بشأن آخر إصداراته «الصورة الملتبسة»…العريس: لبنان يتنفس سياسة وسينمـــاه ولدت من رحم الحرب

منصورة عبدالأمير 

أيهما يقتل الآخر، تقتل الأحلامُ أصحابَها أم تقتل الأحلامَ أصحابُها. بتلك العبارات يستهل الناقد السينمائي اللبناني والباحث في التاريخ الثقافي إبراهيم العريس، آخر كتبه. العبارات أعلاه تذيل أولى صفحات كتابه «الصورة الملتبسة – السينما في لبنان: مبدعوها وأفلامها « الذي يستعرض تاريخ السينما في لبنان منذ بداياته حتى اليوم.

صدر الكتاب تحت عنوان «الصورة الملتبسة – السينما في لبنان: مبدعوها وأفلامها»، وهو من إصدارات وزارة الثقافة اللبنانية بمناسبة الاحتفال ببيروت عاصمة عالمية للكتاب العام 2010 . يؤرخ الكتاب لمسيرة السينما اللبنانية منذ بداياتها في العشرينيات من القرن الماضي حتى اليوم. ويستعرض المؤلف من خلال منهجيته المميزة وأسلوب رشيق في السرد السينمائي أهم الأسماء والأعمال في تاريخ هذه السينما طارحاً عبر ذلك الكثير من الأسئلة التي تتعلق كما يشير كاتبه بجذور السينما اللبنانية وهويتها وجمهورها واختيارات مخرجيها وصولاً للهجة التي تنطق بها.

«الوسط» حاورت مؤلف الكتاب الناقد السينمائي إبراهيم العريس حول إصداره هذا، حول هموم السينما اللبنانية، آلية الكتابة السينمائية لديه، والصورة اللبنانية الملتبسة.

عنوان كتابك «الصورة الملتبسة» يحمل دلالات كثيرة، أي صورة ملتبسة تلك التي تتحدث عنها، صورة تاريخ السينما، أم الصورة السينمائية اللبنانية بكل ما تحمله من هوية سينمائية أولاً ولبنانية ثانياً؟

– في الحقيقة عنوان الكتاب يعكس تماماً ما أريد أن أقوله فيه وهو أنه إذا كانت صورة السينما اللبنانية ملتبسة بسبب ضياعها بين كونها سينما تصنع في لبنان من قبل آخرين أو تصنع انطلاقاً من لبنان للآخرين أو تصنع للبنان فإنما هذا يعكس صورة المجتمع اللبناني نفسه. هذا المجتمع ومنذ ما لا يقل عن 99 عاماً منذ تأسست الدولة اللبنانية وهو غير واضح المعالم وكأننا في لبنان مجموعة من الهويات ومجموعة من التي تجد تعبيراتها الثقافية الخاصة لكل منها. فما يقال عادة عن أن لبنان دولة متكاملة ودولة ذات هوية واضحة في اعتقادي ليس صحيحاً على الإطلاق. نحن في لبنان مجموعة من المجتمعات ومجموعة من الهويات ولست بهذا المعنى أقول إن هذا أمر سيئ بالنسبة لي، هو أمر جيد شرط أن يستفاد منه وأن يتم العمل الثقافي والحضاري والسياسي انطلاقا منه، لا أن نسكت عنه ونتركه مخبوءاً ونتصرف وكأن لبنان هوية واحدة. تاريخ السينما اللبنانية يتعلق باختيارات المخرجين واختيارات الموضوعات واختيارات ظروف التعبير وجميعها تعكس هذا الالتباس في الهوية أو بالأحرى الهويات اللبنانية على مدى تاريخ لبنان الحديث.

تتحدث عن السينما في لبنان، والسينما اللبنانية، بتنصيص ومن غير تنصيص، ما الفرق، هل هذه تصنيفات لخصائص معينة، أم مراحل زمنية عاشتها السينما اللبنانية، وأي مرحلة تعيشها سينما لبنان اليوم؟

– ما تقوليه هو بالضبط ما أقصده من أن السينما اللبنانية انتقلت من مرحلة البدايات والمغامرات التي لم تكن تعكس الهوية اللبنانية أو المجتمع اللبناني تماما إنما تعكس رغبات الرواد، الذين لم يكن عددهم يتجاوز ثلاثة أو أربعة أشخاص، والذين حققوا أفلاماً هي أقرب لأفلام الهواة. بعد ذلك بدأت مرحلة طويلة جداً تقسم إلى عدة مراحل، وهذه المرحلة كانت تصنع فيها أفلام سينما في لبنان وخاصة عندما أمم جمال عبدالناصر السينما في مصر فهرب الفنانون والممثلون والمخرجون والمنتجون والموزعون ورؤوس الأموال، هربوا جميعاً إلى لبنان. كان ذلك منذ الستينيات من القرن العشرين حينما أتوا إلى لبنان فحققوا أفلاماً ليست لها هوية على الإطلاق، حققت لغايات تجارية وترفيهية بحتة وكانت أسوأ ما حققه المخرجون المصريون من أصحاب هذه الأفلام.

هذه الأفلام بالنسبة لي هي السينما في لبنان أي التي صنعت في لبنان ولكن لا علاقة لها على الإطلاق لا بالمجتمع اللبناني ولا بالقضايا اللبنانية ولا بالتعبير الفني لمبدعين لبنانيين سواءً كانوا ممثلين أو مخرجين أو أي شيء من هذا القبيل. بعد ذلك ومع بدء الحرب الأهلية اللبنانية ومجيء مجموعة من السينمائيين اللبنانيين الشبان من فرنسا وأوروبا بشكل عام. هؤلاء أتوا من السياسة ومن الأدب ومن النضال الطلابي أيام ثورة 68 في فرنسا ليحققوا في لبنان أفلامهم التي بدأت تأخذ اسماً حقيقياً وهو السينما اللبنانية، بمعنى السينما التي تعبر عن المشكلات اللبنانية والقضايا اللبنانية ودروب التعبير التي يعبر بها الفنانون السينمائيون اللبنانيون عن أنفسهم. ليس ذلك وحسب، بل إن هذه السينما طالت أيضاً اهتمام السينمائي اللبناني بما يتجاوز الحدود اللبنانية، بمعنى أن السينمائي اللبناني مثل برهان علوية حين حقق فلمه الأول كفر قاسم العام 1973م، حققه انطلاقا من لبنان وكان فيلما لبنانياً لكنه يتحدث عن القضية الفلسطينية، وقد صور وأنتج في سورية.

بهذا المعنى أصبحت السينما اللبنانية تتجاوز حدود الهم اللبناني ولم تعد سينما تأتي من الخارج لتصنع في لبنان ولا علاقة لها بالهم اللبناني أو هم الفن البناني. وهكذا تحولت السينما من سينما في لبنان وهو القسم الأول من تاريخ هذه السينما حتى يوم العاشر من أبريل/ نيسان حين عرض العرض الأول لفلم مارون بغدادي «بيروت يا بيروت» العام 75 قبل الحرب الأهلية اللبنانية بثلاثة أيام. هذا الفيلم هو أول تعبير سينمائي لبناني حقيقي لسينمائي لبناني عن قضية لبنانية وعن رؤية هذا الفنان لوطنه. منذ ذلك الحين وحتى الآن تتوالى الأفلام اللبنانية التي يحققها سينمائيون شبان من لبنان وتعبر عن هموم هؤلاء الشبان وآرائهم وأفكارهم وجمالياتهم. هؤلاء يحققون أفلاماً في مصر أو في المغرب أو في ظفار أو في أوروبا أو في أي مكان من العالم ولكن دائماً ضمن هم لبناني بحت. من هنا صارت السينما بعد أن كانت سينما تصنع في لبنان ولا علاقة لها بلبنان صارت سينما لبنانية تصنع في لبنان أو خارج لبنان أو انطلاقا من لبنان إلى خارجه إنما هي سينما لبنانية سينما المؤلف الفرد اللبناني.

نتحدث عن السينما اللبنانية بدون تنصيص؟

– نعم أتحدث عن سينما الحرب إذا كنت قد أدركت السؤال، أتحدث عن السينما التي رافقت بداية الحرب اللبنانية لأن الحرب اللبنانية وضعت لبنان أمام هوياته المتعددة للمرة الأولى في تاريخه ولأن الدولة غابت في ذلك الحين لم تعد النقابات قادرة على التصدي لمثل هذا البوح المقصود والصحيح والحقيقي والذي تساهم عبره السينما في أن تطرح فعلاً القضية اللبنانية وقضية الهوية الملتبسة اللبنانية.

يأخذنا هذا إلى المفارقة في كتابك حين تذكر أن الحرب اللبنانية أدت إلى انبعاث السينما اللبنانية، هل تعتقد أن ذلك يعود لأن الحرب هي ما أسست لتثبيت الهوية اللبنانية؟ هل تجد أن ثبات الهوية ووضوحها، على الأقل في ذهن صناع الأفلام، شرط أساسي لتقديم عمل سينمائي جيد أو لقيام صناعة سينمائية؟

– نعم لقد كانت الحرب مع بدايتها قطيعة ليس فقط في السينما اللبنانية، بل في تاريخ لبنان كله بمعنى أننا للمرة الأولى بتنا نجابه هوياتنا ومن الطبيعي أن ينعكس هذا على مخرجين سينمائيين معظمهم كانوا من اليسار الآتي من أوروبا ومن المناضلين مع القضية الفلسطينية. هذه القطيعة التي أحدثتها الحرب كان لابد أن تحدث قطيعة في المجتمع اللبناني وتكشفه وتعريه للمرة الأولى وتجعله مضطراً لمناقشة قضاياه ولإعادة النظر فيها. كذلك جعلت هذه القطيعة السينما اللبنانية مضطرة لمناقشة هويتها الخاصة كسينما وكسينما ذات جماليات لبنانية وما إلى ذلك. هكذا كانت الحرب قطيعة أيضاً في السينما وفي الفنون. مع هذه الحرب ولأول مرة شاهدنا مجموعة كبيرة من السينمائيين الشبان اللبنانيين الآتين ليس من رحم الفنون والمسرح والكباريه والغناء والاستعراض وإنما من رحم السياسة الخالصة. هذه السينما حتى ولو كانت فنية فهي سياسية ولا تزال حتى اليوم مشبعة بالبعد السياسي لأن لبنان هو بلد سياسي بامتياز وكل ما يتنفسه اللبناني سياسة. وبهذا فإن السينما التي تأتي منه سينما سياسية حربية ولدت من رحم الحرب وهي مستمرة حتى الآن في تعاطيها مع الحرب ومع الأسئلة الشائكة والصادمة والأساسية والمؤسسة التي أسفرت عن هذه الحرب اللبنانية.

