عودة «سيد الخواتم»… بيتر جاكسون وثنائية الخير والشر في THE HOBBIT

الوسط – منصورة عبدالأمير 

mon-1

بعد ما يقرب من عشرة أعوام، يعود المخرج النيوزيلندي بتير جاكسون من جديد بسلسلة أفلام سيد الخواتم The Lord of the Rings، الأفلام الثلاثة التي قدمها جاكسون في العام 2001، 2002 و2003. الآن يعود جاكسون بسلسلة أخرى مبنية على الرواية ذاتها التي اقتبس منه سلسلسة سيد الخواتم وهي راوية سيد الخواتم لمؤلفها جي آر آر تولكين. هذه المرة تعود السلسلة باسم الهوبيت The Hobbit، عرض الجزء الأول منها قبل أسابيع قليلة في جميع أنحاء العالم، تحديداً في 12 ديسمبر/ كانون الأول 2012 ولايزال الفيلم يعرض في دور السينما في البحرين.

ولوضع القارئ والمتفرج في الصورة فإن سلسلة الأفلام هذه التي تأتي كتتمة لسلسلة سيد الخواتم، هي أفلام لا يمكن للمتفرج أن يتخذ منها موقفاً محايداً، فهو إما أن يحبها بكل تفاصيلها الكثيرة المعقدة وإما أن يكرهها. لا يمكن لك بأي حال أن ترغم نفسك على المشاهدة والتفرج على هذه الأفلام ما لم تكن من معجبيها، طول الفيلم يقرب من الثلاث ساعات ومعظم إن لم يكن جميع أحداثه خيالية لأبعد الحدود، قد تتمكن من تلمس بعض الرمزية فيها، لكنك في بعض الأحيان قد لا تفعل ذلك. لذلك فإنني أقترح على من لم يحب السلسلة ألا يفكر على الإقدام على تجربة المشاهدة… ولا حتى القراءة.

وعودة إلى السلسة الجديدة، فإن جاكسون يقدم جزءه الأول منها الآن تحت عنوان «رحلة غير متوقعة» The Hobbit: An Unexpected Journey. ويعد هذا الفيلم الأول في سلسلة تتكون من ثلاثة أفلام مغامرات فانتازيا ملحمية، أخرجها وشارك في كتابة نصها السينمائي كما أنتجها بيتر جاكسون. تضم السلسلة إلى جانب هذا الفيلم فيلم الهوبيت: تدمير ساموغ The Desolation of Smaug وسيعرض نهايات عام 2013، وأخيراً يأتي الجزء الثالث من السلسلة نهايات عام 2014 ويحمل اسم «الهوبيت: العودة مرة أخرى» There and Back Again. وبالمناسبة فإن السلسلة الجديدة كما السابقة مبنية على رواية الهوبيت The Hobbit التي كتبها جي آر آر تولكين في عام 1937.

ومنعاً لاختلاط الأمور على متابعي السلسلة السابقة ومحبي الجديدة، فإن هذه السلسلسة الجديدة من الأفلام ليست تتمة لسلسلة سيد الخواتم The Lord of the Rings لكنها العكس من ذلك. صناع الفيلم يشيرون إلى أن أحداث هذه الرواية جرت في فترة سابقة لأحداث الرواية التي سردت في السلسلة السابقة. نحن نعود إلى شباب بيلبو باغينز في هذه السلسلة ليخبرنا عن مغامراته حين كان شاباً يافعاً وعن الخاتم الذي يملك قوى لن تفهم مغزاها إلا إذا عشت تجربة السلسلة الأولى بكامل تفاصيلها.

في هذه السلسلة نشاهد بيلبو الذي كنا نعرفه عجوزاً من السلسلة السابقة التي أدى فيها الدور آيان هولم. وبيلبو هو قريب فردود باغينز «ايلياه وود» وأول من أخذه إلى عالم الخاتم وقوته السحرية الغامضة. وفرودو هو أكثر من ظل الخاتم بحوزته ولم يتمكن من السيطرة عليه، بل إنه كان هو من ألقى به وسط حمم جبل العذاب ليخلص العالم من شروره في السلسلة الأولى.

يسرد لنا بيلبو باغينز بعضاً من مذكرات شبابه، ويأخذنا إلى مهمة بدت مقدسة وحمل الفيلم إشارات شبهها فيها بحملة صليبيبة جاءت تعيد الحق لأصحابه. لا نريد الغوص بعيداً في إيحاء الفيلم كي لا نفسد روعة المشاهدة. على أية حال الفيلم مليء بكثير من التلميحات والإشارات الدينية والسياسية.

وكما السلسلة السابقة، تدور أحداث هذه السلسلة في عالم الأرض الوسطى، وفي الجزء الأول نتتبع بيلبو باغينز في شبابه، ويقوم بدوره الفنان مارتين فريمان، الذي ينطلق في مهمة كلفها بها الساحر غاندالف ويقوم بدوره الفنان أيان ماكلين كما في السلسلة السابقة، ليرافق 13 قزماً يقودهم البطل الأسطوري ثيورين أوكينشيلد (يقوم بدوره ريتشارد ارميتاج) في مهمة لتحرير مملكة الأقزام «ايريبور» التي تقع في الجبل المنعزل، واسترجاع الكنز الذي يضمه من قبضة التنين ساموغ (بينديكت كمبرباتش).

ومن أجل الوصول إلى الجبل المنعزل، يتوجب على الفرقة عبور أراضٍ غادرة تمتلئ بكثير من المخاطر، بدءاً بمخلوقات الغوبلينز، فالأوركس، وصولاً إلى شخصية شريرة غامضة تدعى مستحضر الأرواح Necromancer.

