منتقداً ضحالة ثقافة الخليجيين السينمائية وتطبُّعها تلفزيونياً… بسام الذوادي: يغيظني جهل الشباب بماهيَّة التجريب والفيلم القصير

دبي – منصورة عبدالأمير 

في شهر أبريل/ نيسان الماضي، شارك المخرج البحريني بسام الذوادي في لجنة التحكيم الخاصة بمسابقة الأفلام الدولية، وهي المسابقة التي تم إضافتها هذا العام لباقي مسابقات مهرجان الخليج السينمائي الذي يتم تنظيمه في أبريل من كل عام.

إضافة المسابقة أثارت بعض صناع الأفلام الخليجيين الذين وجدوا في الإضافة الدولية مزاحمة غير منصفة لأفلامهم في الفوز بجوائز المهرجان والحصول على فرص أعلى لمشاهدة أفلامهم. الذوادي عبّر من خلال اللقاء التالي عن رأيه حول الأسباب الحقيقية التي يمكن أن تؤثر على حظوظ أفلام الخليجيين من الفوز أو المشاهدة.

كيف وجدت المشاركات الخليجية في الدورة الرابعة من مهرجان الخليج السينمائي، وذلك من حيث عدد الأفلام المشاركة ومستواها؟

– المشاركة جيدة، من حيث العدد كانت البحرين هي الأقل مشاركة خليجياً. أما من حيث المستوى فقد وجدت تنوعاً في الطرح، وعلى رغم أن الموضوعات التراثية كانت طاغية إلا أنني وجدت أن أفلام الطلبة سواء القصيرة أو التسجيلية لامست قضايا مجتمعية متنوعة أو معقدة. إن ملامسة هذه الأفلام لهذه القضايا الشائكة لا تتوافق مع تصورنا في الخليج بأننا لا نستطيع أن نجاري أفلام العراق التي تعتمد قضية الحرب وتحوي كم هائل من القصص التي لا توجد لدينا. لكن في الواقع نحن لدينا مشاكل أخرى وقضايا مختلفة وهي مهمة بالنسبة لنا. دائماًَ يقال إننا لا نستطيع تقديم هذه القضايا على الشاشة، لكن الإماراتيين اليوم ومن خلال أفلام الشباب تحدثوا عن قضايا مختلفة تهمُّ الإماراتي مثل الكندورة وهي الثوب الإماراتية التي بدأت تختفي بظهور التصاميم الحديثة، بل إنهم تحدثوا عن بعض القضايا التي تهمّ الدول الخليجية بشكل عام مثل قضية اختفاء اللهجات الخليجية الأصلية بدخول كلمات من لهجات سورية أو أردنية.

إضافة إلى ذلك فقد كان هناك تنوع كبير وانفتاح في القضايا المطروحة في بعض الأفلام الخليجية، وينبغي ألا نتحسس من بعض هذه القضايا كقضية راقصة البالية التي قدمها شاب قطري في فيلم جميل وجيد ومعمول بتقنية عالية. هذا الفيلم حصل على شهادة تقدير لجرأة فكرته. وفكرته جرئية لفيلم خليجي.

ما قصة الخليجيين مع الأعمال التراثية ولماذا كل هذا التركيز والشغف بالموضوعات التراثية في الأعمال السينمائية؟

– لسهولتها، العودة للزمن والتحدث عن قصة حصلت في الماضي أسهل بكثير من محاكاة الواقع اليوم. أنا أرى أن كثرة تطرق الشباب للموضوعات التراثية يعود لسهولتها وليس لوجود حاجة لهذا النوع من الموضوعات. لا أعتقد أن هناك سبباً آخر. أما اللجوء للتجريب مثلاً فهو أمر مختلف، التجريب ليس أمراً سهلاً والفيلم المتسلسل أسهل بكثير من الفيلم التجريبي، ولكي تقنع مشاهديك بالتجريب وتجعلهم يفهمون فيلمك فهذا أمر صعب.

