاش.

بوجود شباب مجتهدين مثل محمد وغيره، كيف ترى مستقبل الشباب البحريني في مجال صناعة الأفلام القصيرة سواءً من حيث إمكاناتهم واجتهادهم الشخصي ووعيهم السينمائي أو الدعم والتشجيع الذي يحصلون عليه؟

– إشكالية صناعة الفيلم البحريني القصير تتحملها الكثير من الجهات مؤسسات وأفراد بما فيهم الشباب الذين يصنعون هذه الأفلام لأن صناعة أي عمل فني إبداعي يتطلب ثقافة وهي للأسف غير متوافرة لدى بقية الشباب. ولذا أكرر دائماً أنه في كل مجال أدبي وإبداعي لا يبقى سوى من يجتهد على بناء نفسه وذاته وتأسيس ثقافته المتخصصة في المجال الذي يشتغل عليه.

أيضا صناعة الفيلم عملية تتطلب عملاً جماعياً، فالمخرج يحتاج إلى مصور محترف وما إلى ذلك، وهذه مسئولية ربما تكون في يد الشباب الذين يمتلكون الإمكانات ويرغبون في التعاون مع بعضهم. وهذا ما حصل مع عدد من المخرجين الشباب مثل محمد إبراهيم ومحمد بوعلي وعلي العلي. بالطبع هناك الدور الأساسي الذي لا نعول عليه كثيراً وهو دور المؤسسات الرسمية والأهلية في دعم هذه التجارب.

أمين صالح: مخرجون لا يشاهدون أفلاما

من جانبه أبدى السيناريست والكاتب والمترجم في السينما أمين صالح، استعداداً كبيراً للتعاون مرة أخرى مع بوعلي وذلك بعد نجاح التعاون بينهما في فيلم «كناري» الذي عرض أخيراً بمهرجان الخليج السينمائي في دبي في أبريل/ نيسان الماضي وحصل على إشادات الكثير من النقاد واستحسان الجمهور.

كيف تقيم أداء محمد كمخرج بشكل عام وفي «كناري» بشكل خاص؟

– تعرفت على تجربة محمد منذ بداياتها، ومنذ عرض أفلامه الأولى ووجدت أن لديه طاقة وولع شديد بالسينما. تجربه محمد بالفعل ملفتة بالنسبة لي وأنا أتابع أعماله. طبعاً الآن لا نستطيع أن نقيم أعماله لأنها قليلة ولا نستطيع أن نعطيه أسلوباً معيناً أو وجهة نظر معينة إنما أشهد أنه جاد جداً في مجال السينما وأشعر أنه متابع جيد أيضاً لكتاب السينما. ينظر إلى الأفلام بعين ناقدة غير العين الثانية المتفرجة، وللأسف أغلب المخرجين عندنا لا يهتمون بالمشاهدة. محمد يهتم كثيراً بالمشاهدة يهتم بالقراءة وعنده نظرة نقدية للأمور حتى لو اختلفنا معه، وهذا شيء إيجابي في الأعمال التي قدمها. محمد كان ملفتاً في «غياب» و»البشارة» و»كناري».

نتائج التعاون بينكما هل هي مشجعة بالنسبة لك لظهور تجارب أخرى وتعاون آخر بينكما؟

بالتأكيد محمد من المخرجين الذين تعطيهم السيناريو وأنت مطمئن. أدهشني لأنه كان على اتصال يومي بي أثناء التصوير وبعد التصوير، محمد لا يجعل المؤلف يشعر وكأنه هامشي، ويتركه بمجرد الحصول على نصه، وهو للأسف ما يفعله كثير من المخرجين الذين يعتقدون أن مهمة الكاتب هو إعطاؤهم النص فقط. محمد من النوع الذي يدرك أهمية التعاون حتى مع الممثلين والعناصر الفنية الأخرى والدليل أنه حتى بعد انتهاء تصوير الفيلم وبحسب ما عرفته كان يطلع الممثلين وبالذات سعد البوعينين على نتائج الفيلم. هذه أمور مهمة وربما تبدو صغيرة وعادية لكنها تخلف أثراً إيجابياً لدى الآخرين. بكل تأكيد محمد من المخرجين الذين سأواصل التعاون معهم.