أثناء مرورهم بنفق الغوبلينز، يلتقى بيبلو المخلوق الذي يغير نظرته لنفسه ولكل الأشياء من حوله، وأظن أنه من ينتظره ويترقب ظهوره كثير من محبي سلسلة الأفلام هذه، وهو غولوم بكل تأكيد الذي يؤدي دوره هذه المرة أيضاً الفنان أندى سيركيس.

هنا لا يكتشف بيلبو المتواضع البسيط، حدة ذكائه فقط، لكنه أيضاً يستحوذ على خاتم غولوم الثمين، خاتم ذهبي صغير يحدد مصير الأرض الوسطى بطريقة لا يعرفها ولا يعلم عنها بيلبو.

عبر المغامرات التي يعيشها بيلبو ورفاقه، نلتقي معظم الممثلين الذين ظهروا في السلسلة السابقة ومنهم آيان ماكلين وآندي سيركيس كما ذكرنا سابقاً، بالإضافة إلى آيان هولم الذي أصر مخرج أحد أفلام السلسلة السابقة غوليرمو ديل تورو على منحه دوراً في هذه السلسلة، حتى وإن عنى ذلك إضافة مزيد من التفاصيل للفيلم المتخم بالتفاصيل. في هذه السلسلة يعود أيضاً هييغو ويفنغ، وممثلون لم تظهر شخصياتهم في الرواية الأصلية مثل كيت بلانشيت، كريستوفر لي، إيلياه وود، أورلاندو بلووم.

كذلك يعود في الإنتاج، من بين آخرين، ويشارك في كتابة النص السينمائي، فران والش وفيليبا بوينز، والعديد ممن كانوا في طاقم العمل من مصورين وكتاب وفنيين. وتعود شركة ويتا وورك شوب لتقديم الدعم الفني والمؤثرات البصرية. بالإضافة إلى ذلك يعود الموزع هوارد شور، الذي كان من وضع موسيقي الثلاثية الأولى.

الدعم الأقوى الذي تحصل عليه هذه الثلاثية هو مشاركة المخرج السابق للثلاثية الأولى غوليرمو ديل تورو ليشارك في كتابة الأجزاء الجديدة.

شخصيات الفيلم

مارتين فريمان:

بيلبو باغينز في شبابه

نقل عن بيتر جاكسون قوله «على رغم التكهنات المحيطة بهذا الدور، إلا أنه لم يكن هناك سوى بيلبو واحد فقط بالنسبة لنا، من النادر في حياتك المهنية أن تلتقي ممثلاً تعرف أنه ولد ليلعب دوراً ما لكن هذا هو ما شعرت به حين التقيت مارتن فريمان، فهو ذكي، ظريف، وشجاع، تماماً مثل بيلبو».

ريتشارد ارميتاج

في دور ثورين اوكينشيلد

رئيس فرقة الأقزام التي تنطلق في مهمة استعادة مملكة الأقزام في الجبل المنعزل

اندي سيركيس

في دور غولوم

واندي يعيد تقديم الدور هنا بعد أن قدمه في الثلاثية، لايزال الخاتم يتملكه ولايزال يعاني الانفصام الحاد بين شخصيتين، شريرة قاتلة تمتلئ شرها وطمعاً وأخرى طيبة وديعة محبة للآخرين. يجن جنونه في هذا الجزء لأنه يفقد الخاتم مرة أخرى ويهزمه بيلبو البسيط الوديع.

ايان هولم في دور بيلبو باغينز العجوز

أراد المخرج السابق للفيلم غوليرمو ديل تورو بشدة ضم هولم لطاقم العمل لكنه بدا كبيراً لأداء الدور الذي يتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً، ولذا ناقش ديل تورو إمكانية أن يروي هولم الفيلم، لكن تقرر بعدها أن يؤدي دور باغينز حين يصبح عجوزاً.

هييغو ويفنع في دور ايلروند

سيد الإلف (جن الأرض الوسطى) الذين يعيشون في ريفينديل، ويقوم في هذا الجزء بتوفير ملجأ وحماية لبيلبو ورفاقه وبعدها من المفترض أن يصبح الاثنان صديقين. وكان ويفنغ قد قدم الشخصية نفسها مسبقاً في الثلاثية.

أورلاندو بلووم في دور ليغولاس

أمير من أمراء الإلف الذين يعيشون في ميركوود، وهو ابن ثراندويل.

كيت بلانشيت

في دور غالادرييل

هي جنية من جن الإلف وتشارك في حكم مملكة لوثلورين إلى جانب زوجها. وكانت بلانشيت هي أول من اختير من الفنانين للعودة إلى السلسلة الجديدة على رغم أن دورها لم يكن موجوداً في الرواية الأصلية.

ايلياه وود في دور فرودو باغينز

أحد الهوبيت والقريب المفضل لبيلبو باغينز، ولأنه وبحسب القصة فإن فردود يفترض ألا يكون قد ولد في الوقت الذي تدور فيه أحداث قصة الهوبيت، إلا أن ضمه إلى طاقم الفيلم جاء ضمن رواية أجزاء من القصة ستقع قبل أو أثناء أحداث سلسلة سيد الخواتم. وبحسب موقع TheOneRing.net فإن قراء الهوبيت يعلمون أن قصة الجزءين الأخيرين من السلسلة القديمة والجديدة وهما «سقوط سيد الخواتم» The Downfall of the Lord of the Rings و عودة الهوبيت»The Hobbit or There and Back Again واردتان في الكتاب الأحمر لويستمارش Red Book of Westmarch وهو كتاب خيالي في سلسلة سيد الخواتم. وبحسب السلسلة فإن هذا الكتاب يظهر على الشاشة ويتم كتابته من قبل بيلبو وفرودو. القراءة في الكتاب أو سرد بعض أجزائه ستدخل فرودو في السلسلة الجديدة ليعيش قصة بيلبو.

