فنجان…

منصورة عبد الأمير

w50_1470903566

منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، والحديث عربيّاً، وإقليميّاً، لا ينفك عن «الغول» الإلكتروني الذي بات مهدداً لبعض الحكومات في عقر دارها، وأصبح أداة لنشر مفاهيم الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية وممارستها بشكل فعلي «إلكترونيّاً».

الحكومات وعت لخطر هذا الغول وما يمكن أن يحدثه، لذلك اتخذت العلاقة بينها وبينه شكلاً أكثر جدية وحسماً. وأصبح موضوع علاقتهما واحداً من أكثر الموضوعات مناقشة في السنوات الأخيرة.

ليعذرني القارئ على التطرق إلى موضوع يحمل صبغة سياسية في صفحة ثقافية، لكنني إعد بأن أركز على الجانب الثقافي من القضية.

الحرب التي بدأت الحكومات تشنها على الإنترنت، خفية أم معلنة، تمثلت في وضع معوقات وتضييقات كثيرة على استخدام الأفراد لهذه التكنولوجيا، كمنعها الدخول على بعض المواقع الالكترونية كالفيس بوك وتويتر وغيرهما من مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصاً بعد أن أثبتت هذه المواقع تأثيرها في تحريك الثورة بمصر العام 2011.

علاقة الثقافة بهذه الحروب الحكومية على الانترنت تأتي فيما أفرزته من مصطلحات لغوية يفترض أن تدخل القاموس العربي بشكل أكثر تعريباً مما هي عليه الآن.

أهم تلك المصطلحات مصطلح التطهير العرقي الرقمي Digital Ethnic Cleansing، الذي تحدث عنه الكاتب الأميركي جاريد كوهين مؤلف كتاب «العصر الرقمي الجديد: إعادة تشكيل مستقبل الشعوب، والأمم، وعالم الأعمال».

بحسب كوهين؛ فإن الحكومات الأوتوقراطية أو المجموعات المستبدة يمكن لها أن تستفيد من عدم تطور أساليب التحقق القانوني والسياسي للمواقع الالكترونية، بأن تخترع سيناريو ما تجد فيه طريقة لإلغاء المحتوى الإلكتروني لموقع مجموعة ما أو إغلاق موقعها أو ربما جعل خدمة دخوله بطيئة للغاية، وربما قامت بإرسال فيروسات إلى المواقع المستهدفة وشن هجمات لحرمان أصحابها من خدمة الإنترنت.

أحد الحلول التي طرحها الكاتب لمواجهة التطهير الرقمي هو محاربة الانشقاقات على الإنترنت (cyberbalkanization) أو Splinternet، وهو انقسام مستخدمي المواقع المختلفة إلى مجموعات صغيرة تبعاً إلى عوامل جغرافية أو سياسية أو دينية أو عرقية وغيرها، ما يتناقض تماماً مع الأسس التي بني عليها استخدام الإنترنت، في قدرته على تقريب الشعوب والثقافات. هذه الانقسامات الرقمية تسهل على المجموعات المستبدة إقصاء أي طرف تشاء عبر تأسيسها تحالفات على الانترنت تفرض قيماً معينة تتناقض مع قيم المجموعات المستهدفة وتلغيها «رقميّاً».

هذه المصطلحات اللغوية ليست جديدة، فقد تحدث عنها كتاب كثيرون منذ العام 2001 لكنها نشطت أخيراً، بعد الربيع العربي، وأصبح لها وقع آخر على نفوس جميع الأطراف، المجموعات المستبدة وتلك المستهدفة.

ننتظر الآن إضافة مصطلحات جديدة الى القاموس الرقمي تتعلق بالعقوبات التي يمكن أن تفرض على ممارسي سياسات التطهير والإقصاء الالكترونيين، وأخرى تناقش سبل الوحدة الالكترونية ومحاربة الانشقاقات.

العدد 3913 – السبت 25 مايو 2013م الموافق 15 رجب 1434هـ

فريال الأعظمي استفزها درويش فأبدعته حروفاً على خشب

المحرق – منصورة عبدالأمير 

fdd-1

ثمة ما يستفزك في معرض الفنانة التشكيلية فريال الأعظمي المقام حاليّاً في عمارة بوزبون في المحرق، استفزازاً إيجابيّاً بكل تأكيد. بدءاً من العنوان الذي اختارته لمعرضها «درويش كيف أتلو عنك… وأنت بمحراب الشعر إمام» وصولاً إلى الموقع الذي اختارت أن تقيم فيه معرضها.

المعرض المقام ضمن فعاليات مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث «القلب هو مكان المقاومة الحقيقية»، في عمارة بوزبون، يضم 24 عملاً من أعمال الخشب، وعمل سيراميك واحد. وتتضمن اللوحات بعض قطع الديكور، والقماش، ومواد أخرى.

ما سيدهشك هو أن كل ما في المعرض يبدو على درجة عالية من الانسجام، مع هذا العنوان. موقع عمارة بوزبون سيجعل زيارة المعرض لا تشبه أية زيارة لأي معرض آخر. يجب عليك اجتياز شارع يغص بالذكريات ما سيجعلك محملاً بكثير من الحنين للماضي الذي عشته وذلك الذي سبقك، حتى قبل أن تصل إلى المعرض. يعبق الزقاق الذي ستعبره بروائح سوق المحرق القديمة ويمتلئ بالدكاكين التي حافظت على وجوهها، ربما ليس وجوه أصحابها، لكن ملامحها المتسقة مع عبق المكان وروحه.

ستصل أخيراً إلى المنزل الذي يشي كل ما فيه بالحب والحنين ذاتهما إلى الماضي الذي تحاول الأعظمي أن تقدمه من خلال أعمالها المعروضة. عمارة بوزبون حافظت على لمسات الماضي فيها، وصممت بشكل يحرض على كثير من الحب ويستفز كل مشاعر الحنين الذي تمتلئ به لوحات فريال.

والفنانة لا تنكر استفزازها لرواد معرضها، بل تؤكد أنها هي الأخرى استفزت لتقدم هذا المعرض ولتبدع الأعمال الرائعة التي غطت الساحة المفتوحة في عمارة بوزبون.

