جنان العود: «السنابس» جهة مأهولة بالسلام… وضجيج قصائدي رقيق ومسالم

شارع البديع – منصورة عبدالأمير 

ترفض الشاعرة البحرينية جنان العود أن توصف بالمتمردة، تعترض بابتسامة هادئة تشبهها كثيراً، وتقول: «لا أطلق سوى ضجيجاً رقيقاً» وذلك في رد على سؤال عمّا إذا كان ديوانها الذي دشنته أخيراً تحت اسم «كونشيرتو.. نحو جهة مأهولة بالسلام» يحمل كثيراً من التمرد في قصائده، في ثيماته، في اسمه وفي اللوحة المنقوشة بالقهوة التي تتصدر غلاف الديوان والتي أبدعها الفنان محسن المبارك… وقّعت جنان العود ديوانها، وهو الأول خلال أمسية نظمت في مقهى نقش، ضمت جمعاً من أصدقاء جنان من الشعراء والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي. صدر الديوان عن مؤسسة الدوسري للثقافة والإبداع، ويقع في 95 صحفة وهو مقسم إلى فصلين «تغتسل بالقند» و«قوارب ورقية». «الوسط» التقت الشاعرة على هامش الأمسية وأجرت معها حواراً تحدثت فيه عن فراغ أرواحنا الذي يجب أن يملأ وعن «السنابس»، قريتها التي تشي بالسلام دائماً، وعن ذلك الضجيج الرقيق الذي تشبهه جنان «بالتمرد في لذته وفي نكهة الحرية التي يمنحك إياها التمرد، لكنه في نهاية المطاف ضجيج مسالم كفيل بغسل الأرواح وبإنعاش الذات الإنسانية من العتمة».

تبحرين في «كونشيرتو» باحثة عن جهة مأهولة بالسلام، وفيما أقرأ أبياتك أجدك تنشدين سلاماً داخلياً، فيما توحي لوحة غلافك وربما عنوانه بأنك تنشدين السلام مع محيطك. عن أي سلام تتحدثين إذن، وأيهما تنشدين؟

– أتحدث بالدرجة الأولى عبر هذا الديوان عن السلام الداخلي الذي يتوغل في العميق جدا من الروح، وهو ذلك الذي يتحقق عبر التناغم بين الداخل والخارج في الإنسان. أؤمن بأن تحقيق السلام الداخلي هو البوصلة الحقيقة نحو السلام الخارجي، السلام مع الكائنات، مع الحياة، مع الوجود، مع المجتمع ومع الكون بأسره.

اخترتِ أن تطلقي على ديوانك اسم «كونشيرتو»، هل تبحثين عن السلام وسط موسيقى الكونشيرتو، أم إن قصائدك هي العزف المنفرد فيما يكمل المجتمع المحيط بك ذلك العزف؟

– ليس العزف المنفرد تماما هو ما أقصده، الكونشيرتو هنا هو اللحن الموسيقى المتناغم الذي تصدره الآلات الموسيقية. صوت الكونشيرتو هو الضجيج الرقيق الصادر من جملة آلات موسيقية مجتمعة، وعلى الرغم من اختلاف أشكالها وأدواتها وأحجامها فإنها تصدر لحنا أشبه بحلم أو خرافه نسمعها فنصلي.

فكيف تأخذك الموسيقى للسلام وكيف تصلين للجهة المأهولة بالسلام؟

– أصل للجهة المأهولة بالسلام في الصمت، في القصيدة، في الحب، في إعطاء التفاصيل حقها من التأمل. أجد السلام في أبسط الأمور كالتغيب عن العمل دون سبب مهم، في أحاديث الأطفال وانتقاداتهم المهمة، في إرتشافة شاي بالحليب. السلام الحقيقي هو أن تتمرد على هموم الحياة بأشياء بسيطة جدا تشعرك بإنسانيتك. وفي الغلاف تتضح صورة من أهم صور السلام تتجلى في الرقص، حين نرقص فإننا ببساطة لا نكترث بقيود أو ضوابط مملة. في الرقص تصوف وسفر مجنون لجهة مأهولة بالسلام، وعبره نغتسل من الهم، ونتحرك نحو كل الجهات لكننا في الواقع نرجو جهة السلام ونضحك.

