في حوار مع أول مقدم للعروض الكوميدية في البحرين ..العرادي: أتجنب التابوهات والمحلية هي ما يميز عروضي

مدينة عيسى – منصورة عبدالأمير 

يعلم عمران العرادي جيدا أنه اتخذ واحدة من أكثر المهن صعوبة على الأقل في مجال الكوميديا، يعرف ان السوق المحلي، وقبله الشارع البحريني، لا يحملان تفاعلا كبيرا مع مفهوم العروض الكوميدية Stand up Comedy التي يقدمها منذ سنوات.

عمران العرادي، مقدم العروض الكوميدية، وهو أيضا الدي جي عازف الغيتار والمذيع على بحرين اف ام يقدم عروض الكوميديا منذ العام 2008، يؤمن تماما أن ذلك يجعله صاحب رسالة اجتماعية مهمة يزيد صعوبتها صغر السوق المحلية وعدم التقبل النسبي لمفهوم العروض التي يقدمها، يقول إن ذلك يجعل التحدي الذي يواجهه كبيراً.

«فضاءات الوسط» حاورت العرادي حول اسباب توجهه لهذا النوع من الكوميديا، تفاعل الجمهور المحلي مع عروضه تلك، واستشرافاته لمستقبل هذه المهنة في الخليج.

تقدم فنا مختلفا، لا يألفه الشارع المحلي، لماذا هذا النوع من العروض وما الذي جعلك تتوجه إليها؟

كوميديا stand up هي فن الوقوف أمام الجمهور والتمكن من جعلهم يضحكون بإلقاء نكات ذات صلة بثقافتهم. قد يبدو الأمر سهلا لكن في الواقع هذا النوع من الكوميديا صعب للغاية، ويتطلب سنوات من الخبرة تصبح فيها معروفا ومحبوبا من قبل الجمهور، كما انها أمر مثير للجدل فقد يحبك البعض فيما يكرهك آخرون.

نحتاج لأن نضحك، فالضحك هو أفضل علاج بل ربما العلاج الوحيد. اعتقد ان الكوميديا أمر مفيد جدا. هل تعرفين بأن حضور العروض الكوميدية يجعلك تضحكين كثيرا، أنت تضحكين منذ اللحظة الأولى التي يظهر فيها الكوميدي على المسرح حتى الوقت الذي ينزل فيه وحتى بعد ذلك. ينسيك ذلك الكثير من الهموم كما يعطيك تلك الاستراحة التي تحتاجينها بين وقت وآخر.

بدايتي جاءت مع عرض كوميدي قدمه عدد من أشهر مقدمي هذه العروض الأميركان من أصول عربية في البحرين. كان ذلك العام 2008 وقد طلب مني منظمو العرض أن أقوم بافتتاحه، وافقت على طلبهم لكني تفاجأت بأنهم يطلبون مني أن أكون مضحكا.

بالطبع كان أمراً صعبا بالنسبة لي فأنا لم أفعل ذلك مسبقا، نعم قدمت بعض العروض منذ أن كنت في 17 من عمري، لكن تلك العروض كانت عفوية، لم يطلب أحد مني شيئا. هذه المرة ارتعبت لكن الحمد لله افتتحت العرض بشكل جيد، صحيح أن تلك كانت أطول 30 ثانية في حياتي لكنني بعدها قررت أن أتفرغ لتقديم مثل هذه العروض.

كيف تنظر للأمر الآن، هل تعدها هواية، أم أنك تأخذ الأمر بجدية أكبر وتسعى لجعلها مهنة لك؟

الآن يمكنك أن تطلقي عليها هواية اتلقى عليها أجرا لكن أن أنظر إليها على أنها مهنتي فذلك صعب جدا فأنا واحد من البحرينيين القلائل الذين يعتبرون هذا النوع من الترفيه كعمل يتفرغون له مما يعني أنني انتظر تحصيل أجري من عرض لآخر. أنا الآن أقوم بتقديم وتنظيم عروض خاصة صغيرة، بعضها كبير كذلك العرض الذي نظمته في أبريل واستضفت فيه جيراني وحضره ما يقرب من الفي شخض. يمكنك القول إن الأمر الآن لا يتعدى كونه هواية اتلقى اجرا عليها، هل ستتحول الى مسار مهني، ذلك يتوقف على السوق البحريني. لايزال الناس يحاولون تقبل فكرة أن يكون هناك بحريني يعتاش على أن يكون كوميديا. وربما يتخذ الأمر اتجاها مختلفا بأن أتخذ مهنة تدعمها خلفية عملي ككوميدي.