تقر فريال بأن ثيمة الحب التي طغت على معرضها، لم تكن سوى نتاج استفزاز لذاكرتها وللحنين الذي يثقل رأسها للعراق. استفزتها كلمات الشاعر الفلسطيني محمود درويش، فجعلتها نقطة انطلاقها. هذا الشاعر الذي كان واحداً من أكثر ممن احتفوا بالحب والوطن والأم، وجميعها مترادفات للحب، هو الأساس الذي تحركت منه وهو مصدر إلهام معرضها هذا.

تقول فريال «اخترت بطلاً يقدم ملحمة الوطن والحب وكان هو درويش الذي لم أتردد لحظة في اختيار أشعاره بما فيها من حالات عميقة تليق بجمهوري الذواق».

وتواصل «من يقرأ لدرويش تسافر به الذاكرة مباشرة إلى صدر الأم، وقهوة الأم، وخبز الأم، وحيث تكون الأم يكون الوطن والحنين الدائم، لهذا الوطن الذي لا ينتهي بفعل الزمن ولا يسقط بالتقادم».

«درويش ليس مجرد قصيدة وحروف نثر، درويش حالة حب عميقة، حدثت في مكان ما، وفي زمان ما، نحن نفتقدها في هذا الزمن، الذي بات الحب يأتي بسرعة الضوء، وينتهي بوقت أسرع لأن مشاعر هذا الزمن أجدها ليست عميقة».

اعتمدت فريال على استفزاز الذاكرة فجاء الناتج مخطوطات وحروف متناثرة بأناقة عالية على خشب غطته في بعض الأعمال بقماش كانفاس وربما تكون أضافت بعض قطع الديكور المعبرة عن جوهر الكلمات التي اختارتها في بعض اللوحات.

تملأ تلك الأعمال المكان حيوية وحبّاً بألوانها الدافئة وتركيباتها الأنيقة وتكون جملاً تختصر تلك الحروف المتناثرة ـ يمكن للمتأمل أن يعيد تكوين تلك الحروف ليصل إلى جملة الحنين، تلك التي اختارتها فريال من أبيات درويش وذيلت بها لوحاتها المعلقة على جدران عمارة بوزبون.

تقول فريال: «قمت أولاً باختيار ما حركني واستفز ذاكرتي من أشعار درويش، لم تكن تلك عملية سهلة، بل تطلبت بحثاً مضنياً وطويلاً. بعدها كتبت تلك الأبيات في قصاصات وزعتها في جميع أرجاء مكتبي، لأصمم على أساسها لوحاتي. عنوان المعرض وحده استغرق مني ثلاثة أشهر لأستقر عليه».

وكما لدرويش فلسفته الشعرية في الحب وشفافية الألوان، كذلك هي الأعظمي التي تتعاطى مع الألوان في لوحاتها باعتماد فلسفة خاصة بها، تقول: «جعلت لنفسي فلسفة الألوان المتضاربة والصارخة واخترت الفلسفة العفوية والبسيطة؛ لأنها أقرب إلى الروح من تلك الفلسفات المعقدة».

الفلسفة التي تعنيها فريال هي تلك التي تجعلها توزع اللون في لوحاتها «بضربات الريشة على جسد اللوحة الصامتة بشكل متسق مع الضجيج والصراخ وفوضى الحواس المحيطة بنا، فيما يشبه حال الثورة والتمرد على الأشياء وربما على المعاني». تؤمن فريال بأن التمرد لا يكون بالصوت الغاضب بل باللون الحر.

أخيراً لا تحبذ فريال الانخراط في مدرسة فنية معينة، تقول: «لا أتخذ لنفسي مذهباً مألوفاً هي هواجس إنسان أنثرها على طريقة اللون العشوائي، لكن خلف تلك العشوائية هناك انسجام وتناغم، يحدث بمزيج الألوان فأترك عشوائية اللون الهرموني خلفي، وأجعل حروفي كقائد الأوركسترا يعزف غاية اللوحة وملامحها الأخيرة، من ذاكرة العراق الكبيرة ومن مخطوطاتها، وتحفها، علقت بذاكرتي الصغيرة تلك النقوش وحاولت ببساطتي وعفويتي أن أعيد نظم تلك المخطوطات، مضيفة «حين يمتزج الحنين بالذكريات يأتي بإيقاع صاخب هي انفعالات وردود أفعال الحنين، والطفولة، التي لاتزال تنام على شواطئ دجلة، ولايزال يهزها سعف النخيل».

يشار إلى أن المعرض يعد الثامن للفنانة بعد عدد من المعارض في المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأميركية، والشرق الأوسط، ودول الخليج العربي، إلى جانب معارضها في المتحف البريطاني (لندن)، وفي غاليري الكوفة (لندن)، وغاليري البارح للفنون التشكيلية، وعمارة بن مطر، وغرين آرت غاليري في دبي.

ومن المعروف أن أعمالها أقتنيت وعرضت في المتحف البريطاني في لندن، والمتحف الوطني للفنون التشكيلية في الأردن، والغرفة التجارية العربية البريطانية في لندن، بيت القرآن في المنامة، وفي مبنى لجنة مكافحة التمييز العنصري الأميركية العربية في واشنطن.

العدد 3913 – السبت 25 مايو 2013م الموافق 15 رجب 1434هـ

الناقد محمد رضا يعاود إصدار كتبه السينمائية في دليل عربي عالمي

الوسط – منصورة عبدالأمير 

لا يمكن اعتبار دليل السينما العربية والعالمية الذي صدر حديثاً للناقد السينمائي محمد رضا، مجرد مرجع يمكن العودة إليه للحصول على خلاصة نتاج العام 2011 في السينما العالمية والعربية. في الواقع هذا الدليل أكثر من ذلك بكثير، فهو إلى جانب كونه مرجعاً هامّاً وكتاب يبنغي اقتناؤه من قبل أي مهتم بالسينما وقضاياها، فهو أيضاً بمثابة «دليل» إرشادي لكل كتّاب السينما والمهتمين بها من صحافيين ونقاد، لما يحويه من معلومات مهمة عن أحوال السينما بشكل عام، وحول واقع مهرجانات السينما العربية. بالإضافة إلى ذلك يضم الدليل قراءات نقدية قيمة قدمها الناقد لما يزيد على ثلاثمئة فيلم تنوعت بين أفلام روائية طويلة وأخرى قصيرة وأفلام وثائقية. تلك الأفلام ليست هي الأفلام العظيمة التي قدمها مخرجون كبار والتي يمكن إدراجها في قوائم أفضل مئة فيلم في أي سينما أو تلك التي تحمل أسماء مخرجين أو فنانين كبار. في الواقع أدرج محمد رضا في قراءاته كل ما وجده مميزاً أو مثيراً للاهتمام من وجهة نظره.

