الحب… الثورة… وقتلة الأحلام… وأكثر في فيلم «البؤساء»

الوسط – منصورة عبدالأمير 

fdd-1

ما الذي يمكن أن يحوِّل الأحلام إلى عارٍ، ومن يمكنه أن يفعل ذلك لأحلامنا، وكيف؟

تساؤلات كهذه قد تهاجمك حال مشاهدتك رائعة المخرج البريطاني، توم هوبر «البؤساء» التي أكتب عنها للمرة الثانية في هذا الملحق.

لا لشيء إلا لأنني لم أجد في السنوات الأخيرة فيلماً فعل ما فعله هذا الفيلم الذي يمكنه أن يروي ظمأ المشاهد لسيناريو قوي، ونص كتب بلغة رصينة، لإخراج متمكن يجمع بين أدوات سينمائية وأخرى مسرحية يشفع له كون الفيلم موسيقي، أداء رائع يجمع بين عمالقة هوليوود وعلى رأسهم، هيو جاكمان وراسل كرو، مخرج متمكن من تقديم رسالة سينمائية وإنسانية قبل ذلك.

هذا الفيلم الذي ينعش حواس وأحاسيس وعقل وروح المتفرج، ربما بسبب الجرعة العالية والمفرطة من المشاعر الإنسانية الراقية التي يتحفنا بها هوبر، وربما بسبب التأملات الفلسفية الكثيرة التي تملئ الفيلم، وربما بسبب مواقف الفيلم الراقية من كل القضايا الإنسانية. هذا الفيلم الذي يناقش الثورة على الظلم، الحب في زمن الثورة، وبعدها، الظلم، القسوة، المعاناة، النبل الإنساني، هذا وكل ذلك، لا يجد له صدى لدى المتفرج البحريني، لا أعرف السبب، لكن في كل مرة أشاهد فيها الفيلم تكون صالات العرض خالية، أسأل من شاهدوه مثلي فيكون جوابهم مشابهاً، الصالات تكاد تكون خالية، أتعجب لذلك.

للمشاهد البحريني أفلامه المفضلة على أية حال، لكن الأسئلة التي يطرحها الفيلم بكل عمقها وبكل تشعباتها في كل القضايا الإنسانية والمجتمعية والثقافية والدينية والسياسية قبل كل شيء تستحق من رواد السينما مشاهدة هذا الفيلم. لذلك فليعذرني القارئ لأنني أكتب له للأسبوع الثاني على التوالي حول الفيلم نفسه.

في هذه المرة سأتوقف عند أغنيات الفيلم، وهي إحدى أقوى أدواته، تحديداً عند الأغنية التي تتضمن العبارة أعلاه حول تحويل الأحلام إلى عارٍ، وهي التي جاءت على لسان «فانتين» إحدى شخصيات الفيلم المبني على اقتباس مذهل وذكي لرواية فيكتور هوجو الشهيرة «البؤساء».

آن هاثواي تقوم بدور «فانتين» في أداء يمثل أفضل ما قدمته منذ بداياتها، رشحها لجوائز عديدة، و»فانتين» هي امرأة فقيرة تعمل في مصنع يملكه «جان فالجان» بعد أن يصبح رجلاً غنياً وعمدة للمدينة. جمالها الفائق يجعل رئيس العمال يطمع في التقرب منها وإغوائها لكنها ترفض كل إغراءاته، ينتهز الفرصة يوماً ويطردها شر طردة حين يكتشف أنها أم لابنة أنجبتها دون زواج.

لا تجد «فانتين» سوى جسدها لتبيعه على عمال الموانئ، تبدأ بشعرها وأسنانها ثم تنتهي بجسدها بأكمله. ترثي «فانتين» نفسها وتتحدث عن أحلامها التي ضاعت في المشهد الذي قدمت فيه أغنية «حلمت حلماً» I dreamed a dream.

وهي هنا تعني الحبيب الغادر الذي هرب في الخريف بعد أن أمطر أذنها بكلمات الحب في الصيف. قتل حلمها في الحياة الجميلة وفي تكوين أسرة صغيرة معه ومع ابنتهما «كوزيت». قاتل الحلم أو محوله إلى عار إذن قد يكون الحبيب الغادر لدى «فانتين»، وقد يكون رب العمل الذي طردها حين اكتشف أنها أم لابنة، انتقاماً منها وهي التي رفضت التجاوب مع تحرشاته بها، وربما كان قتلة الحلم هم عمال الميناء وقاطنوه ممن استباحوا جسدها حين ألقت بها الحاجة لبيع كل شيء فقط من أجل تأمين نفقات ابنتها.