فهل تقول إن علاقة الشباب الخليجي بموضوع التجريب في الأفلام علاقة غير مكتملة أو ليست بالمستوى المأمول؟

– لا أعتقد أن الشباب الخليجي يفهم التجريب. التقينا بالأمس مع مجموعة من الشباب ممن قدموا أفلامهم في المهرجان وتحدثنا حول هذا الأمر وحول كون بعض تجارب التجريب المقدمة خاطئة، وبالفعل اعترف الشباب بأنهم لا يفهمون التجريب. في الواقع أغاظني هذا الأمر إذ بدا لي وكأن هؤلاء الشباب فخورون بأنهم لا يعرفون التجريب، وكأنهم يلقون مسئولية تعليمهم التجريب علينا، لا أن يبادروا ليتعلموا الأمر بأنفسهم عبر المشاهدة والقراءة والاطلاع. لكن للأسف ثقافة القراءة والمشاهدة ضعيفة لدى الشباب لدرجة أنهم لا يشاهدون أفلام بعضهم. السينمائي الحقيقي يجب أن يحمل همّ البحث والمشاهدة والرغبة في المعرفة والاطلاع على كل التجارب السابقة سواء أعجبته أم لم تعجبه. في الواقع فما وجدته هو أن الشباب لا يدركون أصلاً معنى ومفهوم الفيلم القصير.

ماذا عن دور مهرجان الخليج السينمائي في تثقيف الشباب ومساعدتهم لاكتساب هذا النوع من المعرفة؟

– شاهدت بعض الأفلام القصيرة التي عرضت خلال هذه الدورة من المهرجان، والتي يمكن أن نطلق عليها أفلاماً قصيرة لكنها معدودة على أصابع اليد. على الشباب أن يدركوا معنى الفيلم القصير أولاً، الفيلم القصير هو حالة يختارها المخرج ويشتغل عليها أما حين تقدم موقف يتضمن أشخاص ويستحضر مواقف أخرى تقود إلى هذا الموقف فهذا يعني أنك تقدم عملاً روائياً وفيلماً له قصة وليس فيلماً قصيراً. الفيلم القصير هو حالة يصورها المخرج ويترك المتفرج لكي يقدم رؤيته حول هذه الحالة.

هل ترجع الأمر لتأثر الشباب بشكل أكبر بثقافة الأعمال التلفزيونية وإقبالهم على مشاهدتها؟

– نعم معظم أعمال الشباب تلفزيونية وكثيرون منهم يريدون تقديم دراما وأنا لا ألومهم في هذا، فهم لا يجدون أمامهم سوى التلفزيون ليتعلموا منه، ليس لدينا غزارة في إنتاج الأفلام بحيث يتمكن الشباب من أن يطلعوا عليها ويتعلموا منها، كل ثقافتهم تلفزيونية وقليل منهم لديه مشاهداته الخاصة. محمد شويطر حين قدم فيلم «أجيال» قدم عملاً مختلفاً، هو فيلم قصير، قدم رسالة حول السلام في ثلاث دقائق وحصل على الجائزة.

ما ضرورة توجه الشباب للأفلام القصيرة، هل ترى أنها مرحلة يجب أن يمر بها صناع الأفلام ليتمكنوا من الانتقال للفيلم الروائي الطويل؟

– المشكلة التي تواجه صناع الأفلام هو في عدم القدرة على عرض الفيلم القصير جماهيرياً وعدم وجود مردود مالي له كما إنه غير مدعوم من الدولة. صناعة الفيلم القصير ليست تجارة لذلك فإن صناع الفيلم القصير يجدون أنفسهم مجبرين على القفز إلى الفيلم الطويل. هناك من يتخصص في الفيلم القصير ويظل فيه ويعتبره عملاً له، لكن هذا لا يحدث إلا إذا حصل صانع الفيلم القصير على دعم من المؤسسات المعنية بالأمر. هل تعرفين أن هناك أفلاماً قصيرة في أوروبا تصل تكلفتها إلى نصف مليون يورو. مخرج هذا الفيلم لن يواجه أي مشاكل أو عوائق مادية في وجود دولة تهتم بفيلمه بهذا الشكل.