ويعد هذا الكتاب الثامن في سلسلة بدأها محمد رضا العام 1983 حين أصدر أول كتاب للسينما استمر حتى العام 2008، ليتوقف بعد ذلك سنوات بسبب ظروف إقامته في دول عدة وابتعاده عن المنطقة العربية، حتى عاد ليصدره أخيراً في صورة «دليل السينما العربية والعالمية» على يد الناشر الإماراتي عبدالله الشاعر.

الناشر أشار في مقدمته إلى أنه وعلى رغم علمه بخطورة إصدار كتب سينمائية، فإن حماسه لدعم الثقافة والإبداع أولاً وللناقد محمد رضا وكتاباته ثانياً هما ما دفعاه إلى التغاضي عن كل ما يبرز من معوقات تجارية أو تلك التي تتعلق بالقراء وغيرها .

الشاعر أشار في مقدمته إلى أن ما يميز الكتاب فعلاً هو عدم انحيازه إلى سينما معينة، فهو يحوي أفلاماً تنتمي للسينمات البديلة من المكسيك والدنمارك والمغرب والبرزايل والهند والصين وأوروبا، إلى جانب السينما السائدة.

الناقد هو الآخر أكد المخاطر التسويقية والتجارية التي تحدث عنها الناشر في مقدمته هو أيضاً، إذ أثنى على إيمان وفعل الشاعر وهما ما دفعاه إلى تبني هذه الخطوة التي قد يجدها كثير من الناشرين غير مجدية على أي مستوى.

وأشار محمد رضا إلى أن هذا الدليل ليس إضافة إلى ما سبقه من كتب للسينما، بل «كبداية جديدة على نحو كامل يبلور الرغبة الدفينة عندي في نشر المعرفة السينمائية جنباً إلى جنب الموقف النقدي».

يضم الكتاب أربعة فصول، يندرج تحت كل فصل منها عدد من الأبواب التي يناقش محمد رضا من خلالها قضايا وإشكالات سينمائية ويستعرض معلومات تهم السينمائيين وجميع المعنيين بالشأن السينمائي والمتابعين له.

يلقي في الفصل الأول نظرة عامة على وضع السينما العربية والعالمية في العام 2011 وذلك عبر تقرير يرصد من خلاله أهم المهرجانات العالمية والعربية ويستعرض جوائز هذه المهرجانات وأهم الفائزين بها.

ويتحدث الكاتب في بدايات هذا الفصل عن السينما العربية التي وصفها بأنها سينما مهددة، وأنها ليست سوى تجارب أكثر من كونها سينما، مشيراً إلى عدم توافر العناصر الكفيلة بإطلاق السينما العربية، عدا عن انطلاق ثورات الربيع العربي التي زادت الأمر تعقيداً.

بعد ذلك انتقل الكاتب إلى الحديث عن السينما العالمية في تقرير وضع له عنوان: «العودة إلى الينابيع» في إشارة إلى الواقع الاستهلاكي الذي بدأ يفرض نفسه على سينما هوليوود والمتمثل في تقديم الثنائيات والثلاثيات والرباعيات في عدد من الأفلام، إضافة إلى إعادة تقديم عدد من الأفلام، أو بإدخال تقينة الأبعاد الثلاثة في بعضها، وهو ما أدى إلى تراجع الإبداع في هذه السينما.

يضم هذا الفصل أيضاً تقريراً عن جوائز كتاب السينما والأفلام التي تستحق التنويه بها، بعد ذلك يتطرق الكاتب إلى الحديث عن مخرج العام، وقد اختار المخرج الأميركي ترنس مالك ليتحدث في تقرير مطول عن رحلة هذا المخرج في وجدانيات أبطاله، مستعرضاً عدداً من الأفلام التي أنجزها على مدى أربعة عقود بدءاً من فيلم بادلاندز Badlands في العام 1983 وصولاً إلى العام 2012 وفيلم «إلى العجب» To The Wonder.

بعد ذلك يلقي محمد رضا نظرة عامة على سلسلة «هاري بوتر» منذ بدايات اطلاقها العام 2001 وصولاً إلى كل أفلام السلسلة التي أطلق عليها اسم فانتازيا السحر الأسود. كذلك ألقى نظرة على أفلام جيمس بوند بمناسبة مرور خمسين عاماً على إطلاق السلسلة. ويلقي التقرير الضوء على كل شيء عن العميل 007 الذي يقول عنه محمد رضا إنه «لا يزال حلاًّ للمشاكل رقم واحد».

في الفصل الثاني من الكتاب يستعرض محمد رضا أهم ما أنجزته السينما العربية في العامين 2011 و 2012 في مجال السينما الروائية والتسجيلية والقصيرة، متطرقاً إلى أفلام مثل أسماء، أنا بضيع يا وديع، بعد الموقعة، تورا بورا، ظل البحر، لما شفتك، وجدة، وهنا لندن، وغيرها.

ومنه ينتقل إلى السينما العالمية ليستعرض إنجازاتها في مجالات السينما الثلاثة، وذلك في الفصل الثالث، ليكتب عن أفلام مثل حب Amour، احتجاز Abduction، الفنان The Artist وغير ذلك.

في الفصل الرابع والأخير من الكتاب وهو الذي أطلق عليه عنوان «المفكرة» يسجل الناقد كل ما يمكن تسجيله من علامات فارقة لسينما اليوم والأمس، وفي هذا الفصل يدرج الناقد بعضاً مما يراه أهم الأفلام التي عرضت على شاشة السينما وهي 11 فيلماً وجد أنها تمثل 11 عقداً فريداً من تاريخ السينما، وتمتد الفترة التي قدمت فيها هذه الأفلام من العام 1900 حتى اليوم. بعض هذه الأفلام كما أشار الكاتب ليس معروفاً ولم يحتل مكانته اللائقة بعد. ومن الأفلام التي استعرضها في هذا الباب الهاوية Afgrunden، مغامرات الأمير أحمد The Adventures of Prince Ahmed ، وألكسندر نيفسكي.

