روائي بحريني يشارك في أنيمي أوروبي يتناول معاناة الشعب العراقي… فريد رمضان: فيلم «قاطع الزهور» ينقل صورة العراقيين بشكل دقيق

الوسط – منصورة عبدالأمير 

شارك الروائي والسيناريست البحريني فريد رمضان في فيلم أنيمي إسباني يتناول معاناة الشعب العراقي وما تعرض له هذا البلد على أيدي القوات الأميركية. ويصور فيلم «قاطع الزهور Daisy Cutter» تلك المعاناة من خلال قصة طفلة عراقية اسمها زهرة تعودت أن تقطف الزهور في كل يوم من أحد المتنزهات في بغداد، لكنها تفاجأ بالغزو الأميركي لبلادها.

ويوضح رمضان بأن اسم الفيلم مأخوذ من قنبلة تعرف بالاسم نفسه، وكانت القوات الأميركية تلقيها على الفيتناميين في حربها مع فيتنام وهي قنبلة تحول الأخضر إلى يابس وتحرق الأراضي الزراعية. الأميركان استخدموا القنبلة ذاتها في غزوهم الأخير للعراق لتدمير الشعب العراقي. وعبر مناقشتي مع المخرجين توصلنا إلى أن نجعل اسم الفيلم ديزي كاتر أو قاطع الزهور ثم نضمنه تصريحاً يوضح الأمر في نهاية الفيلم».

وحول مشاركته في العمل يوضح رمضان: «مشاركتي الأساس كانت في أعمال الترجمة، كما قدمت للمخرجين أنريكو غارسيا وربين سالازار الكثير من الملاحظات الفنية حول كل ما يتعلق بالشأن العربي العراقي، وذلك من أجل تقديم صورة صحيحة ومطابقة لواقع العرب والعراقيين وخصوصا فيما يتعلق بطريقة اللباس، وبأمور أخرى تتعلق بتصوير المساجد والمنازل وما شابه».

ويضيف رمضان «اطلعت بداية على سيناريو الفيلم، بعدها قمت بالاطلاع على كل رسوم الانيمي التي تظهر أياً من ملامح المجتمع العراقي كالرسوم التي تصور المساجد أو المنازل أو حتى اللباس العربي. قمت بمراجعة كل تلك التفاصيل لأضمن مطابقتها مع الواقع العربي، كما قمت بمراجعة التصريح الذي وضعه المخرجان في نهاية فيلمهما والذي عبرا من خلاله عن موقفهما تجاه تدمير الإنسانية أياً كانت هويتها».

فريد يرى أن مشاركته في الفيلم الذي كتبه انريكو غارسيا: «تجربة جميلة أن أعمل مع شركة محترفين في مجال صناعة الأنيمي ومن خلال شركة متخصصة هي شركة سيلفر سبايس الإسبانية. هذه التجربة تفتح لي آفاقاً كبيرة وذلك من خلال حضوري في عمل سينمائي تنتجه شركة إنتاج أوروبية».

فريد عبر عن اعتزازه الشديد بهذه المشاركة لما يقدمه الفيلم من رسالة إنسانية راقية تخدم الشعب العراقي: «لولا ذلك لما شاركت، بل بالعكس أصررت على المشاركة بحماس لكي لا تظهر بعض الأمور المغلوطة، فرسالة الفيلم الإنسانية والمعادية للحروب تعبر عن توجهاتي الشخصية».

بالنسبة للشركة يرى فريج أن مشاركته «ضمنت تقديم الفيلم بشكل دقيق فنياً يتجاوز الأخطاء التي ترتكب في كثير من الأفلام الأجنبية في معرفة الآخر وخصوصاً العرب».

العدد 3065 – الخميس 27 يناير 2011م الموافق 22 صفر 1432هـ

تألق في العرض القطري «مجاريح» بمهرجان المسرح بالدوحة… سويد… قلق، متحمس، مجتهد، رسام مبدع ولا يأبه للفوز كثيراً

الوسط – منصورة عبدالأمير 

لم تحصد مملكة البحرين كثيرا من الجوائز في الدورة الحادية عشرة لمهرجان المسرح الخليجي الذي أقيم في العاصمة القطرية الدوحة في الفترة 22-28 ديسمبر/ كانون الأول الماضي وذلك ضمن فعاليات الدوحة عاصمة للثقافة العربية 2010. رغم ذلك فقد كانت المشاركة البحرينية، بشهادة جميع من حضر المهرجان متميزة، ولعل أبرز ما تميز فيها، المشاركة الرائعة للفنان عبد الله سويد في العمل القطري «مجاريح» وهو العمل الذي حصد بجدارة يشهد لها الجميع معظم جوائز المهرجان. سويد تألق بشكل شهد له به معظم من حضروا العرض القطري تقريباً، كثيرون توقعوا له جائزة أفضل ممثل لكنها ذهبت للفنان القطري علي ميرزا الذي شاركه بطولة العمل والذي كان هو الآخر لا يقل تألقاً عن سويد.

لكن سويد لم تقلقه كل التكهنات، لم يزعجه ألا يحصد أي جائزة، أعلن موقفه بصراحة وكرر أن فوز «مجاريح» كأفضل عرض متكامل هو الفوز الحقيقي له، وأضاف بأن «هناك الكثير من الكلام حول النتائج إذ يرى البعض أن «مجاريح» ليس أفضل عرض وان هناك عروضاً أخرى تستحق الجوائز التي حصل عليها هذا العمل. في المقابل يرى البعض أن جائزة السينوغرافيا كان من الواجب أن تذهب إلى «مجاريح» ويرى آخرون أنه كان يجب أن يحصل سويد على جائزة أفضل تمثيل وأنا أقول إذا كان لي نصيب في أي جائزة فسوف أحصل عليها عاجلا أم آجلا، ثم أن جائزتي الكبرى هي في الإشادات التي حصلت عليها من الجمهور وأثناء الندوة التطبيقية، بالإضافة للإشادات التي وصلتني من كثير من المشتغلين في الوسط الفني حتى أصحاب العروض المرشحة والمنافسة لعرض «مجاريح».

ويواصل سويد «ناهيك عن ذلك حصل العرض على جائزة الشارقة كأفضل عرض متكامل، كان هذا طموحنا جميعاً في طاقم العمل، وكنا متفقين بأن نسعى في هذا الاتجاه. لقد اجتهدنا في التدريبات بشكل كبير لدرجة أننا كنا نتدرب في جو بارد في ساحة مكشوفة بإحدى المدارس حين كان المسرح مشغولاً».

إشادات وأداء مقنع = فوز حقيقي

حصد سويد جائزة أم لم يحصد، الأمر سيان بالنسبة له، وقضية الجوائز شكلية رغم كل شيء، فهذا الفنان البحريني الطموح المتمكن من أدواره حداً يشبه الإتقان، سعيد بكل الإشادات التي حصل عليها من الجميع لأدائه المتقن، واثق من أن ذلك يعني تمكنه من إيصال الشخصية بصورة أثرت في كل من شاهد العرض تقريبا. يقول سويد «مجاريح» محطة مهمة لي بالنسبة لي، لا استطيع أن أقول إن هذا أقوى وأفضل ما عندي على الإطلاق فلدي طموح بتقديم الأفضل في المستقبل، لكن يمكنني القول إنني قدمت أفضل ما لدي في هذا الفترة. أتمنى أن أكون قدمته بالصورة المطلوبة، وأنا شخصياً راضٍ عن أدائي في العمل، وعن العمل ككل على رغم التغيير الذي حدث في بعض الشخوص، ما جعلنا ندخل مرحلة قلق من دخول التحدي على جوائز المهرجان، لكن ما حدث هو أننا وقعنا أمام تحدٍ من نوع خاص رفع إيقاعنا جميعاً وجعل عملنا أكثر جودة».

يشار إلى أن مسرحية «مجاريح» عرضت للمرة على مسرح قطر الوطني للمشاركة في احتفالية الدوحة عاصمة للثقافة العربية 2010 ثم تم عرضها مرة أخرى أمام لجنة اختيار النصوص لمهرجان المسرح الخليجي، ويشير سويد إلى أنه «في العروض الأولى كان الفنان غازي حسين هو الذي يقوم بدور النوخذه وقد كان له حضور طاغٍ وأداؤه هو ما جعل عملنا يرشح للمشاركة. بعدها حل محلة الفنان علي ميرزا الذي كان على قدر المسئولية وتمكن من أن يحقق جائزة أفضل ممثل دور ثانٍ».