ألا تعتقد أنك تسلك الطريق الأصعب الذي لا يسلكه سوى قلائل، من السهل إبكاء الجمهور لكن أن تضحكهم فهذا صعب جدا، ما الذي جذبك لتقديم هذا النوع من الكوميديا؟

بل هو الطريق الذي لا يتخذه أحد، كل ذلك يعتمد على الشخص وأنا أحب تقديم هذا النوع من العروض مذ كنت طفلا صغيرا حين كنت أتابع عروض إيدي مورفي الكوميدية ولاأزال حتى اليوم. كنت أقوم بحفظ كل نكاته وأقدمها في المدرسة كما لو كنت هو وكنت أحلم باليوم الذي أصبح فيه كوميديا. منذ خمسة أعوام لم يكن أحد يتقبل فكرة أن يأتي هذا النوع من الكوميديا الى البحرين كان ذلك أمرا مستحيلا، المضحك هو أنه في العام 1999 طلب مني صديق والدي أن أقدم عرضا كوميديا لكني رفضت الأمر إذ شعرت بأن الأمر غبي. أتذكر بعد ذلك بست او سبع سنوات كنت في دبي اقدم عرضا في برنامج كوميدي، حينها علم صديق والدي بالأمر فاتصل بي وقال ألم أخبرك أنك كوميدي. أعتقد أنه إما أن يكون لديك الحس الكوميدي أو لا هناك أشخاص ظرفاء بشكل طبيعي هم لا يقصدون أن يكونوا كذلك لكن الكلمات التي تأتي من فمهم والتعبير الذي يرسم على وجوههم كلها تجعلك تضحك. الصعود الى المسرح وتقديم هذه النكات هو ما يجعلك كوميدياً لأنني أعرف أشخاصاً ظرفاء جدا ولكن لو طلبت منهم أن يرتقوا المسرح ويطلقوا النكات فلن يتمكنوا من عمل ذلك لأن ذلك هو فن أخذ التفاصيل الصغيرة وجمعها ثم تقديمها كنكات.

كيف تجد تقبل الشارع المحلي لفكرة كونك بحرينياً تقدم عروضاً كوميدية؟

بالطبع هناك نسبة من البحرينيين ممن يتفهمون الكوميديا ويحبونها، هؤلاء يحضرون جميع العروض الكوميدية وهم مغرمون بها، وهناك أيضا بحرينيون لا يستوعبون فكرة أن ترتقي المسرح وتبدأ بإطلاق النكات، وربما يعتبرون الأمر مدعاة للسخرية. من واقع تجربتي أجد أن السوق البحريني بدأ يزداد وعيا بهذا الأمر. يتطلب الأمر وقتا لكن إذا واصلنا توعية السوق المحلي بماهية هذا النوع من الكوميديا فلاحقا سوف يفهم الآخرون ما هي هذه الكوميديا. المجال جديد نسبيا لذا فإننا بحاجة لعام واحد أو اثنين لكي يصبح لنا وجود في السوق لأن السوق البحريني صغير جدا ففي كل مرة نرتقي فيها المسرح علينا أن نلقي نكات جديدة وهذا هو التحدي الذي يخلقه السوق البحريني مقارنة بالسوق في أي مكان آخر، فحين أقدم عرضا في البحرين وأقوم بإلقاء نكتة فهناك أولا الاحتمال الأكبر بأن نفس الأشخاص الحاضرين في العرض هم نفسهم الذين كانوا حاضرين في العرض السابق فإذا بدأت في إلقاء نفس النكات سوف يصيبهم الاحباط. الأمر يتطلب بعض الوقت لظهور المزيد من الكوميديين، هناك حاجة لتسليط الضوء بشكل أكبر على الكوميدين الموجودين، حاجة لأن يزدادوا خبرة وهذه احدى المشاكل التي يواجهون، ليس هناك فرص كثيرة للكوميدين المحليين لأن يرتقوا المسرح ويقدموا نكاتهم للجمهور، ما سوف أفعله الآن هو أنني سأقوم بتنظيم عروض محلية للكوميدين البحرينيين، وقد فعلت هذا سابقا وكانت الاستجابة جيدة ورائعة.