بعد ذلك استعرض بعض أهم الأفلام التي صدرت على اسطوانات DVD، ليختم كتابه أخيراً ببانوراما لأبرز الشخصيات السينمائية التي رحلت عن عالمنا.

يضم الكتاب في بداياته دليلاً لكيفية قراءته وشرحاً للطريقة التي تم من خلالها إدارج الأفلام وتصنيفها بالإضافة إلى شرح لبعض الرموز التي استخدمها الناقد في تقييمه للأفلام.

العدد 3906 – السبت 18 مايو 2013م الموافق 08 رجب 1434هـ

فنجان …

منصورة عبد الأمير

w50_1470903566

أكثر ما يميز الفيلم البحريني القصير «سكون» الذي فاز أخيراً بجائزة أفضل سيناريو في المهرجان السينمائي لمجلس التعاون لدول الخليج العربي، هو تركيزه على ثيمة اللون التي قلما تم التطرق إليها بشكل محترف، عربياً وخليجياً على الأقل.

التعامل مع اللون ومناقشته جاء واضحا في الفكرة الأساس القائمة على جدلية الألوان، اللونين الأبيض والأسود بالتحديد. كذلك تمتلئ المشاهد بتناسق وانسجام لونين جميلين جاءا متسقين مع رسالة الفيلم وثيمته التي تناقش ما يمكن أن يحدث حين يصبح اللون الأسود ضحية الألوان الأخرى. تجلى هذا التناسق في مشاهد كتبها بعناية فائقة السيناريست فريد رمضان وترجمها بدقة عالية مخرج ذو حس فني هو عمار الكوهجي.

يشكك الفيلم في مدلالوت الأبيض والأسود الثقافية والاجتماعية، عبر قصة فتاتين هما لولوة ذات البشرة البيضاء وهيا السمراء، اللتان تتعرضان للظلم في مجتمع ذكوري يأبى أن يصغي لما تريدانه ثم لأن يعترف بمظلوميتهما.

تتعرض الفتاتان «للاغتصاب» وفيما تغتصب هيا «حرفياً»، تُقمع إرادة لولوة وتجبر على الزواج. الفتاتان رغم اختلاف لونيهما وبكل ما لهذين اللونين من مدلولات، وفيما تبدو المساحة شاسعة بينهما، إذ إن هيا هي ابنة الخادمة التي تعمل في منزل والد لولوة، فإنهما تواجهان المصير ذاته، وربما على يد الشخص نفسه، «حمود» الذي اغتصب الأولى وتزوج الثانية قسراً.

كسر رمضان حاجز اللون في الفيلم قبل التشكيك في مدلولاته. جاء ذلك في المشهد الذي نجد فيه الفتاتين في المطبخ. في هذا المشهد تتداخل ألوان الأشخاص والأشياء لتصبح لا قيمة لها، فما بين يد لولوة البيضاء التي يقطر منها الزيت وكف هيا السمراء التي تعجن الطحين ينتقل المخرج إلى اللقطة التي تغطي فيها لولوة وجه رفيقتها السمراء ببقايا الطحين.

بعدها ينتقل الكاتب لكسر المدلول النمطي لهذين اللونين حين يصور قدم «حمود» البيضاء، وهو الذي يمكن أن تنسب له كل مظالم الفتاتين، فهو المتلصص عليهما، وهو ربما مغتصب هيا، وزوج لولوة قسراً.

هكذا يكسر رمضان المدلولات الثقافية والاجتماعية للونين. لم يعد الأبيض خيراً فيما الأسود شراً. اللونان في واقع الأمر متشابهان، البشر في الواقع كذلك حتى وإن اختلفت أعراقهم وأجناسهم وأديانهم ألوانهم.

الظلم الذي تعرضت له الفتاة السوداء هو ذاته الذي تعرضت له الفتاة البيضاء، والرجل الذي ظلم كان أبيض كما لولوة ذات القلب المحب كانت بيضاء. لا تعني الألوان كثيراً. البياض والسواد ليسا سوى متناقضين ومتقابلين ككثير من متقابلات حياتنا ومتضاداتها.

نتشابه مع الآخرين حولنا برغم اختلافاتنا. قد يقع علينا ذات الألم الواقع عليهم وقد نعيش المعاناة نفسها. وربما نواجه جميعاً مصائر متشابهة وإن اختلفت تفاصيلها.

العدد 3906 – السبت 18 مايو 2013م الموافق 08 رجب 1434هـ

عرض فيلمه «كنت هناك في بغداد» في «الخليج السينمائي»… رشيد عرفان: رغم الغياب… بغداد حاضرة في تشيلي والأرجنتين

الوسط – منصورة عبدالأمير 

لا تقتل الغربة الحنين إلى الأوطان، الأوطان الجديدة التي تسكنها لا تسكنك بقدر ما يفعل وطنك الأم. قد تعيش تجاهه غربة يضاعفها طول السنين وبعد المسافات، لكن الوطن يظل دائماً قابعاً بداخلك، متربصاً بك، متواطئاً مع كل الأشياء بداخلك ومن حولك. ولعل العراق يبدو كأنه الوطن الأشد قسوة وتنكيلاً بأبنائه وربما الأكثر وجعاً من بين كل الأوطان.

الصحافي العراقي عرفان رشيد، يدرك هذا الأمر، وهو وإن خشي أن تقتلع غربته العراق من داخله، إلا أنه يعلم تماماً أنه سيظل مسكنوناً ببغداد الستينات والسبعينات، ويثق بأن البعد وإن طال والمسافة وإن كبرت لن تأخذه منها ولن تأخذها منها، كما لن تقربهما أبداً.

عرفناه صحافيّاً، مديراً لقسم البرامج العربية بمهرجان دبي، ومديراً فنيّاً لمهرجان بحر السينما العربية في إيطاليا، ومحرراً في قناة «راي ميد» الإيطالية. التقيناه في العام 2009 مخرجاً قدم فيلماً قصيراً للأطفال، عرض في الدورة الثانية لمهرجان الخليج السينمائي، تحت عنوان: «حروب الكبار»، وطرح من خلاله أسئلة عديدة عن الحروب وأسبابها جاءت على لسان طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها العاشرة. الحرب التي كانت محور أسئلة الطفلة كانت حرب بلاد العراق، والفيلم الذي قام رشيد بتأليفه وإنتاجه وإخراجه كان دراميّاً توثيقيّاً لتاريخ حروب بلاده.

