في الدراما الموسيقية «البؤساء» … الإنجليزي توم هوبر يطلق غناء الغاضبين

الوسط – منصورة عبدالأمير

mon-1

كل شيء في فيلم الدراما الموسيقي «البؤساء» يشي بالتأمل. يدفعك دفعاً إلى التوقف. ثمة لحظات في الفيلم لا تملك إلا أن تجعلها تأخذك من صالة السينما، من شاشة العرض، لتجد نفسك مرغماً على أن تعقد المقارنات هنا وهناك، وربما على أن تقف لحظات حساب وتأمل عميقتين مع ذاتك ومع الأشياء من حولك.

إنه توم هوبر، هذا المخرج العبقري الذي لا تزيد حصيلة أفلامه على الستة أفلام، لكنه مع كل واحد منها يصر دائماً على أن يورط مشاهدي تلك الأفلام، حين يعلن فيها مواقفه من كل القضايا والجدليات باستحضار التاريخ القريب والبعيد، حين يجعل متفرجيه في مواجهة مع طرفي كل نزاع في كل القضايا، حين يغوص إلى أعمق أعماقه أبطاله وخصومهم، حين يجعل مشاهديه يقفون على الحياد من كل شخوص أفلامه، بل من كل أطراف القضايا الجدلية التي يناقشها في الفيلم، وفي الواقع المعاش.

توم هوبر، هذا الإنجليزي المشاكس العميق في مشاكسته ومداهنته يرفض إلا أن يورط مشاهديه في فيلمه الجديد «البؤساء»، الذي يعرض حالياً في دور السينما في البحرين.

هذا الفيلم الذي يحمل الخلطة المعتادة لأفلام توم، الخلطة التي تجبر المشاهد على الاقتراب من كل شخوص الفيلم، الأشرار قبل الأخيار، تجبرهم على عقد المقارنات والمقاربات. في هذه المرة يطرح توم وجهة نظره في ثورات الشعوب، وربما يستقرأ ثورات الربيع العربي. أليست تلك الثورات قضية جدلية معاصرة؟ إذن فهي تستحق أن يتوقف توم عندها، ويناقش إن كانت ثورات أم حركات طلابية، وإن كانت في الأصل ربيعاً أم خريفاً تعيشه الشعوب. أن يحاسب الجلادين ومثلهم الثوار، القتلة وقبلهم الضحايا.

ستجد كل ذلك وأكثر إن توقفت مع مشاهد الفيلم وعند كل حوراته وتعبيرات ممثليه.

في الواقع، هنالك الكثير من اللحظات التي تستحق التوقف عندها وتأملها طويلاً في فيلم الدراما الموسيقي هذا.لحظات قد يلمسها المتفرج عبر مشاهد الفيلم الغاية في التأثير، ولربما في حواراته التي جاء معظمها قوياً مقنعاً معبراً عن روح القصة وعن روح العصر الذي نعيش. لربما استحقت أغنيات الفيلم أيضاً التوقف عند كلماتها، وأدائها المتقن. كذلك كان الممثلون الذين أتقنوا أدوارهم بدرجة عالية وبدوا أكثر إقناعاً وقدرة على تجسيد شخصيات قصة الفيلم ممن سبقوهم، على الأقل في الاقتباس السينمائي الأخير للفيلم الذي قدم العام 1998 على يد المخرج الدانماركي، بيلي أوغيست. لربما كان الفيلم بأكمله وموضوعه الذي جاء معاصراً للربيع العربي وسواه هو ما يجعله مستحقاً لكثير من التأمل والتوقف والتمحيص والتدقيق.

وليس الأمر غريباً على مخرج متمكن مثل توم هوبر ليقدم فيلماً بهذا العمق. أفلامه في العادة تاريخية درامية، لكنه أيضاً يعبر من خلالها عن موقفه تجاه قضايا وشئون كثيرة؛ فهو كان قد أتحفنا في العام 2010 بفيلم The King’s Speech الذي قدم فيه قصة حقيقية حول الرجل الذي أنقذ العرش البريطاني.