بعض الأفلام التي أدرجتها ضمن قائمة المئة فيلم التي صنعت السينما اللبنانية، ليست ذات قيمة فنية كبيرة، على أي أساس وضعت هذه القائمة؟

– في الحقيقة لكي لا يساء فهم هذا القسم من الكتاب لم أقل إنها أفضل الأفلام، بل الأفلام التي صنعت حركة ما في تاريخ السينما اللبنانية بمعنى أن فيلماً مثل «قطط شارع الحمراء» أو فيلم مثل حسناء وعمالقة، هذان فلمان سخيفان فنياً وجمالياً وأسلوبياً ولكنهما حقق أموالاً طائلة وأدخلا لبنان في الصناعة السينمائية ومن هنا جاءت اختياراتي. نحو 50 فيلما على هذه القائمة هي بالفعل أفضل الأفلام في رأيي، لكن هناك 40-45 فيلماً ليست أفلاماً جيدة، إنما لها قيمة تاريخية، حتى فيلما والدي مع مؤسسة السينما اللبنانية، لا أعتبرهما فيلمين فنيين كبيرين ومهمين ولكني أرى أنهما يستحقان مكاناً لأنهما كانا أول فيلمين حققهما سينمائي لبناني يحمل الهوية اللبنانية.

تهدي كتابك إلى المخرج علي العريس، وتكتب له إهداء تصفه فيه بصاحب الخطوة اللبنانية الأولى، لتوثق بذلك حقيقة كونه أول مخرج سينمائي لبناني، في حين تجاهله آخرون ممن أرخوا للسينما اللبنانية. هل يمكن اعتبار ذلك كنوع من تصحيح للصورة الملتبسة؟

– نعم لقد ساعدني وجود علي العريس والدي كونه من أصول مسلمة على أن أوضح تماماً كيف ان اختيارات المخرجين الطائفية هي التي شعبت هذه الهوية اللبنانية فهناك مخرجون مثل علي العريس أو محمد سلمان أتيا من مصر وأرادا أن يصنعا أفلاماً مصرية اللغة والهوى والموضوعات، هي بالنسبة إليهما امتداد للسينما المصرية أو محاولة لمنافستها. من جانب آخر فإن المخرجين المسيحيين الذين بدأوا السينما حاولوا أن يقدموا موضوعات من الجبل اللبناني ومن التراث المسيحي اللبناني.

أعتقد أن الطرفين فشلا تماماً وبقيت لهما قيمتهما التاريخية كونهما حاولا كل على طريقته أن يحققا سينما لكنهما فشلا لأن لبنان لم يستطع في ذلك الحين أن يقدم أفلاماً تعبر فعلاً عن الهوية اللبنانية ويجد لها أسواقاً ومتفرجين، علماً أن الأفلام اللبنانية التي حققت بعد ذلك بنحو ثلث قرن مثل أفلام مارون بغدادي والآخرين ظلت لها هويتها الطائفية والمناطقية حين بدأت في تتخطى الخصوصيات الصغيرة واللهجات الصغيرة لتصبح ذات مواضيع شاملة وإنسانية ما أوصلها ليس فقط إلى الخارج اللبناني أو المتفرج العربي إنما أيضاً إلى المتفرج العالمي. وبصرف النظر عن الأفلام الأولى لوالدي ولغير والدي هناك ما لا يقل عن ثلاثين فيلماً لبنانيين وجدت طريقها إلى أسواق العالم ومهرجانات العالم وتعتبر إضافات حقيقية إلى السينما العربية الجديدة وربما أيضاً السينما الأوروبية الجديدة.

نعم كتابي هو استعراض للصورة الملتبسة وأنا أحب أن أنظر إليه على أنه مساهمة في الحديث عن تاريخ لبنان وتاريخها الطائفي الذي يجب أن نستوعبه ونفهمه لكي نتجاوز هذا الاغتسال الذي سيظل مكبوتاً داخلنا طالما سكتنا عنه، وسنظل نشكل مجموعة من المجتمعات. بالنسبة لي كتابي هو فيلم عن السينما اللبنانية لكنه فيلم عن تاريخ لبنان أيضاً وأنا أنتمي إلى مدرسة فكرية فرنسية تجد أن التاريخ الكبير يصنع من التواريخ الصغيرة. ليس هناك تاريخ سياسة والقصور والمعارف بقدر ما هناك تاريخ الفنون وتاريخ التفاصيل الشعبية الصغيرة وبهذا المعنى أنا أعتبر كتابي هذا جزءاً من التأريخ للبنان وليس فقط من التأريخ لفن سينمائي في لبنان.

منهجية الكتاب مميزة جدا، قراءته تبدو كمشاهدة مادة فيلمية، تسرد تاريخ السينما اللبنانية وكأنك تقوم بعمل مونتاج لفيلم، حتى عناوين الفصول تمتلئ حساً درامياً، تبدو كأسماء أفلام أو فصول من قصص. حدثنا عن هذه المنهجية

– هذا هو منهجي دائماً في الكتابة السينمائية لست أدري إذا كنت قد شاهدتي كتابي عن يوسف شاهين الذي أصدرته في القاهرة قبل عام من الآن، فهو أيضاً ليس كتاباً عن سينما شاهين بقدر ما هو كتاب عن تاريخ 50 عاماً من الثورة المصرية ومن تاريخ مصر. أنا أعتبر دائماً أن السينما هي من الأمور والتفاصيل التي تعبر جيداً عن تاريخ الشعوب وهذا هو منهجي في الكتابة السينمائية وحتى حين أكتب نقداً عن أي فيلم سينمائي فهذا هو منهجي دائماً، أنا دائماً أتعامل مع الفلم كجزء من الواقع الحي لتاريخ المبدع الذي حققه وبالتالي للمجتمع الذي عبر عنه هذا المخرج.

العدد 2883 – الخميس 29 يوليو 2010م الموافق 16 شعبان 1431هـ

«صور ملتبسة»… الواقع اللبناني بحرينياً

منصورة عبد الأمير

السؤال الملح الذي ظل يتردد في ذهني أثناء محاورتي للناقد السينمائي إبراهيم العريس حول آخر كتبه «الصورة الملتبسة» والذي يتحدث عن تاريخ السينما في لبنان، كان بعيداً عن لبنان والهم اللبناني لكنه كان مأخوذاً بالصورة اللبنانية كما رسمها العريس وقدمها.

بحسب العريس، فإن حرب لبنان وضعت اللبنانيين في مواجهة صادمة مع أنفسهم. جعلتهم جميعهم وقبل كل شيء، يقرون بحقيقة كون لبنان، هو في واقع الأمر بلد هويات متعددة. هويات يتوجب علي الجميع الاعتراف بها وقبولها للوصول ببلادهم لبر الأمان. هويات يجب ألا تُخفي وتطمس معالمها، بل أن يطلق لها العنان لتعبر عن واقعها وطموحها وهمومها.

ذلك الوعي الجديد تُرجم في كل تفاصيل الحياة اللبنانية وصولاً للسينما اللبنانية التي كانت تتعثر الخطى حتى اندلعت الحرب وتغيرت القناعات فتغيرت كل الصور. أصبحت لبنان بلد الجميع، جميع الأعراق، جميع الطوائف، كل المذاهب والأديان وكل الهويات.

انطلقت السينما اللبنانية، بُعثت، ولدت من جديد على أيدي هذه الهويات مجتمعة. أبناء لبنان آمنوا أن من حق كل هوية أن تعبر عن ذاتها، أن تترجم طموحاتها ليس واقعاً فحسب بل حتى صوراً سينمائية حالمة. كل الهويات تحركت لتتحدث معبرة عن ذواتها سينمائياً.

لكل هوية إذاً حق في أن يكون لها دور في السرد السينمائي، ليس بالضرورة موثقة لتاريخها أو لبطولاتها أو ما شابه، بل ربما مواجهة لنفسها، ناقدة لذاتها، مترجمة طموحاتها وأحلامها، عارضة همومها، آخذة بيد أبنائها نحو واقع أفضل.

أعود للسؤال الذي مازال يعيق تسلسل أفكاري، هل يمكن استعارة التجربة اللبنانية لتشكيل واقعنا الثقافي الإعلامي والسينمائي؟ البحرين أيضاً بلد هويات متعددة تحتاج لأن تنطلق وتعبر عن ذواتها وتناقش طموحاتها وتخبر الهويات الأخرى عن واقعها.

ويتشعب سؤالي قليلا ليأخذني للفيلم البحريني «حنين» الذي يفترض عرضه قريباً في دور السينما. أقول هل كان عدم الاعتراف بحق الهويات في سرد واقعها هو الفخ والمطب الذي وقع فيه الفيلم؟ هل يمكن سرد تفاصيل تلك الهويات من قبل طرف واحد؟ هل كان سرد واقع الهويات ذاك حالة إيجابية أم سلبية؟

هل يمكن لوجهة النظر الرسمية التي بدا الفيلم ناطقاً بها أن تترجم واقع طموحات هويات البحرين المتعددة وآمالها وأحلامها وهمومها وتطلعاتها وتنقلها؟ صورة يفترض أن تكون موثقة ناقدة زاعمة لصدقية عالية.

هل يمكن ذلك؟ هل نستفيد من التجربة اللبنانية في جعل الصورة البحرينية «غير ملتبسة»؟

العدد 2883 – الخميس 29 يوليو 2010م الموافق 16 شعبان 1431ه

يعرض حاليا بدور السينما …«Inception» آخر إبداعات نولان… الديري: إسقاطات الفيلم فلسفية وليست سياسية… ووجدت فيه ابن عربي

منصورة عبدالأمير 

تزامناً مع عرضه العالمي، بدأت دور السينما البحرينية، الأربعاء الماضي، عرض دراما الخيال العلمي والإثارة Inception أو سارق الأحلام.

الفيلم هو السابع على قائمة أعمال مخرجه كريستوفر نولان، المتخصص في تقديم أفلام الإثارة والخيال العلمي وأشهرها Memento (تذكار)، Insomnia، (أرق) the Dark Knight (الفارس الأسود) Batman Begin (عودة الرجل الوطواط). جميعها أفلام مميزة أثبت فيها المخرج الكاتب قدراته العالية في الكتابة والإخراج. في فيلمه الأخير هذا Inception، الذي يخرجه ويقوم بكتابته أيضاً، يتطرق نولان لقضية مختلفة يضعها في قالب درامي يمتلئ بالإثارة، الأكشن، وكثير من الخيال العلمي قبل كل شيء.

حكاية الفيلم تدور حول دوم كوب (ليناردو دي كابريو) المتخصص في سرقة الأحلام والذي توكل له إحدى الشركات مهمة اقتحام لاوعي بعض حكاية الفلم تدور حول دوم كوب (ليناردو دي كابريو) المتخصص في سرقة الأحلام والذي توكل له إحدى الشركات مهمة اقتحام لاوعي بعض الأشخاص من أجل زراعة أفكار جديدة فقط لتتخلص من منافس اقتصادي قوي.

يأخذنا نولان في فيلمه هذا إلى عالم الأحلام وهو الطريق السالك لدخول لاوعينا، عالم تسرق فيه أفكارنا، تمارس فيه ضد لا وعينا عمليات لا يصفها الفيلم على وجه التحديد إلا أنها تفضي إلى زراعة أفكار لا تمت لقناعاتنا بصلة. نولان يناقش بشيء من التفصيل وربما التعقيد ما يحدث حين يتسلل احدهم إلى أحلامنا ولاوعينا.