هذا التباين الواضح بين حال الفيلم القصير في المنطقة العربية وخارجها، هل يمكن إرجاعه إلى تباين واختلاف في ثقافة الفيلم القصير؟

– نعم ولذلك فإن أول ما فعلناه منذ العام 1991 خلال أول دورة للأفلام القصيرة في الإمارات والتي كنت عضواً في لجنة التحكيم الخاصة بها، هو أن قمنا بالبحث عن عدد لا بأس به من الأفلام القصيرة، ومشاهدتها. لم نكن نعرف مفهوم الفيلم القصير كنا نعتقد أنها فكرة تقدم في فيلم قصير. اضطررنا للبحث في الأمر، وقد حصلت حينها على مجموعة من الأفلام في لندن، كما حرصنا على حضور عدد من مهرجانات الأفلام القصيرة في العالم. قد لا يكون للشباب القدرة على حضور هذه المهرجانات لكن يمكنهم الحصول على هذه الأفلام على أقراص الـ «دي في دي».

لماذا كانت المشاركة البحرينية في الدورة الرابعة من مهرجان الخليج السينمائي ضعيفة جداً من حيث العدد، إذ لا يتجاوز عدد الأفلام المشاركين الاثنين؟

– تقدمت عدد من الأفلام البحرينية للمشاركة لكن مستواها لم يكن جيداً، إذ يبدو أن الشباب صنعوا أفلامهم على عجالة. لا أعرف لما فعلوا ذلك، فالأفلام القصيرة لا تحتاج لوقت طويل لإنجازها، العمل عليها لا يستغرق وقتاً طويلاً ولديهم عام كامل. هل تعرفين أن دورة كياروستامي التي نظمت خلال المهرجان لمجموعة من صناع الأفلام الخليجيين أنجزت عشرة أفلام تم صناعتها خلال فترة المهرجان التي لا تتجاوز الأيام المعدودة. صناعة الفيلم القصير لا تحتاج فترة طويلة وعلى الشباب أن يبدأوا العمل على أفلامهم ليتمكنوا من تقديم أعمال جيدة.

بالإضافة إلى ذلك فإن مشكلة الشباب هي أنهم حين يفكروا بالمهرجان فإنهم يفكرون بالجوائز. ويمكن للشباب البحريني أن يتخذوا من محمد شويطر مثالاً وأنموذجاً فهو على الرغم من حالته المرضية فقد استغل فترات العلاج الطويلة التي يتلقاها، لعمل فيلم عبر فيه عما بداخله. معاناته مع المرض جعلته يبدع ويخلق فيلماً. لم يفكر بالجوائز ولا المهرجان، فقط أراد أن يعبر عن إحساسه وحالته، بل إنه لم يكن ينوي التقدم بفيلمه للمشاركة في المهرجان. لكن بعض الشباب يعملون أفلامهم فقط من أجل المشاركة في المهرجان والمنافسة، والفن لا يمكن أن يقدم بهذه الطريقة. تصوري أن فيلم محمد الذي فاز بجائزة المهرجان كان يمكن ألا يجد طريقه للمهرجان.

لماذا لا يكون لنادي البحرين للسينما دور في دعم الشباب وتوجيههم لتقديم أفلام سينمائية ذات مستوى جيد تضمن لهم الوصول إلى مختلف المهرجانات؟

– النادي قام بالفعل بتشجيع الشباب، وقدم في السابق دورات خرّجت عدداً من الشباب الذين قدموا أفلاماً في مختلف دورات المهرجان، بل إن النادي قام بتنظيم مهرجان لأفلام الشباب في مراحل معينة. لكن المشكلة هي أن الشباب أولاً يستعجلون الأمور ثم أنهم ورغم قناعتهم بأن النادي يمكن أن يقدم لهم الخبرة من متخصصين ويمكن أن يوفر لهم فرص لمشاهدة الأفلام الجيدة، فإنهم لا يحضرون النادي.

قمت بالتحكيم في مسابقة الأفلام الدولية التي أضيفت هذا العام لمسابقات مهرجان الخليج السينمائي، كيف وجدت الأفلام الشبابية الدولية وكيف تقارنها بالأفلام الخليجية؟

– المقارنة غير ممكنة فصناع الأفلام الدولية يأتون من دول تمتلك صناعة سينما، كما إنهم يشاهدون الكثير من الأفلام، وذلك فإنهم حين ينوون صناعة أفلامهم فإنهم يتحركون بناءً على ما شاهدوه من أفلام. لكن صانع الفيلم لدينا لا يتحرك على هذا الأساس ولا يشاهد الكثير من الأفلام.