في الفيلم قدم هوبر قصة الملك الذي أراد أن يعيد ثقة الشعب بالملكية. قضية جدلية أخرى تشغل الكثير من الشعوب. وقبل ذلك بستة أعوام وفي العام 2004 قدم هوبر فيلماً ناقش فيه قضية المصالحة في جنوب إفريقيا، وماذا يحدث حين يواجه الضحايا قاتليهم، كان ذلك Red Dust وذلك هو توم هوبر، وكان تلك قضية أخرى من القضايا الشائكة التي لا يمكن حلها عبر قوانين وأحكام جاهزة بل بكثير من التأمل العميق وبشيء لا يستهان به من الصراحة، على طريقة توم هوبر.

اليوم يقدّم هوبر موقفه، ربما، من ثورات الشعوب، عبر اقتباس آخر من واحدة من أشهر الكلاسيكيات الروائية (البؤساء) لفيكتور هوجو. هوبر بنّى نص فيلمه على اقتباس مسرحي موسيقي قدم على المسرح البريطاني العام 1980، ليقدم ثاني عمل سينمائي يبنى على هذه الرواية.

هذه المرة، يقول هوبر الكثير في فيلمه الذي يسرد أحداث الراوية التي دارت منتصف القرن التاسع عشر. ومنذ البداية يعلن موقفه بوضوح، ويخبرنا أنه جاء ليقدم رأيه في قضية ما، إذ يشير إلى أن أحداث قصته تدور العام 1815، مشيراً إلى أن ذلك جاء بعد الثورة الفرنسية بأعوام.

يباغت مشاهديه منذ البداية بموقفه الذي يبدو محبطاً لمتبني وجهة النظر الداعمة لثورات الشعوب، فها هي أحداثه قصته تدور بعد الثورة الفرنسية بأعوام ليست بكثيرة. الثورة التي بذلت الكثير من الدماء لتحقق العدالة الاجتماعية، لكن منجزات تلك الثورة على ما يبدو لم تدم طويلاً. ها هو جان فالجان (هيو جاكمان) يقضي عقوبته في السجن لمدة 19 عاماً، خمسة منه كما يشير جلاده جافيرت (راسل كرو) لسرقته خبزاً، فيما استحق ما تبقى من أعوام لمحاولته الهرب. وجان فالجان يوضح مراراً وتكراراً في مشاهد عديدة من الفيلم أن يده ما كانت لتمتد لولا جوع ابنة شقيقته.

هو الجوع إذن والفقر ومن ثم الظلم والاستبداد والحكم الجائز والتعامل اللإنساني، هو تماماً ما قامت الثورة في الفرنسية من أجله. تبدأ القصة في يوم إطلاق سراح جان فالجان، هذا الإطلاق المشروط الذي يجعله يحمل وصمة عار دائمة، ويحكم عليه بسجن آخر، لكن وراء جدران السجن ودون السلاسل التي قيدت عنقه أعواماً طويلة، وتلك التي حزت كتفه وعلَّمت على معصمه.

يجد جان فالجان نفسه مقيداً بإطلاق السراح المشروط وبالبطاقة الصفراء التي يحملها، والتي تشير لكونه سجيناً سابقاً. لا يحصل على عمل. إذن، يصادر الجلاد حقه في الحياة. ينام في الشارع جائعاً يمتلئ مرارة وألماً.

يلجأ يوماً لدير يلتقي فيه رجل دين يستضيفه. يطعم جوعه. يمنحه جسده وروحه. دفئ لطالما افتقده وسط سنوات القسوة والحرمان داخل أسوار السجن ومن ثم خارجه.

حين يفر جان فالجان ليلاً مستولياً على أوان فضية سرقها من الدير، وحين تقبض عليه الشرطة وتعيده للراهب، يتظاهر رجل الدين بأنه كان قد منح فضّياته لجان، بل يقدم له شمعدانين فضيين مدعياً أنهما كان ضمن الهدية فيما نسيهما جان.

