في أول أفلامه القصيرة «لايك»… أحمد الفردان يحذر «الحمقى الطيبين» من تفاصيل تكمن على بعد زر

الوسط – منصورة عبدالأمير 

تألق الفنان والمخرج التلفزيوني أحمد الفردان بشكل خاص خلال الدورة الأخيرة من مهرجان الخليج السينمائي عبر عدد من الأفلام القصيرة التي كان فيها ممثلاً أو مخرجاً. كان له حضور خاص خلال المهرجان عبر فيلم المخرج أسامة آل سيف «كن رجلاً» في أداء مميز ومتقن لرجل سلبي يقرر فجأة التمرد على كل ما حوله. بعدها وجدنا لمساته الفنية في التصوير وفي الإخراج في فيلم «خسوف» لعبدالله السعداوي. لكن المفاجأة جاءت مع فيلمه القصير الأول «لايك» الذي أثار الانتباه لموهبة إخراجية سينمائية جديدة يتوقع منها الكثير.

يعتبر الفيلم ثالث تجارب الفردان السينمائية، بعد مساهماته كمخرج مساعد أول في الفيلم الروائي الطويل «حكاية بحرينية»، ثم كمخرج منفذ في فيلم «حنين». لكن الفرق أن هذا الفيلم يحمل لمسات الفردان الخاصة في كل تفاصيله، فهو من وضع قصته وكتب السيناريو الخاص به بالتعاون مع المخرج والفنان المسرحي عبدالله السعداوي، وهو كذلك أول فيلم يخرجه الفردان.

يناقش الفيلم قضية هي غاية في الحساسية والتعقيد، يدور حول قصة رجل لم يقدر أهمية التفاصيل والأشياء الصغيرة من حوله. انقلبت حياته رأساً على عقب، لا لشيء إلا لأنه لم يعِ أن هناك دائماً من وما يتربص به في وسط التفاصيل والأشياء الصغيرة.

بطل الفردان هو الفنان المتألق دائماً حسين عبدعلي، هذا الشاب الذين ما أن يظهر على المسرح حتى «يلتهم» كل حواس ومشاعر وانتباه جمهوره، وها هو على ما يبدو يفعل الأمر ذاته في أولى تجارب الفردان السينمائية القصيرة.

يسرد الفيلم جزءاً من تفاصيل حياة حسين، لكنه جزء قاتم يتناول تبعات «إعجابه» بـ «ستاتيوس» ما على صفحات «فيسبوك» أحدهم. لا نعرف ما احتوته تلك «الستاتيوس»، لكنه، وكما سيتضح بعدها يقع في خانة المحظور، وصل إلى حسين بفعل التسارع التكنولوجي وما صحبه من رفع «جبري» لتوصيات وقوانين كثيرة لم يراد لها أبداً أن ترفع. على أية حال فإن حظر المعلومات المنقولة عبر التكنولوجيا الحديثة هو أمر غاية في الصعوبة والتعقيد. لكن في المقابل فإنه لا أسهل من تتبع ومعاقبة ومن ثم تخوين وتدمير ومحاصرة من يعتقد «سوءاً وجهلا» أن لاقانون التكنولوجيا يعني القدرة على ممارسة الحرية بأشكالها المدنية والمتحضرة في هذا الفضاء. الفيلم يقول مخطئ من يظن ذلك كل الخطأ، أولئك الذي لا يمتثلون، أولئك الحمقى الطيبون، عليهم أن يتحملوا كل النتائج الكبيرة قبل الصغيرة. هؤلاء لا يعلمون أن هناك دائماً من وما يتربص بهم وسط هذا الفضاء.

منذ البداية نجد الأشياء الصغيرة التي يتحدث عنها الفردان تتربص ببطل فيلمه. الأزقة والشوارع والطرقات والممرات الضيقة وسلسلة تتدلى في أعلى الكادر لا يلتفت إليها حسين فيما هو ماض في طريقه. يبدو هو الآخر متربص بكل ما حوله، فهاهو يقرر مصيره بنفسه حينما يضغط ذلك الزر ويختار أن يعجب «لايك» بتلك «الستاتيوس». إنها إحدى تلك الأشياء الصغيرة في تفصيلها لكنها كبيرة فادحة في أُثرها. ضغطة زر وخيار لايك على موقع الفيس بوك بديا صغيرين لكنهما كلفا بطل الفيلم الكثير. قطعاً ما كان يعلم أنها إحدى تلك الأشياء التي تتربص به وما كان يعلم أيضا أنه لا يملك خيار ضغط ما يشاء من الأزرار والإعجاب بما يريد من الأفكار.

لا ينتظر بطل «لايك» الكثير، صباح اليوم التالي تأتيه بدايات النهاية حين يطرد من مكتبه شر طردة، يمهل دقائق لينهي كل أموره، لا لتقصير من جانبه، فشهادة الموظف المتميز التي تطالعنا على حائط مكتبه والتي يثبتها وراء ظهره تماماً وتظل بارزة في وسط الكادر طوال المشهد، تخبرنا أن سبب طرده لم يكن سوى «اللايك» التي وضعها عن سبق إصرار وترصد، والزر الذي ضغطه في حالة تلبس بخيانة القوانين اللامكتوبة وفي حالة حب وشغف بحرية ما.

كل ذلك كان ينتظره على بعد زر وهناك، هناك فقط وراء تلك الكلمات المنمقة الجميلة أو الممتلئة قهراً أو غضباً، التي كتبها أحدهم على حائطه الشخصي في لحظة يأس أو جنون أو لعله غضب وانفجار عارم. هناك فقط تقف كل مسببات الإحباط في حياة البطل، تتربص به، تنتظر إقدامه على تلك اللحظة المجنونة وارتكابه لتلك الحماقة.

يخسر بطل الفردان عمله، يتملكه الإحباط والحيرة، يتوقف عن دفع اقساط بنوكه، يعجز عن سداد حاجات أسرته. يعيش أياماً عصيبة يتبدل خلالها حاله من سيئ إلى أسوأ. وليس ذلك فحسب بل تتداخل المشاهد الأولية مع مشاهد نعرف منها أنه دفع الثمن غالياً، أغلى بكثير مما تصور.

على بعد زر إذن تتكسر الأحلام، تنكشف الأمور على واقع مر كالح. تتبدل الوجوه، تخنق الابتسامات، ويقتل الطموح، ببساطة يجرد الفرد من كل معاني الحياة.

لكن الفردان يعطينا شيئا من الأمل في نهاية فيلمه، فالجار الذي ماتت ابتسامته، تظل له ابنة صغيرة تلوح لبطلنا المغبون حتى نهاية المشهد، وتظل محتفظة بابتسامتها الطفولية الرائعة على رغم كل انقلاب الأحوال وتبدلها. إلى جانب كذلك نسترجع كلمات أحد رواد محطة الباص الذي تأخر عن موعده «فالباص حتماً سيأتي» ولا يعرف المتحدث الذي أدى دوره عبدالله السعداوي إن كان سينقل رواده لمحطة سعيدة أم كئيبة لكنه قطعاً آت وإن تأخر.

الفيلم من تأليف عبدالله السعداوي وأحمد الفردان ومن تمثيل حسين عبدعلي، لمياء الشويخ، عبدالله السعداوي، حسين الرفاعي، وملاك صالح.

العدد 3591 – السبت 07 يوليو 2012م الموافق 17 شعبان 1433هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s