المخرج محمد القفاص: أنا أكثر فنان بحريني محارَب…

توبلي – منصورة عبدالأمير 

fdd-1

منذ بداياته، كان المخرج والمؤلف المسرحي والتلفزيوني محمد القفاص مثيراً للجدل على جميع الأصعدة. آراؤه الفنية غير اعتيادية، صريحة حد التجريح، ناقدة حد الهجوم. يجده البعض هجوميّاً عنيفاً فيما يراه آخرون شفافاً منصفاً. انتقاداته اللاذعة سلاح ذو حدين، أبعدت كثيرين من جهة لكنها من جهة أخرى انعكست على أعماله فجعلتها صادقة قريبة للواقع. مسرحياته ثم مسلسلاته أصبحت مثار اهتمام الجميع، بدءاً من جمهور أحبها وصولاً إلى النقاد، المنصفين وسواهم. الآن يثير القفاص الجدل بطريقة أخرى، حين يعبر عن آرائه السياسية بكل صراحة وجرأة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر. لا يخشى أن تغلق هذه الآراء أبواب الفن في وجهه، يقول إنه لا يملك الصمت إزاء آلام الآخرين. يوضح «لست بطلاً، كل ما أتمناه أن أتمكن يوماً من إخراج وجع البحرين ومآسيها في 2011»، ويؤكد «أعيش عمراً واحداً وحين يكبر ابني أريده أن يفخر بي».

فضاءات «الوسط» حضرت كواليس تصوير مسلسله الجديد «أي دمعة حزن» الذي يصور جزءاً كبيراً من مشاهده في البحرين. تحدثت معه عن العمل الجديد وعن كثير من الجدل المحيط به.

تكسر ثنائيتك في هذا العمل مع الكاتب أحمد الفردان بعد تاريخ طويل من التعاون، ما الذي حدث؟

– مازلت مع الفردان لكن ضمن فريق ثلاثي إذ ينضم إلينا الكاتب أمين صالح. يعتمد هذا المسلسل على أربع روايات كتبنا أنا والفردان ثلاثاً منها فيما تولى صالح كتابة الرواية الرابعة. ندمج الروايات الأربع معاً بشكل متقن بعيد عن أي ترهل.

هل يشبه هذا العمل أعمالكما السابقة أنت والفردان في جرأته وصراحته، وهل يناقش الثيمات والقضايا ذاتها؟

– يعتمد العمل على أربع روايات هي «الحاسة السادسة»، «خائنة وثلاث رجال»، «قصة حب» و«روز»، تناقش مشاكل اجتماعية عديدة نجدها على أرض الواقع كما تقدم شخصيات واقعية. مسلسلنا جماهيري بحت يشبه أعمالنا في جرأته وهو يناقش قضايا الحب والفراق واللقاء والخيانة، كما نلتقي من خلاله أشخاصاً أسوياء وآخرين يعانون من أمراض نفسية كثيرة، بمعنى أننا نلتقي بكل متناقضات الحياة.

يركز المسلسل على قضية مهمة وهي ان مشاكل الحياة لا تواجه الأشرار فقط، الأشخاص الأسوياء يواجهون المصاعب أيضاً ولا يمكن اعتبار ذلك عقاباً من الله كما تصوره الأعمال الدرامية دائماً.

تعمل في مسلسلاتك دائماً على إحداث الصدمة لدى المشاهد من خلال تعرية النفس البشرية ومواجهة الجمهور بأخطائه، ألا تجد في ذلك قسوة على الجمهور؟

– ربما كانت شخصياتي كذلك في بداياتي لكن في السنوات الأخيرة بدأت أخفف الكثير من المشاهد وخصوصاً مشاهد الموت التي أصبحت أتجنب الخوض في تفاصيلها بعد أن عشت معاناة فقد والدي. وعموماً أنا إنسان صريح حتى في الواقع وقد خسرت الكثير من الأشخاص بسبب ذلك، فأنا لا أجامل أو أنافق. أنا باختصار لا أجيد فن التعامل الدبلوماسي أو المجاملة المطلوبة في المجتمع الفني. لا أجيد اختيار كلماتي أو تخفيفها، ردات فعلي عنيفة وصادمة، وهذا بسبب ما تعرضت له من بداية دخولي الفن من حملة شرسة ومحاربة فنية حتى من فنانين مع الأسف.

