قراءة في تجربة البحريني محمد راشد بوعلي… مخرج الشاعرية النوستالجيا والحنين للزمن الجميل

الوسط – منصورة عبدالأمير 

لا تتحرك الكاميرا كثيراً في أفلام المخرج البحريني محمد راشد بوعلي. قد تجدها كذلك، وفي الوقت ذاته قد تشعر بحركتها الانسيابية الناعمة. لكنك أيضاً وبكل تأكيد ستراها وتشعرها تتحرك ببطء، تنقل الأصوات وأدق تفاصيل الأشياء والأهم من كل ذلك ستنقل إحساس بوعلي وربما شخصيات أفلامه. هذه الكاميرا ستلتقيها دائماً في كل أفلامه «غياب»، «البشارة»، «كناري» وأخيراً «هنا لندن» وحتى فيلمه القصير «تحت السماء».

ولعل أهم ما يميز أفلامه هو تلك الكاميرا الانسيابية الناعمة التي تجبرك دائماً أن تتوقف أمام تفاصيل مشاهدها، تمعن النظر في إيماءات ممثليها، وإن كانت قليلة في عددها. البيوت القديمة ذاتها التي تدمج مشاهديه في حالة الحنين التي يرغب بوعلي في نقلها عبر كل أفلامه. الموسيقى الشاعرية ذاتها التي تأتي لتكمل الصورة. المشاهد الطويلة ذاتها بأحداثها القليلة وتفاصيل معانيها العميقة البعيدة.

«غياب»: حنين جهة الصوت

في «غياب»، ثالث أفلامه الذي أنتجه بنفسه العام 2008، وجدنا أنفسنا وسط منزل قديم متهالك، يخلو من أي حركة سوى من ورقة صفراء تسقط من علٍ، مروحة صدئة تكاد تدور، صحيفة مطوية ملقاة بإهمال، ومذياع قديم تصدح منه أم كلثوم وهي تغني «بس أنا نسيت الابتسامة». بطله عبدالله ملك، عجوز وحيد. ينعى الزمن كما يفعل بوعلي في كل أفلامه، يحمل حنيناً لا نتبيّن وجهته لكنه حنين للأصوات قطعاً. متعلق بماضيه حد الوهم. يتجسد حنينه ذاك في كل إيماءاته، حتى حين ينحني بحنان ليلتقط ورقة صفراء تسقط في صحن داره، يضعها جانباً بعناية ملحوظة. يفتح الباب، يكتشف وهمه، يخبر زوجته، تقنعه بوهمه، يستجيب باقتناع لكنه كما يبدو يود أن يعيش واهماً. يستعذب الوهم أو لا يقوى على العيش من دونه، لا يهم، لكنه ينقل وهمه إلى زوجته العجوز. نجدها تعيش الحنين نحو الأصوات ذاتها وتكرر المشهد نفسه. واهمان أم راغبان في الوهم، لا يهم، كل أبطال بوعلي يعيشون الوهم ذاته. ما يهم هو ما يحركهم نحو هذه المساحة، إنه الحنين نحو الماضي، أياً كان ذلك الماضي، وإن كان محمد يلمح بشكل أو بآخر إلى جمال ذلك الماضي وربما نقائه. وإلى جانب ذلك فإن كل أبطال محمد يعيشون حال انتظار غير مفهومة تماماً. لا نتبيّن ما ينتظرونه، لكنه قطعاً، وكما يلمح بوعلي، انتظار يستحق عناءه ويتطلب وحدة أبطاله واستغراقهم في حالة من التأمل والشاعرية التي تكاد تفصلهم عن واقعهم.

«غياب» اعتمد على سيناريو وضعه الكاتب والناقد السينمائي حسن حداد، عن نص للشاعر قاسم حداد بعنوان «الوحيد والوحدة». يضم طاقم عمله كلاً من الفنان عبدالله ملك والممثلة شيماء الكسار، قام بتصويره عبدالله رشدان، فيما قام بعملية المونتاج محمد جاسم، ليكمل محمد حداد ذلك الإبداع البصري بموسيقى رائعة كملت غزارة فكر بوعلي وعمقت أحاسيس أبطاله.

عرض «غياب» في ما يقرب من 24 مهرجاناً عربياً ودولياً وفاز بعدد من الجوائز، جاءت الأولى في مايو/ أيار 2008 حين حصد جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان الفيلم العربي بروتردام، لتأتي بعدها جائزة لجنة التحكيم الخاصة بالمسابقة العربية «البانوش الفضي» بالمسابقة البحرينية من مهرجان الريف للأفلام القصيرة في أغسطس/ آب 2008 والذي منح شهادة تقدير للفنان عبدالله ملك وأخرى للموسيقي محمد حداد.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2008 حصل على جائزة أفضل ملصق سينمائي من مهرجان الشرق الأوسط السينمائي- مسابقة أفلام من الإمارات، كما حصل على الجائزة الفضية من مهرجان الأردن السينمائي للأفلام القصيرة وذلك في نوفمبر/ تشرين الثاني 2008 لتأتي أخيراً الجائزة الثالثة من مهرجان المحمدية الدولي للفيلم القصير في دورته الرابعة بالمغرب في أبريل/نيسان 2010.