بينديكت كامبرباتش في دور سموغ مستحضر الأرواح

سموغ واحد ممن تبقوا من تنينات الأرض الوسطي، يقوم بحراسة الكنز في ايريبور، ويقوم كامبرباتش بلعب الدور التنين بطريقة مشابهة لتلك التي يلعب بها اندي سيركيس دور غولوم، إذ يتم استخدام الكمبيوتر لتقديم شخصية تستقى تفاصيل وجهها وتعبيراته من الممثل الذي يقوم بالدور والذي يؤدي الحوارات ويقرأ النص المكتوب. يكشف الفيلم لاحقاً أن مستحضر الأرواح هذا، الذي يحكم قبضته على معقل دول غولدور في جنوب ميركوود، هو في الواقع سارون الذي أراد الانتقام بعد أن تم طرده من المجلس الأبيض للسحرة.

أيان ماكلين في دور غاندالف العجوز

الساحر الذي يجند بيلبو ويساعد في تنظيم مهمة استعادة كنز الأقزام المفقود في ايريبور. وكان ماكلين هو من قام بالدور نفسه في ثلاثية سيد الخواتم. قام ماكلين بتحديث المعلومات على موقعه على الإنترنت في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2010، ليضيف فيلم الهوبيت إلى قائمة الأفلام التي قدمها. في التحديث كتب أنه تم البدء في تصوير فيلم الهوبيت الذي يتكون من جزءين، وأن التصوير بدأ في نيوزيلندا في شهر فبراير/ شباط 2011. وقال بأن التصوير سيستغرق أكثر من عام. وفي يناير 2011 أكد أنه «سعيد لبدء التصوير في ويلينغتون في 21 فبراير 2011».

العدد 3794 – السبت 26 يناير 2013م الموافق 14 ربيع الاول 1434هـ

الحب… الثورة… وقتلة الأحلام… وأكثر في فيلم «البؤساء»

الوسط – منصورة عبدالأمير 

fdd-1

ما الذي يمكن أن يحوِّل الأحلام إلى عارٍ، ومن يمكنه أن يفعل ذلك لأحلامنا، وكيف؟

تساؤلات كهذه قد تهاجمك حال مشاهدتك رائعة المخرج البريطاني، توم هوبر «البؤساء» التي أكتب عنها للمرة الثانية في هذا الملحق.

لا لشيء إلا لأنني لم أجد في السنوات الأخيرة فيلماً فعل ما فعله هذا الفيلم الذي يمكنه أن يروي ظمأ المشاهد لسيناريو قوي، ونص كتب بلغة رصينة، لإخراج متمكن يجمع بين أدوات سينمائية وأخرى مسرحية يشفع له كون الفيلم موسيقي، أداء رائع يجمع بين عمالقة هوليوود وعلى رأسهم، هيو جاكمان وراسل كرو، مخرج متمكن من تقديم رسالة سينمائية وإنسانية قبل ذلك.

هذا الفيلم الذي ينعش حواس وأحاسيس وعقل وروح المتفرج، ربما بسبب الجرعة العالية والمفرطة من المشاعر الإنسانية الراقية التي يتحفنا بها هوبر، وربما بسبب التأملات الفلسفية الكثيرة التي تملئ الفيلم، وربما بسبب مواقف الفيلم الراقية من كل القضايا الإنسانية. هذا الفيلم الذي يناقش الثورة على الظلم، الحب في زمن الثورة، وبعدها، الظلم، القسوة، المعاناة، النبل الإنساني، هذا وكل ذلك، لا يجد له صدى لدى المتفرج البحريني، لا أعرف السبب، لكن في كل مرة أشاهد فيها الفيلم تكون صالات العرض خالية، أسأل من شاهدوه مثلي فيكون جوابهم مشابهاً، الصالات تكاد تكون خالية، أتعجب لذلك.

للمشاهد البحريني أفلامه المفضلة على أية حال، لكن الأسئلة التي يطرحها الفيلم بكل عمقها وبكل تشعباتها في كل القضايا الإنسانية والمجتمعية والثقافية والدينية والسياسية قبل كل شيء تستحق من رواد السينما مشاهدة هذا الفيلم. لذلك فليعذرني القارئ لأنني أكتب له للأسبوع الثاني على التوالي حول الفيلم نفسه.

في هذه المرة سأتوقف عند أغنيات الفيلم، وهي إحدى أقوى أدواته، تحديداً عند الأغنية التي تتضمن العبارة أعلاه حول تحويل الأحلام إلى عارٍ، وهي التي جاءت على لسان «فانتين» إحدى شخصيات الفيلم المبني على اقتباس مذهل وذكي لرواية فيكتور هوجو الشهيرة «البؤساء».

آن هاثواي تقوم بدور «فانتين» في أداء يمثل أفضل ما قدمته منذ بداياتها، رشحها لجوائز عديدة، و»فانتين» هي امرأة فقيرة تعمل في مصنع يملكه «جان فالجان» بعد أن يصبح رجلاً غنياً وعمدة للمدينة. جمالها الفائق يجعل رئيس العمال يطمع في التقرب منها وإغوائها لكنها ترفض كل إغراءاته، ينتهز الفرصة يوماً ويطردها شر طردة حين يكتشف أنها أم لابنة أنجبتها دون زواج.

لا تجد «فانتين» سوى جسدها لتبيعه على عمال الموانئ، تبدأ بشعرها وأسنانها ثم تنتهي بجسدها بأكمله. ترثي «فانتين» نفسها وتتحدث عن أحلامها التي ضاعت في المشهد الذي قدمت فيه أغنية «حلمت حلماً» I dreamed a dream.