تتحدث دائماً عن تعرضك لحملات هجوم شرسة، هل هي مجرد غيرة فنية أم حملات مقصودة؟

– حين بدأت عملي في المسرح، صرحت مراراً بأنني أقدم مسرحيات تجارية، لم أدعِ تقديم مسرح مغاير أو تجريبي أو طليعي لكن بعض النقاد والمشتغلين بالفن صبوا علي نقداً قاسياً وكأنني أعمل بالفن منذ عشرين عاماً. هذه الحملة الشرسة جعلت اسمي ينتشر أكثر من عطائي إعلاميّاً حينها.

بعدها وجدت أن من انتقدوني بدأوا يقتبسون مني ويقدمون أعمالاً هي طبق الأصل مما قدمته، بل إنهم اقتسبوا أفيهات مسرحياتي والشخصيات التي قدمتها. قيل ان مسرح القفاص هو مسرح كباريه وقيل عني الكثير، وكل من كتب ضدي أو انتقدني أخذ مني بعدها. لقد انتقدوني وهاجموني ثم اصبحوا يتكئون على ما تكأت عليه.

ما الذي يميزك عن المخرجين البحرينيين سواءً في التلفزيون أو المسرح؟

تجاوزت عشرين عاماً في المسرح وأنا أكثر مخرج قدم مسرحيات جماهيرية. ليس هناك من ينافسني ولا حتى يصل إلى نصف العدد من المسرحيات التي قدمتها. أنا الأول من غير منافس ولا توأم أو مكرر، بل إنني أسبق من يأتي في المرتبة الثانية بمرات، وحتى لو لم أقدم أي أعمال جديدة فلن يسبقني أحد حتى بعد 10 أو 20 عاماً وهذا ليس غروراً.

في مقابل ذلك أنا أكثر شخص تمنع مسرحياته من العرض في تلفزيون البحرين. وأتساءل: ألم تكن هذه المسرحيات جماهيرية وعرضت لشهور طويلة على المسرح، قدمت 16 مسرحية، 8 منها ممنوعة من العرض. حتى مسلسلاتي لم يعرض منها سوى «عذاري»، «هدوء وعواصف»، «جنون الليل» و«ملامح بشر».

ألم تحاول رفع اعتراض وشكوى بهذا الخصوص أو الاستعلام من المسئولين للوقوف على أسباب المنع؟

– السبب الذي أراه هو أنني أكبر فنان بحريني محارب، هناك جمل في مسرحياتي لا يستطيع الإعلام البحريني أن يقدمها ويخشى أن تظهر للفضاء. لو كانت مسرحياتي إسفافاً ولو إنني قدمت عبارات خادشة للحياء فيجب منع العرض الجماهيري لها. لماذا التناقض، أقدم مسرحيات يحضرها جميع أفراد العائلة، الآلاف شاهدوا مسرحياتي ولم يخجلوا من أن يحضروا أطفالهم لأكثر من عشر سنوات.

من يحاربك، هل تتهم أشخاصاً معينين أم توجه اللوم إلى المؤسسة الإعلامية؟

– مديرو التلفزيون يمنعون استضافتي في برامج التلفزيون وأنا أعمل فيه منذ أكثر من عشر سنوات. «لساني طويل» لكن أتحدث الحق دائماً ولو لم يكن كذلك لتم ردعي وإسكاتي. الواقع هو إنني أتحدث بصراحة صادمة لا يحبها الإعلام. أنا أتحدث معك الآن في صحيفة أحترمها جدا ويمكنني التحدث فيها بحرية لكن في المقابل تمنع صحف أخرى محرريها من إجراء لقاءات معي. نقول إننا في بلد ديمقراطي، لكننا نخاف أن تستضيف مخرجاً وفناناً معروفاً على مستوى الخليج لتجعله يتحدث وهو مسئول عن كلامه.