وبحسب الفيلم فقد يتطلب أمر زراعة الأفكار مرحلة أعمق في اللاوعي، تزال فيها الخطوط الفاصلة بين الوهم والحلم والواقع للوصول لمرحلة لا يمكن فيها تمييز الأفكار المزروعة المقحمة أم تلك النابعة من قناعات وإيمان. إذ إنه، بحسب نولان، فان تسرق فكرة، حلم، حياة، مشاعر، ذكريات فذلك ممكن لكن أن تزرع فكرة في ذهن أحدهم، أن تقنع احدهم بأنه لا فاصل بين الحلم والواقع والأوهام فذلك هو التحدي وتلك هي الجريمة الكاملة.

مع نولان نتساءل هل يمكن ذلك، هل تقحم الأفكار في أذهاننا عنوة أم عن طيب آخر. هل يتسلل غرباء إلى أحلامنا ليغيروا وعينا بالأمور. هل تمارس ضد وعينا ولا وعينا حروب تطهيرية، تغسل خلالها أدمغتنا من دون وعي. هل يناقش نولان واقعا مرعبا لكن عبر قصة خيالية تمتلئ بكثير كثير من التفاصيل التي قد يعجز المشاهد عن استيعابها أو هضمها بعد مشاهدة واحدة للفيلم.

لمناقشة بعض من تلك التساؤلات، وللوقوف على تفاصيل وواقعية الجريمة الكاملة تلك، حاورت «الوسط» الناقد والكاتب علي الديري.

يخضع دوم كوب «ليوناردو دي كابريو» ايريادين «ابلين بيج» لاختبار يتأكد فيه من قدراتها قبل ضمها لفريقه المتخصص في سرقة الأحلام والأفكار، إذ يطلب منها تصميم متاهة. لكن الواقع هو أن الفيلم بحد ذاته بدا كمتاهة، صحيح أن المخرج تمكن من أن يأخذ بيدنا عبرها بطريقة سلسلة وربما رشيقة في بعض اللحظات، لكن ذلك لا ينفي أننا تهنا في بعض المشاهد. أي متاهة تلك التي يتحدث عنها الفيلم، هل هي متاهة العقل البشري، أم متاهة المجتمعات الحديثة وتصارع القوى فيها؟

– الفيلم يأخذنا فعلاً إلى متاهة العقل البشري وذلك عن طريق الحلم. الحلم يمثل جانباً أو قارة مهمة في العقل البشري في الحقيقة هذه القارة لم تكن معروفة كما هي اليوم. أصبحت معروفة حين وضع فرويد يده عليها. كنا مع ديكارت في مرحلة إقصائية للأحلام وللمخيلة، لم يكن يعترف إلا بالعقل وحده، العقل الواعي الذي يمثل الدليل القاطع على وجود الإنسان. لكن مع فرويد اكتشفنا أن هناك قارة كبيرة جداً هي قارة اللاوعي، قارة الأحلام والمخيلة التي لا يستطيع الإنسان فيها أن يسيطر على أي شيء. هنا تقع المتاهة فعلاً متاهة العقل البشري ومتاهة الإنسان ومتاهة العالم.

الفيلم فيما أعتقد لا يحمل إسقاطات واقعية مباشرة ذات رائحة سياسية وإنما يضعنا في متاهة أشبه بالفلسفية، على كل واحد منا أن يواجه ذاته في هذه المتاهة. صحيح أن الفيلم أتخذ من التنافس بين الشركات إطاراً لوضع هذه المتاهة ولصناعتها ولإضفاء شيء من الواقعية عليها، لكنه فعل ذلك فيما أعتقد كنوع من البراعة لكي يوهمنا أنه يحيل على واقع لا يمكن الشك فيه، فالشركات اليوم هي التي تصنع الواقع هي التي تصنع أحلامنا واحتياجاتنا وقناعاتنا هي التي تصنع الحروب في العالم أيضاً فالحروب الموجودة اليوم هي حروب شركات وحروب حول ثروات وحروب حول مصادر مالية ومصادر طاقة. لكن أعتقد أن هذه الإشارة لم تكن فاقعة في الفيلم وإنما جاءت كخلفية، إذاً هو يقحمنا في متاهة الحلم ما هو الحلم كيف يعبّر عن منطقة اللاوعي كيف يمارس حضوره في الشخص كيف يجعل الشخص متأرجحاً بين الواقع واللاواقع. سنجد أن الفيلم يبدأ بتعريف جميل للفكرة بأنها فيروس يتوفر على الليونة والمرونة اللتين تتيحان له التشكل وإعادة تشكيل نفسه بصور لا حدود لها ولا مثيل لها، يمكنها أن تخترق وسائط كثيرة، وسائط العقل ووسائط الحلم ووسائط الإنسان والشركات والواقع واللاواقع.

الفيلم برع فعلاً في إدخالنا في متاهات هذه الوسائط وقد بدأ الفيلم ليوضح لنا الكيفية التي أدخل بها دوم زوجته في متاهة جعلتها تؤمن أن ما تعيشه حلم ولكي تصحوا منه عليها أن تموت. هذا يذكرنا بالطبع بفكرة الأحلام في حضارتنا الإسلامية وثقافتنا العربية المؤسسة على فكرة أن الناس نيام فإذا ما ماتوا انتبهوا، وهي الفكرة التي ذهب بها الصوفية مذهباً بعيداً جداً حين رأوا أن العالم كله حلم وأن هذا الحلم لا يمكن الإفاقة منه أو الصحوة منه إلا بالموت وقد عبر الفيلم عن ذلك بفكرة الركلة للخروج من الحلم وإعادة الإنسان من واقعه.

ألا تجد أن عملية إقحام أو إقناع شخص بأنه يعيش حلماً كما فعل بطل الفيلم مع زوجته، هي عملية تتضمن إشارات واضحة لنظرية المؤامرة، وكأنما يشير الفيلم إلى أن هناك من يتآمر ضد الأفراد لإدخالهم إلى عالم الأحلام وإقحامهم فيه ثم يحاول التسلط على أحلامهم؟

– في الحقيقة لم تكن فكرة المؤامرة هي التي خرجت بها من الفيلم، وربما حين نخضع الفيلم لفكرة المؤامرة ونقرأه قراءة سياسية فإن ذلك يفوت علينا الاستمتاع بالفيلم وفهم طبيعة الفكرة الفلسفية التي يقوم عليها. وجدت في الفيلم إشارات كثيرة إلى فكرة الحلم والعقل واللاوعي. لاحظي موضوع الدوامة التي وجدت مع دوم حين كان ملقى على ضفاف البحر. هذه الدوامة تحمل إشارات كثيرة ففيها إشارة أولاً إلى زوجته التي كانت تجيد اللعب بهذه الدوامة وتجعلها تدور بشكل متزن، ما يحدث هو أنه حين تقتحم زوجته أحلامه وتعيق مخيلته للمضي إلى أشياء جديدة، تأتي الدوامة لتعيده إلى الفكرة أو الحادثة الأساسية التي دخل من خلالها إلى منطقة الحلم وذلك حين وقفت زوجته على شرفة الفندق وقالت له دعنا ننتحر لكي نستيقظ، فرد عليها بأن الحلم ليس سوى فكرة زرعتها فيك ونحن الآن في الواقع ولسنا في الحلم ودعينا نذهب إلى أطفالنا. لم تقتنع بذلك وكانت مقتنعة بأنها في الحلم ولذا أرادت أن تموت لكي تستيقظ فقالت له لنموت معاً وحين رفض الفكرة ماتت لوحدها. موتها أدخلها طبعاً في حلم آخر أما هو فدخل في متاهة أخرى إذ اتهم بقتل زوجته، وعليه أن يدافع عن نفسه وينقض هذه الفكرة وهذا الحلم المجنون والمبني على فكرة كان هو من أقنع زوجته بها. هو من أقنعها أنها في حلم وعليها أن تستيقظ منه، وهي صدقت ذلك، فارتد عليه هذا الحلم واقعاً صاغ حياته كلها فظل طوال حياته يحاول أن يثبت أنه لم يقتل زوجته. بالطبع زوجته كانت ذكية فتركت وصية تتضمن اتهامات له بمحاولة قتلها أكثر من مرة، ولذا أصبح موضوع اتهامه بالقتل مسألة حتمية في حين أنها نشأت بفعل حلم.

لاحظي كيف يمكن أن يفرض الحلم واقعيته على مسار حياتنا، حتى الذين يبتكرون الأحلام لا يستطيعون السيطرة عليها في النهاية. الأحلام هي التي تسيرهم وتقنعهم أن هناك حقيقة جديدة وإن كانت من حلم وأن عليهم أن يدافعوا عن أنفسهم وأن يعيشوا مع الحلم، أو أن يقنعوا العالم أنه يعيش حلماً.

الدوامة جاءت في الفيلم أيضا ليستعيد البطل من خلالها توازنه أو يستعيد فكرة الواقع. هناك إشارة دائمة إلى الدوامة في الفيلم إذ إن استخدامها يعني إلى أن ما يراه الشخص يقع في منطقة المتاهة، هذه الدوامة تشبه رقصة الصوفي حين يدور كدوامة ثم يدخل في عالم الفناء أو عالم المطلق أو يتحد مع الله أو يفنى مع الله. وتجد أنه يعيش هنا الحقيقة فكأن هذه الدوامة تمثل حالة الصوفي في ذهابه إلى المطلق فكان البطل أيضاً يستعيد هذه اللحظات بهذه الآلة أيضاً. وهناك إشارة أخرى إلى الحلم عن طريق فكرة الخزانة، التي تصوغ كثيراً من أحداث الفيلم. فحين كان دوم مع زوجته، كانت هناك إشارة إلى وجود خزانة تحوي بعض الأوراق أو الوثائق. الخزانة الأهم هي خزانة صاحب الشركة المنافسة التي اكتشفنا في نهاية الفلم أنها لم تكن تحوي سوى صورة مرتبطة بطفولة صاحب الشركة أراد أن يورثها لابنه فقط من أجل أن يعتمد على نفسه ولكي يكتسب حكمة في الحياة. لم يكن في الخزانة أموال ولا أسرار، لم يكن فيهاسوى الإشارة إلى حلم الطفولة.