وهي هنا تعني الحبيب الغادر الذي هرب في الخريف بعد أن أمطر أذنها بكلمات الحب في الصيف. قتل حلمها في الحياة الجميلة وفي تكوين أسرة صغيرة معه ومع ابنتهما «كوزيت». قاتل الحلم أو محوله إلى عار إذن قد يكون الحبيب الغادر لدى «فانتين»، وقد يكون رب العمل الذي طردها حين اكتشف أنها أم لابنة، انتقاماً منها وهي التي رفضت التجاوب مع تحرشاته بها، وربما كان قتلة الحلم هم عمال الميناء وقاطنوه ممن استباحوا جسدها حين ألقت بها الحاجة لبيع كل شيء فقط من أجل تأمين نفقات ابنتها.

لكن الفيلم يشير في مشاهد أخرى إلى أن «فانتين» لم تكن الوحيدة التي ماتت أحلامها وقتلت وحولت إلى عار، فهناك الطلبة الثائرون الذين خذلهم الباريسيون حين تركوهم في مواجهة دموية مع جيش لم يرحم شبابهم وواجهم وهم ثلة قليلة من شباب لم يملكوا سوى قطع الأخشاب والأثاث القديمة ليحتموا خلفها وبنادق صغيرة لمواجهة جيش من الرجال حين أخفقت بنادقه في دحرهم استخدم المدافع لقصفهم في معركة وحشية راح ضحيتها الأطفال قبل الشباب وأغرقت أزقة باريس بدمائهم.

جافير، الذي يقدم دور شرطي قاس، يبدو وكأن أداءه مهمته والتزامه بقانون مجحف أهم لديه بكثير من إنسانيته التي شاهدنا موتها في مشاهد كثيرة من الفيلم، بل وأهم من أرواح الآخرين ومصائرهم جميعاً وصولاً للطفل «غافروش» الذي مزقت رصاصات الجنود جسده فيما واجههم بشجاعة وهو يقف بين صفوف الطلبة الثوار. «غافروش» كان طفلاً صغيراً حلم بحياة أفضل وقتل في معركة غير متكافئة مع الجيش.

جافير الذي يرمز للسلطة في الفيلم، قتل حلم الشباب في يوم جديد أفضل، وقبل ذلك اتهمهم بالخيانة وهم الذين ضحوا بحياتهم من أجل حياة أفضل لأهالي باريس، حياة تتقلص فيها سلطات المتنفذين وتسود فيها العدالة والمساواة في حق الحياة للجميع.

«فانتين» غنت لحلمها المغتصب، وقالت «حلمت حلماً في وقت مضى، حين كانت آمالي كبيرة، وحين كانت الحياة تستحق العيش، حلمت أن الحب لن يموت، وأن الله سيكون غفوراً».

توقفت لتتحدث عن خياراتها وكيف يصبح الإنسان مجبراً في وقت ما على اتخاذ خيارٍ ما كان ليتخذه. لكن أهم ما رثته «فانتين» كان الحب، وهو الثيمة الأهم التي تناولها الفيلم، وهي التي جعلها المخرج حلاً سحرياً لكل شيء، فالحب هو أساس إنسانيتنا، وهو الدافع لنا لكي نتسامح، ونغفر ونشعر بآلام بعضنا. الحب هو الحل لكل شيء وهو الذي يمكن أن يخلصنا جميعاً من الألم، يخلص الظالم كما المظلوم، الضحية والجاني.

الحب والغفران هما ما وجدهما بطل الفيلم «جان فالجان»، هيو جاكمان، لدى القس حين عفى عنه بعد سرقته لفضياته، وهو ما جعله يطلق سراح الشرطي جافير حين تسنَّى له ذلك وحين سلمه إياه الثوار ليقضي عليه بعد اكتشاف خيانته.

الحب والغفران هما ما يجعلنا جميعاً نتعايش معاً، وهو ما يجعل جافير، الشرطي القاسي المتجرد من إنسانيته، يقتل نفسه حين يجد أنه لا مفر من الإنسانية ومن الحب، وحين يصل إلى قناعة مفادها أن أولئك الذين لا يجدون الحب في قلوبهم لا يمكنهم المواصلة، وأن الحياة لا يمكنها أن تستقيم بوجودهم مع أصحاب القلوب التي تمتلئ إنسانية وحباً، الحياة كما وجدها جافير لا تستقيم بهما معاً، فإما جافير أو جان فالجان.

الفيلم الذي يمتلئ بكثير من المعاني، يستحق الكتابة مرات عديدة، لست واثقة من إنني لن أفعل ذلك في الأسبوع المقبل. إذ لا يزال في الفيلم أغانٍ كثيرة ولا تزال كلمات أغنية «فانتين» لم تنتهِ، لا يزال هناك حديث لم يكمل عن النمور التي تهاجم في الظلام بأصوات كالرعد، هؤلاء الذين يمزقون الآحلام تمزيقاً، ويحولون الأحلام إلى عار.

العدد 3787 – السبت 19 يناير 2013م الموافق 07 ربيع الاول 1434هـ

في الدراما الموسيقية «البؤساء» … الإنجليزي توم هوبر يطلق غناء الغاضبين

الوسط – منصورة عبدالأمير

mon-1

كل شيء في فيلم الدراما الموسيقي «البؤساء» يشي بالتأمل. يدفعك دفعاً إلى التوقف. ثمة لحظات في الفيلم لا تملك إلا أن تجعلها تأخذك من صالة السينما، من شاشة العرض، لتجد نفسك مرغماً على أن تعقد المقارنات هنا وهناك، وربما على أن تقف لحظات حساب وتأمل عميقتين مع ذاتك ومع الأشياء من حولك.