«كناري» و«البشارة»: كل شيء يغري بالتأمل

الوهم الذي عاشه ملك في «غياب» يشبه وهم سعد البوعينين في «كناري»، الذي أنتج العام 2010، وهو العجوز الذي يعيش وحيداً إلا من هاتف ذي سلك مقطوع يقضي معه جزءاً من يومه في محاورات هاتفية متوهمة، فيما يقضي باقي يومه صامتاً وحيداً خارج داره إلا من طائر كناري يرافقه جلسات الصمت البليغ تلك. البوعينين يتصرف كما عبدالله ملك في «غياب»، يتوهم عودة أحبة لا يعودون، ويحلم بزائر يطرق باب منزله لم يأت أبداً ولعله لن يفعل.

الكاتب والروائي أمين صالح أبدع السيناريو الخاص بفيلم «كناري»، فيما تكفل الموسيقي محمد حداد بالتعاون مع حسن حداد بإبداع موسيقى الفيلم. محمد حداد على أية حال هو من وضع موسيقى الأفلام الخمسة لبوعلي التي يناقشها هذا المقال. أدوار الفيلم قام بها إلى جانب سعد البوعينين، كل من أنيسة بورشيد، دانة السالم، راضي العلي، عبدالله حافظ.

في ثالث أفلام بوعلي «البشارة»، الذي أنتجته شركة البحرين للإنتاج السينمائي في 2009 فيما وضع الروائي فريد رمضان السيناريو الخاص به، كان البحر يغري بالتأمل، تماماً كما أغرى الحي القديم في المحرق عبدالله ملك، فرفض مغادرته، وبات ينتظر عودة زوجة متوفاة، معلقاً ثوب البشارة في مشهد كان مدعاة لتأمل طويل. الماضي الذي يحن إليه ملك ماض جميل إذن، جسده بوعلي في صورة زوجة حنونة خطفها الموت.

تقاسيم وجه ملك وتغضناته وهو يؤدي دور عجوز أثقلته سنون الوحدة والغربة، لفقد زوجته ولمحاولة أبنائه جره من ماضيه وإبعاده عنه، كانت كفيلة بأن تأخذنا لحال الحنين والنوستالجيا تلك بكل جمالها وبساطتها.

«البشارة» عرض في عدد لا يستهان به من مهرجانات الأفلام العربية في جميع أنحاء العالم العربي وفي أوروبا وحصد عدداً من الجوائز والتكريمات؛ إذ حصل أولاً على شهادة تقدير لأفضل ممثل وذهبت للفنان عبدالله ملك وذلك من مهرجان الخليج السينمائي في أبريل/ نيسان 2009، ثم جائزة الجمهور لأفضل فيلم من مهرجان العالم العربي للفيلم القصير بالمغرب وذلك في يوليو/ تموز 2009. قام بأداء الأدوار في الفيلم كل من عبدالله ملك، مريم زيمان، أحمد عيسى، جمال الغيلان.

«تحت السماء»: الكناري بطلاً

في الفيلم القصير «تحت السماء» سنجد أنفسنا في منزل قديم آخر، أكوام من الصحف القديمة، عجوز وحيد، يلتقط صحيفة قديمة ليجلس وحيداً خارج منزله على كرسي خشبي يشبه كرسي البوعينين. الكناري ذاته، لكنه هذه المرة لا يجالس العجوز، هو يكسر الصمت فقط، ويظل يغرد حتى النهاية، تماماً كما الماء المتدفق من حنفية لم يمهل القدر العجوز كي يغلقها ويوقف انسياب مائها. الكناري على أية حال سنجده بطلاً متكرراً لدى بوعلي، في «غياب»؛ إذ يمر سريعاً في المشاهد الأولى، وفي «كناري» حين يصبح طرفاً مهماً في القصة وربما أحد أبطالها وهنا في «تحت السماء» حين يسرد محمد اسمه في تترات النهاية كأحد الممثلين.

وكما تصمت الكاميرا طويلاً أمام مشهد جلوس العجوز على كرسيه الخشبي في «كناري»، تصمت هنا أمام مشهد الماء المتدفق والمنزل الخالي من الحركة، والعجوز الملقى على الأرض لا يستطيع الحركة.