أنت ترى أننا يجب أن نشاهد الفلم أو ننظر له بمنظور فلسفي من منظور فرويد وابن عربي الذي قلت قبل بداية اللقاء أنك ترى أفكاره كلها حاضرة في الفيلم. انطلاقا من هذا المنظور، هل يمكن بالفعل السيطرة على العقل البشري بالمستوى الذي يتحدث عنه الفيلم. ومن يملك هذه السلطة على عقولنا؟

– في الحقيقة السيطرة على الإنسان لا تتم بالسيطرة على عقله بل على حلمه، منطقة الحلم هي المنطقة التي تخاطبها وسائل الإعلام اليوم هي المنطقة التي يخاطبها السياسيون ورجال الدين والأديان وهي المنطقة التي يخاطبها العالم كله. نلاحظ أن كبار الثوار دائماً كانوا يبدؤون بحلم يريدون أن يحققوه. أما العقل فهو شيء أبسط من الحلم أو على كلام ابن عربي فهناك شيء فوق طور العقل وهو المخيلة، هذا الخيال نصنع من خلاله أشياء لا يمكن صناعتها بالعقل لأن العقل محدود بربط سبب بمسبب ربطاً ضرورياً ومنطقياً ودائماً، وهذا مستوى من مستويات الوجود. لكن هناك شيء يتجاوز هذا الوجود وهو الحلم، وهنا تكمن خزينة الإنسان التي نريد أن نسطو عليها أو نكتشفها أو نعبرها أو نستل منها صور طفولته وصور حياته ومسيرته. في الفيلم نجد أن الخزينة التي كان فريق زراعة الأحلام، ولن أقول فريق سرقة الأحلام، يريد أن يصل إليها، ترمز إلى خزانة الإنسان من صور حياته كلها. وبالمناسبة ابن عربي استعمل تعبير خزانة الخيال في «الفتوحات المكية» في باب «خزانة الخيال» ولديه أيضاً «خزانة الكلام»، وهو يجد أن كينونة الإنسان تكمن في هذه الخزانة في هذه الصور التي يتكلم بها ويتخيل بها ويتعرف على المطلق بها. عظمة الإنسان تكمن في هذه الصور والفيلم كما ذكرت أخذني إلى منطقة ابن عربي أو كأن ابن عربي هو كاتب سيناريو الفلم وكأنه كتب النص وتم تحويله إلى فيلم معاصر. كل ما قاله الفيلم عن الأحلام قاله ابن عربي نصاً وليس تأويلاً.

ماذا عن ثيمة الحلم المشترك أو أن تكون بداخل حلم شخص آخر أو أن تحلم وأنت لا تعرف أنك تحلم. عن أي مستويات اللاوعي يتحدث الفيلم؟

– هذه منطقة حساسة جداً في الإنسان وربما تكون مرتبطة أكثر بما يمكن أن نسميه بسيكولوجيا الجماهير أو سيكولوجيا الجماعية أو علم النفس الجماعي. هذه المنطقة ربما تكون أكثر مرحلة معروفة من مراحل الايدلوجيات الشمولية التي تعيش فيها أمة كاملة حلماً معيناً، حلم قومي أو ديني أو عرقي، تجد من خلاله أنها أفضل الناس عرقاً أو ديناً أو قومية ويسيطر عليها هذا الحلم إلى عقود من الزمن ثم تصحوا وتكتشف أنها كانت نائمة أو مخدوعة أو لم تكن تعي فكرة أنها كانت تعيش حلم. هذا الحلم الجماعي فعلاً يسيطر على البشر وهو الذي يشعرهم بالأمان لأنه حين يدخل مع الجماعة لا يمكن أن تكون مع جماعة بعقلك، يستحيل، أنت لا تكون مع جماعة إلا بحلمك. أن تدخل منطقة الحلم منطقة الخيال هنا تستطيع أن تشترك مع جماعة. العقل دائماً فرد حالة فردية وحالة تخرجك من الجماعة وحالة تخرجك من الواقع أو من الحلم لأن الناس كلها تحلم وتكون جماعات وحين يصحوا أحد الأفراد من هذا الحلم مباشرة يتحول إلى الفردية

مركز شباب الديه…يغير الصورة

منصورة عبد الأمير

الأربعاء المقبل، يبدأ مركز شباب الديه تنظيم عرض للجزء الثاني من فيلم «الضياع» الذي أنتجه شباب المركز من أعضاء اللجنة المختصة بالفنون المسرحية والسينمائية والتي تنضوي تحت اللجنة الثقافية.

عرض الفيلم الذي يتم على أربع ليالٍ متتالية بواقع ليلتين مخصصتين للنساء، يأتي ضمن حملة توعوية اجتماعية يقوم بها المركز، وهي حملة مختلفة ومميزة تكشف الكثير عن تميز جهود المركز وعن الرؤية المختلفة التي تحملها إدارته للدور الذي يجب أن تضطلع به المراكز الثقافية.

الجزء الأول من الفيلم عرض العام 2008، وهو من إنتاج شباب المركز، كتبه وأخرجه حسين المولاني، ويناقش من خلاله عدداً من القضايا الاجتماعية التي يواجهها أبناء منطقة الديه، كما يحاول أن يطرح عددا من الحلول.

الفيلم وإنتاجه وعروضه ليست سوى جزء من نشاط ثقافي متكامل يسعى مركز شباب الديه للقيام به منذ بدايات تأسيسه وانفصاله عن نادي الديه العام 2002، تبعاً لاندماج النادي مع نوادٍ أخرى في المنطقة وتحوله إلى نادي الشباب وهو ما أدى إلى تشكيل المراكز ثقافية في مختلف المناطق بهدف التركيز على الشأن الثقافي والاجتماعي.

بالطبع كان النشاط الثقافي يمارس قبل هذا في منطقة الديه من خلال نادي الديه الذي أسس العام 1957 وظل يخدم المنطقة لما يزيد على الخمسين عاماً. ما تغير الآن هو أن حظ النشاط الثقافي ارتفع وأصبح يشكل 80 في المئة من نشاط المركز.

النشاط الثقافي للمركز تضمن الكثير من الإنتاجات المسرحية، وهو الآن يشتمل على مشاريع متميزة من بينها مشروع «أنا التحدي» الذي يعنى بتنمية المهارات الشخصية لشباب المنطقة، من خلال ورش تدريبية تنظم بالتعاون مع عدد من المراكز التدريبية والمؤسسات التعليمية المعتمدة.

بالإضافة إلى ذلك تنطلق قريباً مسابقة في كتابة القصة القصيرة، تأتي ضمن مشروع «ارتقاء» الذي تنظمه بلدية المنطقة الشمالية، وتقام المسابقة تحت عنوان «بوطننا نرتقي».

مركز شباب الديه يقدم صورة مشرقة، صورة تلفت الأنظار تحولها عن صورة أخرى، يرفض شباب الديه وشباب مركزه أن تكون ملازمة لمنطقتهم. بحسب ما يؤكدون، وكما تشير الصورة، فإن لدى شباب الديه طاقات مميزة، لديهم قدرة على الإبداع ورغبة في تقديم صورة مشرقة للشباب البحريني عموماً ولشباب الديه بشكل خاص.

العدد 2876 – الخميس 22 يوليو 2010م الموافق 09 شعبان 1431هـ

فاز فيلمه «بالأمس» بجائزة «الدار البيضاء»… الكوهجي: الجمهور البحريني أولا، وخان أعجـــب بفيلمي وأدائي

منصورة عبدالأمير 

في شهر مايو/ آيار الماضي كان عمار الكوهجي، مخرج الفيلم القصير «بالأمس»، على موعد مع أول نجاحاته التي حققها عبر «أول» فيلم قصير يقوم بإخراجه. حدث ذلك في الدار البيضاء، أثناء انعقاد فعاليات الدورة الخامسة للمهرجان الدولي للفيلم القصير والشريط الوثائقي في الفترة 29 أبريل/ نيسان -3 مايو/ أيار.

حصل الكوهجي على جائزة الجمهور الذي سجل إعجابه الشديد بفيلم «بالأمس» حين استقبل مخرجه بتصفيق حار، أسعد الكوهجي الذي قال حينها «ما يثلج صدري هو أن الجمهور المغربي العزيز الذواق تجاوب بشكل رائع مع فيلمي. هذه أغلى جائزة وستظل تاجاً على رأسي طوال مساري الفني».

ولم يكن فوز الكوهجي فقط هو ما أثلج صدره إذ إنه تلقى طلباً من إدارة المهرجان للمشاركة في ندوة تطبيقية عقدت لطلبة الجامعة ممن حضروا المهرجان، وذلك تحت عنوان «تفعيل التراث السينمائي عربياً». تحدث الكوهجي خلالها حول التجربة السينمائية الخليجية معرفاً بأساليب تفعيل التراث فيها. حضر الندوة ضيف المهرجان المخرج السينمائي المصري علي بدرخان، الذي أبدى إعجابه بالتجربة السينمائية في البحرين بشكل عام وبتجربة الكوهجي بشكل خاص، كما وجه للكوهجي دعوة لعرض فيلمه بالمعهد العالي للسينما بمصر.

يشار إلى أن الفيلم مأخوذ عن قصة «التابوت» من مجموعة قصصية كتبها الروائي فريد رمضان تحت عنوان «البياض»، حولها الكاتب الصحافي حسام توفيق بمشاركة فريد رمضان، إلى سيناريو يستعرض سيرة ذاتية لم تكتمل لشاب يحلم بصناعة السينما.

«الوسط» حاورت عمار الكوهجي حول توجهه الإخراجي ومشاريعه المستقبلية.

حظي فيلمك بإعجاب جمهور مهرجان الدار البيضاء، وفي ذلك الوقت قلت في تصريح لإحدى الصحف إن هذه الجائزة ستظل الأغلى لديك طوال مسارك الفني، وأبديت سعادتك لأن الجمهور المغربي الذي وصفته بالجمهور العزيز الذواق، تجاوب بشكل رائع مع فيلمك. برأيك لماذا تمكن فيلم «بالأمس» من الوصول لجمهور المهرجان، للقضية التي يناقشها، لأسلوب إخراجه، أم لكونه يأتي من منطقة يفترض البعض عدم وجود حركة سينمائية فيها؟

– السينما ليس لها بلد أو منشأة أو مكان محددين، يمكننا أن نعرض فكرة أو مشروع في الخليج، ونجد المشروع ذاته في دولة أخرى. المهم هو مضمون الفيلم، وذكاء المخرج الذي يعرف كيف يختار القصة التي يمكنها أن تخاطب جميع الشعوب، أن تصل للكبير والصغير. بالنسبة لفيلم «الأمس»، فإن الفكرة هي ما أعطته قوة، شخصية الأم مثلاً الموجودة في الفيلم، يمكن أن تجسد شخصية أي أم في أي مكان في العالم. الفيلم عرض في روسيا وفي المغرب والجزائر. حين تشاهد الأم الروسية الفيلم ستجد نفسها فيه، وحين يشاهد الشاب الجزائري الفيلم سيجد نفسه فيه أيضا. إن تمكني كمخرج من طرح الفكرة والوصول لقلوب الناس هو ما يشكل نجاح العمل. الفيلم كان قريباً من قلوب الناس ممن شاهدوه في مختلف المهرجانات التي عرض فيها، بسبب بساطته، وهذا هو سر نجاح فيلمي.

والفكرة مأخوذة من قصة حقيقية لشاب كان يعيش في الثمانينيات يدعى خليل وهو صديق للكاتب فريد رمضان. كان يحلم بأن يدرس الإخراج السينمائي وبالفعل سعى لتحقيق حلمه بأن قام بشراء بعض الأجهزة السينمائية مثل الكاميرا التي تظهر في الفيلم، لكنه توفي في حادث سيارة. عرض علي الأستاذ فريد رمضان القصة التي كتبها تحت عنوان «تابوت»، فأحببتها وقررت أن أقدمها في فيلم. وجدت أن حلم التحول لنجم سينمائي هو في الواقع حلم الكثير من الشباب، بالطبع لكل منهم منظوره الخاص.