إنه توم هوبر، هذا المخرج العبقري الذي لا تزيد حصيلة أفلامه على الستة أفلام، لكنه مع كل واحد منها يصر دائماً على أن يورط مشاهدي تلك الأفلام، حين يعلن فيها مواقفه من كل القضايا والجدليات باستحضار التاريخ القريب والبعيد، حين يجعل متفرجيه في مواجهة مع طرفي كل نزاع في كل القضايا، حين يغوص إلى أعمق أعماقه أبطاله وخصومهم، حين يجعل مشاهديه يقفون على الحياد من كل شخوص أفلامه، بل من كل أطراف القضايا الجدلية التي يناقشها في الفيلم، وفي الواقع المعاش.

توم هوبر، هذا الإنجليزي المشاكس العميق في مشاكسته ومداهنته يرفض إلا أن يورط مشاهديه في فيلمه الجديد «البؤساء»، الذي يعرض حالياً في دور السينما في البحرين.

هذا الفيلم الذي يحمل الخلطة المعتادة لأفلام توم، الخلطة التي تجبر المشاهد على الاقتراب من كل شخوص الفيلم، الأشرار قبل الأخيار، تجبرهم على عقد المقارنات والمقاربات. في هذه المرة يطرح توم وجهة نظره في ثورات الشعوب، وربما يستقرأ ثورات الربيع العربي. أليست تلك الثورات قضية جدلية معاصرة؟ إذن فهي تستحق أن يتوقف توم عندها، ويناقش إن كانت ثورات أم حركات طلابية، وإن كانت في الأصل ربيعاً أم خريفاً تعيشه الشعوب. أن يحاسب الجلادين ومثلهم الثوار، القتلة وقبلهم الضحايا.

ستجد كل ذلك وأكثر إن توقفت مع مشاهد الفيلم وعند كل حوراته وتعبيرات ممثليه.

في الواقع، هنالك الكثير من اللحظات التي تستحق التوقف عندها وتأملها طويلاً في فيلم الدراما الموسيقي هذا.لحظات قد يلمسها المتفرج عبر مشاهد الفيلم الغاية في التأثير، ولربما في حواراته التي جاء معظمها قوياً مقنعاً معبراً عن روح القصة وعن روح العصر الذي نعيش. لربما استحقت أغنيات الفيلم أيضاً التوقف عند كلماتها، وأدائها المتقن. كذلك كان الممثلون الذين أتقنوا أدوارهم بدرجة عالية وبدوا أكثر إقناعاً وقدرة على تجسيد شخصيات قصة الفيلم ممن سبقوهم، على الأقل في الاقتباس السينمائي الأخير للفيلم الذي قدم العام 1998 على يد المخرج الدانماركي، بيلي أوغيست. لربما كان الفيلم بأكمله وموضوعه الذي جاء معاصراً للربيع العربي وسواه هو ما يجعله مستحقاً لكثير من التأمل والتوقف والتمحيص والتدقيق.

وليس الأمر غريباً على مخرج متمكن مثل توم هوبر ليقدم فيلماً بهذا العمق. أفلامه في العادة تاريخية درامية، لكنه أيضاً يعبر من خلالها عن موقفه تجاه قضايا وشئون كثيرة؛ فهو كان قد أتحفنا في العام 2010 بفيلم The King’s Speech الذي قدم فيه قصة حقيقية حول الرجل الذي أنقذ العرش البريطاني.

في الفيلم قدم هوبر قصة الملك الذي أراد أن يعيد ثقة الشعب بالملكية. قضية جدلية أخرى تشغل الكثير من الشعوب. وقبل ذلك بستة أعوام وفي العام 2004 قدم هوبر فيلماً ناقش فيه قضية المصالحة في جنوب إفريقيا، وماذا يحدث حين يواجه الضحايا قاتليهم، كان ذلك Red Dust وذلك هو توم هوبر، وكان تلك قضية أخرى من القضايا الشائكة التي لا يمكن حلها عبر قوانين وأحكام جاهزة بل بكثير من التأمل العميق وبشيء لا يستهان به من الصراحة، على طريقة توم هوبر.

اليوم يقدّم هوبر موقفه، ربما، من ثورات الشعوب، عبر اقتباس آخر من واحدة من أشهر الكلاسيكيات الروائية (البؤساء) لفيكتور هوجو. هوبر بنّى نص فيلمه على اقتباس مسرحي موسيقي قدم على المسرح البريطاني العام 1980، ليقدم ثاني عمل سينمائي يبنى على هذه الرواية.

هذه المرة، يقول هوبر الكثير في فيلمه الذي يسرد أحداث الراوية التي دارت منتصف القرن التاسع عشر. ومنذ البداية يعلن موقفه بوضوح، ويخبرنا أنه جاء ليقدم رأيه في قضية ما، إذ يشير إلى أن أحداث قصته تدور العام 1815، مشيراً إلى أن ذلك جاء بعد الثورة الفرنسية بأعوام.

يباغت مشاهديه منذ البداية بموقفه الذي يبدو محبطاً لمتبني وجهة النظر الداعمة لثورات الشعوب، فها هي أحداثه قصته تدور بعد الثورة الفرنسية بأعوام ليست بكثيرة. الثورة التي بذلت الكثير من الدماء لتحقق العدالة الاجتماعية، لكن منجزات تلك الثورة على ما يبدو لم تدم طويلاً. ها هو جان فالجان (هيو جاكمان) يقضي عقوبته في السجن لمدة 19 عاماً، خمسة منه كما يشير جلاده جافيرت (راسل كرو) لسرقته خبزاً، فيما استحق ما تبقى من أعوام لمحاولته الهرب. وجان فالجان يوضح مراراً وتكراراً في مشاهد عديدة من الفيلم أن يده ما كانت لتمتد لولا جوع ابنة شقيقته.