تنشدين السلام في كل قصائدك وكلماتك، لكن في القصيدة التي أهديتها لقريتك السنابس تحت عنوان «خبز يكابر»، كانت هناك مكابرة وصراع، وهناك أطفال يبتسمون في وجه المكائد ويأكلون خبزهم وسط الدخان. أين السلام في هذا المشهد الذي يشي بالصراع؟

– في هذه القصيدة يبرز مفهوم المكابرة وبلوغ السلام رغماً عن الدخان الذي يغلف القرية. هذه القرية التي لا تكترث بكل العناء الذي يتعاقب عليها، لكنها حنونة صبورة كجدة مؤمنة. السلام في يوميات أهل السنابس، في حياة الناس البسطاء، هناك عند بائع السمك الأسمر، وعند بائع الخضروات العجوز، وعند مقبرة السنابس التي تصبح مهرجاناً في كل خميس، في الخبز الفريد الطعم، في أطفال السنابس الذين يبدون أكبر من عمرهم الحقيقي، في الأمهات الحكيمات، في رائحة السمك المقلي التي تنتشر في أروقة السنابس ظهرا، في إرادة الخبز الذي يتحدى الألم. قد تتكرر هذه الصور في مناطق كثيرة في البحرين، لكن للسنابس حيز خاص في قلبي لكونها قريتي وطفولتي وبيت جدي ولأنها مسرحية جامحة. لدي شغف بتفاصيل السنابس لأنها وبلا مراوغة جهة مأهولة بالسلام اليومي الذي ينهض مقاوما الألم.

تعتمدين القصيدة النثرية في ديوانك، لماذا تفضلين هذا اللون من القصائد؟

– أتحيز لقصيدة النثر لأنها قصيدة مريحة وفضفاضة أشبهها دائما بالأم السمينة ذات الحضن الدافئ التي تحتوي كل الأحفاد والأولاد وكأنها تبعث طمأنينية في البيت. وهي أيضا تشبه قميصا أبيضا صيفيا مطرزا بالورد، لكن هذه القصيدة في الوقت ذاته تقع فريسة لجدل واسع حول كونها قصيدة أم لا، سهلة أم صعبة، ثرثرة أم شعر، إذ مازال الكثير من الأدباء والمثقفين لا يعترفون بقصيدة النثر ولا يدرجونها ضمن قائمة الأنواع الشعرية فهي دائما محط هجوم.

القصيدة النثرية بنظري سهلة وصعبة في الوقت ذاته. ليس هناك قيود متعجرفة في كتابة النثر ولكن هناك إحساس معين يفترض أن يصل إلى القارئ بطريقة معينة. هي سهلة لأنها متحررة من أعباء وقيود ومن تكلف فلا أوزان فيها ولا سجع مرتب. لكنها صعبة لأن ليس كل ما يدون بشاعرية يعد نثراً. أظن أنه يجب أن تكون هناك حساسية بالغة في التعامل مع قصيدة النثر، في كتابتها وفي إيصالها لأنها إن غابت عن روح الشاعر لا تعود صديقة وفية له!

لكنها تحررك من كل القيود والقواعد والأوزان، كما تتطلب منك جرأة أكبر للتمرد على تلك القيود، كيف ترفضين أن أصفك بالمتمردة إذن؟

– ليس حقا، لأن التحرر يكمن في الهروب من القوالب الأدبية المملة لكن الحساسية في التعامل مع قصيدة النثر مطلوبة دائما حتى لا تفقد سحرها في التأثير على القارئ وهنا بيت القصيد. من يكتب قصيدة النثر يجب أن يمسكها بخفة، بذكاء وحذر شديد لئلا تهرب منه، فهي تحتاج لسحر خاص. التحرر في قصيدة النثر مسؤولية أيضا ولا يجب أن يتخذ كذريعة هنا.

تهدين ديوانك إلى الحيز المضيء في عتمة غابة. ما هو هذا الحيز المضيء وكيف تصلين إليه؟

– قد يبدو الإهداء غريبا وغير كلاسيكي. الحيز المضيء يشمل كل القلوب التي أحب والتي تشيع الحب والصلاة حولي. تلك القلوب التي إن اجتمعت بها شعرت بسلام داخلي يضيء عتمة الحياة ومزاجاتها الغريبة.

قصائدك مليئة بالتأمل، تهتمين بأدق التفاصيل، أبياتك تمتلئ حياة وأصواتاً وروائح. حدثيني عن ضرورة تلك التفاصيل الصغيرة للوصول إلى حالة السلام؟

– أعتقد أن الإنسان يجحف بحق نفسه إذا لم يكترث للتفاصيل من حوله، فمن يحيا روتينا بحتا ينسيه لذة البحر، الحب، الأكل، الموسيقى، القراءة، من لا يرى العصافير، من لا يشاهد النمل، من لا يتسكع بدون هدف، من لا يشعر بطعم الموسيقى أو برائحة القهوة يحيا كآلة مجبرة على الحياة. أظن أنه من المهم التأمل في كل التفاصيل الحياتية كانت في الكائنات الحية أوالأمكنة، المذاقات، الأوقات، الهموم، الملل نفسه كحالة يجب التأمل فيه.

