في أولى أمسياته الشعرية في نقش غاليري… الشاخوري يوجّه دعوة إلى الفرح على رغم كل الشبهات

شارع البديع – منصورة عبدالأمير 

نظم نقش غاليري أمسية خاصة للشاعر إبراهيم الشاخوري وذلك تحت عنوان «فوضي الحواس» حضرها جمع من الأصدقاء والمهتمين، قرأ الشاخوري خلالها عدداً من نصوص الشعر الحر التي جاءت تحت عناوين: «حكاية الأشياء»، «أعيدوني»، «أنا والبشر» وغيرها من النصوص. وكان الشاخوري قد كتب نصوصه تلك على مدى أعوام عديدة وفي فترات مختلفة؛ اذ يصل عمر أقدمها إلى ستة أعوام. ويشير الشاخوري إلى أنه وعلى رغم اختلاف أزمنة كتابة تلك القصائد إلا أنها، وكما يعبر «يجمعها رابط واحد؛ إذ إنها تخرج من الرحم نفسه».

ويضيف، أنه يعتز بكل قصائده التي ألقاها حتى وإن بدا بعضها قديماً؛ ما قد يجعلها بدائية وكلماتها خالية من أي كثافة في المعنى؛ لكن هذه القصائد – كما يفيد – كما الأبناء بالنسبة له، قد يتمايزون في سماتهم الجسدية والنفسية لكنه لن ينكر أبداً أبوّته لأي منها وسيقف على مسافة واحدة من كل نصوصه تلك، وهو بذلك ينتقد بعض الكتاب «ممن لا يجدون أنفسهم على مسافة واحدة من نصوصهم وهم كالأب الذي يفضل بعض أبنائه على الآخر».

بدأ الشاخوري كتابة قصائده تلك منذ العام 2006، لم يجمعها أبداً، كتبها في مناسبات متفرقة وتحت إلحاحات وأمزجة لا تتشابه كثيراً لكنه اليوم وبعد مواجهة لإلحاح مختلف يجد نفسه يعود ليقدم بعضاً منها خلال أمسية نقش غاليري ثم ليعتزم جمعها لتصدر في ديوان يتجه إلى تسميته «شبهة الفرح».

أساله عن سر هذا الاسم لكني أسترجع مقدمته الرائعة التي افتتح بها أمسيته الشعرية، أتذكر حديثه عن سوء ظننا، كشعوب عربية بالفرح؛ الأمر الذي يظن الشاخوري أنه «أحد أمراضنا المزمنة وليس أمراً عارضاً، كما أنه أمر لم نختره لكنه مفروض علينا بحكم البيئة التي نسكنها». ويضيف «من يتجرأ على الفرح فينا يصبح مشبوهاً».

لكن سوء الظن هذا الذي يحمله الشاخوري باعتبار انتمائه للشعب العربي في مقابل الفرح الذي يشعره بديوانه المزمع إصداره جعلاه يعيش حالة من الاشتباه في ذاته.

يقول: «فرحت جزئياً بهذا الديوان كبداية لمشواري الأدبي؛ اذ إن كل بداية تحمل في طياتها أمراً إيجابياً يسعدنا».

ويضيف «لكن ذلك لم يجعلني قادراً على تجاوز حالة اشتباهي وسوء ظني في فرحتي تلك. كنت سعيداً بالحضور وبالبداية، وأنا الآن أجد نفسي شجرة في طور النمو».

عن أي شبهة يتحدث الشاخوري؟ لكني قبل أن أطرح سؤالي ذاك أسترجع حديثه عن سبب إطلاق اسم «فوضى الحواس» على أمسيته. قال إنه كان يقرأ رواية «فوضى الحواس» لأحلام مستغانمي حين باغته اتصال من أحد منظمي البرنامج الثقافي لنقش غاليري.

ربما كانت حواس الشاخوري تمر حينها بفوضى، الفوضى ذاتها التي أرادتها مستغانمي، قد تكون الدعوة المفاجأة من نقش غاليري، أو رهبة «الأمسية» الأولى لشاعر ظل يكتب منذ أيام المرحلة الإعدادية، لكنه آثر أن يحتفظ بكل كتاباته تلك بعيداً عن أي عين ناقد أو قارئ أو مستمع نهم أو سواه، حتى عندما اكتشف أستاذ اللغة العربية موهبته تلك ودعاه إلى المشاركة في مسابقة أقيمت على مستوى المدارس فاز فيها الشاخوري كما كان متوقعاً، حتى بعد ذاك لم يخرج الشاخوري كتاباته من عزلتها، لكنه اليوم وكما قال وجد نفسه يوافق على أمسية يقرأ خلالها ما أخفاه طويلاً، ولذلك أيضاً جاء الاسم «فوضى الحواس».

استغرب عمق تأثره بكتابات مستغانمي فيوضح «أحلام مجرد كاتبة تمر على محطة القراءة لدي كما تمر عربات ثانية لكتاب آخرين لكن لعله التزامن والصدف فقط هما ما جعلاني أبدو لك كذلك».

