يرفض «تعقيم» الأعمال التاريخية ولا يشارك فيها… عدنان أبو الشامات: ظننت كل السوريين مثلنا

المنامة – منصورة عبدالأمير 

أحب دوره كثيراً في مسلسل «عن الخوف والعزلة»، لكن معظم محبي الأعمال الدرامية في البحرين يعرفونه بـ «أبو ديبو» الشخصية التي قدمها في الأجزاء الثلاثة الأولى من المسلسل ذي الشعبية الكبيرة «باب الحارة». يؤكد هو كلامي ايضا ويبدي استغرابه، فذلك في رأيه لم يكن أجمل أدواره. الفنان السوري عدنان ابوالشامات، فنان مميز بثقافته… باطلاعه… بتجربته الواسعة… وبفكره الحر. عرف التمثيل مبكرا، تركه ثم عاد إليه، ليحقق فيه نجاحاً يتوقع من فنان بقدراته وموهبته.

علاقته بالسينما لم تتعد التجارب القليلة؛ ذكر منها «عراء السكر»، «تحت السقف» و«في غيابات من أحب» لكن فناناً بثقافته واطلاعه شارك أخيراً كمحكم في مهرجان بغداد السينمائي الدولي.

في طريق عودته من بغداد مروراً بالمنامة التقته «الوسط» لتحاوره عن المهرجان، السينما العربية، الغربة، وسورية الجريحة.

عدت للتو من مهرجان بغداد السينمائي الدولي حيث شاركت فيه كمحكم للمسابقة الرسمية للفيلم الروائي الطويل والقصير. هذه تجربتك الأولى في التحكيم، حدثني عن انطباعاتك عن التجربة والمهرجان الذي يقيم رابع دوراته هذا العام.

– التحكيم بلا شك تجربة مهمة أعطتني صورة أكبر عن الوضع الفني بشكل عام، فما خطر لي وأنا أراقب الأفلام هو أننا إلى الآن لا نستطيع أن ننافس الغرب تقنيّاً أو ماديّاً في الإنتاج الفني. لذلك فقد وجدت نوعاً من الظلم في جعل الأفلام العربية تتنافس في المسابقة نفسها مع أفلام غربية. المفترض أن تكون لكل منهما مسابقته الخاصة وأن يتم تقييم الأفلام العربية بين بعضها وكذلك الحال بالنسبة إلى الأفلام الغربية وتخصص لكل منهما جوائزه، وخصوصاً أن المهرجان خصص جزء من البرنامج للسينمائيين العراقيين كما نظم احتفالية بالمخرجات العربيات وخصص لهن مسابقة خاصة.

بكل تأكيد الأفلام الأجنبية ستفوز سواء من جهة التقنيات أو غير ذلك، ولا يمكن أن يفوز فيلم عربي إلا إذا كان استثنائيّاً. وعموماً؛ فإن الفيلم الغربي حتى القصير يُدعم من عدة مؤسسات، فيما يعتمد الشباب من أصحاب المحاولات السينمائية على طاقاتهم الذاتية.

المهرجان نفسه يعمل بجهود فردية إذ لا يوجد دعم من الحكومة أو من أية مؤسسة رسمية. أتمنى أن يتطور المهرجان، فأي بلد عربي يتقدم بمثل هذا المشروع ينشط المجال الثقافي فيه وفي جميع أرجاء الوطن العربي.

ماذا عن الأفلام العربية التي شاركت في المهرجان، كيف وجدت مستواها السينمائي وقدرتها على المنافسة، وكيف هم الشباب العربي سينمائيّاً؟

– الأفلام المشاركة كانت معقولة، هناك 300 فيلم تنوعت بين وثائقي وروائي قصير وطويل شاركت في المهرجان وجاءت من جميع أنحاء العالم. أما من العراق؛ فلم يكن هناك سوى أفلام قليلة جدّاً، فالعراق يعاني صعوبات كثيرة لأنه خرج من سنوات طويلة من الحرب وهو في طور التعافي سينمائيّاً وثقافيّاً. الشباب السينمائيون يعملون جهدهم لينجزوا أعمالا، لكن ما عرض من أعمال عراقية كان محدوداً، وللأسف لم أتمكن من مشاهدتها لأنني انشغلت بمشاهدة الأفلام التي يجب علي تقييمها كعضو لجنة تحكيم. المهرجان عموماً حاول أن يكرم أكبر عدد من العراقيين تشجيعاً لهم.