حماس منقطع النظير

قد يكمن السر في التميز لدى سويد في القلق والحماس اللذين اعترياه منذ البداية ومنذ الاتصال الذي تلقاه من مخرج العمل ناصر عبدالرضا في شهر يوليو/ تموز الماضي «حدثني ناصر عن النص وقال إنه يراني في دور فيروز، وصف لي الدور بالجميل. ملأني ذلك حماساً ثم تزايد حماسي بعد قراءة النص فهو مكتوب بشكل جميل، هو في الواقع من أجمل النصوص التي قرأت، كاتبه إسماعيل عبدالله يعتني كثيراً بالكلمة، كلماته لها جرس وإيقاع جميلان يجعلانك تتلذذ وأنت تلقيها وتكررها. لقد شعرت بكل كلمة ألقيتها ولذا أحببت النص».

ويواصل «حقيقة لاحظ مخرج العمل حماسي للدور منذ أول البروفات، وعبدالرضا لمن لا يعرفه هو من المخرجين الذين يحببون الفنان في العمل بسبب أسلوبه الودي في التعامل».

ولعل ما زاد حماس سويد اشتعالاً هو ذلك الجو الودي المحبب الذي تمكن المخرج وطاقم العمل جميعاً من أن يخلقوه أثناء التدريبات «قمنا بعمل التدريبات الأولى في مقر الفرقة وهو عبارة عن صالة صغيرة… كنا نجتمع فيها يوميا وكان عددنا كبيراً. عشرة إيقاعيين ومغنيين مع فاطمة شداد والممثلون جميعا لدرجة أننا حين انتقلنا إلى المسرح شعرنا أن خطواتنا أصبحت كبيرة. خلق هذا نوع من الألفة بيننا واكسبنا كفريق عمل علاقة غير عادية فاندمجنا مع بعضنا البعض. في الواقع كنت قلقا في البداية من ألا يحدث ذلك، ومن أن أواجه مشكلة في التفاهم مع طاقم العمل، وخاصة أن العلاقة يجب أن تكون قوية بيني وبين الزوجة «نهاد عبدالله» وكذلك مع البنت «فوز الشرقاوي». كنت قلقاً ألا يتم تقبلي، لكن الحمد الله انكسر هذا الحاجز منذ البداية ووجدت لدى جميع أفراد طاقم العمل اهتماماً متميزاً وغيرة بريئة وجميلة على العمل».

وقلق متزايد

ذلك الحماس صحبه قلق كان يتزايد يوماً بعد آخر»كنت قلقا جدا، أولاً لأنني أقدم العمل خارج البحرين، ثم إنني أشارك في مهرجان خليجي وهو أمر لم أفعله منذ سنوات. بعدها تزايد قلقي حين علمت أن العرض سيقدم ضمن احتفالية الدوحة عاصمة للثقافة العربية 2010، وإنه مرشح لدخول مهرجان الفرق المسرحية الأهلية بدول مجلس التعاون الخليجي. وعلى الرغم من أن حجم المسئولية حينها أصبح أكبر، إلا أن المتعة لم تنقص».

«المشكلة التي واجهتها تمثلت في قدرتي على حفظ النص فأنا لم أكن معتاداً على حفظ حوار فيه هذا القدر من السجع، وحتى المفردات كانت مستخدمة بشكل مميز لم يمر علي قبل هذا. في الواقع كنت أريد الالتزام بشكل تام بالنص، لم أرغب في تبديل الكلمات والمفردات بما هو أسهل منها في الحفظ وربما زاد ذلك من صعوبة الأمر بالنسبة لي».

قلق المبدعين… شخبطات ورسوم

لكن هذا القلق هو في الواقع قلق مبدع جعل سويد يلجأ لمهارات ومواهب أخرى فاجأنا بذكرها «استعددت للمسرحية بشكل كافٍ لدرجة أني كنت أحاول أن أعبر عن الحالة التي يفترض مني تقديمها عن طريق الرسم، فأنا من محبي الرسم وكنت أرسم صوراً وأشخبط عبارات تنقلني لما يجب أن تكون عليه حالة الشخصية التي أقدمها في هذا المشهد أو ذاك. لقد ساعدني هذا بالفعل على حفظ ما وجدته صعباً من عبارات ومفردات».

لمسات كاتب متميز ومخرج مبدع

لا يعود إعجاب سويد بالنص لمفرداته وعباراته ذات السجع الجميل وحسب بل إلى ما اختاره الكاتب الإماراتي إسماعيل عبدالله من فكرة لنصه ذاك «كثير من النصوص ناقشت موضوع العبودية، لكن هذا النص أخذنا إلى قضية ابعد من ذلك حين تطرق إلى موضوع الحرية التي ناقشها في ثلاثة أشكال هي حرية اختيار البنت ورغبة الأب في التحرر من العبودية ثم الحرية في العودة إلى مسقط رأسه».

«هذه ليست المرة الأولى التي تعالج فيها مسألة الحرية والعبودية في النصوص الخليجية، لكنها هذه المرة قدمت بإطار مختلف من قبل الكاتب، ثم عرضت باجتهاد متميز من قبل المخرج ناصر عبدالرضا، ففي النص الأصلي كان فيروز هو العازف الوحيد الذي يعزف على آلة الهبان، لكن ناصر احدث بعض التغييرات فأدخل الفنان القطري محمد الصايغ الذي يملك طاقة جميلة، وهو قادر على الغناء والتمثيل وقد توقعنا أن يحصل على شهادة تقدير أو جائزة في المهرجان لأنه نواة لفنان شامل قادر على العزف والغناء وكان بحثه وجهده واضحين حول الفنون الشعبية التي قدمها العبيد في منطقة الخليج العربي مثل الطنبورة والليوة».

ويشير سويد «لمسات ناصر هي ما زادت من تميز النص، والكاتب اسماعيل عبدالله يشهد بذلك وقد أبدى إعجابه بالعمل ووجد العرض القطري أجمل حتى من العرض الذي قدم في الإمارات للعمل ذاته. هذه شهادة نعتز بها ونفخر بالحصول عليها على الأقل لأن كتّاب النصوص في العادة لا يوافقون على إحداث أي تغييرات على نصوصهم».

توقعت فوز «فوز»

وفيما إذا كان له دور في اختيار الفنانة فوز الشرقاوي التي حصدت جائزة أفضل (ممثلة دور ثانٍ) وذلك للقيام بدور ابنته بعد اعتذار الفنانة العمانية غادة الزدجالي التي قدمت الشخصية في العرضين الأوليين لعمل «مجاريح» يقول سويد «نعم، رشحتها للعمل وخصوصا أن فوز قامت بحضور دورات في المسرح في بريطانيا وشاركت مسبقا في مسرحية «عذاري» التي دخلت المنافسة في مهرجان المسرح في البحرين، كما شاركت في مهرجان المسرح التجريبي في مصر وحققت نجاحاً جميلاً في المرتين، لدرجة أن بعض حضور العرض في مصر يتذكرونها حتى اليوم».

ويضيف «أعرف أن فوز تملك طاقة جميلة كما ان شكلها مناسب للدور. بالنسبة لها فقد أعجبت بالنص منذ البداية، وأدت الدور بشكل مميز رغم أنه أول دور لها في عمل شعبي، وحقيقة تمنيت حصولها على جائزة في المهرجان وأخبرتها بذلك وخصوصا أني كنت أجدها تستحق جائزة عن أدائها في مسرحية «عذاري». أنا الآن سعيد جداً بفوز فوز وأعتبره فوزاً لي».

يشار إلى أن المشاركة البحرينية في العرض القطري «مجاريح» الذي فاز بعدد من جوائز المهرجان تمثل أهمها في جائزة الشارقة لأفضل عرض متكامل، تمثلت في الفنان عبدالله سويد والفنانة فوز الشرقاوي وعشرين شاباً شاركوا المغنية القطرية فاطمة شداد تقديم وصلات غنائية شعبية ازدهى بها العمل القطري وتكامل.