ولأن العراق لم يغادر قلب رشيد وروحه وذاكرته يوماً، حتى وإن لمح بذلك، نجدها حاضرة في فيلمه الجديد «كنت هناك في بغداد» الذي عرض خلال الدورة السادسة من مهرجان الخليج السينمائي التي أقيمت في شهر أبريل/ نيسان 2013. وكما فعل في فيلمه السابق؛ فقد أخرج رشيد فيلمه هذا وأنتجه وتولى كتابة السيناريو الخاص به وتأليفه، بل أضاف إلى ذلك ظهوره في الفيلم راوياً لسيرته الذاتية ولسيرة العراق.

رشيد بدأ فيلمه بعبارة سمعها من الشاعر الإسباني رافائيل ألبيرتي حين سأله عن المنفى قبل 25 عاماً، يقول فيها: «في لحظة ما من حياتك غريباً يتحوّل المنفى إلى وحش دموي يحاول اقتلاع جذورك من داخلك، بمقدورك الصمود إذا ما اقتنعت حقّاً بأنك لاتزال هناك في وطنك».

وحش المنفى لم يتمكن من اقتلاع بغداد من داخل رشيد، وحش ذاكرته أقوى بكثير، فها هو يعود إليها بفيلمه راثياً لما آلت إليه أمورها، متمعناً في ما حل بها مذ غادرها وربما قبل أن يغادرها، عاقداً مقارنة شيقة على درجة كبيرة من التفصيل والدقة لتاريخها الحديث بتاريخ دول مثل تشيلي… فهذه الدولة مرت في تاريخها الحديث بما يشبه ما مرت به العراق بعد انقلاب حزب البعث على الحاكم. بينوتشيه انقلب على الرئيس التشيلي المنتخب سيلفادور الليندي في السبعينات. قتل الرئيس في ظروف غامضة وأدخل البلاد في حقبة مرعبة امتدت إلى عقود. صدام حسين فعل الأمر ذاته في العراق حين شارك في الانقلاب على عبدالكريم قاسم وأطلق النار عليه. بدأ بينوتشيه حكمه العسكري الديكتاتوري بقتل الرئيس سيلفادور الليندي تماماً كما بدأ صدام حسين فترة حكمه الاستبدادية المرعبة بقتل الرئيس عبدالكريم قاسم.

ويستمر رشيد في عقد المقارنات بين تشيلي والعراق منذ تلك الفترة حتى الوقت الحالي، ليعرج بعدها على عقد المقارنات ذاتها بين بغداد وبيونس أيرس. تسكنه العراق مهما حاول أن يثبت العكس.

ومهما يكن ما يفعله رشيد مع العراق في فيلمه، إلا أنه لم يتمكن من أن يبدد الوحدة التي يشعرها جراء فراقه للعراق. لم يقترب منها، وعلى رغم أنه صرح في المؤتمر الصحافي الذي أجراه بعد عرض الفيلم مباشرة خلال المهرجان، أنه أصبح بعيداً، بعيداً جدّاً عن بغداد، إلا أنه لم يكن كذلك. رشيد لايزال يعيش عراق الستينات والسبعينات التي غادرها العام 1978، ولا يزال يسترجع تفاصيل اللحظات الحاسمة التي أوصلت حزب البعث إلى كرسي الحكم، ولايزال يتذكر الضابط الذي رفع فوهة المدفع إلى الأعلى بعد أن بدأ الجندي المكلف إطلاق النار على المتظاهرين في الساحة الرئيسية في بغداد، وهم الذين جاؤوا يطلبون إيضاحاً عن رحيل عبدالكريم قاسم، ويريدون أجوبة شافية لأسئلتهم. لايزال يعيش تلك اللحظات، لايزال يتذكر طعم القرب من الموت، في الواقع لايزال شابّاً صغيراً يصرخ مع العراقيين في وسط ساحات بغداد، وهو يقول: «أشعر بوحدة أقل الآن، لكني أعتقد أني أصبحت أكثر بعداً من بغداد. أشعر أنني لن أعثر على بغداد التي أعرفها».

لكن هل يريد رشيد العودة أصلاً وهو الذي يؤكد أنه غير متفائل بأن يعثر على بغداد التي يعرفها ويحبها، ويقول: «بغداد لم تعد موجودة. لا يمكنني أن أتفاءل في ظل وجود الأشخاص الذين يحكمون العراق الآن (…) العودة إلى بغداد الآن ستكون بمثابة العودة إلى مدينة أخرى».

مهما يكن من أمر فما يقدمه رشيد ليس فيلماً، كما يشير هو بل وقفة مع النفس، ومحاولة اعتراف، كما يسميها رشيد «هذه سيرة ذاتية كتبتها أثناء رحلة لم تتجاوز الساعتين من بيونس أيرس إلى روما. لم أغير أي شيء مما كتبت خلال تلك الرحلة، أضفت فقط جملة أخيرة وغيرت العنوان من «وصية» إلى «كنت هناك في بغداد».

وكما تشبه تشيلي بغداد، كذلك هي بيونس آيرس، يقول رشيد إنه شعر فعلا أنه في بغداد حينما زارها «على الأخص في المشهد الأخير، الذي صورته في شارع يسير بمحاذاة النهر، شعرت وكأنني في شارع الحب في بغداد والذي نسميه شارع الأميرة. كان هذا الشارع هو المعبر من وسط المدينة إلى الباب الشرقي حيث دور السينما والمسارح والمراكز الفنية. كان كذلك شارع الحب الذي تتم فيه كل مواعيد الحب، وهو الشارع الذي ترى فيه الفتيات الجميلات، هو شارع الحياة والجمال».

وكما لا يفضل رشيد العودة إلى بغداد ويحبذ أن يبقى بعيداً عنها ليحافظ على الذكريات الجميلة التي يحملها لها، لم يشأ في أحد مشاهد فيلمه إفساد نزهة جميلة جمعت مجموعة من الصبية والفتيات، ظنه رشيد تجمعاً لإحياء ذكرى المفقودين أثناء الحكم العسكري في الفترة ما بين 1976 و1983. لم يشأ رشيد أن يسأل عن سر التجمع، وجد الاحتفاظ بما يعتقده أكثر متعة من أن يعرف الحقيقة. تماماً كما هي بغداد الحاضرة في ذاكرته على رغم طول الغياب.