عبر ديوان الكونشيرتو أوجه دعوة واضحة وصريحة للقارئ لأن يتأمل. بل أنني أحرض القارئ على التأمل والصمت وعلى رؤية زوايا أخرى في هذه الحياة، و أطمح لأن أخلق عنده حالة تصور عميقة في يومياته وفي الصور والوجوه التي يراها. التأمل في أشياء صغيرة وبسيطة جدا قد نشعر بأنها روتينية أو عادية لكن لو رأينا الجمال الخفي فيها لذهبنا في سفر نحو السلام. يجلس عشرون شخص قبالة البحر أثناء الغروب لكن أغلبهم قد يفكرون بالانسحاب حين تغيب الشمس ويخيم الظلام، القليل منهم يتأثر بمشهد غروب الشمس، القليل يرى أسلوبها في الغياب، أسلوبها في الموت والحياة

العدد 3442 – الخميس 09 فبراير 2012م الموافق 17 ربيع الاول 1433هـ

أقيم معرضه بجمعية البحرين للفنون التشكيلية… عباس يوسف يلقي رابع تحاياه اللونية إلى جبار الغضبان

المقشع – منصورة عبدالأمير

ليس جديداً على الفنان التشكيلي عباس يوسف أن يهدي تحاياه للفنانين والمثقفين عبر معارضه التي يقيمها بين الحين والآخر. هكذا هو ديدنه منذ أعوام، وهكذا هو منذ أن ارتأى أن يهدي أولى تحاياه في العام 2002 للكاتب والروائي أمين صالح الذي تربطه به علاقة صداقة حميمة وقديمة. كان ذلك معرض «البحر عند ما يسهو» وكانت تلك هي أولى التحايا.

ها هو يعود من جديد، وللمرة الرابعة يقدم إحدى تحاياه اللونية، هذه المرة للفنان التشكيلي عبدالجبار الغضبان عبر معرض فردي أقامه تحت عنوان: «تحية إلى جبار الغضبان» احتضنته جمعية البحرين للفنون التشكيلية في الفترة من 26 ديسمبر/ كانون الأول الماضي حتى 31 يناير/ كانون الثاني.

وكما لا ينبئ عنوان المعرض بالكثير؛ فإن يوسف لا يتحدث كثيراً حين أسأله عن سبب اختياره إلقاء تحية لونية على الفنان التشكيلي عبدالجبار الغضبان، يقول: «يصعب عليَّ شرح العلاقة مع جبار لكن يمكنكِ أن تسألي أي فنان تشكيلي أو مثقف ممن هو على صلة بالمشهد وسيخبرك عن علاقة عباس بجبار. أنا أكتبها في معرضي هذا كشهادة وأشارككم إياها. جبار صديق عمر ونحن نلازم بعضنا بعضاً على الدوام، لا نكاد نفترق».

وأضاف «منذ بداية تفكيري في المعرض كان جبار ملازماً لي. كنت ألتقيه يوميّاً وكان يراني أعمل لكنه لم يكن يعرف ما أعمل عليه وربما لم يعلم بالأمر كله إلا قبل يوم من الافتتاح وهذا ما أفعله على الدوام تماماً كما حدث مع قاسم حداد الذي قدم لي أحد معارضي من دون أن يعرف أنه تحية لأمين صالح. لقد عملت على المعرض لمدة عام كامل من دون أن يشعر جبار بالأمر».

لكن مَن يستحق تحايا عباس يوسف اللونية، ولِمَ يستحقونها، ألميزة في عمل وعطاء من يحييهم أم لكونهم أصدقاء مقربين. أيبعث عباس رسائل تقدير وتحايا تضامن لونية، أم يشارك الآخرين صداقاته ويطلعهم على سر ديمومة علاقاته وعمقها؟ سألته «هل ترسل التحايا إلى أصدقائك فقط أم إلى من يحمل قيمة معينة من الفنانين والمثقفين؟».

يقول يوسف: «هذا فعل إنساني بالدرجة الأولى؛ فهنالك أشخاص قد لا يكونون بالضرورة أصدقاء فعليين، لكنهم في واقع الأمر كأصدقاء لم تلتقهم أبداً وسواء كانوا مثقفين أم فنانين فلهم بكل تأكيد تأثير كبير في حياتك ما يجعلهم يبقون في الذاكرة».