العدد 3058 – الخميس 20 يناير 2011م الموافق 15 صفر 1432هـ

على هامش معرض «السجنجل» الذي نظمه بجمعية البحرين للفن المعاصر…الشيخ: لا توجد لدينا حركة تشكيلية في الخليج وأوهام الفنانين لم يعد لها أيُّ رنين

الجفير – منصورة عبدالأمير 

لا يؤمن الفنان التشكيلي أنس الشيخ بوجود علاقة وثيقة بين الدال والمدلول في أي عمل فني، يرى أن العمل الفني قابل لقراءات متعددة تتنوع بحسب الخلفية الثقافية والاجتماعية والسياسية للمتلقي، لكنه في الوقت ذاته يرى أن من يقدم العمل «عليه أن يضعه في إطار أو سياق معينين يمكن قراءته فيهما» ويشرح كلامه مستشهداً بعبارة «آه يا ليل، آه يا عين»، إذ يقول «لا يمكننا قراءة هذه العبارة باعتماد العلاقة بين الدال والمدلول، بل إننا نستطيع أن نكتشف ضعف الارتباط الموجود في أذهاننا بينهما. إنهما عبارتان مهمّتان تشكلان جزءاً من قاموس التراث الغنائي العربي، وترتبطان في أذهاننا بحالة الحزن وهجر الحبيب وما إلى ذلك، لكن الأغاني الحديثة كسرت هذا المفهوم بإيقاعاتها السريعة وجعلت في العبارة نوعاً من الفرح».

الشيخ ترجم قناعته تلك في عمل فني شارك به في المعرض الجماعي الرابع للممارسات الفنية المعاصرة وهو المعرض الذي نظمه الشيخ، وشاركه فيه 16 فناناً بحرينياً، احتضنت قاعة جمعية البحرين للفن المعاصر بالجفير أعمالهم طوال شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

في المعرض الذي انطلق تحت اسم «السجنجل» فعّل الشيخ أفكاره وقناعاته حول الدال والمدلول بأن نظم معرضاً تبدأ فكرته من نص يرافق أعمالاً فنية قدمها 17 فناناً يقول عنها الشيخ إنها تندرج تحت مفهوم الفن المفاهيمي Conceptual Art وهو كما يشير «أحد أشكال الفن المعاصر غير المألوفة لدينا. الفنان هنا يستخدم تقنية مغايرة، هو هنا لا يرسم ويستخدم ألواناً، بل يلجأ لتقنيات الكمبيوتر مثلاً أو الديجيتال أو البرنت، كما يتعاطى مع خامات مختلفة ليست مجهزة لتقديم عمل فني لكن الفنان يستغلها لتقديم فكرته».

نحن إذاً أمام معرض مغاير يقدم فيه المشاركون مشروعاتهم تحت مسميات مختلفة من بينها «السر، ملمس الكلمات، سرير الراحة، اللغة الجديدة، لا، احذر وجودك كالأسيتون قابل للتبخر، أنجلو عربي، كلمات متقاطعة، عديم الفائدة، آه يا ليل أه يا عين، هنا وهناك، صنع في إسرائيل، ناصية كاذبة، أنت محاصر».

تأويلات النص أولاً ثم الشكل

ولا تتوقف الغرابة عند المسميات وحسب لكن المعرض كما يقول عنه الشيخ يعتمد النص المكتوب أساساً، الناحية الشكلية تأتي في المقام الثاني «يجب الاستعانة بالنص كمدخل للعمل، من يحب أن يعرف سياق الفكرة عليه أن يقرأ النص. وهنا تأتي القراءات المتعددة التي تختلف باختلاف الخلفية الثقافية والاجتماعية لكل متلقٍّ».

ويعرج الشيخ مرة أخرى على إشكالية الدال والمدلول والتأويل «هناك من يرى أن التأويل المفتوح يشكل فوضى وأنه يجب أن يكون ضمن سياق نص، وأنه لكي أتوصل للسياقات التي جاء ضمنها النص عليَّ أن أحلل النص وأتعرف على خلفيات كاتبه أو كيفية تشكله. في المقابل هناك من يرى أن العمل الفني مستقل وليس له علاقة بخلفية الفنان أو تاريخ الكاتب، وأن المتلقي يحكم على النتيجة بغض النظر عن أي سياقات أخرى».

وبحسب الشيخ فإن «هذا الاتجاه يسمى «الفن المفاهيمي Conceptual Art» وهو قائم على الأفكار وليس الأشكال، الشكل هو الجزء الثاني في الأهمية. هذه الأعمال ليست قائمة على مهارة الفنان اليدوية في رسم الأشكال والتعبير عنها وما إلى ذلك، لكنها أعمال تكسر مفاهيم الفن التقليدية الكلاسيكية، ولا تقوم عليها وهكذا يمكن للأشخاص الذين يأتون من خارج إطار مفهوم الفن التشكيلي الاشتغال عليها».

هكذا فإن المشاركين في «السجنجل» لم ينطلقوا جميعاً من خلفية الفن التشكيلي، لهم مشارب عديدة لا تتوقف عند أيٍّ من أنواع الفنون التشكيلية، والشيخ يضيف «أتجاوز إشكالية الانتماء لأي جمعية معينة كما أتجاوز انتماءات الفنانين المشاركين معي وقناعاتهم، سواء الشخصية أو الدينية أو الفنية. ما دام لديهم ما يريدون قوله وينسجم مع المجموعة فهذا هو الأهم لدي».

الفن المفاهيمي… فن قضايا الشارع وهمومه

بالنسبة إلى الشيخ فإن قيمة الفن المفاهيمي تنطلق من قدرته على «جعل الفن غير منعزل عن المجالات الأخرى، إنه يهدم الحواجز بين الفن والمجالات المعرفية الثانية، كل المجالات قابلة لأن تدخل وتتفاعل مع بعضها البعض. وهكذا يمكن للفنان من خلال هذا الشكل الفني أن يناقش قضايا تمس جوانب سياسية أو اجتماعية، أن يكون قريباً من المجتمع، وأن يتجاوز عزلته وبحثه عن الشكل الجمالي فقط وعن علاقات الأشكال أو الألوان بعضها ببعض أو هدمها وإعادة بنائها. حتى القيود والمسافات بين من هو الفنان أو غير الفنان أو الدخيل على الفن، كلها أصبحت تتلاشى. كل إنسان يستطيع أن يعبّر عن أفكاره وقناعاته بأيِّ شيء من الأشكال. حتى في الغرب الآن لم يعد ممكناً تحديد مفهوم الفن، بسبب ظهور هذا النوع من الاتجاهات والأفكار والرؤى المتعددة».

هذا الشكل الفني القريب الممتزج مع هموم المجتمع وقضاياه هو الأساس لمشروع الشيخ الفني ككل الذي يذكر أنه «يقوم على خطين: خط المعارض وخط التفاعلات. في خط التفاعلات أكون مع الناس وأقدم أفكاري معهم، أسعى لتقديم أشكال فنية عبر المعارض التي أنظمها والتي يوجد فيها نوع من التفاعل مع الناس بأن أقدم الأفكار بطرق فنية غير تقليدية، بل عبر طرق معاصرة أسلط من خلالها الضوء على بعض قضايا المجتمع بشكل تلقائي، يتفاعل معه الناس بسبب اختلاف طريقة تقديمه».

وتعليقاً على تنظيمه للمعرض يقول: «هذه ليست مهمتي، أنا لست قيماً أو منظماً للمعارض لكن الظروف دعت أن أقوم بهذا الأمر. بدأت الفكرة لديَّ حين قمت بعمل معرضي الشخصي الأول في 2001 تحت اسم «ذاكرة الذكرى» في جراج سيارة في حي بحريني وضمنته صوراً من ذكريات الطفولة. حين قدمتُ المعرض شعرتُ برغبة في تقديم المزيد من هذه النوعية من الأعمال القريبة من الناس، وعرفت حينها أنه إذا رغبت في تقديم هذا الشكل من أشكال الفن وأن أجعل له حضوراً في الوسط البحريني فيجب أن أعمل بشكل جماعي وليس فردياً. فقمت بتنظيم أول معرض جماعي في العام 2002 في قاعة جمعية البحرين للفن المعاصر مع أربعة فنانين هم وحيدة مال الله، وهنادي الغانم، ومحسن غريب، وأنا الرابع، وهكذا تواصلت المعارض حتى وصل عددنا في هذا المعرض 17 مشاركاً».

الشيخ يرى ضرورة أن يقترب الفن من الهم المجتمعي وأن يتنازل الفنانون عن كبريائهم لينزلوا إلى الجماهير ويكون لهم دور في تغيير مجتمعاتهم، «الفنانون يعيشون أوهامهم الخاصة حول تقديمهم فلسفتهم الخاصة في العمل، وبأن أعمالهم مختلفة، أو أنهم يقدمون عصارة تفكيرهم. هذا كلام غير حقيقي، فالعمل الفني هو نتاج الخلفية المعرفية للفنان وما اطلع عليه في حياته، بل إن نتاجه ذلك هو في الواقع نتاج مجموعة الأشخاص الذين اطلع الفنان على أفكارهم واتجاهاتهم وقراءاتهم، ولولاهم لما وصل الفنان ربما لهذا النتاج».