هو الجوع إذن والفقر ومن ثم الظلم والاستبداد والحكم الجائز والتعامل اللإنساني، هو تماماً ما قامت الثورة في الفرنسية من أجله. تبدأ القصة في يوم إطلاق سراح جان فالجان، هذا الإطلاق المشروط الذي يجعله يحمل وصمة عار دائمة، ويحكم عليه بسجن آخر، لكن وراء جدران السجن ودون السلاسل التي قيدت عنقه أعواماً طويلة، وتلك التي حزت كتفه وعلَّمت على معصمه.

يجد جان فالجان نفسه مقيداً بإطلاق السراح المشروط وبالبطاقة الصفراء التي يحملها، والتي تشير لكونه سجيناً سابقاً. لا يحصل على عمل. إذن، يصادر الجلاد حقه في الحياة. ينام في الشارع جائعاً يمتلئ مرارة وألماً.

يلجأ يوماً لدير يلتقي فيه رجل دين يستضيفه. يطعم جوعه. يمنحه جسده وروحه. دفئ لطالما افتقده وسط سنوات القسوة والحرمان داخل أسوار السجن ومن ثم خارجه.

حين يفر جان فالجان ليلاً مستولياً على أوان فضية سرقها من الدير، وحين تقبض عليه الشرطة وتعيده للراهب، يتظاهر رجل الدين بأنه كان قد منح فضّياته لجان، بل يقدم له شمعدانين فضيين مدعياً أنهما كان ضمن الهدية فيما نسيهما جان.

موقف هو غاية في النبل والإنسانية، يحرك إنسانية جان التي سحقتها قسوة السجان وعذابات الجوع والفقر والظلم الذي لحق به. يقرر جان التحرر من كل ذلك، من الجلاد الذي يلاحقه ويصادر حقه في حياة كريمة بورقة صفراء. وهوبر يطرح الخلاص من كل ذلك على لسان جان حين يعلن الأخير أنه قرر أن يصبح رجلاً صالحاً وأن يقتل الكره الذي ملئ قلبه، أن يستعيد إنسانيته التي فقدها وسط كل القسوة والظلم. نلمس إنسانيته تلك في مشاهد عديدة، لعل أقواها ذلك المشهد الذي نراه يبحث فيه عن فانتين (آن هاثواي)، التي يطردها رئيس العمال في مصنعه، فلا تجد سوى أن تتحول لفتاة ليل. يصر على أن ينقذ حياة ابنتها كوزيت حين لا يتمكن من إنقاذ حياتها. من أجل ذلك يقدم جان الكثير من المواقف الإنسانية ويبذل من روحه الكثير من أجل ذلك، ومن أجل أن ينشر الحب وينقذ الإنسانية.

في المقابل، وحين يهرب جان من بطش جلاده، يقسم جافيرت، حارس السجن على أن يعيد الهارب إلى ما يراه عدالة، يصادر حقه في الحياة من جديد وفي الحب أيضاً.

حارس السجن هذا، الذي أدى دوره باقتدار الفنان الأسترالي راسل كرو، والذي يحمل كل القسوة في تقاسيم وجهه، هذا الذي لا يضع خطاً فاصلاً بين واجبه كإنسان ومهنته كحارس سجن، يعيش صراعاً قاسياً، نلمسه بوضوح حين يقتل صبياً صغيراً انضم للطلبة الثوار في أحد أحياء باريس الفقيرة. نلمس صراعه ذاك أيضاً حين يخلصه جان من أيدي الثوار الذين وجدوا ضرورة إعدامه حين اكتشفوا كونه جاسوس للجيش، وبدلاً من أن يقتله جان عفا عنه.

حين يصبح بإمكانه قتل جان فيضطر صاغراً ألا يفعل ذلك بعد أن عفا عنه جان في مشهد وموقف سابقين. يصل الصراع إلى ذروته حين يقدم جافيرت على الانتحار لأنه لم يتمكن من الإنتصار لإنسانيته ضد مهنته.

أجمل ما في الفيلم هو الأداء المتقن لممثليه، جميعهم، بدءاً من جاك هيومان، وراسل كرو، وصولا لآن هاثواي، التي تبدو في واحد من أجمل أدوارها هنا، وحتى ساشا بارون كوهيل (اشتهر بشخصيتي علي جي وبورات)، وسامانثا باركز في دور مميز لعاهرة تحمل الكثير من النبل والإنسانية والبراءة، لكن جاك هيومان تفوق على الجميع بأداء مقنع صادق، بل إنه تفوق على ممثل بحجم راسل كرو.

تميز الفيلم بأغانيه العميقة في كلماتها الرائعة في ألحانها وأدائها، والتي جاءت لتقدم إضافة كبيرة للفيلم؛ إذ عبرت عن وجهة نظر الجميع، الممثلون ومخرجهم، في كل شيء.

لعل أفضل تلك الأغنيات، الأغنية التي جاءت على لسان الطلبة الثوار حين واجهوا الجيش خلف متاريسهم الخشبية التي لم تصمد أمام مدافع الجيش، وهي أغنية «هل تسمع الناس يغنون أغنية الشعب الغاضب، إنها أغنية الناس الذين يرفضون أن يصبحوا عبيداً مرة أخرى» هذه الأغنية لخصت كل شيء في الفيلم، لخصت عذابات جان على يد جلاده، وعذابات فانتين التي حولها ظلم صاحب العمل، الذي فصلها دون مبرر، إلى فتاة ليل، باعت جسدها من أجل تأمين نفقات ابنتها، لخصت محنة الطلبة الثائرون الذين قتلهم الجيش بلا رحمة في الحي الباريسي الفقير بمدافع هاون، ثم لاحق من تبقى منهم إلى القهوة حيث يجتمعون ليجهز عليهم برصاصات لم ترحم شبابهم.