هل تعتقد أن ما أعجب الجمهور المغربي سوف يعجب الجمهور البحريني، وهل لديك أي نية لتقديم أي أعمال تتوجه بها بشكل خاص للجمهور البحريني إما معبراً عنه أو في محاولة للوصول إليه؟

– الفيلم عرض في البحرين وفي الإمارات وفي عدة أماكن ولاقى نجاحاً كبيراً، الحمد لله. لقد تمكنت من صنع خليط معين في هذا الفيلم جعلته يناسب المهرجانات بأسلوبها الخاص وبمقاييس لجان التحكيم فيها وفي الوقت ذاته يصل لقلوب الناس. حاولت أن أمسك الخيط من النصف، الحمد لله كسبت قلوب الناس وقلوب لجان التحكيم.

أما عن التوجه للجمهور البحريني بشكل خاص، فأنا أبن البلد ويمسني ما يمس الفقير والمواطن البسيط، وأتشرف أن أقدم أعمالاً خاصة ببلدي، بالطبع أطمح لأن أفعل ذلك في المستقبل وأعتقد أن هذا طموح أي مخرج سواء بحريني أو عالمي في أن يقدم فيلماً يهم أبناء بلده ويلامسهم. وأنا كبحريني يهمني أن أقدم عملاً يسعد البحرينيين. توجهي واهتمامي الأول والأخير للبحرين ثم للخليج وبعدها للدول العربية وأخيرا للعالم.

حتى عندما قمت بإخراج هذا الفيلم، لم يكن طموحي أن أِشارك به في مهرجانات خارج الخليج، كنت أطمح فقط لأن يعجب فيلمي الناس، لكن ربما بعد أن انتهيت من الفيلم أصبحت طماعا فتمنيت أن يصل أولا لباقي دول الخليج وحين وصل من خلال مهرجان الخليج السينمائي في دبي وأعجب به الجمهور وصفقوا لي مرتين وقد تنافس على جوائز المهرجان وكان من الممكن أن يفوز. بعدها أصبحت طموحي مختلفاً فوصل فيلمي للجزائر وتنافس على جوائز المهرجان هناك، ثم المغرب وهكذا تنقل بين مختلف المهرجانات. لكن ما يهمني أولاً وأخيراً هو الجمهور البحريني وأتمنى أن أقدم أعمالاً تخصه في المستقبل، لكني أيضا أتمنى أن تتوفر لنا الإمكانات التي نستطيع من خلالها تقديم فيلم طويل.

عقب عرض الفيلم حصلت على إشادة خاصة المخرج الكبير علي بدرخان والذي لم يخفِ إعجابه الكبير بالتجربة السينمائية بالبحرين وبالمخرج الشاب عمار الكوهجي، بل إنه دعاك إلى مصر بغية عرض فيلمك بالمعهد العالي للسينما. شهادة مهمة من مخرج مهم جدا في تاريخ السينما المصرية والعربية، ما الذي يلقيه ذلك على عاتقك من مسئولية كمخرج، كفنان، كسفير لبلادك؟

– بعد أن شاهد الدكتور علي بدر خان الفيلم أعجبه وخلال الندوة التطبيقية التي شاركت فيها بطلب من مدير المهرجان كمخرج خليجي وذلك بهدف اطلاع الجمهور المغربي على ما يجري في الخليج وتعريفهم بالعقلية السينمائية الخليجية.

وكان الدكتور علي بدر خان موجود في الندوة، الذي أعجب في طرحي أيضا وفي ردودي على الجمهور المغربي. وبالمناسبة الجمهور المغربي مثقف سينمائياً، حتى طريقة انتقاده مختلفة، هو لا يتدخل في الرؤية الإخراجية للمخرج كما يحدث لدينا، حين ينتقد البعض ممن لا يملكون صلاحية انتقاد رؤيتك الإخراجية.

تفاجأت بأسئلة الجمهور المغربي وانتقاداتهم.

أعجب بدرخان في ردودي وفي طرحي وفي ثقتي بنفسي فعرض علي المشاركة لعرض فيلمي في مصر والمشاركة في ندوة تطبيقية.

بالطبع يلقي علي ذلك مسئولية كبرى، فحين أخرجت الفيلم بداية كان طموحي أن أقدم فيلماً جميلاً يعجب الناس.

لكن تنقل فيملي بين المهرجانات من مهرجان الخليج لمهرجان وهران الذي تصعب المشاركة فيه ثم إلى روسيا فالأردن فالمغرب فالقدس. كل هذا يضع علي مسئولية كبرى لأن تكون أعمالي القادمة جيدة، وهذا ما أخاف منه، فأنا أريد أن أقدم أعمالاً أخرى، لكن الفيلم السينمائي هو في الأساس فكرة، وأنا أجتهد لأن أحصل على هذه الفكرة. هناك أفكار موجودة حالياً وأنا أعكف على دارسة إمكانية تحويل بعضها إلى فيلم سينمائي.

عمار ما النقلة التي أحدثها الفيلم في مسار عمار الفني والسينمائي، أين كان عمار قبل بالأمس وأين أصبح بعده؟

– كنت في الوسط الفني قبل أن أخرج هذا الفيلم، واهتماماتي السينمائية ليست جديدة. في أيام الدراسة كنت أقدم اسكتشات مسرحية أقوم بكتابتها بنفسي. بعدها توقفت ولم أتمكن من دخول مجال السينما لأنه لم تكن توجد لدينا سينما في البحرين أو في الخليج، ولم يكن نظام الديجيتال معروفاً.

ما حدث بعدها هو تأسيس مهرجان الخليج السينمائي وهو ما فتح الباب للشباب الراغبين في دخول هذا المجال. وما حقق لي طموحي وحلمي في أن أقدم فيلماً باسمي.

أنا الآن أحاول أن أضع قدمي على الطريق الصحيح وإن شاء الله أحاول أن أجتهد لتقديم أعمال ناجحة، وأن أتسلح بالإرادة والصبر

حتى لو لم أنجح فالنجاح الدائم أمر غير ممكن حتى للمخرجين الكبار..

العدد 2869 – الخميس 15 يوليو 2010م الموافق 02 شعبان 1431هـ

لن ترجم «سكينة»!

منصورة عبد الأمير

يوم الجمعة الماضي كان مفترضاً أن ترجم الإيرانية «سكينة» حتى الموت، لكن، وبحسب صحيفة «التايمز» البريطانية، فإن الإدانات الدولية التي أثارتها قضيتها حملت السلطات الإيرانية على تخفيف عقوبتها.

«سكينة» ليست أولى امرأة ترجم، وهذه ليست المرة الأولى التي تثار فيها قضية الرجم في المحافل الدولية فإيران ليست الدولة الوحيدة التي تطبق عقوبة الرجم حتى الموت، دول أخرى في المنطقة تفعل الأمر ذاته وتتلقى إدانات دولية وتتعرض لحملات مشابهة. ما يختلف فقط هو أن الإدانات الموجهة لإيران ترتبط دائماً «بالملف النووي» لذا تصبح الحملات أقوى وربما أكثر تأثيراً وانتشاراً وعدداً و… أقل إنصافاً.

«سكينة» وقضيتها والرجم ومشروعيته، طرحا كثيراً من قبل جهات كثيرة تختلف دوافعها، وأثارا ضد إيران مواقف ناقدة وأخرى معادية وربما مؤيدة. في العام الماضي طرحت القضية من خلال فيلم «ثريا» وهو الفيلم الذي يزعم صانعوه استناده على قصة حقيقية جرت أحداثها في إحدى القرى الإيرانية وشهد كاتب القصة، فريدون شهاب جام، الإيراني الأصل الفرنسي الجنسية، كما يزعم، وقائعها بأم عينيه.

بعيداً عن قضية الرجم، والموقف الشرعي منها في مقابل الموقف الدولي والحقوقي، وعن حقيقة تعرض إيران لحملات دولية «غاشمة» أو»عادلة» تسلط الضوء على كل القضايا الإيرانية بشكل مبالغ فيه.

بعيداً أيضا عن مغالطات الفيلم، واستعراضه السطحي لما يزعم كونه واقع الحياة في إيران، بطريقة اختلط فيها الحابل والنابل، وتفرعت فيها القضايا وتشابكت الأمور فوجدنا أنفسنا فجأة وسط سرد «غير دقيق» فيه كثير من التحامل، لتاريخ إيران الحديث، تاريخ ما بعد الثورة الإسلامية.

بعيداً عن كل ذلك، عبرت إيران عن احتجاجها على مضمون الفيلم، الذي كاد أن يثير أزمة مع تركيا حين أجازت مؤسسة الرقابة التركية عرضه. «ثريا» كان جزءاً من بروباغاندا إعلامية تشكل جزءاً محورياً في حملة دولية موجهة ضد إيران، تنجح إلى حد ما في رسم صورة مزيفة للمشهد الإيراني في أذهان الجماهير البعيدة عن ثقافة وواقع هذا البلد والمنطقة بأكملها.

وسواء أعطت إيران فيلم «ثريا» ما يستحقه من اهتمام أم لا، فإن ما لن يختلف عليه أحد هو أن السينما تملك من السلطة الكثير، يمكنها قلب الوقائع، تغيير الأحوال، القضاء على الخصوم، إنهاكهم، غسل الأدمغة وتخدير الشعوب، إعادة كتابة التاريخ ومحو الهويات. تملك من السلطة تلك كما سواها من الأدوات الإعلامية لكن أدواتها تبدو أكثر فتكاً، تتسلل إلى القلوب قبل الأذهان، بأفلامها التي تسلي، تمتع، تضحك، تبكي، تثير حس المغامرة لدى جمهورها، كل الأفلام بلا استثناء.

يبدو الأمر كهلوسة، لكن ما أردت نقله هو التلازم الغريب في ذهني بين قصة «سكينة» و»ثريا» و»الملف النووي» و»إيران» والبروباغاندا وربما هتلر وستالين وواقع الحال لدينا. هل من تفسير!

العدد 2869 – الخميس 15 يوليو 2010م الموافق 02 شعبان 1431هـ

العلي… مخرج يرفض النخبوية؟؟؟

منصورة عبد الأمير

الانتقال من مرحلة إخراج الأفلام القصيرة لإخراج أفلام روائية طويلة، وهو ما ينوي المخرج البحريني الشاب علي العلي القيام به قريباً،هي عملية تحتاج كثيراً من التفكير والتأمل واللااستعجال. وبعيداً عن كل الحيثيات والتفاصيل الكامنة في تلك العملية التي تتطلب من أي مخرج يرغب في خوض تلك التجربة الالتفات إليها والتأمل فيها بحذر شديد، فإن الأمر الذي لن يختلف معي عليه كثيرون هو أن هذه النقلة لن تكون على مستوى طول الفيلم او تقنيات صناعته وغير ذلك من التفاصيل المهنية والفنية، وحسب، بل إنها ستكون على مستوى الجمهور المتوقع او المستهدف قبل أي شيء. فكرة فيلم طويل بكل تأكيد تعني استهداف جمهور دور السينما المعتاد بالدرجة الأولى، وهو الجمهور الذي يعلم العلي تماماً مقاييس ذوقه ومتطلباته. ثم إن تقديم فيلم طويل يعني تحمل كلفة مادية أكبر، ربما يعني تمطيط وتطويل وحشو لا يهدف سوى لإبقاء المتفرج وقتاً أطول وتحقيق معادلة ربحية أكبر.