نجاح الفنانين مادياً يعوضهم فشلهم اجتماعياً

هو إذاً لا يؤمن ببرجوازية الفن ولا يجد للقب الفنان أي رنين «في النهاية الفن فشل في تحقيق أمرين، في أن يغير المجتمع وفي أن يكون قريباً من الناس، ولذا فلكَي يغطي على فشله عوض ذلك بالنجاح المادي والتجاري وأصبحت اللوحات تباع بالملايين وأصبح ذلك هو مقياس النجاح. المؤسسات الفنية أصبحت تترفع على الجمهور وأصبحت هي من تتحكم في السوق وتقيّم الفنانين على عكس الفنون الجماهيرية الأخرى التي يكون الجمهور فيها حكماً».

ربما أدى ذلك لغياب الحركة التشكيلية في الخليج، إذ يرى الشيخ أن «ما يوجد لدينا ليس حركة تشكيلية، لدينا أنشطة ومعارض فقط، مفهوم الحركة مختلف. ليس هناك تنظير أو حوار فقط فعاليات تقام وتنتهي. الحركة الفنية تعني أن يكون هناك نوع من الحوار والنقاش واختلاف وجهات النظر وأن يتوقع الفنان تلقي الانتقادات. حالة الاتفاق لا تخلق حركة».

محلياً، يرى الشيخ أن «الفنان بحاجة إلى شيء من التفرغ ليتمكن من متابعة التطورات الكثيرة في ساحة الفن التشكيلي، والفنانون لا يزال بعضهم يعمل على اللوحة المنحوتة وغير ذلك وكلامهم معاد ومكرر لأنهم لا يرون سوى المردود المادي، ويريدون تسليع أعمالهم ويتجنبون الدخول في مغامرات والعمل الذي لا يمارسونه بأيديهم لا يعتبرونه عملاً أما باقي الأعمال فهي زائلة وهم يبحثون عن الخلود».

«السجنجل»… إشكالات لغوية جريئة

هذه الرؤى المختلفة التي يحملها الشيخ هي التي أنتجت الإشكالات التي ناقشها معرض «السجنجل» والتي تدور جميعها حول اللغة، الشيخ يعدد بعضاً من تلك الإشكالات «اللغة ومدى كونها طبيعية أو مكتسبة، وكيف يمكن أن يفطن الناس اللغة وهي عبارة عن مجموعة رموز وكيف يتواصلون من خلالها. هل اللغة مرآة العقل أم إنها موجودة لكي نفهم العقل. هل ترتبط الكلمات بمدلولاتها ارتباطاً جذرياً أم إنها مسألة نسبية تعتمد على موقع الكلمة أو العبارة في أي نص. كذلك يناقش المعرض علاقة اللغة بالهوية، هوية الإنسان في المجتمع أو في الثقافة. ما هو تأثير اللغة وحضورها في بيئتنا، الآن أصبحنا أقليات في مجتمعاتنا وهيمن الآخرون على ثقافتنا، كيف نتقبل هذا الأمر، ونتعاطى معه. فنحن مثلاً على استعداد لأن نكسر لغتنا من أجل أن نتفاهم مع العامل الأجنبي مثلاً في حين لا تقبل مجتمعات أخرى التنازل عن لغتها تحت أي ظرف»…

«بالإضافة إلى ذلك فإن اهتمامنا باللغة الأجنبية يفوق اهتمامنا بلغتنا الأم التي أصبحت الآن ثانوية، وأصبحت اللغة الثانية وهي الإنجليزية هي اللغة الأولى. أصبح تمكننا من اللغة يجعلنا قادرين على تأمين وضع اجتماعي أو وظيفي أفضل. لكن هل هذا صحيح، هل تمكننا من اللغة يجعلنا قادرين على التقدم إلى الأمام. كذلك يتحدث المعرض عن موضوع علاقة الغرب بلغتنا التي يجدها لغة تهديد لأنها لغة القرآن ويجد أنها تحض على كراهية الآخرين وبالتالي فإن الغرب لا يريد لأن يكون للغتنا أي حضور في مجتمعاتنا، ويُروِّجون للغات الأخرى على أنها الأسهل والأفضل وبأنها لغة العصر».

ويقارن الشيخ بين الموقف من اللغة لدينا وموقف الغرب من لغتهم «في الاتحاد الأوروبي حاولوا أن يوحدوا اللغة لكن كل الشعوب الأوروبية رفضت ذلك لأنها وجدت في توحيد اللغة هدماً لثقافاتها وتهديداً للغاتها، وبالتالي أصبح الاتحاد الأوروبي يصرف مليار ونصف المليار يورو سنوياً على أعمال الترجمة».

ويعلق «كل إنسان من حقه أن يتسلم أي معلومة بلغته الأم، ونحن لا يوجد لدينا اعتراف بهذا الحق بل يتم إيهامنا بأننا سوف نتقدم إذا تعلمنا اللغة الإنجليزية، لو كان هذا الأمر صحيحاً لكانت الدول الإفريقية هي الأكثر تقدماً، إذ إن نصف الأفارقة تقريباً يتحدثون الفرنسية والإنجليزية ويجيدونهما. في المقابل فإن اليابان والصين تشتغلان على الترجمة لكنهما دولتان متقدمتان للغاية».

ولعلَّ موقف الشيخ من اللغة هو ما دفعه لاستخدام كلمة السجنجل كعنوان للمعرض «استخدمت كلمة «السجنجل» وليس المرايا وهذا هو معناها، وهي كلمة لاتينية الأصل عُرِّبَتْ، لأنني أود أن أؤكد بأن لغتنا قادرة على استقبال لغات الآخرين وتعريب المفاهيم لتكون كأنها جزء من لغتنا. الكلمة جميلة رنانة وغريبة وفي الوقت نفسه عرفت كأنها جزء من اللغة العربية، أنت لا تشعر بأنها لغة أجنبية، وهكذا فإن لغتنا كانت تستقطب اللغات الثانية».

فنانون غرباء في أوطانهم

التهميش للغة يمارس – كما يشير الشيخ – على مستويات أخرى في الخليج العربي تمتد لتهميش المتعاملين بها، إذ يشير بأنه «حتى المجلات الموجودة لدينا في الخليج والتي تهتم بساحة الفن التشكيلي هي مجلات إنجليزية مع أنها معنية بمنطقة الشرق الأوسط والتحولات الموجودة في هذه المنطقة. المجتمع هنا عربي وكثير من الفنانين لا يجيدون الإنجليزية فلمن تصل الرسالة إذاً؟ ولدى من تخلقون هذا الوعي؟ وهنا تقع الإشكالية. في إحدى المجلات نشر تقرير يناقش سبب كون الإمارات مركزاً للفنون في منطقة الخليج والشرق الأوسط. ذكر كاتب المقال 11 عاملاً كالاستقرار والدعم المالي وغير ذلك، ذكر كل شيء ما عدا جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وهي التي أسست هذا المجال في الإمارات. هَمّش المقال الجمعيات الأهلية وكل من اشتغل فيها، وكأنه لم يكن لهم دور في تكوين الأسس الثقافية في مجتمعهم. لقد أصبحنا غرباء في أوطاننا، يهمشون الفنان ويأتون بآخرين يفرضون كل شيء، يستفيدون مادياً ومعرفياً ويسيطرون على كل منابع الثروة في هذا المجال».

العدد 3058 – الخميس 20 يناير 2011م الموافق 15 صفر 1432هـ

ضمن احتفالاتها بالدوحة عاصمة الثقافة العربية…قطر تحتضن مهرجان المسرح الخليجي قبل موعده بشهور

الدوحة – منصورة عبدالأمير 

انطلقت نهايات الشهر الجاري بالعاصمة القطرية الدوحة أعمال الدورة الحادية عشر لمهرجان الفرق المسرحية الأهلية بدول مجلس التعاون الخليجي الذي أقيم هذا العام في الفترة 22-28 ديسمبر/ كانون الأول الماضي بدلاًَ من شهر أبريل/ نيسان، وذلك ضمن فعاليات احتفالية الدوحة عاصمة للثقافة العربية 2010.

راعي المهرجان وزير الثقافة والفنون والتراث بدولة قطر حمد بن عبدالعزيز الكواري افتتح الفعاليات الرسمية للمهرجان وذلك بحضور أمين عام وزارة الثقافة والفنون والتراث ورئيس المهرجان مبارك بن ناصر آل خليفة ومدير إدارة الثقافة والفنون ومدير المهرجان فالح العجلان الهاجري وممثل الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي، نائب الأمين المساعد لشئون قطاع الإنسان والبيئة خالد الغساني.