ما هو الاسلوب الذي تستخدمه، هل ترتكز نكاتك على الأعراق المختلفة وربما الايحاءات الجنسية أو الأمور السياسية؟

في البحرين هناك موضوعات لا يمكننا التطرق إليها، أذكر أنه قبل تقديمي لعرضي الكوميدي الأول تم التأكيد علي من قبل المنظمين بعدم الخوض في موضوعات تتعلق بالسياسة والجنس والدين. وأنا أتفق مع هذا الرأي تماما لأن السياسية والجنس والدين هي الموضوعات الأسهل التي يمكن اللعب عليها، وهكذا فحين تضع هذه الاشتراطات على أي كوميدي وينجح فعلا في تقديم كوميديا فهذا أمر يميزه. وهكذا منذ البداية فضلت أن ألتزم بهذه القواعد وألا أقترب من هذه الموضوعات الثلاثة. أستخرج نكاتي من المواقف اليومية التي تحدث لي يوميا، استطيع ان استخرج طرفة من هذه المواقف.

فهل تعتمد كوميديا الموقف إذن؟

نعم كوميديا الموقف وكوميديا مأخوذة من حقائق الحياة مثلا أحد أوائل النكات التي قدمتها تدور حول الكيفية التي نشأت بها فانا نصف بحريني نصف باكستاني وهكذا فقد نشأت بين ثقافتين مختلفتين وهو بالنسبة لي أمر مليء بالتحديات فأنا كنت محتاراً إذ إني لم أكن واثقاً أين أنا ومن أين أتيت. كذلك فإنني أتحدث في عروضي عن تجاربي الخاصة في مختلف الدول التي أدعى لتقديم عروض فيها. أول ما أفعله حين أسافر لأي بلد وحال دخولي سيارة الأجرة هو أن ألاحظ كل شيء حولي ثم استخدم كل تلك الملاحظات والمشاهدات في عرضي. ربما ألاحظ أشياء اعتيادية للناس في البلد الذي أزوره كما حصل لي في السعودية في العام الماضي حين تحدثت عن تجربتي في شوارع السعودية. النكتة يمكن أن تأتي من أي شيء ومن أي مكان ليس ضروريا أن تكون متعلقة بالجنس أو السياسة أو الدين لأن هذه الموضوعات الثلاثة تمثل أسهل الموضوعات المعتمدة لإطلاق النكات بالنسبة لي لكنها لن تميزني عن أي كوميدي آخر، كما أنني أسعى دائما لأن أقدم كوميديا تناسب جميع أفراد العائلة.

ما الذي يميز الكوميديين في رأيك وهل هناك كوميدي جيد وآخر سيئ؟

نعم مفهوم الكوميدي الجيد والسيئ يمكن استخدامه في هذا المجال فمن تجربتي الخاصة وبما أننا في البحرين ليس لدينا مرشد في مجال الكوميديا يمكن له أن يحدد الكوميديا الجيدة من السيئة، فإنه يتوجب علي أن أتعلم بنفسي كيف أفرق بين الكوميدي الجيد والكوميدي السيئ. تعرضت لمواقف كنت اطلق فيها النكات ولم يكن أحد من الجمهور يضحك وأعتقد أنك لا تصبح كوميديا حقيقيا ما لم تتعرض لذلك الموقف لأنك إذا تجاوزت هذا الموقف وعدت للوقوف على المسرح فإن هذا ينبئ بالكثير عنك وهكذا من تجربتي السابقة التي تمتد حتى العام 2008 الكوميدي الجيد هو الشخص الذي يستطيع أن يرتقي المسرح وينسى ما يمر به ويستطيع أن يخلق رابطاً مع الجمهور أي أن يستخدم موضوعات يفهمها الجمهور وبالطبع لا يعني هذا اتباع الطريق الاسهل باللجوء للسياسة والدين والجنس.

ألا تحتاج لأن تفهم جمهورك أكثر، تتعرف على ثقافتهم لتتمكن من أن تحقق ذلك الارتباط معهم؟

حين يطلب مني تقديم عرض لجمهور في الخارج فإن أول ما أفعله هو أن أقوم بدراسة المنطقة والاطلاع على ثقافتها وبعدها أفضل أن أكون في البلد قبل العرض بفترة، لنقل في يوم سابق للعرض لأتمكن من التعرف على البلد وبناءً على هذه الخبرة أستطيع أن أطلق نكاتي أو أن أتحدث عن تجربتي في البلد بطريقة مضحكة.

