إنه الحب… إنها الأصالة

منصورة عبد الأمير

لطالما تساءلت عما يميز أعمال المخرج البحريني المتألق أحمد يعقوب المقلة عن سواها. منذ «سعدون» و«نيران» وصولاً لـ «ظل الياسمين» و«متلف الروح»، تبدو صورة المقلة مختلفة. حاولت كثيراً إيجاد سبب للعلاقة التي تولد بين المقلة وأعماله ولفيف كبير من جمهور، بحريني وخليجي، ولربما عربي، أخلص للمقلة منذ البدايات، تهافت على أعماله ثم تغنى بها وربما صنع منها إيقونة ومرجعاً. شخصياً لا أميل لمتابعة الدراما التلفزيونية لكن الأمر يختلف حين تزدهي الشاشة بإبداعات المقلة. كل الوجوه تبدو مختلفة في أعماله، شكلاً ومضموناً، ويظل تفسير ذلك غير ممكن بالنسبة لي. كذلك ظل الحال حتى كان لقائي مع المقلة الأسبوع الماضي. حينها أظن أنني عرفت السبب، ولربما بعضه أو جزءاً يسير منه.

للقاء معه سحر يشبه ذاك الذي تحمله أعماله، لكلماته قدرة على الوصول كما لأعماله التراثية والدرامية. لن تملك أن تدير رأسك أو عينيك فيما يتحدث كما لا تملك الأمر ذاته حين تبث أعماله. هل هي خبرة عشرين عاماً، أم إنها الرؤية الخاصة التي يحملها تجاه العمل الدرامي بشكل خاص والفني بشكل عام. أسأله فترتسم على وجهه ابتسامة رضا، ثم يجيب بل إنه الحب، للإخراج، للعمل الدرامي، ولطاقم العمل. يقول المقلة إن الحب ذاك جعل البعض يتهمه بالشللية، وإمعاناً منه في الإخلاص لحبه يدافع المقلة عن تلك «الشللية» معلناً تمسكه به مادام الأمر في صالح العمل الدرامي لكنه يؤكد رفضه لها حين يكون العكس حتى لو كان ذلك على حساب المقلة نفسه.

هو الحب إذن بكل ما يتضمنه من إخلاص ووفاء وتفانٍ في سبيل المحبوب. هو الحب بما يدل عليه من أصالة، والأصالة التي أعني هنا هي الأصالة بكل معانيها، وهي التي يغضب البعض تغنينا بها، ويعدوها خرافة، وأحاول عبثاً أن أقنع نفسي بكلامهم، لكن الحب الذي يمتلئ به حديث المقلة يأبى إلا أن يشعرني إياها. إنها أصالة البحرين، ومن غير زعل، فمن حق الشعوب الأصيلة أن تتغني بأصالتها. الأصالة تعني الانتماء الحقيقي، العمق، والثراء، الإخلاص، التفاني دون انتظار عائد أو مردود. الأصالة تعني أعمال مثل «نيران» و«سعدون» و«حزاوي الدار»، وهي قطعاً تعني أحمد يعقوب المقلة

العدد 2995 – الخميس 18 نوفمبر 2010م الموافق 12 ذي الحجة 1431هـ

«عشاء للبلهاء» والحسبة «الضايعه»

منصورة عبد الأمير

منذ أسابيع تلقيت اتصالاً هاتفياً من إحدى القارئات، اشتكت فيه من فيلم كان يعرض في واحدة من دور السينما البحرينية، كان عنوانه «عشاء للبلهاء «Dinner for Schmucks» كوميدي من بطولة ستيف كاريل وبول راد. اعتراض القارئة تركز حول إحدى طُرف الفيلم حين كان بطله يطلق على فأر تجارب اسم المسيح. بالنسبة إلى المتصلة لم يكن الأمر مقبولاً، وأظنه كذلك لكثير من القراء، ولمن شاهدوا الفيلم. المتصلة الفاضلة اعترضت على اختيارات شركة السينما لأفلامها، ووجدت أنه يجب احترام مشاعر الناس الدينية وسواها. في رأيها إطلاق اسم المسيح على فأر هو إهانة لا تغتفر وتعد على نبي من أنبياء الله وجرح لمشاعر المسيحيين وكل من يؤمن بنبوة المسيح.