في كلمته الافتتاحية قال الوزير إن قطر تعيش أوقاتاً رائعة باجتماع احتفالية الدوحة عاصمة للثقافة العربية والإعلان عن استضافة قطر لكأس العالم بالإضافة إلى المهرجان المسرحي مشيراً إلى أن هذه الإنجازات تحسب للعالم العربي أجمع، مؤكداً ثقة المجتمع الدولي في قدرة قطر على تنظيم كل الأحداث الكبرى، وأضاف «كنا على قدر المسئولية في قطر وقدمنا عاماً من الثقافة في 2010 باعتبار الدوحة عاصمة الثقافة العربية، حيث حملنا أمانة أن تساير الثقافة كل التطورات التي تشهدها قطر في كل مجالاتها ومنها السياسية والاقتصادية فأصبحت الثقافة أحد أوجه التقدم والتطور الذي تعيشه البلاد».

واستطرد الوزير قائلاً «بالرغم من أن المهرجان كان يجب أن ينظم العام المقبل إلا أن الكل بذل مجهوداً كبيراً ليكون في أفضل صورة في هذا العام، وبهذا المهرجان وغيره من الفعاليات المسرحية تحقق مرادنا في احتفالية الدوحة عاصمة للثقافة العربية لتصبح جامعة لكل مفردات الثقافة، فالمسرح يلعب أدواراً مهمة في البناء الاجتماعي والثقافي، بالإضافة إلى أنه من أهم وسائل التنوير ونشر المعرفة حيث لايزال هذا الفن يواجه كل التحديات التكنولوجية».

وتقدم الوزير خلال كلمته بمقترحين لمساندة المسرح الخليجي «الأول أن يتم إنتاج مجموعة من الأعمال المسرحية الخليجية المشتركة والثاني أن نعيد بعض الأعمال المسرحية الخليجية التي حققت نجاحاً على المستوى الجماهيري والفني».

الغساني: المسرح ضمن أولويات

دول مجلس التعاون

من جانبه أشاد ممثل الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي خالد الغساني بالتطور الملحوظ للمهرجان منذ انطلاقته الأولى بالكويت وحتى الآن، وأشار إلى الدورة الحالية كان مقرراً أن تقام في 2011 «إلا أن الدوحة عاصمة الثقافة العربية تكريماً منها للمسرح أرادت أن تضع أبا الفنون في المكان الذي يستحقه ليكون هو البداية والمنتهي، ففي البداية كانت مسرحية بيت الحكمة لؤلؤة الافتتاح وفي النهاية سيكون الختام بكل الحكمة».

وأكد ممثل الأمانة العامة على الاهتمام بالنشاط المسرحي ووضعه ضمن آليات تنفيذ الإستراتيجية الثقافية لدول مجلس التعاون والتي ستطبق من العام المقبل.

غلوم: على المسرح ندرك إنسانيتنا

من جانبه تحدث الدكتور إبراهيم غلوم رئيس اللجنة الدائمة لمهرجان المسرح الخليجي للفرق الأهلية في كلمته التي ألقاها في حفل الافتتاح ذاته «عما يقال حول تخلف المسرح في ظل ما يحدث من تطور رهيب للتكنولوجيا والصورة ومجالات عديدة» معرباً عن ثقته بالمسرح، مضيفاً بأنه «علينا عندما نقف على خشبة المسرح أن ندرك ما يدور حول العالم وندرك إنسانيتنا بشكل أعمق»

وأشاد أستاذ النقد الأدبي الحديث بما حققته الدوحة من إنجازات وإيجابيات على الصعيد الثقافي واصفاً إياها بأنها «من أهم الأمور التي تدعو إلى التفاؤل بشأن المسرح والثقافة، وقد توجت مؤخراً بفوز الدوحة باستضافة حدث عالمي مهم وكبير هو بحق فخر لكل العرب».

وأشار غلوم في كلمته إلى عدة موضوعات ينبغي العناية بها هي «التركيز على أحوال وأوضاع الفرق الأهلية في منطقة الخليج وإصلاح أوضاعها والاهتمام بها، وأيضاً أوضاع الإدارات الرسمية في إدارات الثقافة بجميع الدول، والأمر الثالث وهو جمود التكوين في مجال المسرح والذي أعني به البنية التحتية من مسارح ومعاهد وكليات في المسرح وأتمنى من قطر هذه الدولة الفتية التي تطلعت إلى العالم بكل جرأة أن يكون بها كلية أو معهد للمسرح في الآونة المقبلة».

العدد 3044 – الخميس 06 يناير 2011م الموافق 01 صفر 1432هـ

إبان انعقاد الدورة الحادية عشرة لمهرجان المسرح الخليجي بالدوحة… «مجاريح» قطر يكتسحون المنافسة، سلوقي يزيد الحماس والبحرين تخرج خالية الوفاض

الدوحة – منصورة عبدالأمير 

اختتمت نهايات الشهر الجاري بالعاصمة القطرية (الدوحة) أعمال الدورة الحادية عشر لمهرجان الفرق المسرحية الأهلية بدول مجلس التعاون الخليجي الذي أقيم هذا العام في الفترة 22-28 ديسمبر كانون الأول الماضي بدلاً من شهر أبريل/ نيسان، وذلك ضمن فعاليات احتفالية الدوحة عاصمة للثقافة العربية 2010.

دولة قطر، المضيفة للمهرجان، تمكنت بجدارة شهد لها كثير من حضور المهرجان، من أن تكتسح المنافسة وتحصد معظم الجوائز. عملها «مجاريح» حصد ثلاثاً من جوائز المهرجان التسع عدا عن جائزة تقديرية ارتأت لجنة التحكيم منحها لإحدى المشاركات في العرض. بداية حصدت الفنانة البحرينية فوز الشرقاوي جائزة أفضل ممثلة في دور ثانٍ عن دورها في العمل، بعدها حصد الفنان القطري علي ميرزا الجائزة نفسها للفئة الرجالية. ثم جاءت جائزة الشارقة للإبداع المسرحي الكبرى، فيما منحت لجنة التحكيم جائزة تقديرية للفنانة فاطمة شداد التي قدمت أغنيات المسرحية التراثية وتميزت بأدائها «الأوبرالي» الشجي.

«مجاريح « قدمته فرقة قطر المسرحي بمشاركة كل من الفنان القطري القدير علي ميرزا والفنانين القطريين عبدالله أحمد، محمد الصايغ، راشد سعد وفاطمة شداد من قطر، وعبدالله سويد وفوز الشرقاوي من البحرين، ونهاد عبدالله من سلطنة عمان. صمم ديكورات المسرحية المهندس عبدالله دسمال الكواري فيما تولت منى محمدي تصميم الأزياء أما السينوغرافيا والإخراج فكانت لناصر عبدالرضا، فيما تولى يوسف الحمادي الإشراف الإداري، وحمد عبدالرضا الإشراف العام، علماً بأن المسرحية من تأليف الكاتب الإماراتي إسماعيل عبدالله. وكانت المسرحية عرضت للمرة الأولى في شهر يوليو/ تموز الماضي بالدوحة.

تسلط «مجاريح» الضوء على قضايا الطبقية وتنقل المتفرجين إلى زمن الحب الجميل من خلال قصة العبد الذي يحب ابنة أحد الوجهاء، وذلك في طرح وأسلوب متميزين من حيث سرد الأحداث أو توظيف بعض الفنون التراثية مثل الطنبورة والليوة بطريقة ذكية خدمت النص المسرحي وحققت لجمهوره متعة فكرية وسمعية وبصرية في آنٍ واحد، إذ جاء النص الموسيقي مكملاً للنص المسرحي لا دخيلاً عليه.

وكما أشار الناقد حمدي الجابري في الندوة التطبيقية التي تلت العرض وتحدث فيها الجابري بشكل رئيسي فإن «مجاريح» «هي عبارة عن قصة حب قديمة قدم عنتر وعبلة، عبد يقع في غرام حرة، ومثل عنتر يتميز فيروز بالفتوُّة والشجاعة والقدرة على المواجهة فيتصدى للظلم دفاعاً عن الغير وعن حبه ولا يشفع له كل ذلك بسبب التقاليد البالية التي تتحقق من خلالها أبشع درجات التمييز الطبقي وسط مجتمع يعاقب الإنسان على لون بشرته رغم أنه لم يرتكب جريمة اختيار لونه أو تغييره».