لكن الفيلم يشير في مشاهد أخرى إلى أن «فانتين» لم تكن الوحيدة التي ماتت أحلامها وقتلت وحولت إلى عار، فهناك الطلبة الثائرون الذين خذلهم الباريسيون حين تركوهم في مواجهة دموية مع جيش لم يرحم شبابهم وواجهم وهم ثلة قليلة من شباب لم يملكوا سوى قطع الأخشاب والأثاث القديمة ليحتموا خلفها وبنادق صغيرة لمواجهة جيش من الرجال حين أخفقت بنادقه في دحرهم استخدم المدافع لقصفهم في معركة وحشية راح ضحيتها الأطفال قبل الشباب وأغرقت أزقة باريس بدمائهم.

جافير، الذي يقدم دور شرطي قاس، يبدو وكأن أداءه مهمته والتزامه بقانون مجحف أهم لديه بكثير من إنسانيته التي شاهدنا موتها في مشاهد كثيرة من الفيلم، بل وأهم من أرواح الآخرين ومصائرهم جميعاً وصولاً للطفل «غافروش» الذي مزقت رصاصات الجنود جسده فيما واجههم بشجاعة وهو يقف بين صفوف الطلبة الثوار. «غافروش» كان طفلاً صغيراً حلم بحياة أفضل وقتل في معركة غير متكافئة مع الجيش.

جافير الذي يرمز للسلطة في الفيلم، قتل حلم الشباب في يوم جديد أفضل، وقبل ذلك اتهمهم بالخيانة وهم الذين ضحوا بحياتهم من أجل حياة أفضل لأهالي باريس، حياة تتقلص فيها سلطات المتنفذين وتسود فيها العدالة والمساواة في حق الحياة للجميع.

«فانتين» غنت لحلمها المغتصب، وقالت «حلمت حلماً في وقت مضى، حين كانت آمالي كبيرة، وحين كانت الحياة تستحق العيش، حلمت أن الحب لن يموت، وأن الله سيكون غفوراً».

توقفت لتتحدث عن خياراتها وكيف يصبح الإنسان مجبراً في وقت ما على اتخاذ خيارٍ ما كان ليتخذه. لكن أهم ما رثته «فانتين» كان الحب، وهو الثيمة الأهم التي تناولها الفيلم، وهي التي جعلها المخرج حلاً سحرياً لكل شيء، فالحب هو أساس إنسانيتنا، وهو الدافع لنا لكي نتسامح، ونغفر ونشعر بآلام بعضنا. الحب هو الحل لكل شيء وهو الذي يمكن أن يخلصنا جميعاً من الألم، يخلص الظالم كما المظلوم، الضحية والجاني.

الحب والغفران هما ما وجدهما بطل الفيلم «جان فالجان»، هيو جاكمان، لدى القس حين عفى عنه بعد سرقته لفضياته، وهو ما جعله يطلق سراح الشرطي جافير حين تسنَّى له ذلك وحين سلمه إياه الثوار ليقضي عليه بعد اكتشاف خيانته.

الحب والغفران هما ما يجعلنا جميعاً نتعايش معاً، وهو ما يجعل جافير، الشرطي القاسي المتجرد من إنسانيته، يقتل نفسه حين يجد أنه لا مفر من الإنسانية ومن الحب، وحين يصل إلى قناعة مفادها أن أولئك الذين لا يجدون الحب في قلوبهم لا يمكنهم المواصلة، وأن الحياة لا يمكنها أن تستقيم بوجودهم مع أصحاب القلوب التي تمتلئ إنسانية وحباً، الحياة كما وجدها جافير لا تستقيم بهما معاً، فإما جافير أو جان فالجان.

الفيلم الذي يمتلئ بكثير من المعاني، يستحق الكتابة مرات عديدة، لست واثقة من إنني لن أفعل ذلك في الأسبوع المقبل. إذ لا يزال في الفيلم أغانٍ كثيرة ولا تزال كلمات أغنية «فانتين» لم تنتهِ، لا يزال هناك حديث لم يكمل عن النمور التي تهاجم في الظلام بأصوات كالرعد، هؤلاء الذين يمزقون الآحلام تمزيقاً، ويحولون الأحلام إلى عار.

العدد 3787 – السبت 19 يناير 2013م الموافق 07 ربيع الاول 1434هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s