العدد 2841 – الخميس 17 يونيو 2010م الموافق 04 رجب 1431هـ

بوعلي … مشروع بحريني يستحق الدعم

منصورة عبدالأمير

الاستعجال ولعله التهاون ببعض الأبجديات هو ما يميز عدد لا بأس به من الأفلام القصيرة التي قدمها الشباب البحريني عبر السنوات القليلة الماضية. العمل السينمائي، وإن كان فيلماً قصيراً قد لا تتجاوز مدته الربع ساعة، لا يحتمل أي عجلة أو سرعة أو «تهور». أي قرار تتضمنه العملية السينمائية، سواء كان يتعلق باختيار الفكرة أم بكتابة السيناريو أم بتحديد الرؤية الإخراجية وصولاً لكل الأمور والتفاصيل الفنية الدقيقة، يستلزم كثيراً من التأني والتأمل، سعة في الصدر والرؤية، عمق الرؤية، كثيراً من التفكير، شيئاً غير قليل من الذكاء والحدة وربما فائضاً من الحب والشغف والعواطف الجياشة.

لعل شيئاً من هذا يميز محمد راشد بوعلي، على الأخص التأني وتقديم الأمور بعد أن تكون قد نضجت دراسة وتمحيصاً وتحليلاً. بالطبع لا يزال محمد في بداياته ولا تزال أفكاره تمر بطور التبلور والنضج بل ربما كانت في مراحلها الأولى. كذلك لا يزال يعمل جاهداً ويجد ويجتهد في صناعة اسمه، لكنه والحق يقال، وكما يشهد له كثير من المختصين، على الأقل ممن التقيت ودار معهم حوار حوله، فقد تمكن بوعلي من أن يخط اسمه بحروف ليست من ذهب ولا فضة ولا برونز لكي لا أتهم بالتحيز، لكنها حروف مشرقة زاهية الألوان تبشر بمخرج واعد ذي رؤية مستقلة يستحق من البحرين شيئاً من الدعم والالتفات.

محمد لا يفعل الكثير لكنه يعطي كثيراً من التركيز، يقف في زاوية مختلفة، سينمائية أكثر من كونها تلفزيونية، فنية أكثر من كونها تجارية. يتفرج على الكثير من الأفلام، ينظر بعين ناقدة لا متفرجة، كما يقول أمين صالح، يميز بين الغث والسمين، يهوى السينما فناً لا تجارة. من البحرين يقف موقفاً بحرينياً أصيلاً، يحب البحرين بروحها الحقيقية، يقدمها دون رتوش أو تزييف، لا تلعب بنفسه الأهواء ولا الظنون ولا تحركه الهواجس والأوهام. يعلم أن المباشرة ليست سوى فن الضعفاء حين يتعلق الأمر بعمل سينمائي. يعلم أيضاً أن هموم البحرين تتلخص في هموم رجل الشارع البسيط في أي بقعة من بقع العالم. يقول إن السينما الإيرانية هي النموذج الذي يحتذي به، ويصدق حين يقدم أعمالاً هي غاية في البساطة والعمق في آن واحد، غاية في الصدق في نقل صورة البحرين، البحرين كما نعرف ونراها، تماماً كما تفعل السينما الإيرانية.

محمد بوعلي، ليس وحيداً في نظرته الشفافة الحادة تلك، كثيرون غيره من الشباب يحملون الرؤية ذاتها و سعة الأفق ذاتها وما أكتبه ليس تحيزاً لبوعلي، هو تسليط للضوء على طاقة بحرينية تستحق منا كل تشجيع ودعم. الكتابة اليوم عن محمد ليست سوى أول الطريق، وهي تتضمن وعداً بمواصلة الكتابة عن طاقات بحرينية أخرى يتوجب علينا جميعاً الوقوف معها.

العدد 2841 – الخميس 17 يونيو 2010م الموافق 04 رجب 1431هـ