لا غبار على الأمر والعلي مخرج طموح، شديد الذكاء، تمكن من أن يفرض حضوره على ساحة سينمائية ناشئة في منطقة الخليج. الإشكال الذي يطرح هنا، من وجهة نظري، هو في انتقال العلي من نوعية من الأفلام أطلق عليها «أفلام مستقلة» وأسميها أنا سينما حقيقية تراعي الجانب الابداعي اكثر من أي أمر آخر، وقد لا تجد لها تفاعلاً على كل المستويات، لفيلم جماهيري بمقاييس مختلفة يفترض منه تحقيق معادلة امتاع متفرجيه وإرضاء رغبتهم في الفرجة والتسلية بالإضافة إلى تقديم مادة تحترم عقولهم إلى حد ما وتوجه ذائقتهم لأشكال فنية جديدة ثم تعود على صانعيها بأرباح مادية.

العلي يؤكد أنه سيقدم فيلماً بمقاييس فنية عالية، يحترم العقول والأذواق، يرضي المشاهدين، ويعجب النقاد في آن واحد. معادلة لا تبدو أطرافها متوازنة، فما يعجب النقاد في واقع الأمر ليس هو ما يعجب الجمهور. هل يعود ذلك لتعالي النقاد أم لانخفاض في مستوى أذواق الجماهير، لا يهم.

نظرياً يمكن التحدث عن «لانخبوية» السينما وعن رفض كل الأفكار الداعية لتفضيل فئة النقاد أو ما شابه على فئة الجمهور، لكن في واقع الأمر لا يمكن أن يلتقي النقاد وعموم الجمهور العادي في خانة واحدة حين يتعلق الأمر بمادة سينمائية. كيف سيكون بإمكان العلي تحقيق تلك المعادلة؟ هل هو طموح فاق حدوده أم اعتداد، قد يكون في محله، من المخرج الشاب بإمكاناته؟

مهما يكن من أمر فإن العلي، مخرج موهوب يستحق كل دعم وتشجيع في خطوته تلك.

العدد 2862 – الخميس 08 يوليو 2010م الموافق 25 رجب 1431هـ

يصور أول أفلامه الروائية «بيت الله» قريباً… علي العلي: حتى في التلفزيون… أدواتي سينمائية

منصورة عبدالأمير 

قبل تسعة أعوام من الآن، بالتحديد في العام 2001، تمكن المخرج البحريني علي العلي، الذي لم يكن حينها سوى هاوٍ يعرض أولى محاولاته، من لفت أنظار جمهور قليل احتوتهم صالة عروض نادي البحرين للسينما. كان ذلك مع أول أفلامه القصيرة «الطريق إلى جهنم»، الذي توالت بعده أفلام قصيرة عدة أبرزت تطورات الحس والتقنية الإخراجيين لدى العلي عبر سنوات قصار.

اليوم وبعد 12 فيلماً قصيراً، أثبت من خلالها العلي موهبة فذة ومميزة، جعلته يحصل على الكثير من الإشادات، والتكريمات، وعدد لا بأس من الجوائز، يعلن العلي رغبته تصوير فيلم روائي طويل. لا يتحدث كثيراً عن فيلمه، يخبرنا فقط أنه يصور في البحرين تحت اسم «بيت الله»، يناقش من خلاله «أحداث وظواهر يعيشها المواطن الخليجي بشكل يومي». يتعاون العلي في فيلمه الجديد، وللمرة الثانية مع السيناريست الإماراتي محمد حسن أحمد، كاتب نص فيلم «مريمي» القصير الذي أثبت من خلاله العلي تمكنه كمخرج.

«الوسط» حاورت علي العلي حول النقلة النوعية في انتقاله كمخرج للأفلام الروائية الطويلة، ونظرته للعمل الإخراجي في السينما ومدى استعداده لخوض تجربة إخراج فيلم روائي طويل.

تنتقل بهذا الفيلم من إخراج الأفلام القصيرة إلى الأفلام الطويلة، وذلك بعد ما يقارب من 9 أعوام من بداياتك كمخرج. ألا ترى أن الوقت لايزال مبكراً لإنتاج فيلم روائي طويل، ألا تعتقد أنك بحاجة لخبرة تراكمية كمية ونوعية في الوقت ذاته؟

– كنت متخوفاً من خوض تجربة الفيلم الطويل، كما تعلمين الفيلم الطويل له أساسيات مختلفة. وعليك أن تمتع المشاهد لمدة ساعة ونصف. تجربة الفيلم الطويل تجربة خطيرة، من الممكن النجاح فيها أو الفشل. بالنسبة لي لا مجال للفشل، يجب أن أقدم فيلماً يستمتع به المشاهد والناقد على حد سواء. أريد أن يخرج المشاهد ويقول إنني شاهدت فيلماً، ثم إنه سيدفع مبلغاً معيناً فلابد أن يستمتع كما يحدث حين يدخل لمشاهدة أفلام هوليوود وبوليوود.

خضت تجارب كثيرة في الفيلم القصير، ومن وجهة نظري هذه التجارب هي بمثابة عمل تراكمي يؤدي إلى اكتشاف خبراتك كمخرج أو ككاتب. كما أن التواجد في أكثر من مهرجان ومشاهدة التجارب الناجحة على مستوى العالم العربي أو على مستوى العالم ككل مهمة أيضا. كذلك أعتقد أن دخولي في تجربة تصوير مسلسل «على موتها أغني» بدت مختلفة أيضاً. ربما لأن أدواتي في المسلسل كانت سينمائية أكثر من كونها تلفزيونية، عملت المسلسل بحس سينما، بأدوات سينما، بغض النظر عن الأجهزة، ولكن كتعامل مع الفنان ومع الإضاءة كان كل شيء له حس سينمائي.

استغرقت فترة العمل 4 شهور، وقد اكتسبت خلالها أشياء كثيرة، وربما جعلتني أقرب لدخول تجربة فيلم طويل. هذه تجربة تشكل خبرة تراكمية بالنسبة لي.

فهل نتوقع فيلماً على غرار أفلام هوليوود أو بوليوود، يستمتع به الجمهور فيما يحافظ فيه المخرج على أدواته ويسعى من خلاله لتحقيق معادلة السينما كفن وكصناعة ترجع بأرباح مادية؟

– ذكرت في أكثر من لقاء وتصريح مع الصحافة، أنه لا يمكننا اليوم أن نعبّر عن صناعة فيلم خليجي ينافس أفلام هوليوود أو بوليوود أو حتى الأفلام على مستوى الوطن العربي.

لا نتحدث عن الصناعة، فقط نبحث عن الإقناع. أنا كمخرج أبحث عن جمهور وعن مشاهدين يثقون بي، لا أن أنافس هوليوود أو بوليوود، وهي التي توجد فيها صناعة لها تاريخ.

صناعة السينما في الخليج وليدة، وهناك تجارب أكثر من كونها صناعة. ما لدينا تجارب معدودة بعضها ناجح وأخرى تمر وتنتهي.

أعتقد أنه ستكون هناك أكثر من تجربة ليست مع فيلمي وحسب، ربما ستكون هناك أكثر من تجربة سينمائية على مستوى الخليج لزملائي: وليد الشحي، نواف الجناحي، سعيد سالمين، عبدالله حسن أحمد. في البحرين كانت هناك تجربتان سابقتان من حسين الحليبي. هذه التجارب تجعلني أتمكن اليوم من أن أضع قدمي وأقدم تجربة مختلفة، وهذا هو الرهان، أن يتم التنافس على مستوى الخليج.

لكن الأمر يبدو كمجازفة، حتى لو لم نتحدث عن منافسة مع هوليوود أو بوليوود، أنت تحاول تقديم فيلم تطمح أن يشاهده الجمهور باختياره، هل تعتقد أن المخرجين الشباب في الخليج قادرون في هذه المرحلة على تقديم أفلام تعجب الجمهور أو على الأقل لا يتم الاستخفاف بها؟

– من وجهة نظري، لدينا مشكلتان، الأولى هي أنه حينما ننظر إلى السينما الحقيقية أو السينما المستقلة، وهي كفكر أو ثقافة تعلمناها سنجد أن الجمهور لا يتقبل الفيلم المستقل. نحن اليوم ومن أجل أن نصنع فيلماً أشبه بـ «اللمبي» أو أفلام أحمد حلمي التي تجذب الجمهور، علينا أن نفكر في الفيلم الجماهيري الممزوج بالفيلم المستقل، الذي يمكن أن يشارك في كل مهرجانات العالم ويُحترم، وفي الوقت ذاته يستمتع الجمهور بمشاهدته.

في الوقت ذاته، دخول تجربة الفيلم الطويل مغامرة في كلتا الحالتين، مغامرة في العمل مع جمهور ثقافته مختلفة، وحينما يريد دخول السينما يريد أن يستمتع ويضحك أكثر من رغبته في مشاهدة سينما وإبداع وفن. نعم كما عبرتي هي مجازفة، فنحن نقول للجمهور هذا فيلم جماهيري لكنه محترم، يمكنكم أن تشاهدوا سينما وصورة بصرية وثقافة وتحصلوا من ورائها على متعة تفوق متعة الفيلم الذي يضحككم.

أنا كمخرج، لا أطمح لتقديم مثل هذه الأفلام التي تصنع فقط من أجل إضحاك الجمهور. أعتقد أن هذا بعيد عن السينما، قد يكون هناك جمهور لهذه الأفلام، لكن أنا كمخرج وبحسب الثقافة التي اكتسبتها وتعلمتها لا تستهويني مثل هذه الأفلام.

لكن في الوقت ذاته أريد أن أقدم فيلماً يرضي الجمهور والنقاد.

هل تكره أن يُطلق على فيلمك؛ فيلم جماهيري، أو تجاري؟

– مفهوم الفيلم التجاري على المستوى العربي هو الفيلم الذي تقدمه السينما المصرية ربما. وفي الآونة الأخيرة أعتقد أن الأفلام المصرية التي قدمت كانت فاقدة للمضمون والمحتوى وأن هدفها التسلية فقط.

لذا من المهم أن يكون للمخرج رؤية مختلفة وأن يقدم لغة سينمائية حقيقية في أفلامه. الأفلام المصرية التي شاهدتها والتي تصنف ضمن الأفلام الجماهيرية، أعتقد أنه ليس بها لغة سينمائية وكان بالإمكان تقديمها في التلفزيون لكنهم يقدمونها في السينما.