وربما يتضح هذا الأمر بشكل كبير في أفلام الرسوم المتحركة إذ نجد أن أفلام الإنيمي الدولية مختلفة ومميزة على مستوى الصورة والفكرة وعلى الرغم من أن الفكرة بسيطة إلا أن صانع الفيلم يتمكن ببراعة من أن يقدم حالة ما بشكل مذهل.

أما أفلام الإنيمي التي تأتي من المنطقة لدينا فتكون في العادة أفلاماً معقدة، تحوي الكثير من التفاصيل. الأفلام القصيرة بشكل عام وفيلم الرسوم المتحركة يجب أن تقدم فكرة بسيطة وتعرضها بشكل جميل، والشباب لدينا لا يستوعبون هذه الحالة ولا يرونها. أنا أعتقد أيضاً أن الخبرة التراكمية والتجربة الحياتية والنضج الشخصي كلها عوامل يمكن لها أن تجعل صانع الأفلام يلاحظ هذه الأمور.

فكيف تم إضافتها إذن لمهرجان يفترض أن يروّج للأفلام الخليجية ويشجع صناعتها، ألا يمكن أن تزاحم هذه الأفلام الدولية الأفلام الخليجية وتأخذ منها فرص استقطاب الانتباه على أقل تقدير؟

– هذا الموضوع حصل على الكثير من المعارضة، لكن إدارة المهرجان ترى أن إضافة المسابقة الدولية للمهرجان الخليجي تفتح مجالات جديدة للفيلم الخليجي.

إذ إنه يوجد لدينا مشكلة في الفيلم الروائي الطويل في الخليج، تخيلي لو لم يكن هناك أي فيلم روائي طويل، هل يتوقف المهرجان؟ المهرجان اليوم يقبل بأفلام يضعها في خانة الروائي الطويل قد لا ينطبق عليها تصنيف فيلم روائي طويل ولكن هذا يحدث لأنه المهرجان يجب أن يستمر المهرجان ولأن إنتاج الأفلام يجب أن يستمر. كذلك فإن الأفلام الدولية لها قسم خاص لا علاقة له بالخليجي، الخليجي يبقى في قسمه المنفصل وإذا كان جيداً وقادراً على منافسة الدولي يذهب إلى الدولي ولذا أعتقد أن هذه الأفلام تدعم الأفلام الخليجية لكي لا يتوقف المهرجان في حال وجود نقص في الأفلام الخليجية المشاركة. الأفلام الدولية لا تنافس الخليجية كما إن الفيلم الخليجي لم يصل لمرحلة يتمكن فيها من منافسة الفيلم الدولي. إضافة إلى ذلك فإن وجود الأفلام الدولية يعطي الشباب الخليجي فرصة لمشاهدتها والاستفادة منها في أعمالهم لكي لا يحصروا أنفسهم في أعمال التراث وفي الأعمال ذات الطابع الحزين.

كيف وجدت عملية تحكيم الأفلام الدولية بشكل عام وهل هناك تفاوت كبير في مستوى الأفلام المقدمة للمهرجان؟

– اختلفنا كثيراً، نحن أعضاء لجنة التحكيم في عملية تحكيم جميع الأفلام، وكان هناك نوع من الحدة بيننا. من جانبي فلقد كنت قاسياً في عملية التحكيم، هل يعود ذلك لأنني أكبر أعضاء اللجنة سناً أم لأنني الأقدم في هذا المجال، لا أعرف ولكن الأمر حدث بشكل لا شعوري. اختلفنا كثيراً حول أفلام الطلبة التسجيلية والقصيرة.

لكن رغم ذلك ورغم اختلاف اختياراتنا، إلا أن آراءنا كانت متشابهة حين تعلق الأمر بالأفلام الدولية. بل إن عملية تحكيم هذه الأفلام واختيار أفضلها لم يستغرق وقتاً طويلاً، فهذه الأفلام كانت مكتوبة ومصنوعة بشكل صحيح سينمائياً، ثم إن تعامل صناع الفيلم مع الفيلم القصير مختلف تماماً. هذه الأفلام هي نموذج يمكن للشباب الخليجي أن يحتذي به

العدد 3294 – الأربعاء 14 سبتمبر 2011م الموافق 16 شوال 1432هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s