ثم يضيف «علي أية حال يقال إن الفرح تلزمه مجموعة مصادفات جميلة».

كان كاتباً في الصفحة الثقافية بصحيفة الميثاق، توقف قليلاً مع توقف الصحيفة وتفرغ لدراسة الهندسة لكنه أخيراً، ربما تحت إلحاح ونبض داخليين وجد نفسه يعود لإتمام مشروعه الأدبي. ربما لم يتمكن الشاخوري من مقاومة نداءات الشعر لحواسه التي تعيش فوضى مستغانمي وفوضى دعوة نقش غاليري. هذه الدعوة المفاجئة «فأنا لم أضع نفسي في خانة الشعراء، أنا مجرد هاو للشعر.

لكن أيضاً قد تعود الفوضى التي يعيشها الشاخوري للخلط والحيرة التي يعيشها وتبدو جلية في قصائده بين النبض الحزين وبين رغبة شخصية في الفرح، وهو كما يصفه سواء عبر عنوان ديوانه الذي ينوي إصداره؛ أو خلال أمسيته النابضة فرحاً، على عكس رغبته، «شبهة»؛ إذ إننا في أوطاننا العربية نخاف أن نفرح» بل إنه يعود ويؤكد أن مستغانمي صائبة في تشخيصها لمصيبة الفرح.

يستهل الشاخوري ديوانه بعبارات هي أبلغ ما يمكن في تعبيرها عن الفوضى التي تعيشها حواسه، يقول: «لمرة، قررت ألاّ أسيء الظن في الفرح وأن أكتب بابتسامة كاملة، ابتسامة تحوي جميع ما هرّبته روحي من قصائد على مدار السنوات الماضية، أهرّبه وأهرب به من ذاكرة لم تكتمل».

موجزة كانت عباراته لكنها متوهجة معانيها، عميقة في مضامينها، خفيفة في إيقاعها وموسيقاها، وعلى رغم رغبته … تنبض فرحاً. حضوره كان مميزاً، قد يعود ذلك لقوة في صوته وعمق وربما لتميز قراءته للشعر أو لتفرد معاني وروح مفرداته. على أية حال كان الشاخوري نجماً في أول أمسياته الشعرية.

بدأ الأمسية بقصيدة «حكاية الأشياء»، تساءل فيها عن الحقيقية، وعن ذلك الشيء الذي يملك حكاية الأشياء ويرسم في الوجوه ظلالها ثم يعيد لو شاء اختزال الحقيقة؛ إذ يقول:

هل للحقيقة غيرُ وجهٍ واحدْ؟…

أسماؤنا مخبوءةٌ في معطفِ المعنى لديهِ،

يوزّعها كما يهوى لكل الناسِ

لكن اسمي أنا ما زال فيه معناه جامدْ…

أتذكر الجلسات منذ طفولتي،

كنّا رابضين لديه

أحلاماً يشاغبها الفراش

بليلِ وحدتنا، ونرتشف المواقدْ…

لا أذكر التاريخ تحديداً

ولكنّ الطفولة تكتب التاريخ بالإحساسِ

تكتب طعمَ دمعتنا

تكتب ما نشاء كما نشاء، ولا تعاندْ…

وهناك يجلسُ،

كان يجلس أو يقفْ

ويديه تأكلها عيون الجالسين وترتجفْ

لم ندر هل كانت حقيقة زاهدٍ

أم قصةً جوفاء يتلوها علينا محترفْ

لا فرقَ،

كان الشيء يحضننا، وكان الجوّ «باردْ»…

ثم قرأ شيئاً من قصيدة «أعيدوني» ليوجّه من خلالها دعوة إلى الحلم الذي يعدو في دواخلنا يستثير الطفل فينا، يقول فيها:

الحلم يعدو فيكَ

يستعدي أجنتك المريضةَ

لا يخاف سواكَ

فانهض، لم يعد في الأفق قاعْ…

كل الجهات تحرّض الأصواتَ فيك

وتستثير الطفلَ، لكن

لم تزل كالظلّ مختنقاً

يخدّرك القناعْ…

الكونُ أوسعُ من ملائتك القديمةُ

أحرق عزيمتك الكئيبةَ

كيف تقبل أن تعيش العمر

مطوياً بلحْظاتِ النزاعْ…

ماذا تبقى؟

مالذي تخشاه؟

ماذا قد يكون ولم يكن؟

فاسلخ جلود الخوف وانشرها شراعْ…

كفكف دموعكَ

لم يعد للحزنِ وقتٌ

كما قرأ الشاخوري فقرات من قصائده التي جاءت عناوينها كالآتي: «أعيدوني»، «أنا والبشر»، «أسطول الحرية»، «خيول القدر»، «وجع الرماد»، «لوترجيات قرية»، «الساعة الواحدة».

العدد 3509 – الإثنين 16 أبريل 2012م الموافق 25 جمادى الأولى 1433هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s