غناء الشعب الغاضب، إنسانية جان فالجان التي حولت طاقة الكراهية السلبية بداخله لطاقة حب، قسوة جافيرت التي قتلته في نهاية المطاف، وأحلام الشباب التي خنقتها مدافع الجيش، كل ذلك وأكثر ستجدونه في رائعة المخرج الإنجليزي الدرامية الموسيقية «البؤساء». فيلم يستحق المشاهدة.

العدد 3780 – السبت 12 يناير 2013م الموافق 29 صفر 1434هـ

بفيلم «موندوغ»… المتمرد خيري بشارة يعود إلى الشاشة الكبيرة بعد طول غياب

الوسط – منصورة عبدالأمير 

mon-1 (1)

بعد سنوات طويلة تصل قرابة العقد، يعود المخرج المصري المتميز والمختلف دائماً خيري بشارة إلى الإخراج السينمائي بفيلم روائي طويل أطلق عليه اسم «موندوغ» Moondog.

عودته المرتقبة تلك، والتوقعات الكبيرة، التي وضعها محبوه لفيلمه الجديد، قد تكون خيبت آمال بعض من تفرجوا على فيلمه الذي أقيم عرضه العالمي الأول خلال الدورة التاسعة من مهرجان دبي السينمائي الدولي، التي أقيمت في الفترة (9-16 ديسمبر/كانون الأول 2012)، وكان واحداً من الأفلام التي تنافست على جوائز مسابقة المهر العربي للأفلام الروائية الطويلة التي يقدمها المهرجان.

كثيرون تساءلوا عما يريد بشارة أن يقوله عبر فيلمه، الذي بدا كسيرة ذاتية يسرد فيه جزءاً من حياته عبر قصة أكثر ما يمكن أن يُقال عنها إنها مختلفة تماماً عما يألفه المشاهد العادي من أعمال سينمائية، وقليلاً عن أعمال بشارة نفسه.

قد يغفر لبشارة كونه متمرداً دائماً على النسق المعتاد، متميز دوماً في اختياراته، سلباً وإيجاباً، وهو هنا في «موندوغ» يأخذنا بشكل مغاير عن كل ما ألفناه في رحلة داخلية في أعماق نفسه متنقلاً عبر فيلمه، الذي يطول لأكثر من ساعتين ضمن مستويات نفسية وروحية وفكرية وأخرى سياسية ومادية وفلسفية.

في واقع الأمر، إن التدرج والتنقل بين تلك المستويات الذي حققه الفيلم ليس غريباً على مخرج مثل بشارة، وهو الذي يقول إن بداياته مع السينما، ويقصد بدايات حبه لها، جاءت حين لم يتمكن من أن يفصل بين السينما وبين حياته، فهو لسنوات طوال ظل، كما أشار في حديث صحافي، فاقداً للخيط الرفيع الذي يفصل بين السينما والحياة.

استيقظ، كما أشار خلال الحديث نفسه، يوماً، لكنه حينها انتقل إلى السوق، وأصبح خيري السوق والمسلسلات والأعمال التجارية مختلفاً قليلاً عن خيري السينما، الذي قدم روائع مثل «الطوق والأسورة»، و»يوم حلو يوم مر» و»ا ذلك ليس جديداً أو غريباً على مخرج مثل بشارة نشأ في جو متمرد كسر كل الثوابت، كيف لا وهو الذي تعلم أول دروسه السينمائية على أيدي أكبر المتمردين في السينما العربية، يوسف شاهين. كيف لا وهو الذي عاصر الرئيس جمال عبدالناصر وعاش نكسة 1976 في بدايات شبابه ليشهد انكسار الأحلام وتبدل القيم والتشكيك في كل ثوابت الثورة وقيمها.

هو الذي أعلن تمرده من خلال أول أفلامه التسجيلية التي لم يصورها ليتغنى بمآثر قيادات البلد بل ليناقش أوضاع الجنود البسطاء المهمشين الذين لا تتوقف كاميرا الأفلام التسجيلية عندهم.

في الفيلم يخرج بشارة من منزله يوماً ولا يعود. تحاول الأسرة عبثاً أن تعثر عليه دون فائدة، لكن ابنه روبرت، الذي مثل نفسه في الفيلم، يكتشف أن والده تحول إلى كلب.

يجعل بشارة الكلب راوي فيلمه، فهو من ينظر للأمور بشكل مختلف وهو من يحللها ويفلسفها وهو من يتنقل بنا بين عالمين، الأول واقعي ويتعلق بواقع أسرة بشارة، والثاني خيالي وهو العالم الخاص بالكلب. الكلب في فيلم بشارة يحاكم الجميع.

لماذا يجسد بشارة

شخصيته في صورة كلب؟

عبر قصة الفيلم، عبر المكان الذي تدور فيه الأحداث، الاسم الذي يحمله، الكاميرا التي يستخدمها، الخيال الذي يلجئ إليه حين يجعل كلباً يجسد شخصيته، عبر كل ذلك ينقل بشارة إحباطاته النفسية كمخرج وفنان لم يلقَ حظه من التقدير، كما يصور الإحباطات التي تعيشها أسرته في أميركا بدءاً من قريبه الذي يعاني من صعوبات تأقلمه مع الثقافة الأميركية بل ومن قدرته على التكيف مع غربته عن ابنه الذي نشأ هناك، وصولاً لكل الطبقات المهمشة التي تأتي لتحقق أحلامها لكنها تخسر كل شيء وصولاً لحياتها.

استغرق تصوير فيلم بشارة هذا 11 عاماً، إذ بدأ تصويره العام 2000، وهو يقول، خلال حديث له أثناء المهرجان، إنه لم يكن يعرف متى سينتهي من ذلك الفيلم، وكم سيستغرق العمل عليه، لأن «أحداثه تسير في مسارين، شخصي وذاتي يناقش وضع عائلتي في المهجر بأميركا، والمسار الثاني له علاقة بالخيال والغوص في ملامح فلسفية تفرز قصصاً عدة».