وعموما الأمر ذلك يعتمد على الكوميدي نفسه، جزء كبير من قدرتك على أن تصبح كوميديا هو أن تكون لديك قدرة على الارتجال على المسرح، واطلاق الكوميديا دون اي تحضير، أنت فقط ترتقي المسرح وتتحدث. بعض الكوميديين متمكنون بحيث إنهم لا يحتاجون لأن يحضروا نكاتهم، فقط يرتقون المسرح ويطلقون النكات بشكل ارتجالي. تعرضت لموقف كنت فيه منظما للعرض وكنت أقدمه أيضا وهكذا كنت مشغولا جدا بالاهتمام بالصوت بالمسرح بالكوميدين الآخرين، بما اذا كان هناك بيع جيد للتذاكر أم لا ولم يكن لدي وقت لكي أحضر النكات لكني حين صعدت الى المسرح توجب علي ان استحضر النكات وقد تمكنت من هذا الأمر. بالطبع لا أنصح الآخرين بفعل ذلك فأي شخص يريد أن يكون كوميديا عليه أن يحضر نفسه وذلك دائما هو الوضع الأفضل لكن في بعض الأحيان وحين يرتقي الكوميدي المسرح وينجح في تقديم عرضه بدون أي تحضير فهذا ما يميز كوميدياً عن الآخر.

هل هناك سمات مميزة للكوميدين في الخليج وهل هناك مدارس واتجاهات لهذا النوع من الكوميديا؟

الكوميديا تأتي في أشكال عديدة ولها مدارس مختلفة ونحن في الخليح لدينا مقدمو عروض كوميديا من البحرين وقطر والسعودية والكويت وعمان قريبا، وأجد أنه مع ظهور المزيد من مقدمي هذا النوع من العروض فإن ساحة الكوميديا ستكون أفضل بكثير وحينها سنكون قادرين على التمييز بين الاسلوب البحريني والكويتي او السعودي اما الآن فإن الأمور متشابهة نسبيا، والأمر صعب.

هل تتفق معي بأنك ككوميدي تقدم رسالة مهمة، لا تتوقف على الضحك، هل ترى لك دوراً أكبر من اضحاك الناس؟

نعم بالطبع الأمر لا يتوقف على جعل الناس يضحكون، أولا الأمر يعتمد على الارتباط بالجمهور حال وقوفك على المسرح ثم القاء النكات ذات العلاقة بهم لايصال رسالة معينة لهم، مثلا إحدى نكاتي تتعلق بصعوبة أن تكون كوميديا في البحرين، ما أردت قوله للناس هو انني شخص محترف وأنا أنظم البرامج واروج للمواهب واطورها في العديد من الدول. الأمر بالنسبة للبعض يبدو مثل نكتة وهذا ليس ما أفعله أنا لا أجعلكم تضحكون فقط أنا أقدم رسالة وهي رسالة مهمة.

هذا النوع من الكوميديا قائم في العادة على السخرية من الأنماط الاجتماعية. لا أعرف كيف تفعل ذلك دون أن تجعل الآخرين يشعرون بحساسية أو إهانة من نكاتك، في البحرين مثلا نحن نعيش في وقت تتصارع فيه الهويات وتحاول ان تظهر وأن تثبت حضورها ألا يقلقك ذلك؟

في العادة يجب أن يكون هناك شخص لا يحب نكاتك ويشعر بالاهانة منها لكن مادمت لا أقصد انتقاص عرق ما أو التقليل من شأنه أو أن أضع نفسي في مكانة أعلى من الآخرين فذلك ممكن كما ان حقيقية ان نصفي بحريني يعطيني ضوءاً أخضر. أنت لن تريني اطلق نكتة عن رجل صيني مثلا كما أن هناك دائما طريقة لجعل النكتة غير مهينة ولكن كما قلت دائما سيكون هناك أشخاص يشعرون بالاهانة من نكاتي وهذا أمر يصعب التحكم به. قد تستغربين حين أخبرك أن بعض نكاتي عن البحرينيين اعطتني شعبية كبيرة لارتباطها بالناس وهذا أفضل ما في الأمر.

هل ترى مسقبلا لهذا النوع من الكوميديا في الخليج؟

سيتطلب الأمر وقتا لكن علينا ان نثقف الناس والسوق بهذه الكوميديا، فكرتها وفكرة أنه إذا تمكنا من الضحك على أنفسنا فسوف نتمكن من الضحك معا.

