«عشاء للبلهاء» والحسبة «الضايعه»

منصورة عبد الأمير

منذ أسابيع تلقيت اتصالاً هاتفياً من إحدى القارئات، اشتكت فيه من فيلم كان يعرض في واحدة من دور السينما البحرينية، كان عنوانه «عشاء للبلهاء «Dinner for Schmucks» كوميدي من بطولة ستيف كاريل وبول راد. اعتراض القارئة تركز حول إحدى طُرف الفيلم حين كان بطله يطلق على فأر تجارب اسم المسيح. بالنسبة إلى المتصلة لم يكن الأمر مقبولاً، وأظنه كذلك لكثير من القراء، ولمن شاهدوا الفيلم. المتصلة الفاضلة اعترضت على اختيارات شركة السينما لأفلامها، ووجدت أنه يجب احترام مشاعر الناس الدينية وسواها. في رأيها إطلاق اسم المسيح على فأر هو إهانة لا تغتفر وتعد على نبي من أنبياء الله وجرح لمشاعر المسيحيين وكل من يؤمن بنبوة المسيح.

وعدت القارئة خيراً، لكن ظروفاً طارئة منعتني من مشاهدة الفيلم؛ بل وحتى الكتابة. أستميح القارئة العذر.

لكنني في المقابل، شاهدت أفلاماً أخرى عرضت في داري العرض السينمائيتين تعرضتا للأديان بشكل ساخر، إما بطريقة مباشرة أو بنوع من التحايل الظريف حيناً والثقيل في أحيان كثيرة.

تذكرت المتصلة العزيزة أثناء مشاهدتي بعض تلك الأفلام، وتذكرت حنقها الشديد حال اتصالها، وتساءلت عما إذا كانت شركة السينما بالفعل هي من يجب أن تلام في جرحها لمشاعر متفرج هنا أو هناك.

وجدتني أضع قائمة بالأطراف التي يمكن أن يوجه لها اللوم، إن كان هناك ملامة وعتب. شركة السينما ربما ستكون على رأس القائمة لا لشيء إلا لأنها أقرب من يرد لذهن زائر السينما. الشركة بالطبع ليست مسئولة عن كل ما يرد في تلك الأفلام، واختياراتها في الواقع مرهونة بتحقيق أرباح تجارية أولاً وأخيراً وخاضعة لمتطلبات السوق، وما دام هناك جمهور يحب هذه النوعية من الأفلام، ولا يركز كما ركزت المتصلة، فلا بأس إذن. لكنها أيضاً، وأقصد الشركة، مسئولة عن تنويع اختياراتها. لماذا يجب أن نحصر ذوق المشاهد في الغث والسمين من أفلام هوليوود؟ والشركة تعرف أنها تساهم إلى حد كبير في صناعة هذا الذوق. يمكننا اللجوء لأفلام أخرى، السينما الإيرانية وسينما دول أميركا الجنوبية مثال جيد لسينما تناقش قضايا إنسانية بالغة الحساسية دون اللجوء لرتوش و«سخافات» هوليوود. ثم إن تخصيص صالة واحدة لفيلم غير هوليوودي لا أظنه يمكن أن يضر كثيراً؛ بل ربما يضيف إلى رصيد الشركة مساهمتها في الارتقاء بذوق جمهورها.

إن اخترنا ألا نوجه اللوم إلى شركة السينما، يمكننا أن نتوجه ببعض اللوم إلى جهاز الرقابة الذي يتابع الأفلام ويجيز ما يشاء منها ثم يمنع ما لا يشاء دون أن تتمكن الصحافة حتى من أن توجه له سؤالاً بشأن طبيعة أسباب المنع. جهاز الرقابة، في رأيي المتواضع، لا تتلخص مهمته في حذف المشاهد التي تتنافى وأخلاقياتنا وذوقنا وآدابنا فحسب؛ بل عليه أن يكون رقيباً على ما يخرج من أفواه الممثلين، ويمكن له كما يقتطع عبارات السباب الشديد أن يقتطع عبارات ازدراء الأديان كذلك.

وإن لم يكن هذا أو ذاك، فهل نلوم شركة الترجمة ومترجميها الذين يمكن لهم تخفيف وطأة العبارات التي تطلق، عبر التحايل في ترجمتها أو تحوير الكلمات وتخفيف معانيها وهو تحوير أجده منطقياً إن لم يكن شرعياً ومطلوباً. وجدت هذا ممكناً في بعض الأفلام التي شاهدتها أخيراً إما في دور السينما المحلية أو على شاشات الفضائيات.

ويبقى السؤال الأهم: إن لم يكن كل أولئك ملومين فهل نعتب على زوار السينما اختياراتهم!! باعتبار أنهم مخيرون لا مسيرون وأنه لم يمارس ضدهم أي نوع من أنواع الترهيب لدخول «عشاء البلهاء» أو سواه!!

وإن لم يكن أي من أولئك، فهل «تضيع الحسبة» ؟

العدد 2981 – الخميس 04 نوفمبر 2010م الموافق 27 ذي القعدة 1431هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s