فنجان…

منصورة عبد الأمير

w50_1470903566

دائماً تحرك زياراتي إلى دبي «شجون» الكتابة لدي، فهذه الإمارة التي لم تكن تملك الكثير حتى وقت قريب، أصبحت اليوم رائدة وسباقة في جميع المجالات وعلى مستويات خليجية وعربية ودولية. ربما يعود الأمر لزخم مهرجاناتها التي لا تتوقف طيلة العام وربما لعمق عطاء المهرجانات السينمائية التي أحضرها عادة.

مهما يكن من أمر أجد في نفسي همّاً حركته المقارنة مع حال المثقفين لدينا، فدفعني للكتابة. هذه المرة حركت دبي «شجوني» مع الكلمة التي ألقاها رئيس مهرجان الخليج السينمائي عبدالحميد جمعة، ليلة افتتاح دورة هذا العام. في تفسيره لاستضافة المهرجان الخليجي للمزيد من الأفلام الدولية، تحدث عن ضرورة الانفتاح على الآخر، قال بأنه ما من إبداع دون هذا الانفتاح.

المهرجان استضاف أفلاماً جاءت من جميع أرجاء العالم لتمنح الجمهور الخليجي فرصة لا للاطلاع على إبداعات الآخر فحسب بل للانفتاح على ثقافات ورؤى وأفكار صانعي هذا الآخر. ليس الأمر حصراً على مبدعي السينما وحسب، حريّ بالمبدعين في كل المجالات أن ينفتحوا على الآخر، القريب قبل البعيد. الآخر الذي يتقاسم الوطن والدين والدم قبل الآخر البعيد الذي يتقاسم الإنسانية. حريّ بهم وبكل من يقترب من هذا التوصيف من مثقفين وأصحاب رؤى أن يخرجوا من الدوائر الضيقة التي تحاصرهم أو يحاصروا بها أنفسهم؛ أن ينطلقوا خارج كل التقوقعات والحصارات، وأستعير هنا مصطلح الكاتب علي الديري أن ينطلقوا «خارج الطائفة». ومهما تكن السياقات التي استخدم فيها الديري تعبيره ذاك فلا أجد تعبيراً أكثر ملاءمة ودقة لما يراد لمثقفي البحرين أن يفعلوه اليوم. في شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، أطلق الفنان التشكيلي فؤاد البنفلاح معرضاً تمثل فيه هذه الفكرة، جعل النقاط المتنافرة المتباعدة تلتقي في مجسمات رائعة عبر معرض «عندما لا تلتقي النقط». التقوقع والتحزب والتطأفن والتمذهب وكل ما يمارسه بعض المثقفين لدينا لا يمت للفن ولا للإبداع وللثقافة بصلة. الانفتاح على الآخر والإيمان به والانطلاق «خارج الطائفة» والحزب والقبيلة والعرق، والتأمل بما هو خارج الدوائر القريبة المغلقة هو ما يعني كونك مثقفاً مبدعاً مجدداً، أمّا التخندق أيّاً كان فهو ما يمارسه ضعاف العقول بكل تأكيد. يحتاج المثقفون والمبدعون والفنانون لأن يؤمنوا ببعضهم، يعرفوا بعضهم الآخر، يقتربوا من خطوط التباعد بينهم، يحترموا اختلافاتهم. يحتاجون لأن يمتثلوا سلوك المثقفين المبدعين الحقيقيين واقعاً مُعاشاً لا نصوص وشعارات يملؤون بها صفحات الكتب وجدران المعارض والغاليريهات.

العدد 3878 – السبت 20 أبريل 2013م الموافق 09 جمادى الآخرة 1434هـ

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s