وأشاد الجابري بمؤلف المسرحية إسماعيل عبدالله «ككاتب خليجي ينبغي التعامل معه بجدية مستحقة بسبب ما يطرحه في نصوصه من قضايا فكرية مهمة وأساليب مبتكرة في التناول الدرامي لموضوعه الذي يعتمد عادة على التصدي لبعض الجروح والنقائص الاجتماعية المفتوحة والتي تنتظر العلاج أو ينبغي التنبه لها على كافة الأصعدة ومنها المسرح».

الجابري توقف عند «المفردات التي لجأ إليها المؤلف خاصة المفردات التراثية الخليجية التي تجعل مشاهد العرض المسرحي يشعر بأنه يكتب عملاً للعرض وليس للقراءة، وخاصة أن هناك نوع من الإبداع الإخراجي الذي صاحب النص ليعطي عملاً واضح الرؤية والمعالم».

وأشار الجابري إلى أن مخرج العرض ناصر عبدالرضا «أتاح لممثليه ليس فقط تقديم شخصية مسرحية واضحة المعالم، وإنما أيضاً استعراض إمكانياتهم الصوتية والجسدية من خلال حركة معبرة كاشفة عن الحالات الانفعالية التي تمر بها الشخصيات في مراحلها المختلفة» مشيداً في ذات السياق بأداء الفرقة الشعبية التي «تفانى الكثير من أفرادها في تقديم كل ما يتمتع المشاهد سمعياً وبصرياً وخاصة نجمة الفرقة الفنانة فاطمة شداد، حيث تحمل كل الأعضاء مسئولية كبيرة وصلت حد التمثيل في بعض الأحيان بجانب الرقص والغناء، وإن كان البطء في دخول وخروج المجموعة قد أدى إلى بطء الإيقاع أحياناً».

الجابري اختتم مداخلته بخلاصة اعتبر فيها «مجاريح» عمل قطري خليجي تتحقق فيه أمنية قديمة عن الوحدة العربية» مؤكداً إمكانية تصدير هذا العرض إلى العالم «لما يمثله من تجسيد فني رفيع المستوى يتفق مع الدعوة العالمية لتمكين المرأة من حقوقها».

المجهول تجريبي أم عبثي

لم تحصد فرقة مسرح الريف التي مثلت مملكة البحرين في المهرجان أية جوائز، عرضها الذي تابعه الجمهور في ثاني ليالي المهرجان والذي قدمته تحت اسم «المجهول» كان محل اختلاف الحاضرين، بعضهم وجده نصاً تجريبياً تجريدياً ينحو نحو العبث، أو ربما عبثياً، لكن آخرين وإن أكدوا أنه لا يمت للعبثية بصلة، إلا أنهم وجدوا فيه نصاً بعيداً عن تحقيق رسالة المعهد في الاقتراب من هموم الناس. تم الإشادة بتميز موسيقاه التي وضعها حسن المحاري، لكنه رغم كل شيء خرج خالي الوفاض.

وتدور أحداث «المجهول» حول الإنسان الذي يحاول الهروب من الواقع فيصطدم بخوفه من أن يكون الغد أسوأ عندما يضعف الأمل في التغيير، وعندما يصبح الإنسان رهينة لهواجسه، فتصبح هذه الهواجس جداراً وسدّاً لا يستطيع الهروب منه، ليبحر في سفينة المجهول.

«المجهول» من إخراج وسينوغرافيا حسين العصفور وتمثيل عبدالحسين مرهون، حسن العصفور، ابتسام القاضي، علي بدر، إبراهيم البيراوي، وهديل كمال الدين. مدير إنتاجها هو جاسم العالي وهو أيضاً المخرج المساعد، أما الإضاءة فكانت لمحمود الصفا. وكانت المسرحية قد فازت بجائزة أفضل عرض مسرحي في البحرين لموسم 2009-2010 في مسابقة جوائز التميز التي تنظمها إدارة الثقافة والفنون بقطاع الثقافة والتراث الوطني.

في الندوة التطبيقية التي تلت العرض وقدمها الناقد المسرحي العماني طالب البلوشي أشار البلوشي إلى أن «مجهول الريف البحريني يحمل الكثير من التأويلات من خلال انتظار المخلص الذي أبرزته ولذلك فنحن نساير أحداثها بالتفكير والتحليل كما أن فضاء المسرح تكوم كله في طاولة تفرغ الكثير من صور حياتنا كما أنها تعني التفكير في مصائرنا وحياتنا الخاصة».

وأضاف بأن (المجهول) «رسم صورة أخرى في نفوس الشخوص التي جعلت العصفور المخرج يهيم فيها إعجاباً كما أعجب بهذا النص فانتقاه حيث لعب على حكاية المشاهدة للذات ومحاولة كسر جدار الإيهام في نفوسنا وبالتالي كسر كل الهواجس والأفكار من خلال اجترار الفراغ الوهمي الذي خلق من أجله الجدار العازل.

وأشاد البلوشي بالموسيقى المؤثرة المصاحبة للعرض المسرحي مؤكداً أنها «رسمت بعناية وأظهرت فواصل مهمة تنشط ذرات التفكير» لكنه انتقد «نزوع النّص إلى السوداوية فلم يفتح بريق الأمل فالمخرج من جيل الشباب المفعم عادة بالأمل».

جمعان: العبثية لا تعني الفوضوية

من جانبه، قال الناقد والكاتب المسرحي السعودي سامي جمعان أن «المجهول»: «عرض مسرحي منتمٍ لمزيج من المدارس المسرحية على مستوى النص والإخراج أيضاً، وإن اتكأ كثيراً على التجريب في جانبه الإخراجي، واتكأ على الرمزية في جانبة الكتابي، وغالباً ما يجنح النص الرمزي إلى مثل هذا التجريب الإخراجي المنظم إن صح التعبير».

وأشار جمعان إلى أن العرض «لم يخلُ من شيء من العبثية، والعبثية كمدرسة من مدارس الفن لا تعني التلازم مع الفوضوية، إنما العبثية في خشبة المسرح من شروطها أن تكون منظمة أو بشكل أدق مقننة، وعرض «المجهول» كما وصلني من خلال إشاراته الحوارية وأحداثه يقدم مجموعة من الشخوص يعيشون حالة انتظار لقادم هم يعرفونه ويدركون أبعاد شخصيته، بل وأهميته، والانتظار بحد ذاته حالة مسرحية مكرسة اقتربت من أن تشكل مدرسة بحد ذاتها، لذا فلها أهمية كبيرة في إسقاط العرض أو إحياء، على اعتبار أن الانتظار قابل لأن يكون مملاً كما إنه قابل لأن يكون محفزاً وسريعاً ومفاجئاً».

ويرى جمعان «أن مخرج العرض تنبه لهذا الفخ لذا ركز على حالة الانتظار المتوهجة إيقاعاً، السريعة في ردود أفعالها، وهو ما جعلنا حيال حركة مسرحية ديناميكية إلى حد بعيد، لم تهدأ فورتها منذ أن افتتح العرض حتى نهايته وهي نقطة تسجل لصالح المخرج بلا أدنى شك، الذي لعب على مساحات المسرح ودوزن مستويات الممثل بما يلائم حالة القلق التي يعيشها هو ويعيشها المتلقي معه».

ويشير إلى أن «السينوغرافيا حاضرة على مستوى الديكور والإضاءة، ورغم قلة القطع المستخدمة إلا أن المخرج حاول استثمار القطعة الرئيسية الصندوق بوصفها الطريق الطويل الذي يقطعه القادم، وقد كانت حالة التدوير الحركي التي قدمها المخرج خلال تعبيره عن انتقال الشخوص من مكان إلى آخر أحد الحلول الجميلة والمبهرة أيضاً على مستوى بصرية العرض، إذن ركز التجريب في هذا العرض على ثيمة الانتظار وسعى لأن يخلق لها حلولاً مناسبة، وفي رأيي أن كثيراً من الحلول كانت جيدة».

حول رمزية النص وتأويلاته يفيد جمعان «شعرت في بعض الأحيان أن رمزية النص كانت تقترب كثيراً من الكشف والوضوح وكأنها تريد أن تدلي بواقع معيشة، حتى أن التأويلات في وجهة نظري بدأت تنحصر في حقائق بعينها وهذا شيء لا يعيب الطرح، ولكن يخرجه من حالته الرمزية التي يجب أن تبقى مستغرقة في لعبة تضليل المتلقي، لذا كنت أتمنى أن يجد المخرج حلاً مغايراً للشخصية القابعة فوق الصندوق والتي بدأ عليها الثبات معادلاً لفورة الشخوص الأخرى وحركتها الدائبة».