شاهدت تجارب متنوعة في الفيلم القصير من المغرب العربي ومن الخليج ومن العراق، وعلى المستوى التقني أجدها ذات مستوى معقول وخصوصاً المشاريع المدعومة منها، فالشباب يستخدمون أحدث التقنيات الموجودة على مستوى الصورة والإضاءة والكاميرات، كما أن الفنيين مطلعون بشكل كبير على مزايا هذه التقنيات. لكن على مستوى الحدوتة والتمثيل لايزال لدينا ضعف يجب أن نتداركه، بالطبع إلى جانب الضعف في الإخراج والمونتاج. تقنيّاً هناك مجال لأن نكون على مستوى واحد مع الغرب لكن المشكلة الكبيرة في الأفكار والقصص وطريقة المعالجة ومتممات الموضوع وموازنات الأفلام.

ما الذي يمكن أن تقدمه المهرجانات السنيمائية العربية الكثيرة المنتشرة للسينما العربية؟

– أي نشاط عالمي من هذا النوع؛ يخلق احتكاكاً بين فنانين ومثقفين من كل أنحاء العالم، وهذا أول شيء إيجابي في هذه المهرجانات هو أن يتعرف الناس على بعضهم بعضاً ليطلعوا على انتاجات بعضهم. المهرجان فرصة مكثفة لحضور أكبر عدد من الإنتاج الفني الذي قدم خلال العام ولحضور الندوات واللقاءات التي تعقد على هامش المهرجانات وغيرها، وهي في اعتقادي توسع من أفق الفن، وهي فرصة ليختلط الشباب بأصحاب الخبرات الأطول والخبرات المؤسساتية. هذا بشكل نظري أما بشكل عملي؛ فإن الفن والفنانين والمبدعين وخصوصاً الشباب؛ بحاجة إلى دعم لكي يتمكنوا من تحقيق طموحاتهم. لا أعرف مستوى الدعم في دول الخليح عموماً ولكن في سورية لا يوجد سوى دعم قليل جدا للسينما. لدينا مؤسسة السينما التي تنتج أفلاماً، وكان هناك محاولات من التلفزيون السوري لدعم فنانين عملوا أفلاماً قصيرة. عموماً في الوطن العربي هناك مواهب كثيرة وشباب طموحون لكن لا توجد مؤسسات متخصصة للدعم، في الواقع ليس لدينا عمل ممنهج لدعم الحركة الفنية والثقافية.

دخلت عالم الفن في سن مبكرة، بعدها جاءت فترة انقطاع طويلة، سافرت خلالها إلى الخارج، يقال إنك كنت تطمح إلى العالمية، ما صحة هذه الأقاويل، وهل خضت أي تجارب سينمائية في الخارج خلال فترة الانقطاع تلك؟

– بدأت التمثيل حين كنت في السابعة من عمري، اشتغلت بالإذاعة والتلفزيون والمسرح. كان طموحي عندما كان عمري 12 عاماً أن أصبح مثل عمر الشريف الذي كنت أعتبره نموذجي كممثل. سافرت إلى فرنسا لدراسة الإخراج السينمائي وكان عمري حينها حوالي 20 عاماً، ما عطلني ومنعني من إتمام مشروعي وحلمي هو عدم إتمامي بعض الأوراق الرسمية ولذا رفض تجديد جوازي وواجهت مشكلة كبيرة في الخارج. لم أشأ العودة الى سورية كي لا أخدم بالجيش، ولذلك كان يجب أن أبقى في الخارج وأدفع بدل نقدي للحكومة السورية. هكذا انتهت مشاريعي بالنسبة للفن إذ كان يجب أن أشتغل وأكسب لقمة عيشي لأتمكن من دفع البدل. اشتغلت بالتجارة وعشت في فيننا وكونت أسرة مع سيدة نمساوية. بعد طلاقي أردت أن أرجع إلى حلمي. عدت إلى سورية في 1997. وعلى رغم أن هناك أشخاصاً في المجال الفني يعرفوني فإن عملية الدخول مرة أخرى إلى هذا المجال صعبة؛ فاستغرقت 3-4 أعوام حتى بدأ المخرجون يعرفوني. ربما خدمتني اللغات العديدة التي أتحدثها، وهي الانجليزية والفرنسية والألمانية والعربية طبعاً وقليل من الايطالية والأسبانية.