ربما هي صراحتك التي تخيف المسئولين وتمنع من استضافتك، لماذا لا تجرب الأسلوب الدبلوماسي لإيصال وجهة نظرك؟

– لا أعرف الدبلوماسية ولن ألجأ لها. من حاربوني هم من جعلوني كذلك، ثم إننا في بلاد مؤسسات وقانون وحين أسيئ لأي طرف يمكنه أن يلجأ إلى القضاء. أنا أتحدث ومسئول عن كل ما أقول. لا يمكننا أن نتطور فنيّاً وثقافيّاً ونحن نقيم الحواجز.

سأخبرك بما يصدمك وبما يثبت أنني محارَب، حصلت على الجائزة الذهبية في الدراما العربية للإعلام البحريني عن مسلسل «ملامح بشر» في المهرجان الخليجي العام 2010 وفي المهرجان نفسه حصلت على الجائزة الفضية لدولة قطر وهي الثانية. في قطر تم الاحتفاء بفوزي مقابل لا شيء في البحرين. أنا الآن أصور هذا المسلسل منذ أكثر من شهر ولم يحضر صحافي بحريني واحد.

لكنك تهاجم الإعلام باستمرار، وتهاجم موظفيه وتصفهم بعدم الكفاءة، عدا عن مواقفك الأخرى وصراحتك التي تجعل المسئولين يقفون منك موقفاً عدائيّاً…

– اختلاف الرأي يفترض ألا يفسد للود قضية ولا ينفى أنني فنان كبير وأستضيف الآن فنانين بحرينيين وخليجيين وأساهم في اقتصاد البلد بمسلسل يستثمر 400 ألف دينار ومن يتكفل بإنتاجه شركة مصرية كبرى. لماذا لا ينظر إلى الأمر على أن مخرجاً بحرينيّاً تمكن من أن يحضر مستثمراً من الخارج واكبر مسئولي البلد يشجعون على الاستثمار. هذا المسلسل ظل ينتظر موافقة الإعلام البحريني لسبعة أشهر بحجة سن قوانين جديدة للدراما وتطوير المجال الاعلامي. لم أكن أحتاج إلى أكثر من تصريح التصوير، وهو الذي احتاج 5 أيام في عمان و4 في أبوظبي و6 في الكويت.

لماذا لم تفكر إذن في أن تصور المسلسل في دولة خليجية أخرى؟

– هذه بلادي وهذا وطني وهذه التربة التي أصور فيها وهي ليست ملكاً لأحد، لا أنا ولا المسئول. السؤال الذي أود طرحه للمسئول الذي عطل تصويري: هل ساهمت في ارتقاء البلد حين عطلت تصويري، ما الذي أضفته من إيجابية حين تسببت بقطع رزق العاملين معي؟ كان بإمكانك إرسال مندوب لحضور التصوير بدلاً من كل هذا التعطيل.

يبدو أن لك تاريخاً حافلاً من المناكفات مع الإعلام البحريني بكل مؤسساته، إذ لم تكن هذه المرة الأولى التي يعاق فيها القفاص…

– نعم، وليس أدل على ذلك من إيقافي عن عملي لمدة ستة أشهر ثم سرقة مسماي الوظيفي وتحويله من مخرج إلى فني هندسة. القفاص لا يحتاج إلى مسمى مخرج؛ لأنني حتى لو بقيت من دون عمل لمدة 20 عاماً فسيظل اسمي مقترناً بالإخراج.

أتضايق وأتألم لهذا الفصل وأسأل مَن أكثر مخرج بحريني أخرج أغاني وطنية في ظل المشروع الإصلاحي. أريد أن أعرف التهمة التي فصلت بسببها، وهي تهمة لم تثبت بدليل استعادتي لمسماي الوظيفي. أخرجت مسلسلات خليجية باسم البحرين ومنها «زوارة خميس» وهو من أكبر كلاسيكيات الدراما الخليجية، لكنك لم تفكر يوماً أن تفرغني. لماذا لا يتم تفريغي أليس من حقي ذلك؟ وإذا لم يكن من حقي فمن حق من.