فلا اعتراض لديك إذاً على الفيلم الجماهيري، ولكن على الطريق التي يُقدم بها؟

– نعم، توجد أفلام تحترم جمهورها مثل «Avatar»، وكثير من الأفلام التي تصنعها هوليوود وبوليوود. هناك أفلام ممكن أن يشاهدها الجمهور العادي وجمهور النقاد ويمكن أن تعرض في المهرجانات وتحصد جوائز أيضاً، كما تعرض في دور السينما، وهذه هي الأفلام التي نتحدث عنها.

لكن انتقالك للفيلم الطويل، والى جمهور السينما، هل سيجعلك تتنازل عن اللغة السينمائية التي تقدم بها أفلامك أو عن أدواتك وتقنياتك الإخراجية؟

– تجربة الفيلم الطويل هي حلم بالنسبة لعلي العلي. وأعمالي السابقة سواء (الأفلام القصيرة) التي قدمتها أو حتى تجربة التلفزيون، جميعها كانت تهيئة للفيلم الطويل.

بالنسبة لي منطقة الفيلم الطويل مخيفة جداً، لكني في نفس الوقت أمتلك الثقة كافية لأن أدخلها، لكن بحذر شديد.

أتمنى أن أقدم عملاً مختلفاً يلفت انتباه المسئولين في الدولة، أو حتى على مستوى دول الخليج، لأن هناك شباباً قادرون على صناعة فيلم. أتمنى أن يكون هذا الفيلم قادراً على الذهاب إلى كل أنحاء العالم ويُحترم من قبل الجمهور والمهرجانات والملتقيات الثقافية السينمائية.

بالنسبة لأدواتي فهي أقرب إلى السينما، وانني وصلت إلى المرحلة التي أتمكن فيها من امتاع جمهوري باستخدام هذه الأدوات، وهي أدوات المخرج القادم من السينما، وهذا ما اختلف لدينا بالنسبة لتجربة التلفزيون في مسلسل «على موتها أغني» الذي صورناه بأسلوب سينمائي.

هل شجعك نجاحك في التلفزيون على خوض هذه التجربة؟

– ربما هذا سبب، وربما كذلك مستوى النضج الإخراجي الذي وصلته كمخرج، إذ إنني عملت لمدة 4 شهور بمعدل 12 ساعة يومياً، وهو ما يمكن اعتباره معسكراً لأي مخرج، يكتشف خلاله أشياء كثيرة. بالطبع عملي في التلفزيون كما قلت جاء بأدوات سينما وبفكر سينما حتى بالنسبة للنص ومعالجته كان ذلك أقرب للسينما.

العدد 2862 – الخميس 08 يوليو 2010م الموافق 25 رجب 1431هـ

لم يفتتح مهرجان الفيلم العربي الفرنسي في الأردن… الدرادجي يسحب «ابن بابل» احتجاجــاً وإدارة المهرجان ترفض التسييس

منصورة عبدالأمير

«لقد تم تسييس الأمر»، هكذا استهل المخرج العراقي محمد الدرادجي بيانه الذي وزعه منذ أيام عبر البريد الإلكتروني. البيان وزع احتجاجاً على منع إدارة مهرجان الفيلم العربي الفرنسي للدرادجي من قراءة بيان كان مفترضا أن يسبق فيلمه «ابن بابل» الذي كان «مفترضاً» أيضا أن يستهل «هو الآخر» برنامج فعاليات المهرجان في دورته السادسة عشرة.

لم يعرض الفيلم، قرر الدرادجي سحبه، أو اختار ذلك، قبيل ساعات فقط من انطلاق المهرجان الذي نظمه المركز الثقافي الفرنسي بالتعاون مع الهيئة الملكية الأردنية للأفلام ومؤسسة شومان وأمانة عمان الكبرى في العاصمة الأردنية عمان وذلك في الفترة من 20 حتى 24 يونيو/ حزيران الجاري.

الدرادجي اعترض على منع إدارة المهرجان له من قراءة بيان دعا فيه الحضور للمشاركة في حملة تبنتها الشركتان المنتجتان هيومن رايتس فيلم وعراق الرافدين، لتأسيس منظمة تعني بشئون المفقودين العراقيين، والتوقيع على عريضة بهذا الشأن. أما إدارة المهرجان فقد وجدت في مهرجانها السينمائي حدثاً غير مناسب للترويج لأي قضية ذات طابع سياسي.

«الوسط» حاورت مخرج الفيلم محمد الدرادجي حول أسباب المنع وملابسات ما حدث، كما وقفت على آراء مسئولي المهرجان فيما حدث

ما الذي حدث على وجه التحديد، هل قمت بسحب الفيلم أم أن إدارة المهرجان أجبرتك على ذلك؟

– طلب مني عرض فيلمي «ابن بابل» ضمن حفل افتتاح المهرجان العربي الفرنسي الذي تنظمه السفارة الفرنسية في عمّان، بالتعاون مع بلدية عمّان ومؤسسة شومان الملكية الأردنية للأفلام. كان المفترض أن أذهب لتقديم الفيلم للجمهور الأردني، ولكن لظروف تواجدي في مهرجان الرباط الدولي في المغرب، ابتعثت أحد الزملاء إلى المهرجان العربي الفرنسي في الأردن، لكي يلقي كلمة نيابة عني ويقدم الرسالة الصوتية التي قمت بتسجيلها، وهذا ما أفعله في العادة حين لا أتمكن من حضور أي مهرجان. إذ إنني أبعث برسالة صوتية أتكلم خلالها عن موضوع الفيلم وأطلب من الجمهور، فيما إذا شعروا بقيمة الفيلم الفنية والمعنوية، المشاركة في حملة عالمية نظمتها للمفقودين بالعراق، تطالب الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية بالتعاون ومساعدة الشعب العراقي في موضوع المفقودين في العراق وهو موضوع مغيّب الآن في الساحة العراقية السياسية بسبب المشاكل السياسية والأمنية.

هذا هو هدف الحملة، وفي كل مكان يعرض فيه فيلم (ابن بابل)، الرباط، اسطنبول، اسكتلندا، صربيا، بريطانيا، نقوم بقراءة هذا البيان وننوه بالحملة، وأي شخص يود المشاركة في الحملة يقوم بالتوقيع على عريضة مخصصة لهذا الأمر ونحن نسعى لجمع أكبر عدد من الأصوات لإرسالها إلى الأمم المتحدة وبالتالي مطالبتها بالمساعدة.

إلا أنني فوجئت برفض منظمي المهرجان قراءة تلك الرسالة والتنويه بالحملة.

هل كان الاعتراض موجهاً ضد الرسالة أم الفيلم؟

– ليس ضد الفيلم، بل ضد الرسالة وضد التنويه لا لحملة، وسبب ذلك أغراض سياسية حسب قولهم، رغم أننا لم نأخذ أي صفة سياسية، بل إن الصفة الإنسانية كانت طاغية على الفيلم، فلم تكن فيه دعاية ضد جهة معينة أو ضد حزب معين أو حكومة معينة. ما فاجأني هو رفض إيصال صوتي وصوت الحملة إلى الجمهور الأردني، وبالتالي خيّروني بين سحب الفيلم أو عدم التطرق إلى الرسالة والحملة، ففضلت سحب الفيلم في يوم العرض.

لكنك في البيان الذي قمت بتوزيعه عبر البريد الإلكتروني، ذكرت أن الموضوع تحول إلى موضوع سياسي؟

– نعم، الموضوع أصبح موضوعاً سياسياً بالنسبة لمنظمي المهرجان، لأنهم أدخلوا السياسة في موضوع الفن وفي الموضوع الإنساني. لم تحتوِ رسالتنا على أي طلب سياسي كل ما طلبناه من الجمهور هو أن يشاهدوا الفيلم، وفي حال اقتناعهم بموضوعه، يمكنهم مساعدتنا في هذه الحملة، والأمر اختياري بحت.

للأسف، كانت نسبة كبيرة من الجمهور في الأردن تنتظر مشاهدة الفيلم بشغف، سواء كانوا من العراقيين أو الأردنيين أو الأجانب المقيمين في الأردن.

ألا تعتقد أن إدارة المهرجان يمكن لها أن تتهمك أيضا بمحاولة تسييس المهرجان بإطلاقك هذا البيان أو هذه الدعوة للمشاركة في حملة ذات طابع سياسي؟

– نحن لا نتبنى قضية ذات طابع سياسي فقط، إنما ذات طابع إنساني بحت. وأحد أهداف هذه الحملة هو مساعدة بطلة الفيلم نفسها التي فقدت زوجها منذ 22 عاماً. وبالمناسبة هذه المرأة ليست ممثلة محترفة بل إنها امرأة عادية من الشعب العراقي تبحث عن زوجها منذ أكثر من عشرين عاماً.

وليست هذه المرأة فقط من فقدت زوجها، كثير كثير من الأصدقاء والزملاء والمعارف اختفوا في العراق.

الفيلم ذو طابع إنساني تماماً، لم نوّجه أصابع الاتهام إلى فئة معينة أو حزب أو دين معين. نحن نطالب بمساعدة الشعب العراقي. توجد الكثير من المقابر الجماعية ولا تستطيع المنظمات أو الحكومة العراقية أن تفعل الكثير لمن فقدوا أبناءهم، فلماذا لا تتوجه الأمم المتحدة والمنظمات العالمية لهذه القضية، تماما كما فعلوا في رواندا والبوسنة والأرجنتين، بدلا من أن تقوم الأمم المتحدة بترك العراق في العام 2004 دون أن تقدم أي مساعدة للشعب العراقي، سوى مساعدتها في فرض الحصار ضده.

وحتى الجامعة العربية لم تلتفت إلى قضايا الشعب العراقي ولم تعمل على نشر المصالحة والسلام في العراق.

هذه حملة إنسانية 100 في المئة، ونحن لا نسيء إلى أي دين أو طائفة أو حزب أو قومية.

خلال عرض الفيلم في دبي، كان هناك اعتراض من قبل بعض المشاهدين إذ زعموا أنك بالغت في تصوير المقابر الجماعية فقط لتعزف على الوتر العاطفي للمشاهدين. هل تعتقد أن الخوف من مثل هذه الاعتراضات، هو ما دفع إدارة المهرجان في عمّان إلى منعك من قراءة بيانك؟

– في الواقع، إن من اعترض في دبي هما شخصين فقط كانا يعتقدان أنني بالغت في موضوع المقابر الجماعية والمفقودين في العراق، ولكن 50 إلى 70 شخصا من المشاهدين ردوا على هذين الشخصين، باعتبار أن الكثير من الجمهور المتواجد كانوا من ضمن ضحايا المقابر الجماعية إذ فقدوا أحباءهم إبان حكم النظام السابق. وأنا أتصور أن الشخصين اللذين عارضا وجهة نظر الفيلم إنما عارضاها لأن الفيلم دغدغ مشاعرهما وضرب على وتر زملائهما، وبالتالي لا يريدان أن ينكآ هذا الجرح.

مهمة الفيلم بالدرجة الأولى هي تغيير الأفكار القديمة لدى أولئك الذين لم يطلعوا بشكل صحيح على الوضع في العراق وخصوصاً وضع المفقودين والمقابر الجماعية.