جاء فيلم «تحت السماء» نتاج ورشة أفلام قدمها المخرج الإيراني الشهير عباس كياروستامي درّب خلالها مجموعة من المخرجين الشباب وذلك خلال الدورة الرابعة من مهرجان الخليج السينمائي التي أقيمت في أبريل 2011. الأفلام الناتجة عن الورش تم وضع فكرتها وتصويرها وإخراجها والانتهاء من كل عمليات المونتاج المتعلقة بها في فترة لم تتجاوز الثلاثة أيام هي الفترة ذاتها التي عقدت خلالها الورشة. وقد عرضت تلك الأفلام خلال الدورة الخامسة التي أقيمت في شهر أبريل الماضي ضمن فقرة خاصة في برنامج المهرجان قدمت تحت عنوان «كرز كياروستامي».

«هنا لندن»: كوميديا شاعرية حزينة!

هاهو بوعلي يعيد الكرة في «هنا لندن» لكن بشكل مختلف قليلاً. هنا نجد عجوزين يصارعان كثيراً من الظروف فقط من أجل التقاط صورة فوتوغرافية لابنهما المسافر إلى لندن. يقوم بأدوار هذا الفيلم الذي يمكن تصنيفه ضمن أفلام الكوميديا السوداء كل من هدى سلطان ومبارك خميس ومحمد جاسم. بوعلي حصل على منحة إنجاز لإنتاج هذا الفيلم، وهو أول فيلم خليجي يحصل عليها. الكاتب الإماراتي المبدع محمد حسن أحمد قدم السيناريو الجميل للفيلم.

تبدو المهمة صعبة، فالزوجة ترفض التقاط الصورة في استوديو، تفضل المنزل، يقرر الأب الاستعانة بابن الجيران، المصور. بعد ذلك لا تبدو صورة الأم بغطاء الرأس «العباية» منطقية كصورة موجهة لابن يفتقد والديه. يقنعها الأب والمصور فالكاميرا يمكن أن يتم توقيتها لتلتقط الصورة من دون مصور. فأر مشاكس يعارض المهمة المستحيلة أيضاً. يبدو الإيقاع بهذا الفأر مستحيلاً. يكلف الزوجين كثيراً من الجبنة، كما تكلفهما الصورة كثيراً من الوقت والمفاوضات والمشاجرات وكثيراً من تذمر واستياء ابن الجيران. لا نعرف بعد كل ذلك العناء إن كانت الصورة قد وصلت لوجهتها الأخيرة.

كوميدي فيلم بوعلي الأخير، لكن على رغم ذلك سنجد فيه الحنين ذاته الذي يملأ أفلامه السابقة، هذه المرة موجّه لابن العجوزين المسافر الغائب، تماماً كما وجّهه ملك البشارة لزوجة متوفاة، فيما لم يحدد ملك غياب وبوعينين كناري وجهة حنينهما.

يشار إلى أن هذا الفيلم هو أول مشروع فيلم خليجي قصير يحصل على منحة «إنجاز» للإنتاج المشترك التي تمنحها مؤسسة دبي للإعلام والترفيه بالتعاون مع سوق دبي السينمائي، لصناع الأفلام الخليجيين. بعدها حصل الفيلم على جائزة مهرجان الخليج الثالثة لأفضل فيلم خليجي قصير.

هي كذلك إذن، وهو كذلك أيضاً، مخرج شاعري حالم، الأصالة هي ما يشغل باله، ثيماته تنم عن ذلك، الغياب هو الثيمة الغالبة في كل أفلامه، غياب الأصوات، غياب الحركة، غياب الأشخاص، غياب البحر، غياب الحي القديم، غياب الزمن الجميل.

الانتظار يتكرر أيضاً كما تتكرر البشارة التي لا تأتي، لا يطرق زائر الباب في «غياب» ولا تعود الزوجة في «البشارة» ويفقد العجوز طيره في «كناري»، وهنا في «هنا لندن» لا نعلم إن وصلت رسالة الزوجين ابنهما كما لا نعرف إن تمكنا من الإيقاع بالفأر في شركيهما.

سنجد في الفيلم أيضاً الشخصيات كبيرة السن، الوحيدة، التي تحمل الحنين والحب وكل مشاعر الزمن الجميل وسط تغضنات وجوهها. سنرى الحنين ذلك يتسلل كشعاع دافئ حزين، ينطق بالكثير، أكثر بكثير مما تنطق به الشخصية نفسها. شخصيات محمد لا تتحدث كثيراً.

هي الثيمات ذاتها إذن، الغياب، الحنين، الغربة، وكلها، كل ثيمات بوعلي تدور في وسط منازل شخصياته، في رمزية جميلة إلى الوطن. هي كذلك، وهو محمد راشد بوعلي، مخرج الشاعرية والحنين إلى الزمن الجميل.

العدد 3577 – السبت 23 يونيو 2012م الموافق 03 شعبان 1433هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s