ليس مهمّاً أن يعيش رشيد في المنفى أو أن تعيش بغداد فيه، المهم أنه لم يغادرها يوماً، وأنه سكنته، بل وازداد تورطه بها وانشغاله فيها مذ غادرها وليس أدل على ذلك من قصة أم إبراهيم التي يأبى رشيد أن تغادره أو يغادرها، والتي تعود إليه مع مشهد لمسيرة حاشدة نظمتها أمهات المفقودين أثناء الحكم العسكري في ساحة عامة في بيونس أيرس إثر زيارته لها. في وسط النسوة وجد جارته أم إبراهيم، هذه المرأة العجوز الضعيفة التي لاتزال إلى الآن لا تعلم بمقتل ابنها على يد نظام البعث في الثمانينات. لا تزال تتسلم رسائل منه وصوراً، يدبرها باقي أبنائها خوفاً على قلب والدتهم إن علمت بالحقيقة. وكما تسكن بغداد وجدان رشيد، كذلك ترفض أم إبراهيم أن تغادر ذاكرته. يبكي كلما روى قصتها وكلما استحضر صورة الأم التي تنتظر عودة ابنها منذ عقود، يقول: «لأكثر من أربعين عاماً أنا متأثر ومضروب بطعنة في قلبي بسبب أم إبراهيم. هذه إنسانة حقيقية وكل تفاصيل قصتها التي ذكرتها في الفيلم حقيقية، كل شيء حدث كما هو». ويضيف «لا أذكرها مرة إلا وأبكي، اليوم بكيت وقد أبكي الآن حين أتذكرها لأنها تذكرني بأمي. كما قلت كل شيء مكتوب وقع بالفعل وهذه جزئية بسيطة مما عاشه العراقيون.

العدد 3899 – السبت 11 مايو 2013م الموافق 01 رجب 1434هـ

فنجان

منصورة عبد الأمير

اطلعت أخيراً على مقالات عديدة، تناولت بشكل فج، طائفة الحشاشين، أو اكتفت بالإشارة إليها في تحليلها لما يحدث في العالم العربي. لم تهدف هذه المقالات حقّاً إلى مناقشة تاريخ الحشاشين، بل بدا الأمر كاصطياد في الماء العكر. جاءت بعض تلك المقالات متسقة مع حملات الإعلام العربي «الرسمي» المسعورة ضد موجات الربيع التي غزت العالم العربي، إذ إنطلق مد مضاد يهدف إلى مصادرة رغبات التغيير والتجديد التي تضمنها الربيع، عبر تشويه وتغييب وتزييف وعي الشعوب.

شكوكي المحيطة بالمقالات، دفعتني إلى البحث في أمر «الحشاشين». الطريف أنني حين فعلت ذلك وجدت أن السحر انقلب على الساحر، وأن كل من هدف إلى استخدام هذه الحقبة التاريخية لإثارة المزيد من النعرات الطائفية والمذهبية سيجد نفسه محاصراً بكثير من الأسئلة ومداناً بما يدين به الآخرين.

الرحالة الإيطالي ماركو بولو أشار إلى أن قادة الحشاشين كانوا يعيشون في قلاع وحصون منيعة تمتلئ بحدائق غناء وتعيش فيها فتيات حسان، وإن هؤلاء القادة كانوا يقومون بتخدير تابعيهم بالحشيش ومن ثم يأخذونهم لتلك الجنان. حين يستفيق التابعون يجدون أنفسهم وسط هذه الجنان، لكنهم سرعان ما يذهبون في غيبوبة أخرى بفعل ما تسقيهم الفتيات. يوهمهم قادتهم بعدها بأنهم كانوا في الجنة وأن بإمكانهم العودة إليها إن اتبعوا أوامراهم في اغتيال قادة مسلمين وصليبيين.

مهما يكن من أمر، وسواء أكانت روايات ماركو بولو صحيحة أم لا، فإن الحديث عن الحشاشين وعن سياستهم مع تابعيهم أمر مهم للغاية، ومحطة يجدر بنا كشعوب عربية التوقف عندها، على الأقل لأننا نعيش اليوم الحالة ذاتها من تزييف الوعي.

السلطات باختلاف أنواعها، تحاصر تيارات الوعي التي تدفع بالمجتمعات إلى الرغبة في تغيير واقعها، عبر تغييب هذا الوعي أو تزييفه وهي وسيلة من وسائل السيطرة وضبط حركة الوعي نجحت على مر العصور.

تستبدل السلطات وعي التغيير بآخر بديل أو زائف يتسق مع سياساتها وعقيدتها الحاكمة. تستجيب له القطاعات الأقل وعياً وتتبناه وربما تروج له بوعي أو من دون وعي.

هذا الانجرار وراء خطابات السلطات يجرد العقول من قدراتها التجديدية، ويجعل المجموعات البشرية تنغلق على نفسها ما يؤدي إلى بروز الهويات الفرعية بكل أنواعها وظهور بوادر رفض الآخر وبالتالي تفكيك المجتمعات وتزييف أو تغييب وعيها.

سياسة شيوخ الحشاشين تعود إذن، ومهما تم الخوض في تلك المياه العكرة إلى أسباب طائفية، إلا أن ما تفعله مختلف السلطات اليوم هو تماماً ما فعله الحشاشون بتابعيهم، إن صدق ماركو بولو.

العدد 3899 – السبت 11 مايو 2013م الموافق 01 رجب 1434هـ

مخرج فيلم «بيكاس» الكردي: نقلت واقع معاناة الأكراد ولم أسئ للعرب

الوسط – منصورة عبدالأمير 

لم يحصد الفيلم الكردي «بيكاس» الجوائز التي أمل معجبوه أن ينالها إثر مشاركته في عدد من المهرجانات السينمائية. على الأقل، لم يحدث ذلك في المهرجانات التي حضرتها وكان «بيكاس» حاضراً فيها وآخرها مهرجان الخليج السينمائي الذي نظم في شهر أبريل/ نيسان 2013 في دبي.

