محمد الدرادجي…عراقي عاشق

منصورة عبدالأمير

ما يميز فيلم المخرج العراقي محمد الدرادجي «ابن بابل» وهو الثالث على قائمة أفلامه كمخرج، ليس فقط النقلة الكبيرة على مستوى الصورة والإخراج والحبكة أو «الحدوتة». هذه النقلة التي بدت واضحة من خلال مواقع تصوير هي غاية في الجمال والتعبير عن كل ثيمات الفيلم ومدلولاته. في واقع الأمر أن الدرادجي وهو الذي يسعى جاهدا لإبراز معاناة أبناء بلاده العراق عبر أفلامه تلك، يفعل أكثر من ذلك في فيلمه هذا. إنه يبدأ حملة يسعى من خلالها لجمع أكبر عدد من التوقيعات في عريضة يطمح لأن تشكل أداة ضغط تحرك المجتمع الدولي ليعطي أهمية أكبر وإحساس أعلى بمعاناة العراقيين.

لا يعيش الدرادجي في العراق، ربما لم ينشأ فيها أصلاً، تركها طفلا صغيرا، لكن إحساسه الشديد بمعاناة العراق وأبنائه، غيرته على سمعة البلد، حبه لأبناء وطنه سنة، شيعة، عرباً، أكراداً وكل من ينتمي للعراق. كل ذلك ترجمه في أعماله السينمائية التي لم تأتِ لتصنف أيا من أبناء العراق، أو لتلوم أو لتخذل طائفة في مقابل الأخرى أو عرقاً في مقابل الآخر. لم تتهم أفلامه أحداً، لم تتحامل على أي طرف. سخر فنه لخدمة شعبه لا للإساءة إليهم. مشاهدوه سيحبون العراق بكل تأكيد سيدعمون قضية شعبه حتماً. لن يخرج الناس مستاؤون من أي من عناصر الفيلم. قصصه بسيطة، يؤمن أن لا حاجة للمبالغة، موقفه محايد من طوائف الوطن. يحب العراق وطنا جامعا لأبنائه، لا يحب عراقاً شيعياً أو سنياً أو بعثياً أو عربياً أو كردياً.

رسالته الأخيرة في فيلم «ابن بابل» كانت خير ترجمة لحبه ذاك، قدم فيلم «طريق» هو غاية في التأثير في مشاهديه، استعان بممثلين غير محترفين، لكنهم عراقيون محبون للعراق. أبرز هؤلاء امرأة تعيش الدور مرتين، مرة في الفيلم حين تتقمص دور الجدة التي تفقد ابنها في أحد الحروب المجنونة التي خاضتها البلاد رغماً عنها. وقبل ذلك كانت هذه المرأة ولا تزال تعيش الدور ذاته، فهي فاقدة في واقع الأمر لزوجها. لا تعرف أي مقبرة تحتوي عظامه، ولربما كانت جولتها في الفيلم تستهدف أمرين، أن تنجز الدور الذي اتفقت مع الدرادجي على أدائه، وأن تواصل رحلة بحثها الحقيقية عما تبقى من زوجها.

الدرادجي الذي لا يمكنك إلا أن تحترم حبه الشديد وتعلقه بوطنه وتقديسه لكل ما هو عراقي، يأبى إلا أن يبهرك حين يقدم رسالة هي غاية في النضج والرقي يدعو فيها أبناء شعبه إلى المصالحة التي لا يجد سواها للعراق مخرجاً. هو في واقع الأمر ليس سوى فنان عراقي عاشق لبلاده

العدد 2855 – الخميس 01 يوليو 2010م الموافق 18 رجب 1431هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s