ويعترف «لم أتفاعل مع الشخصية تلك، وإن كان ممثلها على قدر كبير من الأداء، وسر عدم قبولي كمتلقٍ لتلك الشخصية أنه بدا لي مشتتاً لتلك الحالة الفوارة التي ينتظر فيها الشخوص قادمهم الذي لا يأتي».

ثم يضيف «ولكون الانتظار مسألة جدلية فهو قابل لأن يخلق مفارقات مضحكة وساخرة أحياناً وهو ما كنت أتمنى وجوده كدليل على تباين الشخوص في التعاطي مع حالة الانتظار إلا أن العرض قدمهم جميعاً في قالب واحد تهيمن عليه السوداوية واليأس والانكسار، وهو ما جعل تقبل العرض رغم الصورة الجميلة يشوبه شيء من التلقي الفاتر».

أخيراً يقول جمعان «أمنيتي كقارئ لعرض كهذا أن تضاف عليه بعض التعديلات بحيث تتباين الشخوص في منظورها للانتظار على اعتبار أن النص المسرحي نص بولوفوني قابل لتعدد الأصوات وتنوع وجهات النظر. الحقيقة إن هذا العرض كان يفترض به الدخول في حيز التسابق على الجوائز لاسيما في جائزة الإخراج حيث يحمل شيئاً من الانضباطية لم أرَها في عروض أخرى».

العرض السعودي: اكتشاف من نوع جديد

فرقة الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون – فرع الإحساء دخلت حلبة التنافس على جوائز المهرجان من خلال مسرحية البندقية. حصل أحد ممثلها نوح الجمعان على جائزة السينوغرافيا، كما حصلت إلى جانب ذلك على إجماع الحضور بكونها «اكتشاف من نوع جديد على مستوى الإخراج والتأليف والتعامل مع الخشبة».

وتدور أحداث المسرحية ذات النص الرمزي حول العديد من الإسقاطات على حياة صاحب البندقية، والتي تحدد لنا مصيره ومواقفه وقناعاته، من خلال حياة إنسان يعاني العزلة والهروب الدائم والخوف من المواجهة حيث ينتقل من مكان إلى آخر في محاولة مستمرة للبحث عن ذاته والخلاص من مصابه.

يتكون العرض من أربع لوحات تجمع بين عالمي الوعي واللاوعي نزع من خلالها مخرج العرض سلطان النوة إلى توظيف لغة سينوغرافية ذات دلالات عميقة من خلال فضاء مسرحي فارغ مليء بمجموعة من العناصر البسيطة التي تتشكل وتتحول لترسم لنا الأمكنة والأزمنة في آنٍ واحد.

المسرحية من تأليف الكاتب عبدالعزيز الطايع وتمثيل نوح الجمعان، منصور الذكر الله، عبدالرحمن المزيعل، خالد الخليفة، عثمان الدحيلان، عبدالله التركي، التقنيات الفنية لزكريا المومني، الإضاءة لعباس الشويفعي، أما أغاني المسرحية فقد قام عمر الخميس ومحمد الحمد بتلحينها وأدائها. وكانت المسرحية قد سبق وأن شاركت في الدورة الأخيرة لمهرجان الجنادرية في مسابقة «12 ساعة مسرح دون انقطاع».

في الندوة التطبيقية التي تلت العرض اعتبر المسرحي السعودي القاص والناقد فراج الشيخ الفزازي «البندقية» «نموذجاً حيّاً للحراك الثقافي الواضح في المملكة العربية السعودية» مفيداً بأنه استحضر أرسطو وهو يقلب في النص المسرحي باحثاً عن ريح الإبداع فيها والتأثر، مشيراً إلى أنه أشفق على المخرج وهو يقوم بهذه العملية إذ «كيف سيتعامل مع النص الذي يحبل بالكثير من التحامل وخاصة أنه عبارة عن قصة قصيرة تتكون من أربع لوحات يتحامل بعضها على بعض لكونها أشبه بالغرف المغلقة التي لا نوافذ ولا أبواب ولا إضاءة ولا تهوية يمكن للمخرج النفوذ من خلالها لتقديم العرض المسرحي».

غلوم: «البندقية» بشارة موازية لنص مكثف

أستاذ النقد الأدبي الحديث الدكتور إبراهيم غلوم أشاد بالعرض السعودي الذي «يعتمد على نص مغلق الحبكة ومكثف اللغة وفيه نوع من الشح في الصور الدرامية» مشيراً إلى أن «النص نص لغوي ذو متن لفظي أكثر من كونه دراما محسوسة ولكن من حسن الحظ أنه وقع النص في يد مخرج موهوب وعنده حساسية درامية دقيقة وشعرية متوترة درامياً».

وأضاف رئيس اللجنة الدائمة لمهرجان المسرح الخليجي للفرق الأهلية بأن «المخرج سلطان النوة يمتلك حساسية درامية متوترة وقدرة على استنباط الصور الدرامية من نص مكثف مغلق الحبكة تهيمن عليه متنيه لفظية شديدة» مشيراً بأنه نتيجة للتقاطع بين هذه الحساسية التي يمتلكها المخرج وخصوصية النص «فقد خرج العرض متميزاً بصفة لم يتميز بها عرض آخر في المهرجان، إذ إن المخرج استطاع أن ينحي النص أو يهمشه أو يؤجل عمل المتن اللفظي طوال فترة العرض. هذا التأجيل أفاد تجربة هذا المخرج الشاب بأن قدم لنا عرضاً لا يمكن تقييمه إلا من حيث كونه عرضاً وبصرف النظر عن النص وحتى عن التمثيل».

وحول إمكانات العرض، أضاف غلوم «التمثيل عادي وبسيط ومتواضع الإمكانيات وكذلك النص وقد وصفته بالانغلاق والكثافة والمتنية اللفظية لكن المخرج رغم ذلك صنع عرضاً يمتلك قدرة درامية تصويرية مدهشة والسبب في ذلك أنه استخدم صورة درامية موازية للنص لا أقول معبرة عن النص ولكن موازية تماماً للنص، فالاشتغال الموازي هنا في العرض كون صورة درامية محددة مكثفة ومركزة وتمتلك رؤية شعرية وقدرة تجريبية عالية جداً وتمتلك إمكانيات التواصل الدرامي مع المتلقي لكن قبل ذلك كله تمتلك خاصية منفردة وهي أنها كونت كل هذه الطبيعة الدرامية من خلال مفردة واحدة محسوسة وهي سعفات النخيل المتحجرة المتيبّسة.

وأضاف «المخرج استطاع أن يكون من هذه السعفات الصفراء اليابسة لغة كاملة مجموعة من المفردات الدرامية المتكاملة المتواشجة في صيغة العرض. لم تكن السعفات سعفات يابسة يبّستها الشمس والظهيرة لكنها كانت مجموعة إشارات سيميائية لا حصر لها فهي تربة وهي أرض اغتصب كما يقول العرض وهي طيور أحياناً صغيرة أو ضخمة أو خرافية وهي تربة تتساقط وهي بناء يشيد وهي منبر يصل إلى أعلى مستوى في فضاء المسرح هي أكثر من ذلك هي شفرة أيضاً تدل بشكل مباشر على الوطن وعلى المكان بكل منظومته السياسية والاجتماعية والثقافية. هذه المفردة استطاعت أن تكون مجموعة هائلة من المفردات وكونها فعلت ذلك فقد نحت تماماً النص أو المتن المنغلق المحكم بكثافته الخاصة نحته وتركت لنفسها حرية أن تتشكل في هذه الفضاء وأن تعطي المتلقي فسحة أو حرية كاملة لأن يؤول أو يرى فكرة العرض من هذه السعفات فقط لا غير».

واستطرد مشيداً بالعرض «هذه الحالة التي ولدها هذا العرض حالة فريدة من نوعها ولا أعتقد أن عروض المهرجان كلها قد استطاعت أن تحقق ما حققه هذا العرض ولذا أعتقد أن لجنة التحكيم كانت مصيبة عند ما أعطتها جائزة السينوغرافيا. هذا العرض مكسب كبير لهذه الدورة والمجموعة التي اشتغلت وجدت فيها الكثير ما أحبس به الجيل أو الصف الجديد في السعودية الذين يقفون الآن في مقدمه الحركة المسرحية وفي موقع مهم جداً يطمح إلى أن يحقق خطاً متميزاً لحركة مسرحية غير مستهلكة في أي مكان في الوطن العربي، ما يعبر عنه العرض خط جيد في مسار الحركة المسحية العربية وأنا أتصور أن وقوف المخرج سلطان النوة والمؤلف عبدالعزيز الطايع ومجموعة الشباب من أمثال سامي جمعان الذي يمتلك تصور نظري وإبداعي في سياق يتصل بما ذكرته عن هذا العرض أعتقد أن هذا العرض بشارة قوية جداً لأفق أو لمستقبل الحركة المسرحية في المملكة العربية السعودية.