ربما لم يرقَ الفيلم لذائقة لجان تحكيم تلك المهرجانات، وأتحدث هنا عن مهرجاني دبي السينمائي الدولي ومهرجان الخليج السينمائي. المهرجان الأول الذي افتتح به الفيلم برنامج الأفلام العربية الذي يحتضنه المهرجان، منحه جائزة دبي إكسبو 2020 وهي جائزة الجمهور الذي اعتبر «بيكاس» أفضل فيلم من بين كل الأفلام التي شاهدها في فترة انعقاد المهرجان في ديسمبر/ كانون الأول 2012.

مهرجان الخليج كان أكثر كرماً مع الفيلم إذ اعتبره ثاني أفضل فيلم روائي طويل عرض في المهرجان، ومنح مخرجه ومؤلفه كرزان قادر جائزة لجنة التحكيم الخاصة لأفضل إخراج، كما منح شهادة تقدير للطفلين اللذين قاما بدور البطولة فيه، وهما زمند طه وسروار فاضل.

في المقابل، حاز الفيلم إعجاب مشاهديه في المهرجانين، ومن جهة أخرى تمكن من تحقيق سبق في بلده بتحقيقه إيرادات عالية وصلت إلى 200 مليون دينار عراقي في صالات العرض العراقية وتحديداً في مدينة أربيل وفي السليمانية حيث عرضه الأول.

هذا التواصل الجماهيري مع الفيلم ليس مستغرباً نظراً إلى صدقه في نقل واقع الأكراد ومعاناتهم خصوصاً أيام حكم النظام العراقي السابق.

اسم الفيلم قد يوحي لمن يعرف معنى الكلمة بقصته، فبيكاس هي كلمة كردية تطلق على الأشخاص الذين لا يحملون أي جذور عائلية، والذين تزايدت أعدادهم في فترة الحرب في العراق. والفيلم يحكي قصة الطفلين اليتيمين «دانا» و»زانا» اللذين فقدا والديهما ابان حكم النظام العراقي السابق، واللذين يعتاشان على مسح الأحذية نهاراً ويتخذان من سطوح المنازل سريراً لهما.

يواجه الصغيران الكثير من الصعوبات على مستوى يومي ولا يجدان من يمسح على رأسيهما سوى رجل عجوز سرعان ما يخطفه الموت ليفقدا بذلك كل معنى للحب في حياتهما.

يحلمان بتغيير ظروف حياتهما البائسة، فيجدان ذلك ممكناً على يد بطل خارق. بطلهما هو سوبرمان اللذان يشاهدانه في فيلم تعرضه دار سينما صغيرة في قرية، لا يملكان بالطبع أجرة دخول الفيلم فيتلصصان المشاهدة من ثقب في جدار السينما.

منقذهما من العناء والمعاناة هو سوبرمان إذن، لكن هذا البطل الذي يعيش في أميركا لا يمكن له أن يحضر لإنقاذهما إلا أن يسافرا لإحضاره بنفسيهما ليحل جميع مشاكلهما ويلقن كل من آذاهما درسا.

هو السفر إلى أميركا إذن، والوسيلة ليست سوى حمار أطلقا عليه اسم مايكل جاكسون قايضا ثمنه بقلادة تحمل صورة والدتهما الراحلة، لم تكن أول ما باعاه وتنازلا عنه من جذورهما.

لا يصل الصغيران إلى أميركا بكل تأكيد، لكنهما ينطلقان في رحلة تتخللها شتى أنواع الصعوبات والمغامرات. وبدلا من لقاء منقذهما الأميركي يتحول الطفلان إلى بطللين يصارعان واقعهما المأساوي وينتصران عليه.

مخرج الفيلم الكردي كرزان قادر كان تحدث خلال عرض فيلمه في مهرجاني دبي والخليج السينمائيين، موضحاً أن القصة التي كتبها بنفسه وأخرجها هي في واقع الأمر مبنية على واقع عاشه في طفولته. بنى القصة على ذكريات طفولته في كردستان العراق، لكنه أجرى بعض التغييرات الطفيفة. تحدث عن ضرورة أن يكون لكل طفل بطل خارق، كان كذلك في طفولته، نقل أحلامه وتصوراته تلك بكل أمانة في فيلمه، لكنه فقط استبدل رامبو بطله المخلص للأكراد والقادر على تحريرهم، بسوبرمان، الذي يقول إنه أكثر إقناعاً من رامبو في قدرته على تخليص البشر من معاناتهم، لعدم لجوئه إلى العنف كما يفعل رامبو.

سوبرمان وأميركا هما المرادفان للحياة السعيدة في نظر كرزان طفلاً، إذ يقول: «كان الجميع يتحدث عن أميركا فتصورتها في ذهني مكاناً مذهلاً… الناس فيه سعداء لا تطولهم أي حروب ولا يعانون من أي أمر». لكن كرزان الذي حلم طفلاً بالسفر إلى أميركا والعيش فيها وربما لقاء سوبرمان والعودة به إلى كردستان، لم يحقق هذا الأمر، تماماً كبطلي فيلمه. يقول «لم أذهب إلى أميركا لكنني وصلت السويد وأنا اليوم مخرج أفلام أفعل ما أحبه».

كلماته تحمل كثيراً من الأمل، وتأتي متسقة مع رسالة فيلمه التي تقول أيّاً تكن وأيّاً تكن ظروفك، كن جريئاً بما يكفي لكي تحلم. ثم صارع من أجل تحقيق أحلامك. قد لا تحقق تلك الأحلام لكنك حتماً ستحقق سواها، وستغير حياتك من دون شك. لم يكن أمراً منطقيّاً ولا معقولاً أن يصل الصغيران إلى اميركا على ظهر حمار. سوبرمان لم يكن واقعيّاً، وقدراته الخارقة ليست حقيقية، وكرزان يقول: «أردت أن أقدم قصة خيالية، لدي شقيقان يحلمان ويصارعان من أجل تحقيق حلمهما، يفشلان لكنهما يكتشفان أموراً أخرى».