موقف هو غاية في النبل والإنسانية، يحرك إنسانية جان التي سحقتها قسوة السجان وعذابات الجوع والفقر والظلم الذي لحق به. يقرر جان التحرر من كل ذلك، من الجلاد الذي يلاحقه ويصادر حقه في حياة كريمة بورقة صفراء. وهوبر يطرح الخلاص من كل ذلك على لسان جان حين يعلن الأخير أنه قرر أن يصبح رجلاً صالحاً وأن يقتل الكره الذي ملئ قلبه، أن يستعيد إنسانيته التي فقدها وسط كل القسوة والظلم. نلمس إنسانيته تلك في مشاهد عديدة، لعل أقواها ذلك المشهد الذي نراه يبحث فيه عن فانتين (آن هاثواي)، التي يطردها رئيس العمال في مصنعه، فلا تجد سوى أن تتحول لفتاة ليل. يصر على أن ينقذ حياة ابنتها كوزيت حين لا يتمكن من إنقاذ حياتها. من أجل ذلك يقدم جان الكثير من المواقف الإنسانية ويبذل من روحه الكثير من أجل ذلك، ومن أجل أن ينشر الحب وينقذ الإنسانية.

في المقابل، وحين يهرب جان من بطش جلاده، يقسم جافيرت، حارس السجن على أن يعيد الهارب إلى ما يراه عدالة، يصادر حقه في الحياة من جديد وفي الحب أيضاً.

حارس السجن هذا، الذي أدى دوره باقتدار الفنان الأسترالي راسل كرو، والذي يحمل كل القسوة في تقاسيم وجهه، هذا الذي لا يضع خطاً فاصلاً بين واجبه كإنسان ومهنته كحارس سجن، يعيش صراعاً قاسياً، نلمسه بوضوح حين يقتل صبياً صغيراً انضم للطلبة الثوار في أحد أحياء باريس الفقيرة. نلمس صراعه ذاك أيضاً حين يخلصه جان من أيدي الثوار الذين وجدوا ضرورة إعدامه حين اكتشفوا كونه جاسوس للجيش، وبدلاً من أن يقتله جان عفا عنه.

حين يصبح بإمكانه قتل جان فيضطر صاغراً ألا يفعل ذلك بعد أن عفا عنه جان في مشهد وموقف سابقين. يصل الصراع إلى ذروته حين يقدم جافيرت على الانتحار لأنه لم يتمكن من الإنتصار لإنسانيته ضد مهنته.

أجمل ما في الفيلم هو الأداء المتقن لممثليه، جميعهم، بدءاً من جاك هيومان، وراسل كرو، وصولا لآن هاثواي، التي تبدو في واحد من أجمل أدوارها هنا، وحتى ساشا بارون كوهيل (اشتهر بشخصيتي علي جي وبورات)، وسامانثا باركز في دور مميز لعاهرة تحمل الكثير من النبل والإنسانية والبراءة، لكن جاك هيومان تفوق على الجميع بأداء مقنع صادق، بل إنه تفوق على ممثل بحجم راسل كرو.

تميز الفيلم بأغانيه العميقة في كلماتها الرائعة في ألحانها وأدائها، والتي جاءت لتقدم إضافة كبيرة للفيلم؛ إذ عبرت عن وجهة نظر الجميع، الممثلون ومخرجهم، في كل شيء.

لعل أفضل تلك الأغنيات، الأغنية التي جاءت على لسان الطلبة الثوار حين واجهوا الجيش خلف متاريسهم الخشبية التي لم تصمد أمام مدافع الجيش، وهي أغنية «هل تسمع الناس يغنون أغنية الشعب الغاضب، إنها أغنية الناس الذين يرفضون أن يصبحوا عبيداً مرة أخرى» هذه الأغنية لخصت كل شيء في الفيلم، لخصت عذابات جان على يد جلاده، وعذابات فانتين التي حولها ظلم صاحب العمل، الذي فصلها دون مبرر، إلى فتاة ليل، باعت جسدها من أجل تأمين نفقات ابنتها، لخصت محنة الطلبة الثائرون الذين قتلهم الجيش بلا رحمة في الحي الباريسي الفقير بمدافع هاون، ثم لاحق من تبقى منهم إلى القهوة حيث يجتمعون ليجهز عليهم برصاصات لم ترحم شبابهم.

غناء الشعب الغاضب، إنسانية جان فالجان التي حولت طاقة الكراهية السلبية بداخله لطاقة حب، قسوة جافيرت التي قتلته في نهاية المطاف، وأحلام الشباب التي خنقتها مدافع الجيش، كل ذلك وأكثر ستجدونه في رائعة المخرج الإنجليزي الدرامية الموسيقية «البؤساء». فيلم يستحق المشاهدة.

العدد 3780 – السبت 12 يناير 2013م الموافق 29 صفر 1434هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s