تجربة الغربة، بماذا عادت عليك في المجال الفني إلى جانب ما اكتسبته من لغات عديدة.

– الغربة تجعل لك خاصيتك. تغربت في عدة بلدان، النمسا وسويسرا وايطاليا والسعودية. ليس هناك شك في أن الغربة تطور الشخصيات والملكات؛ ففي الغربة تلتقي جنسيات لا تلتقي بها في وطنك، وتختلط مع أشخاص لا تعرف عنهم أي شيء وخصوصاً الأوروبيين الذين يحملون أفكاراً جاهزة عنا كما نفعل نحن. لكن حين تغوص في المجتمعات المختلفة وتعرف تفاصيل حياة الناس، تتغير نظرتك إلى الأمور وتختلف وكذلك نظرتك لنفسك ولثقافتك وإلى الآخر، كما تتغير مفاهيم كثيرة لديك وتتصلح أو تتثبت. الغربة مثلها مثل أية تجربة في الحياة تتبعك بجوها وبمحيطها وبالمجتمع الذي تعيش فيه، لكنني دائما أقول إن أول خطوة تخطوها في الغربة تجعلك غريبا أينما حللت، فأنا حاليا أشعر بالغربة في سورية فحين أتحدث بمنطق الأشياء أجد نفسي بعيداً عن أصدقائي وإخواني. الغربة أعطتني خصوصية وأعتقد أنه لكي يصبح الفنان محبوبا يجب أن تكون له خصوصية معينة وأن يكون لديه ما هو غير موجود لدى غيره. الحمد لله أن اعطاني شيئاً خاصّاً وأنا أحاول أن اثبت وجودي من خلال هذه الخصوصية.

رجوعاً الى العالمية، برأيك ما هي اشتراطات العالمية وما هي المعوقات أمام أي شاب عربي للوصول إلى العالمية في المجال السينمائي والفني.

– حين تشتغل في الغرب أو تطلب في أعمال عالمية؛ فهي قضية صدفة أو حاجة كما حدث مع غسان مسعود حين قدم دور صلاح الدين في فيلم ريدلي سكوت «مملكة السماء» فما حدث هو أن فريقاً جاء الى المنطقة وعمل اختبارات تمثيل لعدد من الممثلين فوجدوا أن غسان هو الأكثر شبهاً بما تخيله المخرج لصلاح الدين فيزيائيّاً طبعاً، بغض النظر عن امكانياته الفنية.

كيف هي سورية الآن وهل تأُثرت الدراما السورية والفن والفنانون عموماً بالأزمة خصوصاً مع تباين مواقفهم

– سورية سيئة، ليست بخير إطلاقاً، تعيش مأساة ربما لم تعشها بتاريخها. نتمنى أن ينتهي هذا القتل والاستنزاف اليومي لكل الحياة والبشر والحجر والشجر. بعد أن شاهدنا الأحداث الدامية في سورية، كنت أقول لأصدقائي من الفنانين وغيرهم إننا تفاجأنا بما يحدث، كنا نعتقد أن كل السوريين مثلنا، لكن اتضح أن هناك سوريين مختلفون فهذا العنف والدم الذي نشاهده لم أكن أتخيل في يوم من الأيام أن أراه في سورية، البلد الآمن الذي كان من أجمل ما يكون. ما يحدث الآن أصبح يشعرنا بخوف قد لا نتمكن من التخلص منه.

الدراما مثلها مثل غيرها تتأثر بكل شيء يحدث حولها ولكن دائما مطلوب من الدراما أن تتأثر أكثر من غيرها وتعبر عن هذا الأمر على التلفزيون. لكني أرى أن ما قد يكتب عن الأحداث في سورية لم يأت وقته بعد، لو حاولنا أن نقدم شيئا الآن فلن يكون فيه أي نضج أو بعد نظر ولا فهم عميق لما يحدث. برأيي بعد سنوات قد يظهر عمل يقدم وجهات نظر مختلفة يشرح ما يحدث وكيف ولماذا يحدث.

