يوسف الحمدان معقباً على عرض الكويت بمهرجان الدوحة: «تاتانيا»… رؤية اختبارية ومسرحية مموسقة تفضح ألعاب «السلطة»

الوسط – منصورة عبدالأمير 

قد لا تحمل القصة التي اعتمدها المخرج الكويتي عبدالعزيز صفر اساسا لمسرحية «تاتانيا» الجديد في الدلالات والإشارات، وهي التي تتحدث عن قرية وهمية تقع وسط جبال فرنسا يسودها الجهل والظلام، تتحكم فيها سلطة دينية فاسدة، مدعومة برجال شرطة أشد فساداً، وفي خلفية ذلك عمدة لا حول له ولا قوة. لكن المسرحية التي قدمتها فرقة مسرح الخليج العربي بالكويت ضمن عروض مهرجان المسرح الخليجي للفرق الأهلية خلال دورته الحادية عشر التي أقيمت بالدوحة في ديسمبر/ كانون الثاني الماضي، جاءت لتحقق معادلات أخرى. هذه الكوميديا الهادفة التي تناقش الصراع بين العلم والخرافة، جاءت مختلفة على يد مخرجها عبدالعزيز صفر، الذي شكلها عاملاً نابضاً بحركات إيقاعية امتلأت بها مشاهد المسرحية، بتقنية «فيدباك» رائعة تشبه تلك التي نشاهدها على الشاشة، الصغيرة أو الكبيرة، ربط عبرها بين اللحظات وفسر المشاهد وأتم مغزى العبارات التي أطلقها ممثلوه عبر مختلف المشاهد. فريق عمله المتجانس ساهم في نجاح العمل وتألقه، وربما في فوز صفر بجائزة الإخراج المتميز في المهرجان.

الناقد المسرحي البحريني يوسف الحمدان كانت له وقفة خاصة مع العمل، وذلك في تعقيبه على العرض خلال الندوة التطبيقية التي عقدت بعد نهاية العرض بحضور مؤلف العمل بدر محارب ومخرجه صفر.

بداية اعتبر الحمدان «تاتانيا» «محطة اختبارية في جميع عناصر العرض المسرحي، مدشنة برؤية صفر الفكرية والفنية الفاحصة والثاقبة التي اقتحم من خلالها أفضية النص المغلقة والقلقة والمقلقة في آن، والتي شكلها الكاتب المسرحي المبدع بدر المحارب وفق رؤية فكرية تروم كشف وفضح ألاعيب ومخاتلات السلطة الدينية بمختلف تناصاتها العقائدية».

حمدان أشار إلى أن صفر «يجوس مناطق الاستكشاف والاستقصاء البحثيين لجسد العرض المسرحي، مستثمرا لغة بصرية متقشفة ولكنها معدة بجمالية تتماهى في تكوينها وتشكلها وتحولها ورؤيته التي تعري نضح الفساد ومصادرة الفكر وحرية التعبير وحق الإختيار الذين توزعوا أدوار نص الكاتب محارب وفق لعبة خبيثة وشرسة لا نهاية لها طالما قرية تاتانيا موبوءة بقس مهووس بخلق القطيع المطيع حد السحل لتعاليمه وقوانينه (العرفية)».

صفر في الواقع الأمر ليس مخرجاً للعمل وحسب، بل إنه كما يرى الحمدان «يكتب نص عرضه معيدا إنتاج نص المؤلف بلغة حرفية مختبرية اختزالية قوامها موسقة الجسد في العرض، ومنتجة اللغة البصرية، فالحركة في العرض مدروسة بإيقاع موسيقي أقرب مايكون إلى فن الفلامنكو في تركيزه على مفردات الجسد في تردداته الموقعة والمعبرة، ومدى تواصل وتفاعل وحوار هذه الترددات الجسدية بكل ما يتصل بها في العرض من كراسي وطاولات ونوافذ وعصي ومتكآت للجسد، محيلاً هذه العلائق إلى إشارات وإيماءات دلالية مكثفة تفتح أفق التلقي إلى مساحات وأفضية تأويلية تحفز إلى قراءات أبعد من مسافة الارتكان إلى فضائها المعين لها».

الحمدان يؤكد أن صفر قدم عرضاً لا تشوبه أية شائبة «كل ما في العرض حدث متوالد ومثير لا تشوبه أية إنشائية طافرة أو عابرة من هنا أو هناك. لا نلحظ في العرض سوى الفعل، والفعل بشكله المموسق والموقع، نلحظ ذلك في عبث الحرس بكتب المعلم وفي جره وإلقائه على الطاولة، وفي تكثيف الزمن بين المعلم وساعي البريد فوق الدراجة ونلحظه أيضا في تبادلية الأداء والحوار بين المجموعة وفي ترددات الجسد الثمل والمضطرب لمونيكا التي أدتها بإتقان لافت الفنانة فاطمة الصفي وفي قرع عصي الاحتجاج وفي التوقيع الاحتجاجي للأيدي والأقدام وفي المواجهة الاعتراكية بين القس والمعلم، وفي تضارب الحركة الجماعية وانسجامها وتنافرها وفي الحوار الإيقاعي بين مونيكا والمعلم في السجن وكيف تحول القضبان إلى مشهد موازٍ في فعله مع الشخصيتين، وفي توظيف القلم كنقطة معرفة إشارية لفعل احتجاجي قادم، وفي التعامل مع انتقالية المشاهد وفي توظيف الموسيقى الحية بوصفها حالة مؤثرة وبوصفها جوقة سمعية ترافق أحداث العرض».

الحمدان أشار إلى أن توالد الأحداث المشفرة هذا هو ما يرسى دعائم تجربة المخرج المختبرية ويشكل أفضيته الموازية والمؤازرة، مشيدا في هذا المجال بتصميمات الإضاءة والديكور والأزياء «عبر هذه الأفضية نكون في قلب التشكيل المونتاجي، فالعرض تتوازعه مشهديات بصرية أقرب في تشكيلها إلى المشهديات السينمائية، وهنا نلحظ القراءة المعاصرة في استثمار الملتميديا أو التكنولوجيا في المسرح، فعبر الإضاءة المتقنة والانتقالات المكثفة للمشهديات تتشكل بؤرة التجربة المسرحية المعاصرة». وأضاف الحمدان «ان المخرج صفر يقود التجربة برؤية حفرية مدركة أبعاد اللعبة، مشظياً إياها في لحظات أشبه في مجملها من لحظة السخرية التي تختزل عفن السلطة الدينية في لعبتها المكشوفة والفتكية في آن لأي لحظة تتنفس فيها كلمة الحرية أو حق الإختيار.إنها قرية في النص ولكننا شاهدنا في العرض عالما موبوءا بالفساد ورفض المعرفة وسحل الرأي واستمراية الكبت والكبح والقمع والجهل والتجهيل ، كما شاهدنا بالمقابل عالما ينشد الحرية مهما كان الثمن غاليا».

الحمدان شدد أخيرا على أن «تاتانيا» محطة اختبارية مهمة وجديرة بالتأمل، استندت على نص معاصر قدمها مخرج معاصر في عرض معاصر «وأجساد كلها تدرك أهمية وجودها وحضورها وفعلها في العرض وإن تميزت الفنانة فاطمة الصفي بحضورها اللافت والطاغي في العرض، أو إن عاز القس بعض الدهاء والهدوء في دوره كونه مدير اللعبة ومدبرها».

العدد 3086 – الخميس 17 فبراير 2011م الموافق 14 ربيع الاول 1432هـ