المنصور: «مواء القطة» سوداوي يرسل إشارات فلسفية

فرقة فكر وفن العمانية التي تشارك للمرة الأولى في هذا المهرجان، قدمت عرضاً مسرحياً تحت اسم «مواء القطة» فازت ممثلته ميمونة البلوشي بجائزة أفضل ممثلة في دور رئيسي. العمل كان قد حصل على عدة جوائز في مهرجان المسرح العماني، من بينها جائزة العمل المسرحي المتكامل إضافة إلى جوائز أفضل ممثل وأفضل ممثلة وأفضل إخراج بالإضافة إلى جائزة أفضل نص مسرحي. المسرحية من تأليف بدر الحمداني وإخراج مالك المسلماني، أما التمثيل فكان لميمونة البلوشي وحمود الجابري. السينوغرافيا كانت لحمد الزدجالي وأثمار عباس، فيما تولى الإضاءة حسين العلوي، وإبراهيم المحروقي في الديكور.

تمتلئ المسرحية بكثير من الإسقاطات الإنسانية وتدور فكرتها حول الإنسان المنكسر الذي يحشر نفسه في غرفته كما تحشر القطة نفسها بين الباب، بحيث يصبح غير قادر على مواجهة العالم ما يضطر زوجته لبيع نفسها من أجل لقمة العيش.

الناقدة المسرحية البحرينية زهراء المنصور قالت في تعقيبها على العرض، إذ كانت المتحدثة الرئيسية في الندوة التطبيقية التي تلت العرض، بأن «مواء القطة» يرسل مجموعة من الإشارات إلى المتلقي من خلال مجموعة من الحكايات التي يمكن إعادة بنائها لتمنح في النهاية نصاً ينفتح على كل الاحتمالات» وأفادت بأن المتلقي يجد نفسه أمام نص فلسفي ملغوم يفتح النوافذ على كل الاحتمالات خاصة في ظل مجموعة من الإشارات والعلاقات التي تولد في ذهنه مجموعة من المعلومات. وأشارت المنصور إلى رمزية الأسماء التي تم استعمالها في العرض من خلال شخصية «أبوشوارب» التي تقابل في الخيال العربي معنى الفحولة والرجولة وعذراء التي تعتبر مرادفاً للبراءة والطهارة. كذلك تحدثت المنصور عن رمزية الباب الذي تم توظيفه في النص وهو ما يعني عادة البحث عن طريق، لكن المؤلف كما تشير المنصور وظفه لتبيان ذلك الحشر الذي يحصل وراء الباب من خلال القطة التي تم حشرها. وحول رمزية الألوان توقفت زهرة عند كل لون تم توظيفه فوق خشب المسرح إذ اعتبرت الأحمر إحالة إلى الحرب والحب، رغم عدم تماشي ذلك مع صفات البطل أو البطلة.

كذلك توقفت المنصور عند بعض المشاهد التي تحبل بالدلالات الرمزية مثل استعجال فتح الباب. أما السينوغرافيا فقالت عنها المنصور إنها كانت ذات طابع سوداوي وأنها تكرس التعبير عن قلق البطلة والبطل.

«تاتانيا»: محطة اختبارية

مهمة تكشف السلطة الدينية

مخرج العرض الكويتي «تاتانيا» عبدالعزيز صقر حصل على جائزة الإخراج المتميز، لعمله الذي تشارك به فرقة مسرح الخليج العربي، وهو من تأليف بدر محارب، ومن تمثيل ميثم بدر، ناصر الدوب، عبدالعزيز بهبهاني، فاطمة الصفي وإبراهيم الشيخلي، وفاطمة القلاف. الإضاءة لفهد الفلاح، أما الموسيقي فهي لبدر سالمين وعبدالله محمد وعقيل بدر.

تعرض المسرحية الصراع بين العلم والجهل من خلال قصة قرية «تاتانيا» وهي قرية متخيلة يقطنها مجموعة من الفقراء والمهمشين، يسودها الجهل بسبب تحكم القس في حياة أهل القرية وبسبب قرارات العمدة التي يرأسها. يبدأ الصراع بعد وصول أحد المعلمين إلى القرية لتعليم سكانها إلا أنه يواجه بالقس ورئيس الشرطة. وقد تميز العرض بالحركات الإيقاعية والتعبيرات الحركية التي امتلأت بها مشاهدة وباستخدام المخرج لتقنية الفيدباك لربط كثير من اللحظات.

في تعقيبه على العرض اعتبر الناقد يوسف الحمدان محطة اختبارية يدشنها الفنان المخرج عبدالعزيز صقر برؤية فكرية وفنية فاحصة ليقتحم من خلالها أفضية النص المغلقة والقلقة والمقلقة في آنٍ.

وأشار الحمدان إلى أن المخرج جعل العرض المسرحي حدثاً متوالياً ومثيراً لا تشوبه أية إنشائية طافرة أو عابرة وخاصة أن الأحداث المتوالدة لا تشوبه أية إنشائية طافرة أو عابرة وخاصة أن الأحداث المتوالدة المشفرة يرسى صفر من خلالها دعائم تجربته المختبرية».

وقال الحمدان إن «العرض يتمتع برؤية حفرية مدركة لأبعاد اللعبة وخاصة أنه نجح في تحويلها إلى شظايا في لحظات أشبه في مجملها بلحظة السخرية التي تختزل عفن السلطة الدينية في لعبتها المكشوفة والفتكية في آنٍ لأي لحظة تتنفس فيها كلمة الحرية أو حق الاختيار».

وأكد الحمدان بأن المسرحية «محطة اختبارية مهمة وجديرة بالتأمل وخاصة أن النص معاصر لمخرج معاصر قدم عرضاً معاصراً وأجساداً كلها تدرك أهمية وجودها وحضورها وفعلها في العرض».

«سلوقي»: مسرحية

غير بريئة تجمع ثنائياً جميلاً

خاتمة العروض جاءت مع العرض الإماراتي «سلوقي» الذي حصد ممثله حميد فارس جائزة أفضل ممثل في دور أول، فيما حصل كاتبه إسماعيل عبدالله على جائزة أفضل نص مسرحي، كذلك حصل العمل على جائزة أفضل العروض المسرحية، أفضل عرض ثانٍ.

المسرحية التي قدمها مسرح الفجيرة القومي مستوحاة من رواية «قلب كلب» لميخائيل بولفاتوف، وقد قام الكاتب إسماعيل عبدالله بمعالجتها وكتابة الحوار، فيما أخرجها الفنان حسن رجب.

وتتناول المسرحية فكرة تحكم طباع الطمع والجشع في نفوس البشر ما يدفعها إلى خيانة من أحسن عليه. والمسرحية من تمثيل هدى الخطيب، أمل محمد، جمعة علي محمد، حميد فارس، وحسن البلوشي.

الندوة التطبيقية التي تلت العرض تحدث فيها أستاذ المسرح بجامعة الكويت الدكتور نادر القنة الذي اعتبر «سلوقي» «نموذجاً لمجموعة من المقاربات التي تكرس الإمارات كعاصمة للمسرح العربي الذي انطلق منذ تسعينيات القرن الماضي وتبنى التوجه العربي القومي وبالتالي فإن أي عرض إماراتي يكون محملاً بهذا المعنى».

وأشاد القنة بالثنائي المسرحي الجميل الذي كونه مؤلف العمل إسماعيل عبدالله مع مخرجه حسن رجب كما أشار إلى أن وجود الفنانة هدى الخطيب «يمنح بعداً آخر للعرض المسرحي خاصة أنها مكسب لأي عمل تشارك فيه».

كذلك أشار القنة إلى أن العرض «عرف نوعاً من التجاوب بين الشعر والنثر والأغنية والإيقاعات المصاحبة وهو ما أعطاه ميزة خاصة».

أما السينوغرافيا فقد أشار القنة إلى أنها جاءت على استحياء وغير فاعلة كما إن جمودها أعطى انطباعاً بالخروج عن الإطار الجمالي»، وأفاد بأن المسرحية «غير بريئة من النقد الاجتماعي الداخلي إذ يبدو المؤلف وكأن عينه على المجتمع حال كتابته».

العدد 3044 – الخميس 06 يناير 2011م الموافق 01 صفر 1432هـ