وعدت القارئة خيراً، لكن ظروفاً طارئة منعتني من مشاهدة الفيلم؛ بل وحتى الكتابة. أستميح القارئة العذر.

لكنني في المقابل، شاهدت أفلاماً أخرى عرضت في داري العرض السينمائيتين تعرضتا للأديان بشكل ساخر، إما بطريقة مباشرة أو بنوع من التحايل الظريف حيناً والثقيل في أحيان كثيرة.

تذكرت المتصلة العزيزة أثناء مشاهدتي بعض تلك الأفلام، وتذكرت حنقها الشديد حال اتصالها، وتساءلت عما إذا كانت شركة السينما بالفعل هي من يجب أن تلام في جرحها لمشاعر متفرج هنا أو هناك.

وجدتني أضع قائمة بالأطراف التي يمكن أن يوجه لها اللوم، إن كان هناك ملامة وعتب. شركة السينما ربما ستكون على رأس القائمة لا لشيء إلا لأنها أقرب من يرد لذهن زائر السينما. الشركة بالطبع ليست مسئولة عن كل ما يرد في تلك الأفلام، واختياراتها في الواقع مرهونة بتحقيق أرباح تجارية أولاً وأخيراً وخاضعة لمتطلبات السوق، وما دام هناك جمهور يحب هذه النوعية من الأفلام، ولا يركز كما ركزت المتصلة، فلا بأس إذن. لكنها أيضاً، وأقصد الشركة، مسئولة عن تنويع اختياراتها. لماذا يجب أن نحصر ذوق المشاهد في الغث والسمين من أفلام هوليوود؟ والشركة تعرف أنها تساهم إلى حد كبير في صناعة هذا الذوق. يمكننا اللجوء لأفلام أخرى، السينما الإيرانية وسينما دول أميركا الجنوبية مثال جيد لسينما تناقش قضايا إنسانية بالغة الحساسية دون اللجوء لرتوش و«سخافات» هوليوود. ثم إن تخصيص صالة واحدة لفيلم غير هوليوودي لا أظنه يمكن أن يضر كثيراً؛ بل ربما يضيف إلى رصيد الشركة مساهمتها في الارتقاء بذوق جمهورها.

إن اخترنا ألا نوجه اللوم إلى شركة السينما، يمكننا أن نتوجه ببعض اللوم إلى جهاز الرقابة الذي يتابع الأفلام ويجيز ما يشاء منها ثم يمنع ما لا يشاء دون أن تتمكن الصحافة حتى من أن توجه له سؤالاً بشأن طبيعة أسباب المنع. جهاز الرقابة، في رأيي المتواضع، لا تتلخص مهمته في حذف المشاهد التي تتنافى وأخلاقياتنا وذوقنا وآدابنا فحسب؛ بل عليه أن يكون رقيباً على ما يخرج من أفواه الممثلين، ويمكن له كما يقتطع عبارات السباب الشديد أن يقتطع عبارات ازدراء الأديان كذلك.

وإن لم يكن هذا أو ذاك، فهل نلوم شركة الترجمة ومترجميها الذين يمكن لهم تخفيف وطأة العبارات التي تطلق، عبر التحايل في ترجمتها أو تحوير الكلمات وتخفيف معانيها وهو تحوير أجده منطقياً إن لم يكن شرعياً ومطلوباً. وجدت هذا ممكناً في بعض الأفلام التي شاهدتها أخيراً إما في دور السينما المحلية أو على شاشات الفضائيات.

ويبقى السؤال الأهم: إن لم يكن كل أولئك ملومين فهل نعتب على زوار السينما اختياراتهم!! باعتبار أنهم مخيرون لا مسيرون وأنه لم يمارس ضدهم أي نوع من أنواع الترهيب لدخول «عشاء البلهاء» أو سواه!!

وإن لم يكن أي من أولئك، فهل «تضيع الحسبة» ؟

العدد 2981 – الخميس 04 نوفمبر 2010م الموافق 27 ذي القعدة 1431هـ