في فيلم «وجدة»: هيفاء المنصور تناقش سياقة السعوديات من جديد

دبي – منصورة عبدالأمير 

بكثير من الرصانة وبكمٍّ لا يقل عنها من الهدوء، قدمت المخرجة السعودية هيفاء المنصور فيلمها الروائي الطويل الأول «وجدة»، لتناقش من خلاله بعض القضايا الجدلية التي تواجه المرأة السعودية. منذ الوهلة الأولى يبدو الفيلم، الذي عرض أخيراً في الدورة التاسعة من مهرجان دبي السينمائي الدولي، وكأنه يناقش القضية الجدلية وأول ما يقفز إلى الأذهان حال الحديث عن المرأة السعودية وهي قضية قيادة السيارة بالنسبة للسعوديات.

وعلى رغم جدلية وحساسية هذه القضية وغيرها من القضايا التي يناقشها الفيلم، إلا أن هيفاء كما هو معتاد منها وكما فعلت في كل أفلامها السابقة، لم تشأ أن تتصادم مع أي طرف، لهذا جاء طرحها رزيناً متعقلاً لا يهاجم أي جهة، يناقش القضية محل الخلاف بهدوء وحكمة ونضج بدوا واضحين في كل أحداث الفيلم وحواراته، بل وحتى في حديث هيفاء خلال المؤتمر الصحافي الذي تلا عرض الفيلم في رابع أيام مهرجان دبي. لم توجه هيفاء اللوم لأي طرف، لم تجعل من المرأة ضحية لغرور رجل ما، كلاهما ضحية قمع مجتمعي وعادات آن لها أن تتغير. كذلك لم ترفع هيفاء في فيلمها أية شعارات نسوية، ولم تدعِ النخبوية ولم تتعالَ في طرحها على المجتمع السعودي وهي ابنته. لم تفعل سوى أن سلطت الضوء على بعض الزوايا المظلمة مقترحة بعض الحلول وربما بعض التعديلات الطفيفة التي قد لا تغير منظر الصورة بالكامل بل تسير وفق النسق المجتمعي المقبول ووفق الحدود التي ترسمها لنفسها فيما تكتب وفيما تخرج فيلمها.

في الفيلم قدمت هيفاء «وجدة» الفتاة الصغيرة التي ترغب بشدة أن تحصل على دراجة هوائية، لكي تتمكن من أن تهزم ابن الجيران عبدالله وتشاكسه. تصطدم برفض والدتها ووالدها أولاً ومن ثم تواجه بعراقيل مجتمعية كثيرة، إذ لا تسمح عادات مجتمعها لأي فتاة بركوب الدراجة لما يشكله ذلك من خطر على أخلاقها. تقرر الفتاة الصغيرة على أية حال المضي في خطتها لجمع المال من أجل شراء الدراجة، فتقع في كثير من المشاكل في مدرستها. لكن وجدة ترفض الاستسلام وتقرر تحدي كل المصاعب والعراقيل لتصل في نهاية الفيلم إلى ما تريد وتقتني الدراجة التي أرادت.

تستعرض هيفاء في الفيلم الذي كتبت قصته وحواراته بنفسها كما أخرجته، محاولات الفتاة الصغيرة لجمع الأموال، في قالب درامي يتسم بكثير من الظرافة الخفيفة المحببة، تتصادم الفتاة خلاله مع مجتمعها الصغير أولاً الذي يمثله الوالدان، ثم مع المجتمع الأكبر الذي تمثله مديرة المدرسة.

عبر تلك التصادمات تلقي هيفاء الضوء على بعض من عادات مجتمع الفتاة الصغيرة وأفكاره التي تعيق وجدة عن نيل ما تريد، وتعيق كثيراً من النساء السعوديات عن الحصول على ما يرغبن وعن الانطلاق في حياتهن. تتعرض هيفاء للتربية الدينية الصارمة التي يتلقاها الصغار، والتي تمارسها مديرة المدرسة التي أدت دورها باقتدار مخرجة الأفلام والممثلة السعودية عهد كامل.

فهذه المرأة التي تحاول قسراً قمع كل رغبات الفتيات البسيطة التي لا تتعدى تلوين أظافرهن أو اللعب في ساحة المدرسة، تعيش تناقضاً كبيراً في حياتها نعرفه من خلال أحاديث النميمة التي تتبادلها الفتيات مع بعضهن في أحد المشاهد حين يتحدثن عن اللص الذي وجدته أسرة المديرة في خزانة ملابسها، لكن وجدة تعلم جيداً أنه لم يكن سوى حبيب مختبئ وليس لصاً، بل إنها تواجه مديرة المدرسة بذلك في أحد المشاهد الأخيرة للفيلم.

ومن ذلك إلى النظرة المجتمعية التي لا تسمح للفتاة الصغيرة باللعب مع ابن الجيران الذي يوازيها عمراً، ولا تسمح لها باقتناء أو ركوب دراجة هوائية، وتجبرها على تغطية وجهها كاملاً، ثم ترغم بعض زميلات وجدة على الزواج في سن صغيرة.

هيفاء تريد أيضاً أن تقول عبر فيلمها إنه ليس مهماً كم المتاعب التي تعرضت له الصغيرة وجدة، ولا كم الظلم الذي عاشته في مدرستها، أو عايشته حين تعرضت له زميلات لها، ولا كم الألم الذي عاينته في منزلها حين تفشل كل محاولات والدتها للاحتفاظ بالأب ومنعه من الزواج من أخرى تنجب له الابن الذكر.

لكن هيفاء أرادت أن تقول أن المهم هو أن وجدة فتاة مختلفة، لم تقبل الخنوع كوالدتها التي رضيت بزواج والدها بل حاولت إقناع ابنتها بأن زواج والدها بأخرى قرار خاص به. وجدة، وبدعم من والدتها، قررت أن تحصل على ما تريد وأن تشتري الدراجة وتقودها في أحد شوارع الحي وتتسابق مع ابن الجيران «عبدالله» وتهزمه.

مرة أخرى تناقش هيفاء قضية مجتمعها، وهي إلى حد كبير تشبه وجدة التي تواجه كل العراقيل، إذ إنها تواجه بهدوء تام وبكثير من النضج والتعقل كل ما يثار حولها وحول أفلامها من تجنٍّ، وما تسميه هي «إثارة للجدل»، قد يكون مصدره المرأة السعودية نفسها، تلك المرأة التي، ربما، تشبه والدة وجدة في الفيلم، ترضى بأن تكون خانعة تقبل كل ما يرسم لها من حياة ومن مصير دون أن يكون لها أي يد فيه.

العدد 3759 – السبت 22 ديسمبر 2012م الموافق 08 صفر 1434هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s