أنا مؤلف ومخرج مسرحي وتلفزيوني ولدي من الأعمال ما لا يمكن مقارنته عدداً بأي مما قدمه من فرغوا. ألا أحمل جوازاً بحرينيّاً؟ لماذا تفرغ الجميع وتتجاهلني وأنت تعرف أنني مخرج معروف على مستوى الخليج والوطن العربي.

لك أيضا عتبك الشديد على الصحافة والصحافيين في البحرين، تبدو متحاملا عليهم باستمرار…

– عتبي أولاً على مديري التحرير وررؤساء الأقسام الفنية، لماذا لا تراقبون موظفيكم النائمين لأنه ليس كل من يعمل في الفن فناناً وليس كل من يكتب في الفن صحافيّاً فنيّاً. الصحافة لا تعير أعمالي أي اهتمام، أعمالي ناجحة في الخليج أكثر منها في البحرين. تصوري ألا يجد عمل بمستوى «زوارة خميس» أي إشادة في أية صحيفة بحرينية فيما تحتفي به الصحافة السعودية والكويتية والاماراتية. حتى تلفزيون البحرين حين تحدث عن العمل، وقابل النجم الكبير محمد المنصور سأله ماذا اضاف النجوم الكبار إلى تجربة المخرجين الصغار!

أغضبت الفنانين من البحرينيين قبل أعوام حين قلت إنه ليس هناك نجم شباك بحريني، وإن الفنان البحريني لا يبيع، هل لاتزال مصرّاً على هذا الكلام؟

– نعم أكرر ما قلته سابقاً. وما أقوله ليس كرهاً ولا انتقاداً بل أتحدث لأنني مجروح. أريد ألا نعيش وهْم أن البحرين الأولى مسرحيّاً ودراميّاً وما إلى ذلك. علينا أن نواجه أنفسنا لنرى أين وصلنا إعلاميّاً. أنا أكرر ما قلته، وأريد أن أعرف لماذا لا نعالج الموضوع بدلاً من مهاجمتي. الجواب بسيط وهو أنه كلما نجح فنان بحريني هاجمناه وكسرناه. الفنانون يضربون بعضهم ويغارون من بعضهم، وهذا واقع. نملك ممثلين عظاماً مثل مبارك خميس وابراهيم بحر لكنهم لم يرتقوا لأن يكونوا مثل شعبان عبدالرحيم مثلاً، ولاحظي أن شعبان لا يعرف كيف يغني لكنه نجم. في البحرين لا يوجد فنان واحد قادر على أن يبيع، وهذا الأمر مؤلم.

لكن المخرجين البحرينيين يبيعون…

– كم عدد من باعوا. تتحدثين عن أحمد يعقوب المقلة ومصطفى رشيد وبعده محمد القفاص وبعد فترة طويلة جاء علي العلي. هل نحتاج إلى أن ننتظر عشر سنوات أخرى لكي يأتي شخص آخر. لا تفتحي الجروح نحن بحاجة إلى خطة اعلامية كبرى لا فتح أماكن ثقافية. نحتاج إلى موازنة للأعمال الفنية. يقولون إن لدينا أفضل مصورين وفنيي إضاءة وكتّاب، هذا غير صحيح كنا كذلك لكن بسبب الاحباط تراجعنا. نحن في الواقع متواضعون جدا بالمقارنة مع الدول الخليجية. ندعو الله أن يكون هناك دعم شامل للفن البحريني وأتمنى أن يفهموا انه ربما أسلوبي هجومي لكن دافعي الحب وأنا مستعد لأن أتنازل عن جزء كبير من الأجر الذي أحصل فيه من المسلسلات الخليجية من أجل إخراج مسلسل بحريني بموازنة جيدة.

العدد 3864 – السبت 06 أبريل 2013م الموافق 25 جمادى الأولى 1434هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s