ويواصل «إنه فعل إنساني يجب عليَّ عمله، هو كالدَّين الذي يجب عليَّ الوفاء به عاجلاً أم آجلاً. هذه هي فكرة انجاز التحايا لمن أعتقد أنهم يستحقونها نتيجة فعلهم الإبداعي والإنساني».

يوسف إذن يقدم رسائل عبر التحايا، إنه يعلن تضامنه اللوني مع الفنانين ممن يستحقون ذلك، مع من يجبره تأثيرهم على إلقاء التحايا.

وكما يذكر يوسف؛ فإن ثاني تحاياه كان قدمها في العام 2008 للشاعر علي الشرقاوي، ويعلق على ذلك «هناك جوانب إنسانية أجدها دائماً أبعد من أي جوانب أخرى».

كما أنه وفي العام 2009 قدم ثالث تحاياه تحت عنوان: «كليم اللون» للفنان التشكيلي ناصر اليوسف (1940 – 2006). لكن تحية يوسف هذه جاءت بعد وفاة اليوسف، وهو يؤمن بأن تكريم المبدعين لا يمكن أن يتم إلا في حياتهم.

يقول يوسف: «أردت أن أحيي ناصر في حياته لكن ظروفاً ألمت بي حالت دون ذلك. أنا مع تكريم المبدعين وهم أحياء».

ويضيف «ناصر رائد من رواد الحركة التشكيلية، أصيب بمرض السكري الذي أخذ منه الكثير لدرجة أن أفقده بصره، لكن ولعه بالفن وإيمانه به لم يتوقف فظل يرسم وهو فاقد البصر بل أقام ثلاثة معارض شخصية إن لم تخنِّي الذاكرة».

في معرضه الأخير هذا يحيي يوسف صديقه الغضبان بأكثر من 30 لوحة تجريدية يغلب عليها اللون الأصفر الممتلئ بكثير من البياض ما يجعل اللوحات تشع ضياءً حتى حين تكسر لوحات ثلاث ذلك الضوء الأصفر المبيض، بألوانها الزرقاء الداكنة، فإن يوسف يكسر زرقة تلك اللوحات ببياض يشع من منتصفها أو بكولاجات تبدو منذ الوهلة الأولى مختلفة، وكذلك بأعمال جرافيك هي غاية في التميز.

يقول يوسف: «أربع من لوحاتي أدخلتها باللون الأزرق لكن اللون الأصفر هو الطاغي، ولا أعرف لماذا اللون الأصفر. جاورت في إنجاز العمل بين فعل الجرافيك الذي أشتغله باستمرار والذي يعد جبار أستاذ الجميع فيه في البحرين، ومن ثم أنجزت باقي الأعمال مثل الرسم على القماش».

ويواصل «أساس الأعمال كلها أعمال جرافيك، لكني أقوم بكسرها بعد ذلك بالاشتغال على اللوحة مرة ثانية بإضافة طبقات لونية أو عمل الكولاج.

ما يميز كولاجات عباس يوسف هو أنه يحضرها بنفسه في قوالب خاصة «في كل أعمال الميكس ميديا المعتمدة على الكولاج بالألوان، «أحضر أوراق الكولاج بنفسي وهي أوراق شفافة جدا أقوم بطباعتها بنفسي لأضمنها في لوحاتي. هذا الورق غير موجود لدى أي فنان آخر فأنا أحضر قوالب الخشب بنفسي ومن ثم أطبع الورق بداخلها».

خلال المعرض قام عباس يوسف بتوقيع كتابيه «إلى البحر بجناح فراشة» (2006) و»بلون ماء النار.. برذاذ حليب المعدن» (2009) وأهداهما زوار معرضه.

يشار إلى آن آخر مشاركة للفنان عباس يوسف كانت في المعرض الدولي الثامن للفن الحديث في آسيا وإفريقيا الذي أقيم خلال شهر أبريل/ نيسان 2011 في مدينة اكسي تانغ في الصين.

أما آخر معارضه الفردية فكانت تحيته للفنان ناصر اليوسف في صالة البارح للفنون التشكيلية في العام 2009. وللفنانين عباس يوسف وعبدالجبار الغضبان العديد من المعارض المشتركة أقيم آخرها في العام 2010 في كامل غاليري بمدينة دمشق

العدد 3434 – الأربعاء 01 فبراير 2012م الموافق 09 ربيع الاول 1433هـ