أما إذا كانت إدارة المهرجان قد سمعت بهذا الموضوع فرضاً وأرادوا إيقافه من أجل ذلك، فلا أعلم لماذا فكروا بهذه الطريقة، فالمهرجانات السينمائية هي ملتقيات فنية وثقافية وإنسانية وحضارية وسياسية، وهناك الكثير من المهرجانات التي نسمع عنها تغيّر الكثير من الأشياء، وعلى سبيل المثال الفيلم الفرنسي الجزائري الذي تحدث عن المقاتلين الجزائريين والمغاربة ممن شاركوا في الجيش الفرنسي لتحرير فرنسا من الاستعمار النازي في الحرب العالمية الثانية، حينما شاهده الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك في السينما، طلب تغيير القوانين الموجودة في الدستور الفرنسي لحماية المقاتلين المغاربة الذين شاركوا في الحرب.

إذاً، هناك أفلام غيّرت مفاهيم وقوانين ودساتير كثيرة في الكثير من الدول، فلماذا تخشى إدارة المهرجان من مثل هذه الأفلام. لقد أغضبني هذا الأمر إذ لم تكن ردة فعل متوقعة وجيدة من إدارة المهرجان.

من جانبها أوضحت إدارة المهرجان أن اعتراض إدارة المهرجان كان موجهاً للدعوة للحملة التي بدأها الدرادجي وليس لفيلمه، إذ وجدت الإدارة أن المهرجان «نشاط يهدف إلى التعريف بأفلام عربية ومخرجين شباب لا أكثر، وليس تظاهرة سياسية»

«الوسط» حاورت رئيس لجنة السينما في مؤسسة شومان إحدى الجهات المنظمة للمهرجان الناقد السينمائي الأستاذ عدنان مدانات للوقوف على موقف المهرجان…

ما الذي حدث لفيلم «ابن بابل» على وجه التحديد؛ هل تم سحبه أم مُنع من العرض، أم أن الأمر يتعلق فقط بالرسالة التي أراد الدرادجي إيصالها إلى الجمهور؟

– في الواقع، لم يُمنع الفيلم ولم يُسحب من العرض إلا في اللحظات الأخيرة، سُحب بناءً على طلب من المخرج نفسه، حيث إنه اتصل في يوم العرض بالمنظمين وطلب قراءة بيان أو عريضة على الجمهور، ومن ثم جمع التواقيع. وهذا نوع من النشاط السياسي غير مقبول بالنسبة للمهرجان، فالمهرجان ذو طبيعة ثقافية فنية، وكان طلبه مفاجئاً إذ إنه وضع البيان شرطاً للعرض، إما أن يُقبل طلبه أو لا يُعرض الفيلم، وبالتالي هو من سحب الفيلم عملياً.

الاعتراض حتى لم يكن على مضمون الرسالة، بل على مبدأ قراءة رسالة سياسية ثم جمع تواقيع، لأن المهرجان ليس مجالاً لذلك، فهو نشاط يُقام لمجرد أسبوع تعرض خلاله أفلام، ونشاط يهدف إلى التعريف بأفلام عربية ومخرجين شباب لا أكثر، وليس تظاهرة سياسية، وهذا هو الإشكال.

لكن الرسالة التي توجهها السينما يمكن أن تنضوي تحتها أمور كثيرة، إنسانية أو سياسية، وربما تأتي مسألة جمع التواقيع تحت إطار الرسالة الإنسانية التي يدعو إليها الفيلم، فلماذا الاعتراض؟

– حقيقة، الفكرة في حد ذاتها لم تُقبل من قبل المنظمين، وشخصياً لم أكن موجوداً أثناء النقاش، فقد بُلغت فيما بعد بالنتيجة وبما حصل، إذ تم الاتصال بي وإبلاغي بأنه تم اتخاذ هذا القرار. وفحوى التبليغ أن مخرجاً لأحد الأفلام التي سيتم عرضها في المهرجان وضع شروطاً في اللحظة الأخيرة لمهرجان ثقافي، وكما قلت لم تكن هناك رغبة لتحويله إلى تظاهرة سياسية. فالاعتراض ليس على مضمون البيان بل على إدخال هذا البيان والتواقيع في بنية المهرجان، لاسيما أن المهرجان تنظمه عدة جهات، فهناك مؤسسة رسمية (أمانة عمّان الكبرى)، وهناك مؤسسة خاصة (مؤسسة شومان)، وهناك الجانب الفرنسي.

هل تعتقد أن للأمر علاقة ببعض الاعتراضات التي طالت الفيلم من قبل أطراف وجدت فيه مبالغة في إظهار معاناة الشعب العراقي، وربما إدارة المهرجان ارتأت ألا يثير بعض الأطراف مثلاً؟

– لا، على العكس، فالأفلام عادة عندما تُختار للعرض فهذا يعني أن هناك موافقة عليها، وبالتالي لا توجد مشكلة تجاه الفيلم. سبق أن شاهدت هذا الفيلم في مهرجان أبوظبي وأعجبني رغم وجود ملاحظات فنية عليه، لكنه بشكل عام فيلم إنساني ومؤثر. لم يعنيني الجانب السياسي بل لفتني الجانب الإنساني والفني والدرامي. وعندما عُرض عليّ اقتراح عرض هذا الفيلم ضمن المهرجان وافقت. المشكلة حصلت في اللحظة الأخيرة فقط قبل ساعات من موعد عرض الفيلم عندما اتصل المخرج وأملى هذه الشروط.

كيف ترى الدعوة القوية في الفيلم للمصالحة بين مختلف الجهات في العراق، ألا تجد أنها رسالة إيجابية جداً ومميزة في هذا الفيلم ربما تبرر الحملة المصاحبة للفيلم؟

– في الحقيقة، أنا عندما شاهدت الفيلم لم أهتم شخصياً إلا بالجانب الإنساني، وبالجانب الفني كبنية درامية وكطريقة تنفيذ، لكن بشكل طبيعي نحن مع أي درء لأي خلافات بين أبناء الشعب الواحد. العراق يعاني من تمزق نتيجة تضارب المواقف، وهو تمزق غير طبيعي وغير مقبول ومؤذٍ أصلاً لشعب العراق ولمستقبله. فإذا كان هذا المضمون هو الأساسي في الفيلم فلا يوجد اعتراض لدى الجهات المنظمة في عمّان، وأؤكد لكِ من جديد أن الاعتراض كان على محاولة فرض ممارسة معينة في اللحظات الأخيرة.

كيف تقيّم الفيلم من الناحية الفنية؟

– الفيلم أولاً يعتمد على حكاية بسيطة، جمال هذه الحكاية بالنسبة لي نابع من العلاقة بين الجدة والطفل، وقضية البحث عن الأب المفقود. هناك مأساة شعب… ما لم يعجبني هو التركيز على المقابر، فهي مادة لم تعد سينمائية بقدر ما هي تلفزيونية إخبارية، ولذا فإن الفيلم لم يُقدم جديداً في هذه المشاهد التي عُرضت بكثافة على المحطات. السينما دائماً تبحث عن الشيء الجديد المؤثر، وليس عن التقليدي المُكرر.

بالطبع لا اعتراض على المضمون، لأن المضمون أو الموقف الفكري للمخرج هو من حقه قد أقبله أو لا أقبله، لكن لا أستطيع أن أرفض قناعته الشخصية. لكن، درامياً أعتقد أن الجانب الإنساني الجميل الشعري الخاص بهذه العلاقة بين هذه الجدة الرائعة التي بدت في الفيلم بشكل رائع والطفل، ربما أضعف من شعرية الوقائع بالفيلم.

العدد 2855 – الخميس 01 يوليو 2010م الموافق 18 رجب 1431هـ

محمد الدرادجي…عراقي عاشق

منصورة عبدالأمير

ما يميز فيلم المخرج العراقي محمد الدرادجي «ابن بابل» وهو الثالث على قائمة أفلامه كمخرج، ليس فقط النقلة الكبيرة على مستوى الصورة والإخراج والحبكة أو «الحدوتة». هذه النقلة التي بدت واضحة من خلال مواقع تصوير هي غاية في الجمال والتعبير عن كل ثيمات الفيلم ومدلولاته. في واقع الأمر أن الدرادجي وهو الذي يسعى جاهدا لإبراز معاناة أبناء بلاده العراق عبر أفلامه تلك، يفعل أكثر من ذلك في فيلمه هذا. إنه يبدأ حملة يسعى من خلالها لجمع أكبر عدد من التوقيعات في عريضة يطمح لأن تشكل أداة ضغط تحرك المجتمع الدولي ليعطي أهمية أكبر وإحساس أعلى بمعاناة العراقيين.

لا يعيش الدرادجي في العراق، ربما لم ينشأ فيها أصلاً، تركها طفلا صغيرا، لكن إحساسه الشديد بمعاناة العراق وأبنائه، غيرته على سمعة البلد، حبه لأبناء وطنه سنة، شيعة، عرباً، أكراداً وكل من ينتمي للعراق. كل ذلك ترجمه في أعماله السينمائية التي لم تأتِ لتصنف أيا من أبناء العراق، أو لتلوم أو لتخذل طائفة في مقابل الأخرى أو عرقاً في مقابل الآخر. لم تتهم أفلامه أحداً، لم تتحامل على أي طرف. سخر فنه لخدمة شعبه لا للإساءة إليهم. مشاهدوه سيحبون العراق بكل تأكيد سيدعمون قضية شعبه حتماً. لن يخرج الناس مستاؤون من أي من عناصر الفيلم. قصصه بسيطة، يؤمن أن لا حاجة للمبالغة، موقفه محايد من طوائف الوطن. يحب العراق وطنا جامعا لأبنائه، لا يحب عراقاً شيعياً أو سنياً أو بعثياً أو عربياً أو كردياً.

رسالته الأخيرة في فيلم «ابن بابل» كانت خير ترجمة لحبه ذاك، قدم فيلم «طريق» هو غاية في التأثير في مشاهديه، استعان بممثلين غير محترفين، لكنهم عراقيون محبون للعراق. أبرز هؤلاء امرأة تعيش الدور مرتين، مرة في الفيلم حين تتقمص دور الجدة التي تفقد ابنها في أحد الحروب المجنونة التي خاضتها البلاد رغماً عنها. وقبل ذلك كانت هذه المرأة ولا تزال تعيش الدور ذاته، فهي فاقدة في واقع الأمر لزوجها. لا تعرف أي مقبرة تحتوي عظامه، ولربما كانت جولتها في الفيلم تستهدف أمرين، أن تنجز الدور الذي اتفقت مع الدرادجي على أدائه، وأن تواصل رحلة بحثها الحقيقية عما تبقى من زوجها.

الدرادجي الذي لا يمكنك إلا أن تحترم حبه الشديد وتعلقه بوطنه وتقديسه لكل ما هو عراقي، يأبى إلا أن يبهرك حين يقدم رسالة هي غاية في النضج والرقي يدعو فيها أبناء شعبه إلى المصالحة التي لا يجد سواها للعراق مخرجاً. هو في واقع الأمر ليس سوى فنان عراقي عاشق لبلاده

العدد 2855 – الخميس 01 يوليو 2010م الموافق 18 رجب 1431هـ