أما الفنانون فنحن كمجتمع لديه حد أدنى من الثقافة ومعتاد أكثر على الحوار والديمقراطية والخلاف الديمقراطي فإن الخلافات بيننا بسبب انتماءاتنا المختلفة لا تتعدى كونها نقاشات حامية لكن ما عدا ذلك ترجع الأمور إلى مسارها.

كيف ترى إقحام الفن والفنانين في السياسة، هل ترى أنه من الصحيح تدخل الفنانين في الأزمات التي تعاني منها شعوب الربيع العربي كما يحدث في مصر وسورية؟

– أي فنان هو أيضاً مواطن ومن حقه إبداء وجهة نظره أو التحزب لأية جهة ضد أخرى بحسب رؤيته. الفن وأي شي يعمله الإنسان في حياته هو سياسة، حتى السكوت هو نوع من السياسة، فلا يمكن فصل أي حياة بشرية عن الحياة السياسية بأي مكان.

ما شجع تدخل الفنانين بالسياسة هو الثورة المصرية التي طلب من الفنانين فيها التعبير عن آرائهم كما أن بعضهم نزلوا بدون أن يطلب منهم إلى ساحة التحرير وأعلنوا تأييدهم للثورة. لذلك طلب من الفنانين السوريين اظهار الموقف نفسه، بعضهم اصدروا بيانات وبعضهم لم يفعل. الفنان شخصية عامة ومعروفة يحب الناس ان يعرفوا كيف تفكر، لكن في سورية الرأي ليس مجرد رأي، فحين تعبر عن رأيك قد تدفع حياتك ثمناً وهذا ينطبق على كل أرجاء الوطن العربي، فحين تعبرعن رأيك تدفع ثمناً غالياً.

أعلنت رأيك فيما يحدث في سورية، ما أدى إلى اختراق صفحتك، ووضع شعارات هجومية عليك وعلى بعض الأطراف، هل هذا صحيح؟

– للأسف لم أتمكن من دعم الثورة في سورية، أنا معارض من زمن حافظ الأسد، عارضت النظام الأمنى الذي كان يحكم سورية لكن هذا لا يعني أن أدعم هذه الثورة. هناك شاعر وأديب سوري مشهور اسمه نزيه ابو عفش وهو معارض سجن أيام حافظ الأسد، قال جملة مهمة جدّاً وهي انه لا يمكنني أن أتبع كل ما يتحدث عن الثورة ويرفع شعارها، أريد أن أعرف إلى أين يأخذني أولاً. وكان عندي احساس بأن هذه الثورة لا تريد الحرية التي تدعيها وقد ثبت هذا الأمر لدي بالفعل.

ذكرت في احد لقاءاتك أنك ترفض المشاركة في الأعمال التاريحية، وأرجعت الأسباب الى أمور كثيرة منها ان هناك تلفيقاً في مضمون الأفكار التاريخية، هل تجد فعلاً أن هذه الأعمال لا تنقل التاريخ بشكل صحيح؟

– نحن العرب نحب أن نعقم تاريخنا ونحب أن نظهر من كانوا في الماضي بغض النظر عن قيمتهم التاريخية او الدينية كقديسين. وأنا أرى أن كل إنسان له أخطاؤه وعثراته ونحن على ما يبدو شعوب تكره أن ترى ماضيها بإيجابياته وسلبياته. شاهدت أعمالاً تاريخية تتحدث عن شخصيات معينة ووجدت كيف تم حذف أحداث معيبة أو سيئة في تاريخ هذه الشخصية لمجرد إبراز الشخصية من دون أخطاء. عموما عزوفي يعود بالدرجة الأولى إلى ظروف الانتاج الصعبة التي تصاحب تصوير الأعمال التاريخية في الصحراء فيما عدا استثناءات قليلة حدثت من خلال المخرج حاتم علي الذي حقق رفاهية في أعماله التاريخية؛ فهو يصر على شكل معين من الانتاج يخدم الفنانين وهذا تفكير صحيح فليس من المعقول ان يتحمل الفنان درجة حرارة قد تصل الى 50 درجة في الصحراء ثم يتوقع منه تأدية دوره بشكل ممتاز. أرى أن الفنانين الذين يشتغلون في مسلسلات تاريخية فنانون استثنائيون بالفعل؛ لأنهم يقدمون أداء مقنعاً على رغم الظروف التي يعيشونها.

العدد 3696 – السبت 20 أكتوبر 2012م الموافق 04 ذي الحجة 1433هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s