في احدى المرات قدمت عرضا اطلقت فيه نكات عن الهنود والباكستانيين لجمهور من الهنود والباكستانيين وأعلم أن هذا الأمر لم يكن أو سيكون ممكنا لو قدمت عرضي قبل 30 سنة من الآن، ربما تسبب عرضي في اندلاع حرب. ما أريد قوله هو أنني اذا استمريت في تقديم العروض فسوف يتفهم الناس ما اقدمه.

العدد 3030 – الخميس 23 ديسمبر 2010م الموافق 17 محرم 1432هـ

«بدنا نتنفس حرية»

منصورة عبد الأمير

هل تساءلتم قط لماذا يعاقب الأطفال في المجتمعات الغربية باحتجازهم، في حين نعاقب أطفالنا أو أبناءنا أو بعضنا الآخر بالطرد أو الفصل أو الإقصاء، ما شاء لكم تسميته، من فصول الدراسة، من غرف المنزل، من المنزل بأكمله، من المجتمع الصغير أو الكبير، وربما من الوطن بأسره.

هل للأمر علاقة بالطريقة التي نفكر بها، بالكيفية التي صاغت بها طريقة تكفيرنا تلك عقولنا وثقافتنا ومن ثم سلوكياتنا وموقفنا من الحياة وإشكالاتها. أظن ذلك، وليس أدل من أسلوب عقابنا!!

حين يحتجز الغرب المتمردين صغاراً كانوا أم كباراً فإنه يحرمهم حق الخروج للحياة الأوسع واكتشاف أو استكشاف الكون. إنه يحرمهم حق معرفة الأشياء حق أن يعيشوا فوضى، قد تنتهي لأن تكون فوضى خلاقة، حق أن يدمروا الأشياء بطريقة قد تخلق واقعاً أجمل. باختصار، إنه يحرمهم حق أن يكونوا مبدعين، وهو حق ربما يتوجب إضافته نصاً إلى هرم ماسلو للحاجات الأساسية وليس الاكتفاء بافتراضه متضمناً في حاجة تحقيق الذات، أو ربما ينبغي للأمم المتحدة إضافة بند خاص به، صريح بالطبع، في إعلانها العالمي لحقوق الإنسان.

تطرد مجتمعاتنا من يحاول خلق أي فوضى، لا تستثمر طاقة التمرد تلك التي قد تفضي إن أحسن استغلالها وتوجيهها إلى طاقة إبداع وتغيير نحتاجه اليوم ونحن نمر بأوضاع عربية بالية رثة. نعلم أن المطرود، غير المرغوب، المعزول، المنفي، المقصى، لن يحسن استغلال طاقة تمرده تلك، وإن حاول، إذ لا نحمل كشعوب الوعي الكافي لذلك، وإن حدث ذلك ستقف كل أنواع السلطات المجتمعية، سياسية دينية اجتماعية ثقافية، له بالمرصاد. ستقمعه تلك السلطات، تخنق أي طاقة للحياة لديه، تنسف رأسه وتخلص العالم بأسره من أفكاره الشيطانية التخريبية التضليلية البدعية (وليست الإبداعية) المنحرفة الشاذة الدخيلة على مجتمعاتنا. ربما يصل الأمر للدخول في نظرية المؤامرة فيكون من يحاول اتخاذ طريق آخر غير ما ترتأيه السلطات بكل أنواعها، عميلاً، ربما مزدوجاً، وخائناً للدين والوطن والعروبة.

نؤمن بتقديس الثقافة الجمعية مهما بليت وأكل الزمان وعليها شرب ثم «بصق» وليعذرني قارئي على استخدام هكذا عبارة، لكن للضرورة أحكام، ولضرورة المرارة أحكام أشد تسامحاً. نؤمن أيضاً؛ بل نصر على، ضرورة تطبيق النظام أي نظام، حتى لو تطلب الأمر خلق النظام الخاص بنا، فهناك نظام الدولة، نظام المجتمع، نظام العرق، نظام الطائفة، وقائمة طويلة من الأنظمة والقوانين واللوائح التي لن يكون نصيبك من محاولة مناقشتها، وليس كسرها، سوى العزل والطرد والنفي وربما رسائل الشتيمة والانتقادات الساخرة اللاذعة واتهامات بحملك لكل ما هو مخالف للذوق المجتمعي ولتوقعات وتقوقعات أبناء مجتمعك!!

العدد 3009 – الخميس 02 ديسمبر 2010م الموافق 26 ذي الحجة 1431هـ