فترة طويلة نسبياً لمخرج بتمكن بشارة، ربما يغفر له ناحية كونه فيلم، كما وصفه كتيب مهرجان دبي «فيلم النظرة الأخيرة من ناحية جمالية، وربما أنثروبولجية وثقافية، بما يمنح السرد ملمح الخلود».

ولعل ما يزيد غرابة فيلم بشارة الأخير هذا، أو ما لا يتناسب مع توقعات متفرجيه العاديين، هو استخدامه في هذا الفيلم لأنواع مختلفة من الكاميرات لتصويره، وصلت لاستخدام كاميرا الفيديو اليدوية العادية. وهو يرى أن التصوير بأنواع مختلفة من كاميرات الفيديو هو ما أعطى فيلمه سحره الخاص وناحية جمالية يصعب تكرارها.

المتمرد المحبط

لبشارة كثير من الحق في أن يعلن عن إحباطاته تلك، وهو الذي قدم فيلماً بروعة «الطوق والأسورة»، لكنه لم يقبل من المتفرج في بلده. نعم تمرد كما يقول على السينما السائدة وقدم شيئاً جديداً، لكن الناس لم تقبل فيلمه، فقط أقروا بغرابته، في حين إنه لقي من التقدير الكثير في فرنسا حين احتفى به المخرجون العرب هناك.

إحباطات بشارة لم تنتهِ عند ذلك الفيلم، بل إنه وبعد أن قدم روائع أخرى، كما يقول خلال اللقاء الصحافي ذاته، مثل «يوم حلو ويوم مر» و»أحلام هند وكاميليا»، لم يواجه بأي قبول من المتفرج العربي، بل زاده عدم فهم هذا المتفرج لأفلامه إحباطاً.

ولعل ذلك ما يبرر النقلة المفاجئة في أفلامه حين قدم أفلام مثل «كابوريا» و»أيس كريم في جليم» وغيرها.

يقول بشارة: «بعد أفلامي الأربعة الأولى شعرتُ أني تحدثتُ بوفرة عن كل ما أريد أن أقوله لذا توقفتُ قليلاً. وبدءاً من كابوريا بدأتُ أفكر لماذا لا أجعل الناس تغني؟».

حتى ذلك الغناء الذي وجده البعض لا يرقى لمستوى أفلام خيري، كان مختلفاً ومميزاً ومتمرداً، رغم ذاك لم يقبله المتفرج في بلاده القبول الذي يريده بشارة.

مهرجان دبي…

مساحة للمتمردين

لم يخيب فيلم «موندوغ» آمال الجميع. البعض وجده مميزاً كما صانعه، وكما أفلامه المميزة السابقة. أحد هؤلاء كان المدير الفني لمهرجان دبي السينمائي الدولي، مسعود أمرالله علي، الذي وجد أن الفيلم يعد بمثابة «محاكمة خيري بشارة لكل من حوله ولنفسه أيضاً».

وكما يرى أمرالله علي فإن بشارة «يجدد في الفيلم علاقته مع عائلته ويحاول أن يجيب على السؤال، هل تطغي السينما على الحياة أم العكس، وهو هنا يصور نفسه بهذا الشكل، فهل هو ذلك الكلب الذي لا ينظر إليه كمشروع فنان حقيقي، وهل هذا ما يختلج في شعور المجتمع حقاً؟».

ثم يقول: «بشارة يرجع إلى عائلته في هذا الفيلم ويحاكم المجتمع المصري بقسوة. الفيلم محاكمة طويلة للذات ومحاولة لإعادة اعتبار السينما إليه. كما إن بشارة يجرب أدوات جديدة من المهم أن تكون موجودة في السينما العربية».

وهو هنا يعلق على من لم يجد في الفيلم أية إضافة تذكر لبشارة «إنه مكسب كبير لمهرجان دبي لأن يعطي مساحة للمبدعين أن يكسروا النمط التقليدي ليحاكموا أنفسهم ومجتمعاتهم وسينماهم. قد لا يحب الكثيرون هذه الأفلام وقد يجدون فيها عبثاً كثير، لكننا في المهرجان نعطي فرصة للمبدع لأن يقدم رؤاه بالشكل الذي يراه». «صحيح إنه فيلم غريب، وصحيح إنني توقعت أن لا يستوعب الجمهور الفيلم، لكن الرهان هو أن المهرجان مكان لهذا التجريب. نحب الفيلم أو لا نحبه، نتواصل معه أو لا، هذا أمر متروك للجمهور والنقاد لكن كمهرجان واجبنا ألا نعطي صورة واحدة عن السينما العربية».

ويقول مسعود: «قبل اختيار الفيلم لدخول مسابقة، سألني خيري عن رأيي، فأجبته بأنك أمام حالة واحدة، إما أن يحب المشاهد فيلمك أو يكرهه لا توجد حالة وسطية. إذن صانع الفيلم يعلم أنه لم يأت المهرجان لكي ينافس بل ليقدم تجربة مغايرة؛ ولذا أعتقد أننا يجب أن نكون معه في هذا الاتجاه. في النهاية أعتقد إذا نظرنا للسينما من زاوية واحدة فإننا نحاكمها بقسوة، كأن نريد السينما التي نفهمها ونرفض السينما التي يصنعها الآخر. نحن مع خيري في أن يصنع السينما التي يريدها والتي يفهمها».

ذلك تماماً هو ما يؤمن به بشارة، الذي يؤكد على الدوام بأنه ليس هناك أفلام نخب، وأن كل أنواع السينما يجب أن تتوفر للمتفرج العادي، التجارية وكذلك المستقلة، وليترك الاختيار له.

العدد 3773 – السبت 05 يناير 2013م الموافق 22 صفر 1434هـ