ولأن كرزان أراد فيلماً يشجع على الحلم، فقد وضع له نهاية سعيدة متفائلة. الصغيران لم يصلا إلى أميركا لكنهما اكتشفا أهمية وجود أحدهما في حياة الآخر، عاشا لذة المغامرة، التقيا بأشخاص طيبين وآخرين على العكس. كل ذلك علمهما معنى الحياة، وكل ذلك أخذهما خارج القرية الصغيرة، لواقع ربما يكون أفضل. ترك كرزان نهاية فيلمه مفتوحة، لم يرجع الصغيرين إلى القرية وفي الواقع غير نهاية فيلمه ليجعله أكثر تفاؤلا وقدرة على حفز الأحلام، يقول: «كنت قد قررت أن أجعل أحد الصبيين يموت جراء انفجار لغم، لكن أحد أستاذتي اقترح نهاية أكثر تفاؤلا. فعلت ذلك فجاءت النتيجة مذهلة، لفيلمي أولاً، ولي ثانياً. لقد جعلني هذا الأمر أتغلب على كثير من الغضب بداخلي».

الغضب الذي عانى منه كرزان طويلاً لم تنجح سنوات الغربة والحياة في السويد في تخليصه منه، جاء لما عاناه في طفولته من بشائع الحرب وقسوتها. حين تحدث عن الفيلم وعن كونه مبنيّاً على ذكريات طفولته. اضاف ضاحكاً أنه كان أحد الطفلين اللذين ظهرا في الفيلم، وقال إنه الصغير الذي يتلقى الصفعات دوماً».

يقول: «رأيت الكثير من العنف خلال الحرب. عانيت فقد الكثير من الأقارب والأصدقاء. وأنا هنا أروي قصتي فقط وقصة هؤلاء، وأريد أن أكون صادقاً بقدر الإمكان. كتبت هذه القصة مما شاهدته في طفولتي. لا أريد أن أغضب أي طرف لكن هذا ما حدث تماماً».

لذلك يرفض كرزان أن يتهم هو أو فيلمه بالإساءة لأي طرف، يرفض حتى وصف فيلمه بالسياسي. البعض اتهمه بالعنصرية وبتقديم صورة سيئة عن العرب بسبب مشهد ظهر فيه أصغر الطفلين وهو يستجدي المساعدة لشقيقة الذي يقف فوق لغم أرضي، من سكان قرية عراقية ليواجه بقسوة من البعض ولا مبالاة من البعض الآخر. كرزان يكرر أنه ينقل ما شاهده إبان الحرب، ويضيف أن الأنانية والقسوة التي ووجه بهما الطفل هي أمور لم تحدث في كردستان أو العراق وحسب، لكنها تحدث في جميع أنحاء العالم. حين يحتاج الناس إلى بعضهم، لا يجدون من يقف بجانبهم». ولمزيد من المصداقية في نقل ذكرياته تلك، اختار كرزان طفلين كرديين لم يسبق لهما أن شاهدا كاميرا، لذلك امتلأ فيلمه بكثير من العفوية والصدق. يقول إنه وجد صعوبة بالغة في اختيارهما «لم أكن أبحث عن صبيين يمثلان جيداً أو يتذكران الحوارات لكنني كنت أبحث عن نفسي وعن شقيقي بين المتقدمين، كنت أبحث عن طفولتنا. أردت أن أجعل الفيلم قريباً من طفولتي بقدر الإمكان».

الطفلان اللذان أصبحا شهيرين للغاية الآن في منطقة السليمانية حيث يعيشان، لم يكونا الوحيدين من بين طاقم الفيلم ممن لم يشاهد كاميرا مسبقاً. كل من عملوا في الفيلم كانوا كذلك، ومعظم أهل المناطق التي صور فيها كرزان مشاهده كانوا كذلك. يقول: «بدأت من الصفر مع طاقم الفيلم، علمتهم كل شيء. ليس الممثلين وحسب لكن المدينة بكاملها غير معتادة على الأمر».

عملية التصوير استغرقت 38 يوماً، لكن كرزان يشير إلى أنه كان صور أجزاء من الفيلم في فترة سابقة ليتوقف العمل بعد اندلاع مظاهرات في المدينة حال تفجر موجة الربيع العربي في المنطقة. يقول: «كانت هناك مظاهرات في كل مكان وتم اطلاق الرصاص وكان الناس يموتون فالغينا كل شيء وعدنا إلى السويد. بعد ذلك خسرنا كل المشاهد التي صورناها ولم نتمكن من العودة إلى التصوير إلا بعد خمسة أشهر حين استقر الوضع».

العدد 3892 – السبت 04 مايو 2013م الموافق 23 جمادى الآخرة 1434هـ

فنجان …

منصورة عبد الأمير

الفيلم الكردي «بيكاس»، الذي عرض أخيراً في عدد من المهرجانات السينمائية في المنطقة، وثق جانباً من معاناة الأكراد إبان حكم النظام العراقي السابق، أثار غضب بعض المشاهدين العرب، وتحديداً بعض العراقيين والخليجيين، الذين وجدوا فيه إساءة بالغة للعرب.

لم يكن من علقوا على الفيلم واضحين بشأن هذه الإساءة تماماً، لم يذكروا إن كانت الإساءة تتعلق بجهر الضحايا بما عانوه جرّاء جرائم نظام صدام حسين من فقد للأحبة، وفقر مدقع، وقسوة شرطة الحدود، وانتشار الألغام في كل مكان، وتزايد عدد الأيتام والمشردين، عدا عن المذابح التي ارتكبت بحقهم.

مخرج الفيلم كرزان قادر، كان طفلاً يعيش في كردستان العراق، حالفه الحظ لأن يتركها إلى السويد ليأتي اليوم الذي يقدم فيه شهادته المصورة على جرائم النظام العراقي السابق.

وإن لم تكن شهادة كرزان هي ما جرحت المنتقدين، فقد يكون ذلك المشهد، الذي صوَّر فيه كرزان بطل فيلمه الصبي الصغير، الذي لا يتجاوز السابعة من عمره، وهو يستجدي سكان قرية عراقية من العرب لإنقاذ شقيقه الذي يقف فوق لغم.

لا يهم إن كانت القرية عربية أم كردية، المهم أنها قرية عراقية قاست أهوال الحرب فماتت الرحمة في نفوس أهلها، الذين قابلوا استغاثات الطفل بغلظة ووحشية.

لا يهم أيضاً أن رضي البعض عن جهر الضحايا ذاك، المهم أن عملية التوثيق أًصبحت اليوم أسهل وأبلغ أثراً من أي وقت مضى.

العدد 3892 – السبت 04 مايو 2013م الموافق 23 جمادى الآخرة 1434هـ